ماكرون وشولتس يسعيان لتخطي خلافاتهما

تشكيل لجان عمل مشتركة في مجالات الطاقة والدفاع والتطوير

ماكرون مرحباً بشولتس في قصر الإليزيه أمس (د.ب.أ)
ماكرون مرحباً بشولتس في قصر الإليزيه أمس (د.ب.أ)
TT

ماكرون وشولتس يسعيان لتخطي خلافاتهما

ماكرون مرحباً بشولتس في قصر الإليزيه أمس (د.ب.أ)
ماكرون مرحباً بشولتس في قصر الإليزيه أمس (د.ب.أ)

نادراً ما اهتمت الصحافة الفرنسية بزيارة مستشار ألماني إلى باريس، لكون الزيارات المتبادلة مع رئيس الجمهورية شبه أسبوعية. لكن مجيء أولاف شولتس إلى باريس ظهر أمس إلى قصر الإليزيه، بناء على رغبته، للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون حول مائدة غداء، اعتبر حدثاً استثنائياً نظراً للصعوبات التي تعرفها راهناً العلاقات الفرنسية - الألمانية.
وجاء إلغاء الاجتماع الوزاري الدوري المشترك برئاسة المسؤولين المذكورين ليبيّن الفجوة التي أصابت العلاقات بين باريس وبرلين اللتين شكلتا، منذ إطلاق المشروع الأوروبي، المحرك الرئيسي. يضاف إلى ذلك أن أيّاً من المسؤولين لم يدلِ بأي تصريح، قبل اللقاء أو عقب انتهائه.
ومنذ أن أعلن عن تأجيل الاجتماع الوزاري المشترك، دأبت الوسائل الإعلامية الفرنسية بأنواعها على تشريح واقع العلاقات بين البلدين الشريكين وإبراز نقاط الخلاف.
وثمة توافق بين المحللين على أن التصدع مصدره الأول الحرب الأوكرانية وتبعاتها في ملفين أساسيين؛ مستقبل الأمن والدفاع في أوروبا، وكيفية التعامل مع أزمة الطاقة التي لها تأثيرها المباشر على التضخم وغلاء الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن. وكان قد تبين أن الحجة التي تلطى خلفها الطرفان لتبرير تأجيل الاجتماع والقائلة إنها تعود لأجندتهما، كانت واهية، وأن السبب الحقيقي هو اختلاف الرؤى حول 4 ملفات رئيسية يحتاج التوافق بشأنها إلى مزيد من المشاورات والتنسيق.
لم تتسرب تفاصيل عن مجريات الاجتماع، وخصوصاً عن نتائجه. إلا أن قصر الإليزيه وصف الاجتماع بأنه كان «بناءً جداً»، وأنه أفضى إلى تشكيل مجموعات عمل في مجالات الطاقة والدفاع والتطوير.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر رئاسي قوله إن المسؤولين «بحثا العلاقة الفرنسية - الألمانية بروح من العمل الوثيق جداً على المديين المتوسط والبعيد».
وكانت الرئاسة الفرنسية أصدرت بياناً ليل أول من أمس عدّدت فيه المحاور التي سيدور حولها الاجتماع. وأشار البيان إلى أن الطرفين «سيناقشان مسائل الدفاع والاقتصاد والطاقة من أجل تعزيز التعاون الفرنسي – الألماني، كما سيتناولان بشكل خاص التحديات المشتركة التي يواجهانها وأفضل وسيلة للتعامل معها متحدين ومتضامنين».
كذلك أوضح البيان أن المسؤولَين سيتناولان آخر تطورات الحرب الروسية على أوكرانيا، متوقعاً أن يعرض شولتس على مضيفه نتائج مؤتمر برلين الذي عقد الثلاثاء الماضي من أجل إعادة إعمار أوكرانيا.
وأمس، اعترف الوزير أوليفيه فيران، الناطق باسم الحكومة، عقب اجتماع مجلس الوزراء الفرنسي صباحاً برئاسة ماكرون، بوجود «صعوبات يتعين تخطيها» بين الطرفين، معتبراً أن أولويات أحد البلدين «لا تتوافق بالضرورة مع أولويات البلد الآخر». إلا أنه استدرك بالقول إن «قوة الثنائي الفرنسي - الألماني أنه قادر على التفاهم من أجل دفع أوروبا إلى الأعلى»، وإن فرنسا وألمانيا عازمتان على «إدامة عمل» المحرك الفرنسي - الألماني بفضل الصداقة الحية بينهما، التي سمحت بتحقيق تقدم كبير على الصعيد الأوروبي. وعلى الرغم من الابتسامات المتبادلة بين ماكرون وضيفه الألماني، فإن طبيعة علاقاتهما، الشخصية أو بين بلديهما، تعاني من اختلاف المقاربات بشأن كثير من القضايا. ويعني ذلك عملياً أن «الهيمنة» الفرنسية - الألمانية التقليدية على القرارات والسياسات الأوروبية في حال استمرار التجاذب بينهما ربما أصبحت من الماضي.
وتتخوف المصادر الفرنسية من أن تكون ألمانيا، في ظل شولتس وبسبب الحرب في أوكرانيا، آخذة بالتيمم نحو وسط وشرق أوروبا، وأن تشكل برلين واسطة العقد لهذا التجمع الجديد الذي برز مع مشروع «الدرع الفضائي الأوروبي».
وقال رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، إن الثنائي الفرنسي - الألماني «مصاب بالشلل»، مضيفاً أنه «لا يمكن في اللحظة الراهنة (أي فيما الحرب مشتعلة على التراب الأوروبي) قبول ألا تكون أوروبا قوية ومتحدة، وهذا يبدأ بحوار فرنسي - ألماني مثمر».
