طريقة مبتكرة لإنتاج «وقود البلاستيك»

طريقة مبتكرة لإنتاج «وقود البلاستيك»
TT

طريقة مبتكرة لإنتاج «وقود البلاستيك»

طريقة مبتكرة لإنتاج «وقود البلاستيك»

قدم فريق بحثي من جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، طريقة جديدة لتطوير الانحلال الحراري، المستخدم في إعادة تدوير البلاستيك المختلط، والذي لا تجدي معه إلا هذه الطريقة، وتم الإعلان عنها في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي في دورية «كيمياء التفاعل والهندسة».
ويعد تحويل النفايات البلاستيكية إلى منتجات مفيدة من خلال إعادة التدوير الكيميائي، إحدى الاستراتيجيات لمعالجة مشكلة التلوث البلاستيكي المتزايدة على الأرض، لكن توجد للبلاستيك المختلط الذي يصعب تدويره، طريقة واحدة لتدويره وإنتاج الوقود منه، كمنتج ثانوي، وهي الانحلال الحراري.
ويتضمن الانحلال الحراري تسخين البلاستيك في بيئة خالية من الأكسجين، مما يتسبب في تحلل المواد وإنشاء وقود سائل أو غازي جديد في هذه العملية. والتطبيقات التجارية الحالية لهذه الطريقة، إما تعمل دون المستوى المطلوب أو يمكنها فقط التعامل مع نوع معين من البلاستيك.
تقول هيليل إزجي تورامان، الأستاذ المساعد في هندسة الطاقة والهندسة الكيميائية في جامعة ولاية بنسلفانيا في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للجامعة، بالتزامن مع الدراسة: «لدينا فهم محدود للغاية للانحلال الحراري للبلاستيك المختلط. ويعد فهم تأثيرات التفاعل بين البوليمرات المختلفة أثناء إعادة التدوير المتقدمة أمرا مهما للغاية بينما نحاول تطوير تقنيات يمكنها إعادة تدوير نفايات البلاستيك الحقيقية».
وأجرى العلماء تحليلا حراريا مشتركا لاثنين من أكثر أنواع البلاستيك شيوعا، وهما البولي إيثيلين منخفض الكثافة (LDPE) والبولي إيثيلين تيريفثاليت (PET)، جنبا إلى جنب مع محفزات مختلفة لدراسة تأثيرات التفاعل بين البلاستيك. ووجدوا محفزا واحدا قد يكون مرشحا جيدا لتحويل النفايات المختلطة من «البولي إيثيلين منخفض الكثافة» و«البولي إيثيلين تيريفثاليت»، إلى وقود سائل ذي قيمة.
والمحفزات هي مواد تضاف إلى الانحلال الحراري والتي يمكن أن تساعد في العملية، مثل حث البلاستيك على التحلل بشكل انتقائي وفي درجات حرارة منخفضة، واختبر الباحثون ثلاثة محفزت من الزيوليت (HZSM - 5، H - beta، HY)، وكان الأول أفضلها.
تقول تورامان «يمكن أن يسمح لنا هذا النوع من العمل بتقديم إرشادات أو اقتراحات للصناعة، فمن المهم اكتشاف نوع التآزر الموجود بين هذه المواد أثناء إعادة التدوير المتقدمة وأنواع التطبيقات التي قد تكون مناسبة لها قبل التوسع».
ويستخدم بلاستيك «البولي إيثيلين منخفض الكثافة» و«البولي إيثيلين تيريفثاليت» بشكل شائع في تغليف المواد الغذائية، ويتكون غالبا من طبقات من مواد بلاستيكية مختلفة مصممة للحفاظ على المنتجات طازجة وآمنة، ولكن يصعب أيضاً إعادة تدويرها باستخدام العمليات التقليدية لأنه يجب فصل الطبقات، وهي عملية مكلفة.
تقول تورامان «إذا كنت ترغب في إعادة تدويرها، فأنت بحاجة إلى فصل تلك الطبقات بشكل أساسي، لكن الانحلال الحراري رغم أنه الوسيلة الوحيدة للتعامل، توجد به بعض السلبيات، والخطوة الأولى لتطوير عمليات انحلال حراري تجارية جديدة تعتمد على فهم ميكانيكي أفضل لكيفية تحلل مخاليط النفايات البلاستيكية الديناميكية وتفاعلها».
وأجرى العلماء الانحلال الحراري على «البولي إيثيلين منخفض الكثافة» و«البولي إيثيلين تيرفثالات» بشكل منفصل ومع بعضهما، ولاحظوا تأثيرات التفاعل بين البوليمرين أثناء الاختبارات مع كل من المحفزات الثلاثة التي استخدموها، تقول تورامان «رأينا منتجات يمكن أن تكون مرشحة جيدة جدا للاستخدام في إنتاج البنزين». وتأمل تورامان، وفريقها البحثي، أن يؤدي هذا العمل إلى مسؤولية بيئية أفضل في استعادة موارد الأرض ومعالجتها واستخدامها.
ووجد تحليل عالمي لجميع المواد البلاستيكية المنتجة بكميات كبيرة أنه من المقدر إنتاج 8.3 مليار طن متري من البلاستيك الجديد في جميع أنحاء العالم حتى الآن، واعتباراً من عام 2015، تركت نسبة 79 في المائة من النفايات البلاستيكية، التي تحتوي على العديد من المواد الكيميائية الخطرة، لتتراكم في مدافن القمامة أو البيئات الطبيعية حيث تم حرق ما يقرب من 12 في المائة وإعادة تدوير 9 في المائة فقط.
تقول تورامان «نحتاج إلى تضمين هذه المواد البلاستيكية في الاقتصاد مرة أخرى، للحصول على اقتصاد دائري، وإلا فسوف ينتهي بها الأمر في مدافن النفايات، أو ترشيح المواد السامة في التربة والمياه أو تلوث المحيطات، لذا فإن القيام بشيء ما، وإيجاد قيمة، هو أفضل من لا شيء، حيث تعتبر المواد البلاستيكية حاليا نفايات».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»
TT

