10 أسئلة حول المناخ قبل امتحان «كوب 27»

جمعتها «الشرق الأوسط» وأجاب عنها الخبراء

الانبعاثات الكربونية (أرشيفية)
الانبعاثات الكربونية (أرشيفية)
TT

10 أسئلة حول المناخ قبل امتحان «كوب 27»

الانبعاثات الكربونية (أرشيفية)
الانبعاثات الكربونية (أرشيفية)

لا تحظى الفعاليات ذات الطابع البيئي عادة باهتمام جماهيري، ولكن الزخم الذي أعطاه الإعلام لقضية المناخ، قبل بداية قمة (كوب 27) التي تعقد لأول مرة في المنطقة العربية بمدينة شرم الشيخ المصرية، بدأ يثير تساؤلات عند قطاع ليس ببسيط من الجمهور، كان مصطلح «تغير المناخ» بالنسبة له، قاصراً على شعوره بالحر الشديد، وكان هؤلاء يتعجبون من حديث البعض باهتمام وقلق شديدين عن هذه المشكلة، لأن حلها من وجهة نظرهم بسيط للغاية، وهو استخدام مكيف الهواء.
وبدأ هؤلاء يشعرون بأن القضية كبيرة وخطيرة، مع حديث الخبراء في لقاءاتهم مع وسائل الإعلام قبل القمة عن تأثيرها على غذاء البشر وتهديدها لوجود بعض المدن، ولم يفهم الكثيرون كيف لارتفاع في درجة حرارة سطح الأرض أقل من نصف درجة مئوية أن يُحدث كل هذه الأخطار، وبدأوا يسألون عن أهمية قمة المناخ «كوب 27» بشرم الشيخ، وما الهدف منها، وكيف يمكن لممارساتهم الشخصية أن تكون صديقة للمناخ؟
وقبل أن تبدأ القمة، التي من المتوقع أن يثير الزخم المصاحب لها المزيد من الأسئلة، تجيب «الشرق الأوسط» على أحد أبرز 10 استفسارات مناخية.
أولاً: لماذا لا يريد العالم تجاوز الزيادة في درجة حرارة سطح الأرض الـ1.5 درجة مئوية وهي النسبة التي حددتها اتفاقية باريس؟
قبل الإجابة، يجب معرفة أن هناك فارقاً بين درجة حرارة الطقس والمناخ العالمي، فإذا كان عُشر الدرجة يعد ضئيلاً على مقياس الحرارة، وبالكاد يمكن ملاحظته، فإن أي تغير ولو طفيف في متوسط درجة حرارة الأرض، يمكن أن يتردد صداه في المناخ العالمي ليسبب الظواهر المناخية المتطرفة التي شهدها العالم مؤخراً.
ويقول مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب لـ«الشرق الأوسط»، إنه «بسبب الغازات الدفيئة الناتجة عن النشاط الصناعي، حدثت زيادة في متوسط حرارة سطح الأرض 1.1 درجة مئوية، مقارنة بالفترة ما قبل الثورة الصناعية، ولا تريد اتفاقية باريس أن تتجاوز الزيادة عتبة الـ1.5 درجة مئوية، ولكن المؤشرات العالمية تقول إن العالم يتجه وبقوة إلى زيادة قد تتعدى الدرجتين».
ويضيف أنه «إذا ارتفعت درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين إضافيتين بحلول نهاية القرن، فسيتعرض العالم لـ5 أضعاف الفيضانات والعواصف والجفاف وموجات الحرارة، وفقاً لتقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ».
ويخشى علام من اتجاه العالم نحو هذا المصير، لأنه وفق تقرير «المنظمة الدولية للأرصاد الجوية» التابعة للأمم المتحدة الصادر في 26 أكتوبر (تشرين الأول)، فإن أرقام غازات الاحتباس الحراري ارتفعت بشكل كبير خلال العام الماضي، حيث بلغت تركيزات ثاني أكسيد الكربون العام الماضي أكثر من 415 جزءا في المليون، والميثان 1908 أجزاء في المليون، وأكسيد النيتروز أكثر من 334 جزءا في المليون.
