محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

بنسلفانيا «أم المعارك» في الانتخابات النصفية الأميركية

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ
TT

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الأميركية النصفية، صعد السباق الصعب في ولاية بنسلفانيا على عضوية مجلس الشيوخ، بين الجمهوري محمد أوز، طبيب أمراض القلب، والديمقراطي جون فيترمان، إلى مرتبة قد تحدد نتائج توازن القوى داخل مجلس الشيوخ الحالي، المنقسم مناصفة بين الحزبين. فالديمقراطيون يراهنون على احتفاظهم الهش بالسيطرة على مجلس الشيوخ، وتعزيزها عبر الفوز بالمقعد الذي شغر في الولاية، إثر إعلان السيناتور الجمهوري بات تومي اعتزاله العمل السياسي والإحجام عن الترشح للمنصب. وفي المقابل، يرى الجمهوريون أن الولاية باتت «متأرجحة» بشكل يقرّبها أكثر إلى صفهم. ويراهنون على نجاح مرشحهم محمد أوز للاحتفاظ بهذا المقعد، وتهيئة الظروف لسيطرة الجمهوريين على المقعد الثاني الذي يشغله السيناتور الديمقراطي الشهير بوب كايسي. غير أن هذا الطموح قد تحول دونه عوامل عدة، على رأسها شخصية أوز نفسه. إذ رغم صعود حظوظه في مواجهة منافسه فيترمان، الذي نجا قبل أشهر من سكتة دماغية، ولا يزال يتماثل للشفاء منها، فلا تزال تحيط بأوز علامات استفهام عدة، مرتبطة بحياته المهنية والشخصية والسياسية والإعلامية.
محمد أوز - الشهير باسم «الدكتور أوز» - لم يصنع شهرته من كونه طبيباً جراحاً متخصصاً بأمراض القلب فقط ، بل من تحوله إلى نجم تلفزيوني مثير للجدل. إذ شارك في كثير من البرامج التي صنعت شهرته، لكنها ساهمت أيضاً في إثارة الجدل حول صحة ادعاءاته الطبية وصدقيتها. فقد اتهم بالكذب وبتقديم معلومات طبية غير صحيحة، مستغلاً شهرته للترويج لمنتجات طبية، واستثمار أموال في الشركات المنتجة، من بينها مثلاً عقار لمكافحة الشيخوخة، وآخر لإنقاص الوزن، لم تنل موافقة الجهات الرسمية.
وعام 2020، وإبان جائحة «كوفيد 19» شجع أوز الرئيس السابق دونالد ترمب على الترويج لاستخدام عقار «هيدروكسي كلوروكين» المضاد للملاريا، لعلاج الجائحة. وفي وقت لاحق، ألغت «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية ترخيص الاستخدام الطارئ للهيدروكسي كلوروكين، ليتبيّن أن أوز يمتلك أيضاً ما لا تقل قيمته عن 630 ألف دولار من الأسهم في شركتين تتوليان تصنيع أو توزيع هذا العقار.
في أي حال، تسليط الأضواء على محمد أوز نابع من كونه أول أميركي مسلم يرشحه أي من الحزبين الرئيسين لمجلس الشيوخ الأميركي. بيد أن حصوله على تأييد ترمب، الذي دفع بمرشحين موالين له، لإظهار ثقله السياسي وسيطرته على الحزب الجمهوري، ضاعف من الاهتمام به. ويعود الفضل إلى ترمب في فوزه في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين أمام منافسين أقوياء. لكن فوزه كان صعباً، إذ تأكد بعد إعادة فرز الأصوات، أمام منافسه ديفيد ماكورميك، مرشح «المؤسسة الحزبية». ومقابل هذا الدعم، قدم أوز ولاء الطاعة للرئيس السابق، متراجعاً عن كثير من مواقفه وآرائه «المعتدلة». والتزم بشعارات ترمب، الذي بات يعده «حصانه الرابح» لخوض معركة السيطرة على ولاية بنسلفانيا ومجلس الشيوخ.
وفي حين كافح منافسه الديمقراطي، في المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما قبل أيام، للظهور بمظهر متعافٍ قادر على تولي المنصب، ودافع عن سياسات حزبه، أظهر أوز، الشخصية التلفزيونية السابقة، وضوحاً وتماسكاً صقلتهما سنوات خبرته أمام الكاميرا. ومنذ الدقائق الأولى، انتهز الفرصة لمخاطبة الوسط السياسي، واصفاً نفسه بأنه «جراح يعمل على حل المشكلات»، مكرراً مراراً وصف منافسه فيترمان بأنه «راديكالي». وقال إنه يريد «إعادة التوازن إلى واشنطن في مواجهة التطرف». ومع تبنّي أوز بالكامل شعار ترمب «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، فإنه عدّل بعض شعاراته للانتخابات النصفية، قائلاً إنه يريد أن تكون «واشنطن متحضّرة مرة أخرى» وأن يكون «مرشح التغيير»، مؤكداً أنه سيدعم ترمب مرة أخرى في انتخابات عام 2024.
