تمويل التكيف المناخي... هل يهدئ «كوب 27» غضب الدول المتضررة؟

أميركا تعد... وخبراء يشككون

مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
TT

تمويل التكيف المناخي... هل يهدئ «كوب 27» غضب الدول المتضررة؟

مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)

تعرّض إنتاج فاكهة المانجو في مزرعة المُزارع عبد المجيد شكري من محافظة الإسماعيلية المصرية إلى الدمار العام الماضي، بسبب آفة حشرية وجدت بيئة مناسبة للازدهار مع ارتفاع درجات الحرارة شتاءً على غير المعتاد.
وساعدت وزارة الزراعة المصرية شكري وأقرانه في العام الجاري على تجاوز تلك المشكلة، عن طريقة تزويدهم بأدوات لمقاومة تلك الآفة، وتسعى لضمان استمرارها في تقديم يد العون والمساعدة لهم، عبر الحصول على دعم مناسب من الدول الغنية في قمة «كوب 27»، عبر ما يُعرف بـ«تمويل التكيف المناخي».
والتكيف المناخي بمفهومة الأوسع، هو إكساب المجتمعات والاقتصاديات الفقيرة والنامية القدرة على الصمود في مواجهة التأثيرات المناخية، فيتم في مجال الزراعة مساعدة شكري وأقرانه من المزارعين بأدوات وقائية لمواجهة آفات ناتجة عن تغير المناخ، وبناء الطرق والجسور التي تكون مكيّفة لتحمل درجات الحرارة المرتفعة والعواصف القوية، ونقل بعض المجتمعات إلى مواقع جديدة لأنه سيكون من الصعب عليها التكيف مع تبعات التغيرات المناخية، مثل ارتفاع سطح البحر.
وتسعى مصر وغيرها من الدول النامية إلى الحصول على تمويل مناسب من الدول الغنية، يمكّنها من مساعدتهم على التكيف مع تلك التغيرات، والتي ستزيد بشكل كبير، وفق تقرير دولي، قام بإعداده جوس ليليفيلد، مدير معهد «ماكس بلانك للكيمياء»، بالتعاون مع آخرين.
ووفق هذا التقرير الذي نُشر في العدد الأخير من مجلة «ريفيو أوف جيوفيزيكس»، فإن إقليم الشرق الأوسط يزداد احتراراً بمعدل مرتين تقريباً أسرع من المتوسط العالمي، كما سيحدث ارتفاع إجمالي في درجات الحرارة خلال الأعوام القادمة من القرن الحالي لتصل إلى 5 درجات مئوية أو أكثر، وسيكون الارتفاع أقوى في الصيف، كما ستشهد المنطقة نقصاً في هطول الأمطار يضر بالأمن المائي والغذائي.
وإلى جانب تقديم حلول مؤقتة للتكيف المناخي، كما فعلت الحكومة المصرية مع شكري وأقرانه من مزارعي المانجو، فإن الحلول الأكثر استدامة، هي ما بات يعرف بـ«الزراعة الذكية مناخياً»، والتي تعني تزويد المزارعين بالأصناف المقاومة للأمراض التي تظهر مع ظروف الرطوبة الجوية العالية.
وتملك مراكز الأبحاث العديد من قصص النجاح في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ولكن تعميم مخرجات هذه الأبحاث على المزارعين يحتاج إلى تمويل، باتت الدول في أمسّ الحاجة له، لمواجهة تداعيات التغير المناخي الذي يهدد الأمن الغذائي، كما يؤكد المهندس علي أبو سبع، المدير العام للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا).
والإيكاردا مركز بحثي، مكتبه الرئيسي -حالياً- في العاصمة اللبنانية بيروت، ويوجد له فروع في المنطقة التي يطلق عليها «سوانا»، والتي تضم 16 دولة، من المغرب ودول شمال أفريقيا إلى دول الشرق الأوسط، ودول غرب ووسط آسيا، ويركز مجال عمله على خمسة محاصيل رئيسية، هي القمح والذرة والشعير والعدس والفول.