وتشكل هذه القيم - على التوالي - 149 في المائة، و262 في المائة، و124 في المائة من مستويات ما قبل الصناعة قبل أن تبدأ الأنشطة البشرية في الإخلال بالتوازن الطبيعي لهذه الغازات في الغلاف الجوي.
ثانياً: كيف تسبب غازات الدفيئة الارتفاع في درجة حرارة الأرض؟
وإذا كان الحديث دوماً عن ارتفاع درجة الحرارة يرتبط بغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، فإن السؤال هو: كيف تؤدي هذه الغازات إلى ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض؟ وهنا دائماً ما يطرح الخبراء ما يعرف بـ«تأثير الصوبة الزراعية» لتقريب الفكرة.
ويقول علام إنه «خلال النهار، تشرق الشمس وترتفع درجة حرارة سطح الأرض في ضوء الشمس، وفي الليل، يبرد سطح الأرض، ما يؤدي إلى إطلاق الحرارة مرة أخرى في الهواء، والوضع الطبيعي أن تظل بعض الحرارة محاصرة بسبب الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وهذا ما يجعل الأرض دافئة ومريحة، ولكن عندما تزيد غازات الاحتباس الحراري عن المعدل المقبول يتم حبس المزيد من الحرارة، لتتحول الأرض إلى ما يشبه الصوبة الزراعية».
ويضيف: «كما أن الصوبة الزراعية تحبس درجة الحرارة، فإن الغلاف الجوي للأرض يحبس الحرارة بسبب غازات الاحتباس الحراري التي تغطيه».
ثالثاً: ما هي أهم الأنشطة البشرية التي تسبب غازات الدفيئة؟
إذا كانت غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز تعمل على تسخين الكوكب، فما هي أهم الأنشطة البشرية التي تسببها؟
يقول خالد أيوب، أستاذ العلوم البيئية بجامعة جنوب الوادي (جنوب مصر) لـ«الشرق الأوسط»، إن الحصة الأكبر من الغازات المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض تأتي من مصادر الطاقة التقليدية، حيث لا يزال الفحم والنفط والغاز يوفرون الكثير من احتياجات العالم للطاقة، سواء من أجل الصناعات مثل الصلب والحديد، والكهرباء لتشغيل الأنوار في المنازل والمباني، والغاز لتزويد السيارات والسفن والطائرات بالوقود، وكلها تضخ ثاني أكسيد الكربون في الهواء.
ويوضح أن ثاني أكسيد الكربون يمثل أكثر من ثلاثة أرباع جميع غازات الدفيئة التي يسببها الإنسان. أما الميثان، والذي يأتي في الغالب من الزراعة وتعدين الفحم والأراضي الرطبة التي تحتفظ بشكل طبيعي بالغاز، فيشكل حوالي 16 في المائة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي. أما الباقي فهو أكسيد النيتروز، والذي يأتي من الممارسات الزراعية والغازات المفلورة من المبردات.
ويضيف أن بعض هذه الغازات تبقى لفترة أطول من غيرها، حيث تشير التقديرات إلى أن ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يظل في الهواء لمدة 200 عام أو أكثر، لذا فإن حرق الفحم في بداية العصر الصناعي سيظل يعمل على تدفئة كوكب الأرض اليوم. في المقابل، فإن الميثان، الذي هو أقوى بحوالي 81 مرة على المدى القصير من ثاني أكسيد الكربون، يستمر في الغلاف الجوي لنحو عشر سنوات فقط.
