الجيش الروسي في الميزان العسكري

قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)
قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الروسي في الميزان العسكري

قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)
قوات عسكرية روسية (أرشيفية - رويترز)

إذا كانت الحرب تُخاض لأهداف سياسيّة، فمن الضروري عند النصر أن يُترجم هذا النصر إلى مكاسب سياسيّة. والترجمة تستلزم شرعنة النصر. وشرعنة النصر تتطلّب موافقة الخاسر، إن كان عبر رفع العلَم الأبيض، أو التوقيع على الهزيمة، كما حصل مع الإمبراطور الياباني بعد استعمال النووي من قِبل أميركا ضد ناجازاكي وهيروشيما.
وإذا بدأنا من المستوى الأعلى للصراع العالمي بين الجبابرة؛ أي المستوى الجيوسياسيّ، فمن الضروري لأي بلدٍ ما أن يحدّد مسلّماته الجيوسياسيّة. تحدد هذه المسلّمات الأهداف العليا للدولة، وهي التي ترسم استراتيجيات الأمن القوميّ. لا يمكن التغاضي عن هذه المسلّمات، وإلا سيكون الكيان في خطر وجوديّ.
تنبع هذه المسلّمات من الجغرافيا، والطوبوغرافيا، والتاريخ، وتراكمات التجارب التاريخيّة للأمة، إن كان في السلم أو الحرب.
وهنا يجب التمييز بين أوزان القوى العظمى، والقوى الكبرى، والقوى الإقليميّة الكبرى، ليختتم التصنيف بالدول العادية، التي عادة تكون مسارح للصراع.
لذلك يستلزم لمن لديه وعي جيوسياسيّ من القادة، وعلى كل المستويات والأوزان، أن يحدد المسلّمات الجيوسياسيّة لبلده. فمسلّمات دولة صغيرة، تختلف عن مسلّمات دولة عظمى أو كبرى. ولهذه الأسباب، تختلف المقاربات الاستراتيجيّة بين الدول، وذلك بسبب التفاوت الكبير في الإمكانات. من هنا، قول المفكّر العسكريّ الألماني كارل هاوسهوفر: «يجب على القادة السياسيّين أن يكونوا ملمّين بالجيوسياسة، حتى ولو اضطر الأمر إلى تدريسهم الفكر الجيوسياسيّ».
- بعض المسلّمات الروسيّة
بسبب المساحة الكبرى لروسيا، وبسبب عدم توفّر حواجز طبيعيّة تحمي مركز ثقل موسكو، لا بد لروسيا من أن يتوفّر لها الأمور التالية:
> مناطق عازلة، عادة تكون في الشرق الأوروبي. تبدأ هذه المناطق من دول البلطيق شمالاً، وحتى بلغاريا جنوباً، وذلك مروراً بأوكرانيا التي تعتبر، حسب الجيوسياسي الأميركي زبيغنيو بريجينسكي، أنها تعكس مقياس القوة الروسيّة في أوروبا والعالم. فمن دون أوكرانيا، روسيا دولة عاديّة، والكلام لبريجينسكي. فمن الغرب أتى الغزو السويدي، والغزو النابوليوني، وبالطبع هتلر. والآن، حسب العقل الروسي، يعتبر «الناتو» التهديد الجديد الآتي من الغرب.
> لا يمكن لروسيا التخلّي عن القوقاز، فهو العازل الجغرافي الأهم مع جنوب روسيا، كما لا يمكن التخلّي عن جبال الأورال التي تشكّل الحدّ الفاصل بين روسيا الأوروبيّة، وروسيا الآسيويّة.
> ولأن روسيا تغطّي 11 منطقة زمنيّة في العالم، ولأن الكثافة السكانيّة موجودة في الغرب الروسيّ؛ فلا بد من حكومة مركزيّة قويّة جداً، حتى درجة الديكتاتوريّة، مع أجهزة استخباراتيّة تسرح وتمرح كما تشاء، وكل ذلك تحت اسم حماية الأمن القوميّ، كما حماية «الوطن الأمّ». وكما يُقال، لا مكان للضعفاء في الكرملين، حتى إن كلمة (الكرملين) هي من أصل تتري، تعني القلعة المحصّنة.