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

تراجع مهارات التفكير النقدي في النظم الذكية سيعزز البحث عن «عقول إبداعية»

إليكم ما يتوقعه بعض الخبراء في جوانب التطويرات في الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

لم يظهر الذكاء الاصطناعي لأول مرة في عام 2025، ولكنه كان العام الذي بدأ فيه بالانتشار على نطاق واسع. في بداية العام، كان لدى «تشات جي بي تي» ما بين 300 و400 مليون مستخدم أسبوعياً. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تضاعف هذا العدد. وفي الوقت نفسه، شهد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، بما في ذلك «بيربليكسيتي»، و«جيمناي» من «غوغل» قفزات مماثلة.

والآن، وفي عام 2026، يتساءل الناس عما يخبئه المستقبل. وقد تحدثت مجلة «فاست كومباني» مع عدد من المحللين وخبراء الصناعة لمعرفة توقعاتهم لما يمكن توقعه مع استمرار انتشار تأثير الذكاء الاصطناعي في عام 2026.

«الفقاعة لن تنفجر»

بينما يواصل المتشائمون في «وول ستريت» الحديث بصوت عالٍ عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، يقول دان آيفز من شركة «ويدبوش» Wedbush (شركة خدمات مالية - المحرر) إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن سوق الذكاء الاصطناعي ستنمو بالفعل في عام 2026. ويضيف أن ثورة الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين لم تبدأ فعلياً بعد، وأن الصعود المتوقع للروبوتات في السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الفرص الواعدة لاستخدامها في الشركات وتوسعها العالمي، سيدفع سوق التكنولوجيا نحو مزيد من النمو.