> خدمته في الجيش التركي
محمد جنكيز أوز، المعروف بـ«الدكتور أوز»، على اسم برنامجه التلفزيوني الشهير، الذي كان وراء تصنيف مجلة «تايم» له من بين 100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم، مؤلف وسياسي وأستاذ فخري وطبيب متقاعد متخصص في جراحة أمراض القلب. تخرج من كل من جامعة هارفارد وجامعة بنسلفانيا، ويحمل الجنسية المزدوجة للولايات المتحدة وتركيا.
خدم أوز سنتين في الجيش التركي خلال الثمانينات، وخضع لتدريب إلزامي لمدة 6 أسابيع، للمواطنين الذين يقيمون في دول أجنبية، للحفاظ على جنسيته التركية. ومارس مهنة الطب في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وعام 2001 أصبح أستاذاً للجراحة، قبل أن يتقاعد ويصبح أستاذاً فخرياً فيها عام 2018. وفي حال فوزه، سيصبح أغنى سيناتور أميركي في تاريخ مجلس الشيوخ، بثروة تقدر ما بين 78 و500 مليون دولار.
عام 2003، كانت أوبرا وينفري أول ضيفة يستضيفها أوز في برنامج على قناة «ديسكفري»، ليظهر معها لاحقاً بشكل منتظم لأكثر من 60 مرة في برنامجها. وعام 2009، أطلق برنامج «دكتور أوز شو»، الذي يركز على الأمور الطبية والصحية، من قبل شركتي «وينفري برودكشن» و«سوني بيكتشرز»، واستمر عرضه لمدة 13 موسماً، وعرضت الحلقة الأخيرة منه في 14 يناير (كانون الثاني) 2022، غير أنه اتهم بالترويج للعلوم الزائفة، بما في ذلك مواضيع الطب البديل، والشفاء الإيماني، ومختلف المعتقدات الخارقة. الأمر الذي سبّب له انتقادات عدد من المنشورات الطبية والأطباء.
> الانتخابات غيّرت قناعاته
عام 2018، عيّنه الرئيس السابق ترمب في مجلس الرئيس للرياضة واللياقة والتغذية، وجدّد له منصبه في نهاية 2020، بعد خسارته سباق الرئاسة. غير أن أوز فُصل لاحقاً من المنصب في إدارة جو بايدن الحالية، بعدما أعلن ترشحه لعضوية مجلس الشيوخ بنهاية 2021، ومعارضته كثيراً من متطلبات الوقاية من جائحة «كوفيد 19»، داعياً إلى طرد الدكتور أنتوني فاوتشي من منصبه كمستشار بايدن الرئاسي، بعدما كان من أشد المؤيدين له.
وفي عام 2007، وصف أوز نفسه بأنه «جمهوري معتدل»، واستشهد بحاكم كاليفورنيا السابق الممثل أرنولد شوارزنيغر، وبالرئيس السابق ثيودور روزفلت كمصدر إلهام. ولكن خلال إعلان حملته لعام 2022، وصف نفسه بـ«الجمهوري المحافظ». ثم بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، وصف نفسه بأنه «زعيم معتدل، لكنه ليس سلبياً». ورغم معارضته الإجهاض، رفض الإفصاح عن موقفه من هذه القضية بشكل مباشر خلال مناظرته مع فيترمان، تخوفاً من تأثيرها سلبياً على حظوظه الانتخابية بين النساء. وأيضاً، أعلن معارضته لقانون الرعاية الميسرة «أوباما كير» بعدما كان من أشد المؤيدين له، وعارض تشريع حشيشة الكيف.
وفي المقابل، يدعم أوز حق اختيار الأهل للمدرسة، والمدارس المستقلة، وينتقد قوة نقابات المعلمين وعلاقتها الوثيقة بالحزب الديمقراطي. كذلك يدعم التكسير الهيدروليكي لإنتاج النفط، ويعتقد أن الغاز الطبيعي يمكن أن يساعد الولايات المتحدة في أن تصبح مستقلة في الطاقة وتقليل أسعار البنزين. وبالنسبة للبيئة أيضاً، كان من أشد المدافعين عن تهديدات تغير المناخ، لكنه بعد ترشحه قلل من أهمية الخطر الذي يمثله ثاني أكسيد الكربون ودوره في الاحتباس الحراري، قائلاً: «إنه لا يمثل سوى 0.04 في المائة من هوائنا. هذه ليست المشكلة». وبجانب ذلك، فهو يؤيد الحق في حمل السلاح، وتنفيذ عقوبة الإعدام، وحماية الزواج المثلي، ويدعم حق إسرائيل في الوجود، ويعارض حركة المقاطعة ضدها، بل يؤيد إبقاء السفارة الأميركية في القدس، ويدعم استمرار المساعدة العسكرية لها. وبالنسبة لأوكرانيا، أدان الغزو الروسي لأوكرانيا، ووصفه بأنه «مروع» و«يمكن منعه».
> مسلم معتدل
ولد أوز عام 1960 في مدينة كليفلاند، بولاية أوهايو. والده مصطفى من مقاطعة قونية في تركيا، طبيب جراح، ووالدته سونا من أصل شركسي ومن عائلة ثرية في إسطنبول.