- الترجمة الجيوسياسيّة للمسلّمات
يريد بوتين استرداد أمجاد الاتحاد السوفياتي. هكذا أعلن في خطاب له في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، لكنه نسي أن العالم قد تغيّر، وأن الاتحاد السوفياتي لم يُختبر عسكرياً ضد قوى توازيه قدرة. نسي الرئيس بوتين أن كلّ التجارب مع القوى الصغرى، إن كان أيام الاتحاد السوفياتيّ في أفغانستان، أو بعد الانهيار في كل من الشيشان، وجورجيا، وأوكرانيا، وسوريا... هي تجارب لم تكن مشجّعة، أو بالأحرى، تجارب لا يمكن بواسطتها قياس النجاح والقدرات، ومن ثم إسقاطه بطريقة خطيّة على احتمال صراع مستقبليّ ممكن مع قوّة كبرى نوويّة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قاتل الاتحاد السوفياتي في أفغانستان حرباً بالواسطة ضد الولايات المتحدة الأميركيّة. وذلك دون نسيان دور التحالف القائم حول هذه الحرب. يخوض بوتين اليوم حرباً بالواسطة، لكن في المسرح الأقرب إلى روسيا؛ في أوكرانيا. هذه الحرب فريدة من نوعها؛ لأنها حرب عالميّة، لكن بالواسطة، تديرها وتسيطر عليها قواعد غير معلنة، لكنْ متّفق عليها ضمنياً بين القوى العظمى. والهدف دائماً كبح التصعيد، وعدم الذهاب إلى ما هو ليس بالحسبان.
في حرب بوتين على الشيشان، تمثّل الهدف في طمر القضيّة الشيشانيّة تحت الأنقاض بعد التدمير الكامل والشامل.
في جورجيا، 2008، ظهرت هشاشة الجيش الروسي في كلّ الأبعاد، خاصة في القيادة والسيطرة، والاتصالات، وغيرها، لكن الحرب كانت محدودة، وضد عدو ضعيف جداً.
في سوريا، لم يقاتل الجيش الروسي على أرض المعركة تكتيكياً، لا بل أمّن الدعم الناري، والاستخباراتيّ، وغير ذلك من المستلزمات الميدانيّة، لقوى تألّفت من الداخل السوري؛ من الميليشيات الإيرانيّة، ومن مقاتلي «حزب الله» اللبنانيّ.
- هشاشة القوات
تعتبر أوكرانيا من أهم المسلّمات الجيوسياسيّة الروسية. فيها تتقاطع صراعات عالم اليوم. هي المؤشر لشكل وتركيبة النظام العالميّ المُتخيّل. ما يحدث فيها، سيكون له تأثيرات طويلة الأمد على روسيا، وعلى الغرب، والعالم بشكل عام. عزلت هذه الحرب روسيا عن الغرب، فهل هي اليوم أوراسيّة أم آسيويّة فقط؟ وإذا كان سبب الحرب، كما يقول الرئيس بوتين، هو تغيير النظام العالمي من أحادي إلى متعدّد، فهل عالم اليوم هو فعلاً أحادي، أو متعدّد؟ وأين موقع الصين من كل هذا؟ وإذا تغيّر العالم، كما يطمح له بوتين، فمَن سيضمن له أن روسيا ستكون قوّة عظمى في النادي الدولي؟ وهل لدى روسيا (دون النوويّ) القدرة الاقتصاديّة على لعب دور القوة العظمى، في الوقت الذي لا يتجاوز معدّل دخلها القومي، الدخل القومي لمدينة نيويورك؟
أظهرت الحرب الأوكرانيّة هشاشة الجيش الروسيّ في كلّ الأبعاد. ففي هذه الحرب، لم تتناسب الأهداف الموضوعة مع الوسائل المتوفّرة. في هذه الحرب، خرق الجيش الروسيّ كل مبادئ الحرب التسعة، وهي: «الهدف، والعمل الهجومي، والكتلة، والاقتصاد في القوى، والمناورة، ووحدة القيادة، والأمن، والمفاجأة، والبساطة». المقصود بالهدف، هو إمكانيّة التنفيذ. كانت أهداف بوتين كبيرة جداً ومعقّدة. في العمل الهجوميّ، افتقد الجيش الروسي التحضير قبل الهجوم الكبير، حتى إن أغلب القيادات العسكريّة لم تكن تعرف متى ساعة الصفر. وزجّ الرئيس بوتين عظيم جيشه من النخبة، ولم يترك قوى احتياط للأمور الطارئة. فعادة في الحروب، يتم التخطيط للسيناريو الأسوأ، مع الأمل في أن يحصل السيناريو الممتاز.