ويتحدث المهندس أبو سبع لـ«الشرق الأوسط» عن بعض من قصص النجاح في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ومنها إنتاج أصناف قمح خبز في دولة المغرب مقاومة لدرجات الحرارة المرتفعة ولمرض صدأ القمح، وحققت هذه الأصناف زيادة في الإنتاجية 50 في المائة عن الأصناف التقليدية، كما أنتج المركز أصناف من الشعير تنتج حبوباً أكثر بنسبة 10 في المائة في ظل ظروف الجفاف القاسية، مقارنة بالأصناف المتاحة.
ويقول أبو سبع: «دورنا في الإيكاردا، مثل كثير من مراكز الأبحاث، ينتهي عند توفير هذه الحلول، ولكن تطبيق هذه الحلول على نطاق واسع يحتاج إلى تمويل، نأمل أن تتمكن الدول من توفيره خلال قمة المناخ (كوب 27)».
وبالنسبة لدول في المنطقة تعتمد إلى جانب الواردات الغذائية على إنتاج محلي من الغذاء في بعض الأصناف، فإنه لا بديل أمامها سوى تنفيذ هذه الحلول لمواجهة تأثيرات تغير المناخ على الأمن الغذائي، كما يقول رضا سكر، الخبير في مجال الإنتاج الغذائي لـ«الشرق الأوسط».
ويوضح أنه بالإضافة لأمراض تسبب في انتشارها التغير المناخي وأثرت على المحاصيل، فإنه أيضاً تسبب للمنطقة في أسوأ موجة جفاف منذ ما يقرب من ألف عام، وهو ما زاد من مشكلة تعاني منها المنطقة في الأساس، وهي الإجهاد المائي، حيث أن 70 في المائة من أكثر بلدان العالم إجهاداً مائياً تقع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويضيف أن «الدول المعتمدة بشكل كبير على الاستيراد، مثل دول الخليج، والتي قد يعتقد البعض أنها بمنأى عن هذا الخطر، فإنها تواجهه من ناحية أخرى، لأن الدول المنتجة للغذاء قد تأثرت هي الأخرى بتغيرات المناخ، هذا فضلاً عن أن الحرب الأوكرانية الروسية الدائرة حالياً، أثرت ولا تزال ستؤثر لسنوات على امدادات الغذاء عالمياً، باعتبار أن الدولتين من القوى العظمى في انتاج الغذاء».
وتضع هذه الظروف دول المنطقة الغنية والفقيرة أمام تحد توفير الغذاء، وهو ما يفرض على الجميع ضرورة الاهتمام ببرامج التكيف المناخي في الزراعة، وبدأت بعض دول الخليج تلتفت لهذا الخطر، فبدأت تتجه إلى الزراعة بالمياه المالحة، كما يشير سكر.
وأعلنت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية قبل سنوات عن تأسيس شركة تحت مسمى «مزارع البحر الأحمر»، تقوم بالزراعة باستخدام المياه المالحة، وحصلت هذه الشركة في أبريل (نيسان) من العام الجاري، عن طريق الاكتتاب على رأس مال استثماري يقدر بـ18.5 مليون دولار، من قبل مجموعة رائدة من المستثمرين السعوديين، والشرق أوسطيين، والأميركيين، ما يعد أحد أكبر الاستثمارات في تاريخ المنطقة بتقنية الزراعة.
كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة في نفس الشهر عن جائزة مالية تصل إلى مليوني دولار للشركات الناشئة التي يمكنها اقتراح حلول تكنولوجيا زراعية متكيفة مع تغيرات المناخ، كما تستضيف على أرضها مركزاً دولياً للزراعات الملحية في إمارة دبي.