عام 1950، انتقل والده إلى الولايات المتحدة؛ حيث تدرب على جراحة القلب والصدر في جامعة إيموري في أتلانتا (عاصمة ولاية جورجيا) وكان رئيس قسم جراحة الصدر في المركز الطبي في ولاية ديلاوير لعدة سنوات قبل أن يعود إلى تركيا.
لدى أوز أختان، سيفال ونظليم، ونشأ في بيئة إسلامية مختلطة حيث تمارس أسرة والده الإسلام التقليدي، بينما أسرة والدته أكثر علمانية. نشأ أوز في مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير، وتلقى تعليمه في مدرسة تاور هيل فيها. عام 1982، حصل على شهادة بكالوريوس علوم في علم الأحياء بامتياز من جامعة هارفارد. وعام 1986 حصل على الدكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة بنسلفانيا، كما نال الماجستير من كلية وارتون للتمويل الشهيرة في جامعة ببنسلفانيا.
بدأ أوز حياته المهنية في مدينة نيويورك، ثم في مستشفيات جامعة كولومبيا. وعام 2001 أصبح أستاذاً فيها حتى عام 2018. وهناك ساعد في تطوير كثير من الأجهزة والإجراءات المتعلقة بجراحة القلب، وحصل عام 2015 على عدد من براءات الاختراع المتعلقة بجراحة القلب. ولقد طلبت مجموعة من 10 أطباء، في جامعة كولومبيا، خلال العام نفسه إزالته من الكلية بسبب «ازدرائه العلوم والطب القائم على الأدلة»، لكن الجامعة رفضت ذلك، بحجة أنها ملتزمة بمبدأ «الحرية الأكاديمية ودعم حرية أعضاء هيئة التدريس في التعبير».
تزوج من زوجته ليزا أوز، الكاتبة والشخصية تلفزيونية، عام 1985، ولديهما 4 أبناء، بما في ذلك ابنته الكبرى دافني، وهي أيضاً مؤلفة ومقدمة برامج تلفزيونية. ومن ناحية ثانية، في 2020، رفعت أخته نظليم أوز دعوى قضائية ضده، بزعم أنه كان يحجب دخلها من الإيجار من الشقق المملوكة لوالدهما الراحل. وردّ أوز بأنه أُجبر على تعليق مدفوعات الشقق كضمان، لأن والدتهم وأقاربهم كانوا يقاضونها في محكمة الوصاية التركية بشأن توزيع أملاك والده.
هذا، وتعهد أوز أنه، في حال انتخابه، سيتخلى عن جنسيته التركية «التي كان يتمسك بها من أجل مساعدة والدته التي تعاني من مرض ألزهايمر في تركيا»، على الرغم من أنه لا يوجد قانون أميركي يحظر على أعضاء الكونغرس أن يكونوا مزدوجي الجنسية. وهو يعرّف عن نفسه بأنه «مسلم علماني»، ويرفض تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة. وفي إشارة إلى أن زوجته وأولاده الأربعة مسيحيون، قال أوز إنه يعتقد أن الولايات المتحدة تأسست على القيم اليهودية والمسيحية.
> ولاية بنسلفانيا... في سطور
اكتسبت ولاية بنسلفانيا تسميتها كإحدى «ولايات الصدأ»، من كونها أكبر مركز لصناعة الحديد والصلب في البلاد، وأيضاً في إنتاج الفحم الحجري. لكن المنافسة غير المتكافئة مع الصين في إنتاج الحديد أدت إلى إغلاق كثير من مصانعها وتراجع إنتاج الفحم، ما أدى إلى تدهور أحوال عمالها ودور اتحاداتهم النقابية، التي كانت تدين بالولاء للديمقراطيين.
هذا الواقع ساهم في تعزيز الخطاب الشعبوي، سواء من اليمين أو اليسار، في صفوفهم. وحقاً تحولت الولاية في السنوات الأخيرة إلى ولاية متأرجحة، بعدما تمكن الجمهوريون من تعزيز شعبيتهم وسط هذه الشريحة، التي تسكن ضواحي المدن والأرياف. وعلى الرغم من فوز ترمب بالولاية في عام 2016 بهامش ضيق، فإن بايدن تمكن من استعادتها للديمقراطيين، وبهامش ضيق أيضاً. وهو ما يعزز آمال الجمهوريين في الاحتفاظ بمقعد مجلس الشيوخ وإعادتها عام 2024 لسيطرتهم.
وفعلاً، كثفت مجموعة الضغط في الحزب الجمهوري، من إنفاقها على حملة أوز، مضيفة 6 ملايين دولار إلى حجوزاتها التلفزيونية في الولاية، في الأيام المتبقية من الحملة. فيما ضخت لجنة الحزب الديمقراطي 5 ملايين دولار أخرى الأسبوع الماضي. وقال ستيفن لو، رئيس مجموعة الضغط الجمهورية: «نعتقد أننا إذا فزنا في بنسلفانيا، فسنفوز بالغالبية في مجلس الشيوخ». ويرى كثير من المراقبين أنه في ظل عدم توقع حصول تغيير في سيطرة الحزبين على الولايات الأخرى، تحولت بنسلفانيا إلى «أم المعارك» الانتخابية. فسيطرة الجمهوريين عليها ستمنحهم 51 مقعداً من أصل 100 مقعد، كافية لتقرير مصير كثير من المواجهات مع البيت الأبيض. وهو ما دفع ترمب، وكذلك بايدن، لإيلاء أهمية خاصة بها، وزيارتها مرات عدة.