وكتب آيفز: «ثورة الذكاء الاصطناعي هذه بدأت للتو، ونعتقد أنه ينبغي شراء أسهم شركات التكنولوجيا والشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، نظراً لرؤيتنا بأن هذا هو العام الثالث من دورة تمتد لعشر سنوات من تطور هذه الثورة». وأضاف: «نتوقع أن ترتفع أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 20 في المائة أخرى في عام 2026 مع وصول المرحلة التالية من ثورة الذكاء الاصطناعي إلى ذروتها».

قفزة في «التفكير الكسول»

ليست كل التوقعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026 متفائلة إلى هذا الحد. فقد حذرت شركة «غارتنر» لأبحاث السوق، من ازدياد اعتماد الناس على روبوتات الدردشة وقبولهم التلقائي لكل ما تُنتجه هذه الأجهزة. وتتوقع الشركة التحليلية أنه بحلول عام 2026، سيحدث «تراجع في مهارات التفكير النقدي نتيجة استخدام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي». وتقول إن ذلك سيدفع نصف المؤسسات العالمية إلى اشتراط وضع تقييمات لمهارات «خالية من الذكاء الاصطناعي».

وتكتب «غارتنر»: «مع تسارع وتيرة الأتمتة، ستصبح القدرة على التفكير باستقلالية وإبداع نادرة بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه ذات قيمة كبيرة».

الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي سينتشر في محركات البحث

تُعدّ روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي الوسيلة التي يتفاعل بها كثير من الناس مع الذكاء الاصطناعي. فهي لا تتطلب أي معرفة تقنية (مع أن معرفة كيفية صياغة الرسائل تجعلها أكثر كفاءة)، وهي مجانية.

أما بالنسبة لأدوات مثل«تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» ، فعادةً ما يتطلب الوصول إليها زيارة موقع ويب مستقل. مع ذلك، تتوقع شركة «ديلويت» أنه في عام 2026 وما بعده، سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي المدمج في التطبيقات الحالية، مثل محركات البحث، بشكل ملحوظ. وتوضح الشركة الاستشارية: «في الاستخدام اليومي سيكون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل محرك البحث (عندما ينتج عن البحث توليفة من النتائج) أكثر شيوعاً بنسبة 300 في المائة من استخدام أي أداة مستقلة للذكاء الاصطناعي التوليدي».

صعود الروبوتات

على الرغم من أن الروبوتات الشبيهة بالبشر في عام 2026 قد لا تصل إلى المستويات التي يتوقعها إيلون ماسك، فمن المرجح أن نشهد زيادة كبيرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لشركة «ديلويت». ومن المتوقع أن يصل عدد الروبوتات الصناعية إلى 5.5 مليون روبوت.

هذه بداية موجة جديدة، قد تشهد زيادة في الشحنات السنوية حتى تصل إلى مليون روبوت سنوياً بحلول عام 2030. وتعزو الشركة هذه الزيادة إلى نقص العمالة و«التطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية».

«تسونامي» من الدعاوى القانونية

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل عدداً من الدعاوى القضائية، أبرزها قضايا يدّعي فيها المدّعون أن الذكاء الاصطناعي دفع أشخاصاً إلى الانتحار. وقد سلّط ذلك الضوء على غياب الضوابط التي تحكم هذا القطاع. لكن حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الاميركية اهتماماً يُذكر بوضع معايير صارمة لشركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن بعض الولايات تحاول القيام بذلك.

تتوقع شركة «غارتنر» أنه بحلول نهاية عام 2026، سيتجاوز عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بـ«الوفاة بسبب الذكاء الاصطناعي» 2000 دعوى. وتضيف الشركة أن الجانب الإيجابي لهذه المأساة هو أنها قد تدفع الجهات التنظيمية أخيراً إلى التركيز على قضايا السلامة.