وقد لا تجد دول الخليج صعوبة في تمويل برامج التكيف المناخي، سواء في الزراعة كما بدأت تفعل، أو في مجالات أخرى، مثل الاستعداد لمواجهة الفيضانات، كالتي شهدتها الإمارات وسلطنة عمان وبعض المناطق في السعودية هذا الصيف، ولكن الدول الأقل دخلاً في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يهمها أن تخرج من قمة المناخ القادمة في مصر (كوب 27)، وما بعد القادمة في الإمارات (كوب 28)، بتمويل مناسب لبرامج التكيف المناخي، يتجاوز التعهدات إلى التنفيذ الفعلي.
وكانت الدول الأكثر ثراء قد تعهدت في إطار اتفاقية باريس بتوفير 100 مليار دولار سنوياً من التمويل الدولي المتعلق بالمناخ، على أن يخصص نصف هذه المبالغ على الأقل على برامج التكيف المناخي، غير أن هذه التعهدات لا تشق طريقها بالقدر الكافي نحو التنفيذ.
وعبّرت رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي المصري، عن هذه المشكلة خلال مشاركتها في اجتماع تأثير التنمية المستدامة لعام 2022، الذي عقده المنتدى الاقتصادي العالمي في سبتمبر (أيلول) الماضي بنيويورك. وتحدثت عن تطلعها للانتقال في القمة المقبلة من التعهدات إلى التنفيذ.
ما طرحته المشاط خلال المنتدى بلهجة هادئة، عبّر عنه قادة أفارقة بلهجة غاضبة في مؤتمر كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو من المؤتمرات التحضيرية لقمة المناخ، حيث عبّر رؤساء السنغال والكونغو الديمقراطية ونيجيريا عن غضبهم من ضعف تمويل برامج التكيف المناخي، في وقت تطالبهم فيه الدول المتقدمة بالتخلي عن إنتاج الوقود الأحفوري في بلادهم.
وخلال مؤتمر صحافي افتراضي نظّمه - قبل أيام - المكتب الإعلامي الإقليمي في دبي، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، عبّر جون كيري مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون المناخ عن تفهمه للغضب الأفريقي.
وقال إن معظم انبعاثات الكربون ناجمة عن 20 دولة هي الأكثر تقدماً في العالم، بينما تضم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 48 دولة مسؤولة عن نسبة لا تتجاوز 0.55 في المائة من تلك الانبعاثات، و3 في المائة لكل القارة، ومع ذلك، فهي من أكثر الدول المعرضة لخطر التغير المناخي في العالم.
وأضاف أنه من أجل ذلك، فإن الولايات المتحدة ضاعفت التمويل المخصص للتكيف مع تغير المناخ، وتم تخصيص 12 مليار دولار على مدى 5 سنوات، و3 مليارات دولار هذا العام.
هذا التمويل الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة، يرى حسن أبو النجا، المدير التنفيذي للشبكة العربية للتنمية المستدامة، أنه أقل بكثير من المطلوب، إذ تبلغ التقديرات الأخيرة لتمويل أهداف المناخ للدول النامية 6 تريليونات دولار حتى عام 2030، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويتوجس أبو النجا من أنه «مع ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، وانخفاض الإيرادات، والاضطرابات السياسية في كثير من الأحيان، فإن العثور على هذا النوع من المال يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مديرة السياسات الاجتماعية في مجموعة البنك الدولي عفت شريف (الشرق الأوسط) p-circle 01:59