رابعاً: كيف تأكد العالم من مسئولية الأنشطة البشرية عن التغيرات المناخية؟
رغم أن العالم أصبح على يقين تام من مسئولية الأنشطة البشرية عن تغير المناخ، إلا أن هناك من يشكك في ذلك، ويقول إن الكربون الموجود في الغلاف الجوي طبيعي، وقد يكون مصدره البراكين وبعض الظاهر الطبيعية. وهنا يبرز سؤال: كيف تأكد العلماء من مسئولية الأنشطة البشرية؟
يقول أيوب إن «القضية باختصار سببها تراجع الكربون الخفيف، أو (كربون 12)، وهو الكربون الطبيعي الموجود بالغلاف الجوي منذ زمن بعيد، لصالح الكربون الثقيل أو (كربون 13)». ويضيف «بينما كان في الماضي هناك قدر أكبر من (كربون 12) في الغلاف الجوي، مقارنة بـ(كربون 13)، فإن العقود الأخيرة تغير فيها نسبة (كربون 12) لصالح (كربون 13)، وهو ما يعني أن الكربون الموجود في الهواء ناتج عن حرق الوقود الأحفوري أكثر من الأنشطة الطبيعية».
خامساً: من هي الدول المسؤولة عن غازات الاحتباس الحراري؟
بعد معرفة الأنشطة المسببة لغازات الاحتباس الحراري، وكيفية التأكد من مسئولية تلك الأنشطة عن الاحتباس الحراري، يكون السؤال: من هي الدول المسببة لفوضى الاحتباس الحراري التي يعيشها العالم الآن؟
يقول أيوب إن «أكثر من نصف الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم تأتي من ثلاثة أماكن وهي (الولايات المتحدة والصين وأوروبا)، فبمجرد وصول غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الأنشطة بتلك الدول إلى الغلاف الجوي، تحدث التأثيرات العالمية، فلا يتوقف حبس طاقة الشمس عند الحدود الوطنية».
ومنذ عام 1959، أطلق العالم 1.55 تريليون طن (1.41 تريليون طن متري) من ثاني أكسيد الكربون، وفقاً لـ«مشروع الكربون العالمي»، وهو مجموعة من العلماء الذين يتتبعون الانبعاثات وينشرون في المجلات العلمية.
وفي عام 2020، أطلقت الصين أكثر من 11.7 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون (أكثر من 10.6 مليار طن متري)، وهو ما يمثل 30.6 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، وأكثر من ضعف التلوث الكربوني للولايات المتحدة التي كانت ثاني أعلى باعث بنسبة 13.5 في المائة، ويأتي الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثالثة بنسبة 7.5 في المائة، تليه الهند بنسبة 7 في المائة.
لكن العلماء يقولون إن مجرد النظر إلى الانبعاثات الحديثة لا يُظهر حقاً من تسبب في المشكلة، ذلك لأن ثاني أكسيد الكربون يبقى في الغلاف الجوي لما يصل إلى 200 عام أو أكثر، لذا فإن الانبعاثات التاريخية مهمة.
وبالنظر إلى الانبعاثات منذ عام 1959 حتى عام 2020، فإن الولايات المتحدة، وليس الصين، هي أكبر مُلوِّث بأكثر من 334 مليار طن (303 مليار طن متري) من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، أي حوالي 21.5 في المائة من الإجمالي العالمي.

