العرب يجتمعون في الجزائر أمام تحدي تحقيق «توافقات» حول قضايا خلافية

سعيد يطالب بـ«مقاربات مبتكرة للتعاون العربي» > تبون: التحدي الإصلاحي هو أكبر ما يواجهنا > أبو الغيط: الأوضاع العالمية تفاقم متاعب دولنا

الجلسة الافتتاحية للقمة العربية في الجزائر أمس (غيتي)
الجلسة الافتتاحية للقمة العربية في الجزائر أمس (غيتي)
TT

العرب يجتمعون في الجزائر أمام تحدي تحقيق «توافقات» حول قضايا خلافية

الجلسة الافتتاحية للقمة العربية في الجزائر أمس (غيتي)
الجلسة الافتتاحية للقمة العربية في الجزائر أمس (غيتي)

انطلقت أشغال القمة العربية الـ31 بالجزائر مساء الثلاثاء، وفي جدول أعمالها 20 بنداً، تمثل أهم القضايا السياسية والأمنية، التي تشغل اهتمام غالبية الدول العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والتدخلات الإيرانية والتركية في بعض البلدان الأعضاء بالجامعة العربية. وبينما ركزت الكلمات الافتتاحية على محورية القضية الفلسطينية، وسط تحديات تحقيق «توافقات» حول قضايا خلافية بين الدول الأعضاء.
واستهلت الجلسة الافتتاحية بكلمة لرئيس القمة السابقة، الرئيس التونسي قيس سعيد، الذي شدد على أن «دول المنطقة تحتاج بصورة أكيدة لتعزيز التعاون العربي المشترك، وإصلاح عميق لمنظومة عملها، وفق آليات جديدة ومقاربات مبتكرة». وشدد على ضرورة أن يكون هذا «وفق آليات جديدة ومقاربات مبتكرة تقوم على حوار شفاف، وعلى حوار صريح وبنّاء، وتأخذ في الاعتبار أولويات المنطقة وتحدياتها، ضمن مقاربة شاملة قائمة على التضامن ولمّ الشمل، تحت مظلة عربية واحدة». وأضاف: «في قمة تونس كان الشعار التضامن، وسعينا لترجمة الشعار على أرض الواقع، لكننا سنواصل السعي من أجل تحقيق التضامن والتكافل والتعاضد».
ورأى أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام، «إلا باستعادة الحق الفلسطيني، الذي لا يمكن أن يسقط بالتقادم، وإقامة دولة فلسطينية حرة عاصمتها القدس الشريف»، مؤكداً أن بلاده «تسلم أمانة رئاسة الجامعة العربية للجزائر في ظرف إقليمي ودولي استثنائي وغير مسبوق، من حيث حجم التحديات وأبعادها وتواتر التغيرات والمستجدات الإقليمية والدولية». وتابع: «إن الوطن العربي يعيش أوضاعاً صعبة منذ سنوات، تتمثل في جملة من المسائل المتصلة بالمنطقة وبالعالم كله، من بينها جائحة (كوفيد 19)، كما زادت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تأزماً، فضلاً عن الاقتتال الداخلي وعشرات آلاف الضحايا نتيجة المعارك التي لا تهدأ، بل إن بعض مدننا العربية لم تعد تُذكر إلا في النشرات الجوية، أو بذكر عدد القتلى والمصابين في الحروب».
وبعد تسلمه رئاسة القمة، ألقى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كلمة أكد فيها أن بلاده «على استعداد كامل لنقل طلب إلى الأمم المتحدة، لقبول فلسطين عضواً كامل العضوية» في المنظمة الدولية. ودعا إلى تشكيل «لجنة اتصال عربية لمخاطبة الأمم المتحدة لدعم نَيل فلسطين العضوية الكاملة بالمنظمة».
وقال تبون، في بداية أشغال القمة، إن فلسطين «تتعرض للتصفية بسبب مواصلة قوات الاحتلال الإسرائيلي استفزازاتها»، مستنكراً «الاجتياح المتكرر للمدن والقرى الفلسطينية، وتشريد السكان الأصليين، ومحاولات تهويد القدس وطمس هُويتها الإسلامية والمسيحية، واقتحامات جيش الاحتلال لباحات القدس».
وشدد على تمسك الجزائر بمبادرة السلام العربية، «فهي ركيزة مسار سلام عادل وشامل، يحقق بموجبه الشعب الفلسطيني طموحه في قيام دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية». وأشاد باتفاق الصلح الذي عقدته الفصائل الفلسطينية بالجزائر، الشهر الماضي، داعياً الدول العربية إلى دعمه ومرافقته.
وفي ملفات سوريا واليمن وليبيا، ناشد تبون الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، الانخراط في حوار، «والبحث عن حلول توافقية لتمكين الشعوب من تطلعاتها المشروعة إلى الحرية والكرامة»، مشيراً إلى أن «أكبر التحديات التي تواجهنا، هو التحدي الإصلاحي الذي بات مطروحاً بحدة. لقد أصبح ضرورياً الإسراع في إصلاحات جذرية عميقة، لمنظومة العمل العربي المشترك، لتلعب الجامعة العربية دورها في مواكبة التطورات في العالم».
بعد ذلك ألقى الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، كلمة رأى فيها أن «انعقاد القمة جاء في وقته؛ إذ إن ما يشهده العالم من تغيرات غير مسبوقة منذ عقود... وما ترتبه هذه التغيرات في الظروف الدولية من تبعات هائلة على الشعوب والدول عبر العالم... يجعل القمة ضرورةً واجبة، وفرصة سانحة لكي نرتب أوراقنا... ونناقش قضايانا ومواقفنا العربية في عالمٍ تتحرك أحداثه في سيولة مخيفة... وتتوالى أزماته في تتابع مروِّع». ورأى أن دولنا العربية في حاجة ماسّة لاستراتيجية شاملة للتعامل مع «حالة الأزمة الممتدة». وقال: «إن الأوضاع العالمية تفاقم متاعب دولنا... فهي تداهم المنطقة العربية وهي لم تخرج بعدُ من واحدةٍ من أخطر الأزمات والتحديات في تاريخها الحديث... لقد مرّ على المنطقة عَقدٌ صعب، وما