خاص البنك الدولي من الرياض: وظائف الغد خارج «المنطق التقليدي»

في وقت يواجه فيه العالم منعطفات اقتصادية حاسمة لم يعد الحديث عن «وظائف المستقبل» مجرد توقعات نظرية بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ عامل يزيل الجليد من أحد الشوارع في أوكسفورد بميسيسيبي الأميركية (أ.ب)

عاصفة قطبية توقع 30 قتيلاً في الولايات المتحدة

ارتفعت حصيلة ضحايا البرد القارس الذي يضرب الولايات المتحدة إلى 30 قتيلاً، بينهم سبعة قضوا في حادث تحطم طائرة ليلة الأحد، في ظل استمرار موجة الصقيع القطبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».


سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
TT

سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)

أثار طرح بوستر برنامج المقالب «رامز ليفل الوحش»، الذي يقدمه الفنان رامز جلال في رمضان 2026، اهتماماً لافتاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدَّر الترند عبر منصة «X» في مصر، الثلاثاء.

كان رامز جلال قد كشف عن الملصق الترويجي للبرنامج، الذي ظهر من خلاله وقد أعطى ظهره للكاميرا دون أن يكشف عن ملامح أو تفاصيل أخرى، ثم ظهر في ملصق آخر وقد طغى اللون الأحمر على كل شيء؛ ملابسه ونظارته وملابس القرد الذي يحمله على كتفه وفانوس رمضان الذي يمسكه بيده، بينما ظهر بشعر برتقالي على شكل حمم بركانية، ما أشعل سباق التوقعات بين الجمهور حول فكرة الموسم الجديد من البرنامج الذي اعتاد إثارة الجدل وخطف الانتباه في مواسمه السابقة.

رامز جلال كما ظهر على بوستر البرنامج (إم بي سي مصر)

وكتب رامز، عبر حسابه على «X»: «بسم الله توكلنا على الله»، معلناً بطريقته المعتادة الموسم الجديد لبرنامج المسابقات الذي يقدمه بعنوان «رامز ليفل الوحش» في رمضان 2026 على «MBC مصر».

وأضاف: «اجمد ومتبقاش خفيف... الموضوع مخيف»، الذي تتخذه قناة MBC شعاراً للبرنامج، وقد جرى تصويره بمدينة الرياض، وهو من إنتاج الهيئة العامة للترفيه (GEA) ليعلق متابعون حول توقعاتهم لطبيعة المقلب الذي سيتعرض له ضيوف البرنامج. وكتب حساب باسم «محمد العريفي»: «أيوة كده يا رامز، نجم رمضان كل سنة». وكتب حساب باسم «شهد»: «البوستر يجنن، وطبعاً لون شعرك خيالي».

وعلق «Abdou»: «واضح إن الضحايا، هذا العام، داخلين أخطر تجربة في حياتهم، (رامز ليفل الوحش) هيكسر الدنيا».

في حين كشف حساب باسم «MEMO» أن «مفاجأة رامز جلال، هذا الموسم في رمضان، هو استضافته اللاعب أشرف حكيمي، ليبدأوا لعبة مثل (سكواد جيم)، ووسط اللعب سيجري حبس الضيف في غرفة مظلمة بمفرده ليس بها غير شاشة، وفجأة رامز هيشغل عليها جول «بابا غابي» في المغرب بنهائي أمم أفريقيا».

وكتب حساب باسم «Arabian Crave»: «بما إن الفضول واصل للسماء والكل بيسأل رامز جلال ناوي على إيه السنة دي، خليني أفكّلك اللغز وأوريك الطريق اللي هتحس فيه ريحة المقلب قبل ما يبدأ، تخيل نفسك رايح مهرجان عالمي وفجأة تلاقي نفسك جوة نسخة مخيفة من لعبة الحبار، بس المرة دي كلها مصرية».

ويحظى تسجيل حلقات البرنامج بكثير من السرية حتى لا تتسرب الفكرة لبقية ضيوف البرنامج الذي يعمل رامز وفريق الإعداد والإخراج معه على الانتهاء من تصوير الحلقات كاملة قبل شهر رمضان بوقت كاف.