وتكتب «غارتنر»: «يمكن أن تفشل أنظمة الصندوق الأسود - نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتسم عمليات اتخاذ القرار فيها بالغموض أو صعوبة التفسير - لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل والسلامة العامة. وستصبح قابلية التفسير والتصميم الأخلاقي والبيانات النظيفة أموراً لا تقبل المساومة».

*مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»


هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
TT

هل يعود شبح «السلاح الجيني» مع تطور الذكاء الاصطناعي؟

الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم
الخوف من تدمير الإنسان... بالعلم

في مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف بالغ الحساسية، محذّرة من احتمال أن تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في خفض «العتبة المعرفية اللازمة» لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وذهبت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن «عوامل مُمرِضة» قد تُصمَّم نظرياً لاستهداف خصائص بشرية، مثل العِرق، أو الجنس.

حين تعود الأسئلة القديمة بلغة جديدة

هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة مخاوف أُثيرت قبل سنوات في الأوساط الطبية الغربية، من بينها تحذيرات عبّرت عنها الجمعية الطبية البريطانية (British Medical Association) في تقارير، ونقاشات أخلاقية تعود إلى مطلع الألفية، حين حذّرت من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية، والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض تمييزية، أو عدائية. وقد أكدت الجمعية في حينه أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي، والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة، ومنع أي انحراف قد يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء، أو أذى جماعي، لكن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل يمكن تخيّل ذلك؟ بل: هل تسمح العلوم الحديثة فعلاً بحدوثه؟

الخوف من البيولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي

جذور الخوف: فكرة «السلاح الجيني»

انبثقت فكرة «السلاح الجيني» من تصوّرٍ مبسّط يرى أن البشر يمكن تقسيمهم وراثياً إلى أعراق متمايزة بحدود واضحة. غير أن هذا التصور اصطدم، مع تقدّم علم الوراثة، بحقائق علمية صارمة. إذ أثبتت الدراسات الجينومية واسعة النطاق أن البشر يتشاركون أكثر من 99.9 في المائة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة الواحدة غالباً ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة.

وبعبارة علمية دقيقة: العرق مفهوم اجتماعي–ثقافي أكثر من كونه تصنيفاً وراثياً صالحاً للاستهداف البيولوجي.

الذكاء الاصطناعي: لتسريع للعلم لا كسر قوانينه

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحوّلاً عميقاً في الطب الحيوي، من خلال تسريع تحليل الجينوم، وتحسين اكتشاف الأدوية، ودعم ما يُعرف بالطب الدقيق، والعلاج الموجّه.

غير أن هذا التقدّم، كما تؤكد أحدث المراجعات العلمية، لا يمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا. ففي مراجعات منهجية نُشرت بين عامي 2024 و2025 في مجلات مرجعية، مثل «مراجعات نيتشر في علم الوراثة» (Nature Reviews Genetics) و«لانسيت للصحة الرقمية» (The Lancet Digital Health)، خلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة:

لا توجد حالياً، ولا في المستقبل القريب المنظور، قدرة علمية واقعية على تصميم عامل بيولوجي يستهدف عِرقاً بشرياً محدداً بدقة يمكن ضبطها.

لماذا يفشل «السلاح الجيني» علمياً؟

تُجمع الأبحاث الحديثة على ثلاث حقائق رئيسة تقف عائقاً أمام هذا السيناريو:

* أولاً: التداخل الجيني الشديد بين البشر، وغياب أي «بصمة وراثية نقية» لأي مجموعة.

* ثانياً: تعقيد الشبكات البيولوجية، حيث تعمل الجينات ضمن منظومات تتأثر بالمناعة، والبيئة، ونمط الحياة.

* ثالثاً: الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط.

لهذا وصفت مراجعة علمية حديثة فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة بأنها (امتداد لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد).