الاحتباس الحراري (أرشيفية)

سادساً: هل من علاج لمشكلة الاحتباس الحراري؟
يتفق العلماء والمسؤولون على أنه من المهم ألا تزيد الأمور سوءا عن طريق حرق المزيد من الوقود الأحفوري - الفحم والنفط والغاز الطبيعي - التي تنبعث منها غازات احتباس الحرارة في الهواء.
وفي تقرير عام 2021، قالت وكالة الطاقة الدولية إنه لا يمكن أن تكون هناك استثمارات جديدة في الوقود الأحفوري إذا كان العالم يريد الوصول إلى أهدافه المناخية. وذكر أحدث تقرير صادر عن اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن هناك حاجة إلى تخفيضات «فورية وعميقة» لأنواع الوقود القذر.
ويقول مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، إنه من المأمول أن تحل البدائل الأنظف - مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح - محل الكثير من الطلب على الوقود الأحفوري في مجالات إنتاج الكهرباء والتدفئة والنقل، فضلاً عن الزراعة والصناعة، لاسيما مع انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة.
لكن المشكلة الأكبر، كما يوضح علام، تكمن في الصناعات الأخرى، مثل صناعة الأسمنت والصلب، حيث سيكون من الصعب التخلص من الوقود الأحفوري، ولهذا السبب يبحث الخبراء في التقنيات التي قد تكون قادرة على مساعدة هذه القطاعات مثل استخدام «الوقود الأخضر»، المصنوع من مواد نباتية أو نفايات طبيعية، والمعروفة باسم الوقود الحيوي، ويتم أيضاً استكشاف تقنيات أحدث مثل الهيدروجين الأخضر، الذي يستخدم مصادر الطاقة المتجددة لصنع الهيدروجين لاستخدامه في الطاقة.
سابعاً: هل من حلول تحقق التوازن بين استخدام الوقود الأحفوري والأهداف البيئية؟
إلى أن تتحقق هذه الحلول بالشكل المرجو، هناك إجراءات يمكن تنفيذها لتحقيق التوزان بين استخدام الوقود الأحفوري والأهداف البيئية.
يقول علام إن أحد الحلول هو ما يعرف بتقنيات «احتجاز الكربون»، وهي عملية يتم من خلالها عزل ثاني أكسيد الكربون ودفنه في باطن الأرض، وذلك بعد فصل الغاز في صهاريج عند انبعاثه من محطات توليد الكهرباء، ولكن لا تزال هذه التقنيات بسعر باهظ وغير مختبَرة على نطاق واسع.
وهناك أيضاً التوجه المعروف باسم «الحياد الكربوني»، وهو كما يعرّفه علام، تحقيق التوازن بين انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المُتسببة في ارتفاع درجة حرارة الأرض، والتي ينتهي بها المطاف إلى الغلاف الجوي، وبين تلك التي تتم إزالتها من الأرض.
ومؤخراً، أعلنت دول الخليج عن مشروعات تستهدف تحقيق هذا الحياد الكربوني، ومنها إطلاق السعودية مبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، وتضمنتا تنفيذ أكبر برنامج إعادة تشجير في العالم عبر زراعة 50 مليار شجرة، منها 10 مليارات في المملكة، وهذا من شأنه أن يساهم في زيادة التمثيل الضوئي الذي يحد من الانبعاثات. كما أعلنت السعودية أيضاً عن إطلاق صندوق إقليمي لضخ استثمارات بأكثر من 10 مليارات دولار لتمويل الحلول التقنية لخفض الانبعاثات الكربونية.
وأعلنت الإمارات في هذا السياق أيضاً إضافة استثمارات بقيمة 600 مليار درهم (164 مليار دولار) في مجال الطاقة النظيفة، سواء في السوق المحلي أو الدولي.
بالإضافة إلى ذلك، يوجد حل يتمثل في «الاقتصاد الدائري للكربون»، وهو نظام حلقة مغلقة يشتمل على إعادة تدوير الكربون الناتج عن الانبعاثات، واستخدامه في العديد من الصناعات، مثل الأسمدة أو الأسمنت. وقدمت السعودية هذا المنهج بصفته منهجاً شمولياً لجميع حلول مشكلات التغير المناخي دون استثناء، وقد أقرته مجموعة العشرين في قمة الرياض.
ثامناً: ماذا يريد العالم من كبار الملوثين في قمة المناخ؟