وأكد الناقد أحمد سعد الدين أن اسم رامز جلال يتحول إلى «ترند» مع اقتراب شهر رمضان، وقبل عرض برنامجه؛ لأن اسمه وحده يكفي، سواء أكان تحت مسمى «رامز قلب الأسد» أم «رامز ليفل الوحش»، فهو يحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور الخليجي والجمهور المصري، مشيراً إلى أنه يعتمد في كل مرة على فكرة جديدة في برنامج يتمتع بإنتاج ضخم يتيح له أن يحقق إبهاراً فنياً، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»: «لكن مشكلة البرنامج أنه يعتمد على فكرة واحدة طوال شهر رمضان، وبعد عرض خمس حلقات يكون المشاهد قد أدرك الفكرة وتوقّع ما سيقوله الضيف، ومن الأفضل أن يقدم فكرة مختلفة لكل عشر حلقات».

ويلفت سعد الدين إلى أن الحلقات الأولى التي قدمها لم تكن تتمتع بإنتاج كبير، لكن بعدما اتجه للإنتاج في كل من دبي والسعودية توافرت له إمكانات واسعة مكّنته من تقديم عناصر إبهار أكثر، والاستعانة بنجوم عالميين في بعض الحلقات.

بدأ الفنان رامز جلال «52 عاماً» تقديم برنامج المقالب، الذي يحمل اسمه بشكل موسمي في رمضان من كل عام، في 2011، وقد حملت عناوين متعددة، على غرار «رامز قلب الأسد»، و«رامز ثعلب الصحراء»، و«رامز مجنون رسمي»، و«رامز إيلون مصر».


مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)

وسط حضور فني وثقافي واسع، احتفت «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، مساء الاثنين، بإبداعات الشباب المشاركين في الدورة السابعة من مسابقتها السنوية، التي شهدت تتويجاً لمسيرة الفنان يحيى الفخراني الفنية، وتأكيداً لأهمية الفن بصفته «أساس الحضارة وذاكرة الوجود الإنساني».

وأكد وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، في كلمته خلال الحفل الذي أقيم بحديقة «مركز الجزيرة للفنون» بحي الزمالك وسط القاهرة، على سعي المؤسسة التي تحمل اسمه إلى «ترسيخ رسالتها الفنية والمساهمة في إعلاء القيمة الحقيقية للفن ودوره الثقافي في المجتمع»، مشيراً إلى أنه انطلاقاً من هذا التوجه تمت إضافة «جائزة الاستحقاق» إلى الحفل السنوي، التي تُمنح لقامة بارزة في عالم الفن والثقافة، معرباً عن سعادته بأن تذهب الجائزة هذا العام إلى الفنان يحيى الفخراني.

وشدد حسني على أهمية الفن والثقافة بصفتهما «جوهر الوجود الإنساني الذي يحفظ ملامح الأمم»، وقال: «الثقافة ليست ترفاً، ومصر عرفت طريقها للحضارة عندما جعلت الفن والفكر لغة الحياة».

وسلم وزير الثقافة ، أحمد فؤاد هنو، مساء الاثنين، «جائزة الاستحقاق» للفخراني، عادّاً الجائزة «تكريماً لقيمة الفن الهادف والإبداع المسؤول، وللنموذج الفني الذي حافظ، على مدار عقود، على احترام عقل ووجدان الجمهور»، مشيراً إلى أن «الفخراني يُمثل رمزاً للفنان الواعي بدوره الثقافي والإنساني».

وشهد الحفل الذي أقيم على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة احتفاء بإبداعات الشباب في مختلف المجالات الفنية، حيث تقدم لفروع المسابقة الخمسة؛ التصوير، والعمارة، والنحت، والنقد الفني التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، 1211 فنانة وفناناً من مختلف المحافظات شاركوا بنحو 2354 عملاً فنياً متنوعاً.

الفنان فاروق حسني يلقي كلمة في حفل توزيع جوائز المؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه (وزارة الثقافة المصرية)

وقال حسني: «نحتفي بجيل من المبدعين يحمل حساسية العصر، ويصوغ رؤيته للعالم دون أن ينفصل عن جذوره»، مؤكداً أن المسابقة «ليست احتفالاً بإنجاز عابر، بل هي تأكيد على أن الفن في جوهره فعل مقاومة للنسيان، وانحياز دائم للجمال، وبذرة أمل تزرع في أرض الوطن لتثمر وعياً وحياةً».