في بداية الهجوم على أوكرانيا، تعدّدت محاور الهجوم، مع غياب وحدة القيادة. فحتى بعد أكثر من 250 يوماً على اندلاع الحرب، لا يزال الكرملين يغيّر في القيادات العسكرية، القائد تلو الآخر، كان آخرهم تعيين الجنرال سيرغي سيروفيكين.
في الحرب الأوكرانيّة، تبيّنت هشاشة القيادة العسكريّة الروسية، وعدم قدرتها على قيادة حرب بأسلحة مختلطة. أما مبدأ المناورة، فهنا الغريب والعجيب. ففي بداية الحرب، اعتمد الجيش الروسي على المناورة والسرعة. ولأنه لم يكن جاهزاً لهذا النوع من القتال، وبسبب عدم الخبرة في قيادة حرب بأسلحة متعددة كما قلنا أعلاه؛ استطاع الجيش الأوكراني، وبأبخس الأثمان، ضرب وتوقيف كلّ الهجوم.
بعد الفشل في المرحلة الأولى، انتقل الجيش الروسي إلى القتال الثابت، لكن كيف؟ عاد الجيش الروسي إلى التقليد القديم؛ أي الاعتماد على المدفعيّة. ألم يقل جوزف ستالين إن المدفعيّة هي آلهة المعركة؟ كانت المدفعية من الثبات العامل الأهم لتحقيق بعض الإنجازات في إقليم الدونباس، لكن بمجرّد أن أعطت أميركا الجيش الأوكراني راجمات «الهايمرس»، تبدل الوضع؛ فتجمّد الجيش الروسي في مواقعه، وانتقل مبدأ المناورة والحركية إلى الجيش الأوكراني الذي استطاع استرداد إقليم خاركيف.
لم يستطع الجيش الروسي ابتكار طريقة تكتيكيّة، تعوّضه النقص التقني. وقد يعود السبب إلى جمود هرمية القيادة العسكرية الروسية، يُضاف إليه، كما يُقال، تدخّل الرئيس بوتين في المعارك، حتى المستوى التكتيكي.
وبسبب الفشل في ابتكار مبدأ تكتيكي جديد للتعويض، لجأ الجيش الروسي إلى الحلّ الأسهل، ألا وهو التدمير لكل البنى التحتية المدنيّة، من طاقة ومياه. وللتنفيذ، استورد الجيش الروسي المسيّرات من إيران، وقذائف المدفعيّة من كوريا الشماليّة. فهل يمكن القول إن التصنيع العسكري الروسي كان مهيّأ للحرب؟ هذا إذا سميناها حرباً؛ لأنها لا تزال بالنسبة للرئيس بوتين عملية عسكرية خاصة. والفوارق كبيرة، وكبيرة جداً، بين الحرب والعملية العسكري الخاصة.
في العقيدة العسكريّة بشكل عام، تشكّل العقيدة العسكريّة لجيشٍ ما، المستوى التنفيذيّ للاستراتيجيّة الكبرى. فما هي؟
هي أفضل طريقة لقتال العدو والانتصار عليه. ترتكز على 3 أعمدة، هي: كيفيّة تنظيم القوى، وكيفيّة تدريبها، وكيفيّة تجهيزها. حتى الآن، حضّر الرئيس بوتين جيشه لقتال الحرب الحديثة في القرن الحادي والعشرين، وها هو يقاتل على شاكلة الحرب العالميّة الأولى.
في الختام، قد لا يخسر الرئيس بوتين، وقد لا تربح أوكرانيا. فهكذا يبدو اتجاه البوصلة، لكن المرحلة الحاليّة، هي مرحلة التحضير وتقطيع الوقت حتى مرور فصل الشتاء، وتجهيز القوى للمعركة الفاصلة، لكن بانتظار ماذا سيحصل في خيرسون.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أكد الكرملين أن التوافقات التي تم التوصل إليها بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، خلال قمتهما الوحيدة في ألاسكا في أغسطس (آب) من العام الماضي «جوهرية».

رائد جبر (موسكو)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