مقالات ذات صلة

ما الذي يحدث لأمعائك أثناء نوبة القولون العصبي وكم تدوم عادةً؟

صحتك يعاني المصابون بمتلازمة القولون العصبي من ألم في المعدة (بيكسلز)

ما الذي يحدث لأمعائك أثناء نوبة القولون العصبي وكم تدوم عادةً؟

يعاني العديد من المصابين بمتلازمة القولون العصبي من أعراض متقطعة، مثل ألم المعدة والانتفاخ والإمساك أو الإسهال. وعندما تتفاقم هذه الأعراض يُطلق عليها اسم نوبة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك قلة النشاط البدني تؤدي إلى انخفاض استهلاك الطاقة في الجسم (بيكسلز)

كيف تتراكم الدهون الحشوية؟ 4 أسباب يومية غير متوقعة

قد تبدو العادات اليومية بسيطة وغير مؤثرة على المدى القصير، لكن تأثيرها التراكمي على صحة الجسم قد يكون كبيراً، خصوصاً فيما يتعلق بطريقة توزيع الدهون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الزعتر غني بمواد لها تأثير إيجابي على الأعصاب (بيكساباي)

ماذا يحدث لأعصابك عند تناول الزعتر يومياً؟

في عالم تتزايد فيه الضغوط اليومية يبحث كثيرون عن طرق طبيعية لدعم صحة الجهاز العصبي. ويعد الزعتر من بين الأعشاب الشائعة التي تحظى باهتمام متزايد في هذا الشأن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك كوب من الحليب وسط مجموعة من المكسرات (بكسلز)

سرّ النوم الجيد: أهمية الميلاتونين وأبرز مصادره الطبيعية

يُعدّ النوم الجيد من الركائز الأساسية للصحتين الجسدية والنفسية، إذ يؤثر بشكل مباشر في الطاقة اليومية، والتركيز، ووظائف الجسم الحيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.