زالت بعضُ دولِنا تعيش أوضاعاً لا تُهدد فقط أمنها واستقرارها... بل وجودها ذاته... ما زالت الدولة الوطنية، ذات السيادة والاستقلال والقرار المستقل، تتعرض لهجمة شرسة في بعض أركان منطقتنا... من الإرهاب والميليشيات والجماعات المسلحة... وأيضاً من أطراف غير عربية، في جوار الإقليم العربي، تُحرض وتُمارس تدخلاتٍ غير حميدة في المجتمعات العربية بهدف بسط النفوذ والهيمنة». وتطرق إلى الوضع اليمني؛ إذ «ما زال الحوثيون يراوغون ويُعرقلون. ومع ذلك سنستمر في تأييدنا للحكومة الشرعية ودعمها بكل قوة لمصلحة الشعب اليمني». واعتبر أن «التطورات الجارية في اليمن هي أحد أبلغ الأمثلة - للأسف - على التأثير الإقليمي السلبي، بل المدمر، على الشأن العربي».
ويُرتقب أن تنتهي القمة مساء الأربعاء، ببيان ختامي يتضمن قرارات وتوصيات تتعلق بفلسطين والانتهاكات الإسرائيلية بالأراضي المحتلة، والأوضاع في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وربما بموضوع «إصلاح الجامعة العربية» الذي تطرحه الجزائر منذ القمة التي احتضنتها عام 2005، من دون أن يحصل حوله توافق عربي، خاصة ما اتصل بـ«تدوير الأمانة العامة للجامعة العربية» على الدول الأعضاء.
وتم إعادة طرح نفس الموضوع في اجتماع وزراء الخارجية العرب، السبت والأحد الماضيين، لكن لم يتبين موقف الأعضاء منه، في حين صرّح الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي، بأن «كل المقترحات التي عُرضت للنقاش، حصل توافق كامل حولها». ورغم ذلك، أشار إلى «توترات» قال إنه «تم احتواؤها». وأحال هذا الكلام، إلى تحفظ الجزائر على تصريحات لوزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، بخصوص «تدريبات عسكرية تتلقاها جبهة (البوليساريو) من طرف إيران».
وأكدت الإذاعة الحكومية الجزائرية، أن «قمة الجزائر، الموصوفة بقمة لمّ الشمل، تتطلع إلى تحقيق توافق بخصوص العديد من القضايا والتحديات التي تواجه المنطقة، لا سيما ما تعلق منها بالوضع في ليبيا واليمن وسوريا، علاوة على القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية، وكذا ملفات أخرى تخص التعاون الاقتصادي والتجاري».
وبدا من خلال الاجتماعات التحضيرية للمندوبين ووزراء الخارجية، التي أعدّت مشاريع القرارات للقمة، حرص على عدم خروج بعض القضايا الخلافية إلى وسائل الإعلام، منها ما ارتبط بتدخلات إيران وتركيا في شؤون دول عربية. وأكد وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، للصحافيين ليل الاثنين، أنه لم «يحدث أي خلاف مع مصر حول إدانة التدخلات التركية»، وأن «هناك توافقاً على معظم بنود مشروع بيان القمة العربية، وخاصة أن هدف القمة هو لمّ الشمل العربي».
ومنذ ما قبل انطلاق التحضيرات، تم استبعاد ملف التطبيع مع إسرائيل الذي يجري التعامل معه من منطلق «سيادي» يأخذ في الحسبان مصالح الدول المعنية به.
وشهدت القمة مشاركة 15 زعيماً عربياً، بالإضافة إلى ضيوف للقمة، وهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف، بصفته الرئيس الحالي لـ«منظمة حركة دول عدم الانحياز»، والرئيس السنغالي ماكي سال، بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي حالياً.


مقالات ذات صلة

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلى رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

تتوالى التحركات العربية والإسلامية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي للإقليم الانفصالي في الصومال، وقررت منظمة التعاون الإسلامي (56 دولة) عقد اجتماع وزاري السبت.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)

الجامعة العربية: قضية «الجنوب اليمني» لن تُحل إلا بالحوار

أكد المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية المستشار جمال رشدي أنه لا يمكن معالجة «القضية الجنوبية» باليمن إلا بالحوار اليمني - اليمني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا 
جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة» ترفض اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

رفضت الجامعة العربية اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال، ما يسمى «إقليم أرض الصومال»، مشددة على الوقوف ضد «أي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» تدين اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

أدان مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، الأحد، بـ«أشد العبارات اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال ما يسمى (أرض الصومال)»

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (د.ب.أ) p-circle

«الجامعة العربية»: الاعتراف بـ«أرض الصومال» اعتداء على الأمن القومي

وصف مجلس جامعة الدول العربية، الأحد، اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلةً بأنه «اعتداء على الأمن القومي العربي، ويزعزع الأمن والسلم الدوليَّين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.