القلق الحقيقي: المعرفة لا السلاح

التحذيرات المعاصرة –ومنها ما ورد في تقرير لصحيفة «آي»– لا تتعلق باختراع «سلاح خارق»، بل بإمكانية سوء استخدام المعرفة، أو تسهيل بعض المراحل الثانوية، مثل البحث، أو التخطيط. وحتى منظمة الصحة العالمية أكدت في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025 أن الخطر الأكبر على البشرية لا يزال يتمثل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي، والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول، سواء في مواجهة تهديدات طبيعية، أو متعمّدة.

بين الخوف والحكمة

في هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل (Winston Churchill) بالغة الدلالة: «الخوفُ ردّ فعل، أمّا الشجاعة فقرار». فالخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويل هذا الخوف إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. أما القرار الحكيم، فيكمن في الحوكمة، لا في الهلع.

الجين والذكاء... طبّ ينقذ الحياة

من الذعر إلى الحوكمة

ان العلم الحديث لا يدعو إلى الطمأنينة الساذجة، ولا إلى تضخيم المخاطر، بل إلى مقاربة متوازنة تقوم على:

-حوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.

-تشريعات علمية دقيقة.

-تعاون دولي عابر للحدود.

-أنظمة صحية قادرة على الاحتواء والاستجابة.

وكما جاء في أحد تقارير الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم (National Academies of Sciences)، فإن «أفضل حماية من أي تهديد بيولوجي ليست في عسكرة العلم، بل في تقوية الصحة العامة».

الخلاصة: العلم لا يُرعب... سوء استخدامه يفعل

يعيد الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا.

أما «السلاح الجيني» الذي يستهدف الأعراق، فيبقى –وفق المعطيات العلمية الحديثة– فرضية إعلامية مثيرة، ولا يمثل خطراً علمياً وشيكاً. والتحدي الحقيقي ليس في الخوارزميات، بل في كيفية إدارتها أخلاقياً.

وحين يُدار العلم بالمسؤولية، يظل –كما كان دائماً– أداةً لحماية الإنسان... لا لإفنائه.


اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم
TT

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

اكتشاف جينين يساهمان في كبح انتشار سرطان القولون والمستقيم

في ظل استمرار المعركة العالمية ضد سرطان القولون والمستقيم، ثاني أكثر أسباب الوفاة المرتبطة بالسرطان حول العالم، كشفت بحوث حديثة عن مسارات جزيئية جديدة قد تُحدث نقلة نوعية في فهم تطور المرض وسبل إيقاف انتشاره. وعلى الرغم من أن فرص الشفاء تكون مرتفعة عند تشخيص المرض في مراحله المبكرة، فإنها تنخفض بشكل حاد عند حدوث «النقائل»؛ حيث تقل نسبة البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات إلى أقل من 10 في المائة.

دراستان علميتان

ويشير مصطلح «النقائل» (metastases) إلى انتشار الخلايا السرطانية من الموقع الأصلي (الأولي) إلى أجزاء بعيدة من الجسم، ما يؤدي إلى الإصابة بالسرطان النقيلي الذي غالباً ما يصنَّف على أنه سرطان المرحلة الرابعة.

وتسلط دراستان علميتان حديثتان من الولايات المتحدة الأميركية الضوء على آليات مختلفة؛ لكنها متكاملة، لاستهداف تطور السرطان من خلال تحديد بروتينات وجينات تلعب دوراً محورياً في تقوية الورم في مراحله الأولى، أو في تمكينه من الانتشار إلى أعضاء أخرى.

منع الورم من اكتساب القوة مبكراً

يركز فريق بحثي بقيادة الدكتورة نان غاو، من قسم علم الأدوية وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأعصاب، بكلية «روتجرز هيلث- نيوجيرسي» الطبية، في دراسة نُشرت نتائجها في مجلة «American Cancer Society» في 4 ديسمبر (كانون الأول) 2025، على بروتين يُعرف باسم «Cdc42-v2» يعمل كـ«مفتاح جزيئي» يتحكم في نمو الخلايا. وفي الظروف الطبيعية يوجد هذا البروتين بشكل رئيسي في الدماغ؛ لكن الباحثين وجدوا أنه يظهر بشكل غير طبيعي في خلايا سرطان القولون داخل الأمعاء.