يقول حسن أبو النجا، المدير التنفيذي للشبكة العربية للتنمية المستدامة، لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك ثلاثة ملفات تكون مطروحة في قمم المناخ، وهي التعويضات عن الخسائر، وملف تخفيض الانبعاثات، وأخيراً التكيف المناخي».
ولا يحظى ملف التعويضات بقبول الدول المسؤولة عن الانبعاثات، ودائماً ما ترفض تحقيق أي تقدم فيه، لكنها يمكن أن تتفاوض بشأن ملف التكيف المناخي، وهو تقديم الدعم للدول الفقيرة والنامية حتى تستطيع التعايش مع آثار التغيرات المناخية.
وتعهدت هذه الدول في إطار اتفاقية باريس بتوفير 100 مليار دولار سنوياً من التمويل الدولي المتعلق بالمناخ، على أن يتم تخصيص نصف هذه المبالغ على الأقل لبرامج التكيف المناخي، غير أن هذه التعهدات لا تشق طريقها بالقدر الكافي نحو التنفيذ. ولا يتوقع أبو النجا، أن يحدث اختراق كبير وملموس في هذا الملف، بسبب الأزمة المالية العالمية الحالية، والتي كانت من تبعات الحرب الأوكرانية الروسية.
ويوضح أنه بسبب نفس الأزمة، لا يتوقع أن يحدث اختراق أيضاً في ملف تخفيض الانبعاثات، لأن الحرب الأوكرانية الروسية أجبرت دول في أوروبا بعد انقطاع الغاز الروسي عنها إلى العودة إلى استخدام الفحم لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع، رغم أن أوروبا «كانت الأكثر تجاوباً في ملف تخفيض الانبعاثات».
تاسعاً: كيف تعبّر الدول المختلفة عن مواقفها خلال القمة؟
بالرغم من هذا العرض البسيط لتلك الملفات الثلاثة، إلا أن مناقشتها تخضع لشد وجذب بين مجموعات التفاوض، حيث توجد أكثر من مجموعة للتفاوض تعبّر عن مصالحها، فمثلا توجد الكتلة العربية التي تتألف من 22 دولة عضو بها، كما يجتمع أعضاء الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم 27 دولة للاتفاق على مواقف تفاوضية مشتركة، ولا تشمل هذه المجموعة التفاوضية بريطانيا التي تتعامل بصفتها طرفاً منفصلاً عن الاتحاد الأوروبي.
كما يوجد تحالفات الدول الجزرية الصغيرة (AOSIS)، والبلدان النامية غير الساحلية (LLDC)، والمجموعة الأفريقية التي تأسست في (كوب 1) في برلين عام 1995، ومجموعة الدول النامية (77 والصين). وتوجد أيضاً مجموعة المظلة (Umbrella)، وهي عبارة عن ائتلاف يضم أستراليا وكندا وأيسلندا وإسرائيل واليابان ونيوزيلندا وكازاخستان والنرويج وأوكرانيا والولايات المتحدة.
وتعمل البلدان المصدرة للنفط (أوبك) تحت تحالف (LMDC)، ويضم أكثر من 20 دولة، أبرزها - إلى جانب السعودية - الصين والهند ومجموعة من بلدان آسيا الوسطى والقوقاز وألبانيا ومولدوفا.
عاشراً: هل يمكن أن يكون سلوكي الشخصي صديقاً للمناخ؟
في الوقت الذي تجتمع فيه دول العالم بقمة المناخ لإيجاد حلول على المستوى الكبير المتمثل في انبعاثات الأنشطة الصناعية، هل يمكن أن يكون سلوك الفرد الشخصي صديقاً للمناخ؟
يجادل البعض بأنه سيكون من الأكثر فعالية التركيز على تغيير سياسة الحكومات والشركات للحد من الانبعاثات من قطاعي الطاقة والزراعة بدلاً من مطالبة الأفراد بالحد من انبعاثات الكربون الخاصة بهم، لكن الخبراء يقولون إنه في حين أن هذا صحيح، فإن كل جزء من خفض الانبعاثات يساعد.
وتشير حملة الأمم المتحدة «Act Now» للعمل المناخي الفردي إلى أنه يمكن للناس تقليل بصمتهم الكربونية الشخصية بشكل مباشر عن طريق تغيير نمط استخدامهم للطاقة والنقل واستهلاك الغذاء.


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية قارب مهجور يرقد في خزان مائي جفّ بفعل الجفاف على مشارف صنعاء (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: أزمة المناخ أكبر تهديد في عصرنا

رغم الحروب والنزاعات الكثيرة في أنحاء العالم، عدّت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، أزمة المناخ «أكبر تهديد في عصرنا».

«الشرق الأوسط» (بيلم (البرازيل))

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.