بدوره، أشاد هنو بالمسابقة التي «تحتفي بجيل واعد من المبدعين الشباب وتكرم قامة فنية كبرى»، مؤكداً أن «هذا التلاقي بين الخبرة المتراكمة والطاقة الشابة يعكس حيوية المشهد الثقافي المصري، وقدرته على التجدد والاستمرار».

وعدّ «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون» بمثابة «نموذج رائد للعمل الثقافي المستدام، بفضل رؤية مؤسسها المستنيرة التي لم تتوقف عند حدود المسؤولية الرسمية، بل امتدت إلى دعم الإبداع وإتاحة الفرص أمام الطاقات الشابة واكتشاف المواهب ورعايتها».

وشهد الشهر الماضي افتتاح «متحف فاروق حسني»، وهو جزء من «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي تأسست عام 2019. وقبل تسليم الجوائز افتتح هنو وحسني المعرض الجماعي للشباب المتأهلين للمرحلة النهائية من المسابقة، الذي يستمر حتى 19 فبراير (شباط) الحالي. وفاز بجوائز مسابقة النقد الفني التشكيلي بالترتيب من الأول إلى الثالث، كل من إيريني سمير حكيم شحاتة، وشيماء سمير عبد المنعم عباس، ومروة السيد عباس السيد. بينما كان المركز الأول في جائزة العمارة من نصيب مشاركة جماعية (محمد أحمد زكي سيد ومحمد مرزوق محمد متولي وهارون ياسر هارون محمد)، وجاء في المركز الثاني عبد الرحمن حسين محمد عبد العال، أما المركز الثالث فكان مشاركة جماعية أيضاً بين (مريم أسامة سند العرباني وبنان خالد غريب محمد وإسراء عبد العزيز محمد حامد وسلمى الخولي عبد المنعم الخولي).

ونالت مشاركة جماعية لكل من محمد هاني عبد الفتاح، وعمر علاء الدين إسماعيل، وجاسمين أشرف كرم، وحبيبة محمد علي، على شهادة تقدير، وكذلك نالت مشاركة جماعية لكل من غادة عبد الوهاب إبراهيم، وهبة محمد مصطفى إبراهيم، شهادات تقدير.

وفي فرع التصوير الفوتوغرافي، جاءت المراكز الثلاثة الأولى بالترتيب من نصيب، فايز أحمد إبراهيم عطية، ورنا أسامة السعيد إبراهيم، وعلاء نور الدين مصطفى يوسف، بينما حصلت حنان سعيد عبد الدايم محمد على شهادة تقدير.

جانب من حضور حفل توزيع الجوائز (وزارة الثقافة المصرية)

وفي فرع النحت، فاز بالمركز الثاني حسام مصطفى رمضان محمد، وبالمركز الثالث يوسف حامد محمد محمود، كما فازت بشهادة شكر وتقدير فاطمة محمد خالد ثابت، أما جائزة التصوير فكانت من نصيب سمر رأفت عبد الله محمد، وحصلت فاطمة إبراهيم محمد حسين على المركز الثاني، وفاز بالمركز الثالث مينا نصيف فهمي يعقوب.

وشهد الحفل حضوراً واسعاً لمسؤولين سابقين وحاليين وشخصيات فكرية وثقافية، من بينهم المهندس أيمن عطية محافظ القليوبية، والدكتور زاهي حواس، والدكتور مصطفى الفقي، والدكتور سامح فريد وزير الصحة الأسبق، والكاتب محمد سلماوي، والدكتور أحمد غنيم رئيس هيئة المتحف المصري الكبير، والمهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري، والمهندس إبراهيم المعلم والناقد الفني طارق الشناوي.