وعندما يتم «تشغيل» هذا البروتين عن طريق الخطأ، فإنه يساعد الخلايا السرطانية على النمو واكتساب طفرات متعددة تجعل الورم أكثر عدوانية. وأظهرت التجارب على الفئران أن الخلايا الجذعية السرطانية في الأمعاء تعتمد على البروتين للبقاء والتكاثر. وعندما قام الباحثون بتعطيل هذا البروتين أو إزالته، توقف نمو الورم بالكامل.

وتشير هذه النتائج إلى إمكانية تطوير علاجات تستهدف بروتين «Cdc42-v2» مباشرة، ما قد يسمح بإيقاف سرطان القولون في مراحله المبكرة، قبل أن يصبح أكثر خطورة أو يبدأ في الانتشار.

جينات تمنع الانتشار

وفي دراسة أخرى نُشرت في مجلة «Proceedings of the National Academy of Sciences» في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، استخدم باحثون بقيادة كريستوفر لينغنر، وأندريس بلانكو، من قسم العلوم الطبية الحيوية في كلية الطب البيطري بجامعة بنسلفانيا، تقنيات متقدمة لتحرير الجينات باستخدام نظام «كريسبر» إلى جانب نماذج مخبرية تحاكي أورام القولون البشرية. وكان هدف الفريق تحديد الجينات التي تمنع السرطان من الانتشار، من خلال تعطيل جينات معينة، ومراقبة ما إذا كان ذلك يؤدي إلى حدوث نقائل.

وأسفرت هذه الدراسة المنهجية عن تحديد جينين رئيسيين يعملان كحاجز أمام الانتشار السرطاني، هما «Ctnna1» و«Bcl2l13».

ويلعب الجين «Ctnna1» المعروف باسم «ألفا-كاتينين» دوراً في الحفاظ على تماسك الخلايا معاً، ما يمنعها من الانفصال والهجرة إلى الأنسجة المجاورة. وعندما يتعطل هذا الجين تصبح الخلايا أكثر قدرة على الحركة والغزو، وهي خطوة أساسية في عملية النقائل.

أما الجين «Bcl2l13» فيعمل بطريقة مختلفة؛ إذ يحفِّز نوعاً خاصاً من موت الخلايا، يحدث عندما تنفصل الخلايا الظهارية عن طبقتها الطبيعية. وهذا يمنع الخلايا التي غادرت الورم الأصلي من البقاء في أماكن غير مناسبة. وتشير النتائج إلى أن الخلايا السرطانية المنتشرة قد تقوم بتثبيط هذا الجين، لتفادي الموت، واستمرار النمو في أعضاء أخرى.

آفاق علاجية واعدة

وقد اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على إنشاء أورام قولونية مصغَّرة في المختبر، ثم اختبار قدرتها على الانتشار داخل نماذج حية، ما أتاح مقارنة دقيقة مع سلوك سرطان القولون لدى البشر. وأكدت النتائج أن الفحص الجيني واسع النطاق يمكن أن يكشف عن منظِّمين أساسيين لعملية الانتشار السرطاني.

ويرى العلماء أن الخطوة التالية تتمثل في تحديد الجينات التي تعزز النقائل بشكل مباشر؛ إذ تمثل هذه الجينات أهدافاً مثالية لتطوير علاجات جديدة أكثر دقة وفعالية.

وتؤكد هذه الاكتشافات مجتمعة أن فهم المسارات الجزيئية الدقيقة للسرطان لا يفتح الباب أمام علاجات أفضل فقط؛ بل قد يغير مستقبل التعامل مع المرض، من علاج متأخر للنقائل إلى تدخل مبكر يمنع السرطان من التقدم منذ بدايته.