ويشكل استبعاد فرنسا من المشروع الألماني لبناء دفاع صاروخي مشترك (الدرع الفضائي) الذي تحلقت حوله 14 دولة أوروبية، بما فيها بريطانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، أحد الأسباب الرئيسية للتباعد بين العاصمتين. باريس اعتبرت أن برلين لم تأخذ في الاعتبار مبدأ «الأفضلية الأوروبية» لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية ودفع الصناعة الدفاعية الأوروبية إلى الأمام. ذلك أن هذا المشروع سيعتمد أساساً على منظومة «باتريوت» الأميركية و«آرو» الإسرائيلية وعناصر أخرى ألمانية، فيما يدير ظهره لفرنسا وإيطاليا، اللتين طوّرتا معاً منظومة للدفاع الجوي. ومنذ انتخابه رئيساً للمرة الأولى في العام 2017، سعى ماكرون لتعزيز الشراكات الدفاعية الأوروبية وبناء جيش أوروبي قادر على حماية المصالح الأوروبية. والحال أن مشروعين للتعاون في الصناعة الدفاعية بين باريس وبرلين لم يحققا تقدماً يذكر، ويتناولان تصنيعاً مشتركاً لطائرة المستقبل التي يفترض أن تحل محل «الرافال» الفرنسية و«التايفون» الأوروبية التي تشارك ألمانيا في إنتاجها. لكن برلين استدارت نحو الولايات المتحدة لشراء طائرة «إف 35». كما أن العمل على المشروعين الدفاعيين المشتركين يراوح مكانه، ما يعني أن مبلغ الـ100 مليار يورو التي خصصتها ألمانيا لتحديث سلاح قواتها لن يذهب إلى الشركات الأوروبية.
أصبح واضحاً اليوم أن الرؤية الألمانية لمستقبل أوروبا تختلف عن الرؤية الفرنسية. إذ استدارة برلين نحو وسط وشرق أوروبا ورغبتها الشديدة في ضم بلدان غرب البلقان وتوسيع الاتحاد الأوروبي إلى 30 حتى 36 عضواً لا تحظيان بحماسة فرنسية. فباريس تشدد على الحاجة لإنشاء نواة أوروبية صلبة أكثر اندماجاً، ولا تستعجل توسيع الاتحاد، على الرغم من قبول أوكرانيا ومولدافيا مرشحتين رسميتين للانضمام إليه. وعُدّ قرار برلين حقن 200 مليار يورو في الاقتصاد الألماني، وتوفير دعم للشركات والأفراد بسبب ارتفاع أسعار الطاقة من غير التشاور مع فرنسا أو أي طرف أوروبي آخر «أحادياً»، ومن شأنه زعزعة السوق الأوروبية الداخلية ونسف المنافسة العادلة بين الشركات.
أخيراً، يتباعد البلدان بخصوص كيفية التعامل مع أزمة ارتفاع أسعار الطاقة، خصوصاً الغاز. وقلب الخلاف رفض برلين مقترحاً تسير به عدة دول أوروبية، بينها فرنسا، لوضع سقف لأسعار مشتريات الغاز، ما من شأنه إلزام الدول المصدرة بخفض أسعارها حتى لا تخسر السوق الأوروبية. إلا أن برلين تعارض، بعد أن خسرت الغاز الروسي الذي كانت تعتمد عليه بنسبة 40 في المائة (بعكس فرنسا). فهي تتخوف من أن فرض حد أقصى للأسعار سيدفع المصدرين للتوجه للأسواق التي توفر لها مردوداً أعلى. كما أنها تحذر من أن إجراء كهذا سيشجع على مزيد من استهلاك الغاز، بينما المطلوب تخفيف الاعتماد عليه.
حقيقة الأمر أن الحرب الروسية على أوكرانيا بيّنت للدول الأوروبية، وخصوصاً القريبة من روسيا، والتي كانت سابقاً جزءاً من الاتحاد السوفياتي، أن المظلة الأميركية - الأطلسية هي الضامن الوحيد للحماية من روسيا. وبالتالي، فإن السعي لاستقلالية استراتيجية أوروبية، تدفع إليها فرنسا، لا معنى له في الوقت الحاضر.
إنه فصل جديد في تاريخ العلاقات بين دولتين قد فتح بسبب تضارب المصالح والرؤى. إلا أن حالة الفتور ليست مستجدة، وسبق أن اعترت علاقاتهما، وقد نجحا في تخطيها. وقمة الأمس بين شولتس وماكرون تندرج في سياق السعي لاستعادة روح التعاون والتكامل السابقة. لكن من المبكر الحكم المسبق على إمكانية النجاح أو الفشل.


مقالات ذات صلة

رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

الرياضة رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

رئيس نادي شتوتغارت: نتفهم عدم رضا الجماهير عن بيع أسهم رابطة الدوري

أبدى أليكساندر ويرل، رئيس نادي شتوتغارت، تفهمه لعدم رضا الجماهير عن خطط رابطة الدوري الألماني لكرة القدم، لبيع أجزاء من أسهمها للمستثمرين. وقال رئيس شتوتغارت في تصريحات لصحيفة «فيلت»، اليوم الأربعاء: «إنهم يخشون أن تذهب الأموال للاعبين ووكلائهم، يجب العلم بأن ذلك لن يحدث في تلك الحالة». وتنص اللوائح على عدم إمكانية امتلاك أي مستثمر لأكثر من 50 في المائة من الأسهم، باستثناء باير ليفركوزن، وفولفسبورغ المدعوم من شركة فولكسفاجن، وتوجد طريقة للتحايل على تلك القاعدة، وهي الاستثمار في القسمين (الدوري الممتاز والدرجة الثانية). وكان يتعين على الأطراف المهتمة تقديم عروضها بحلول 24 أبريل (نيسان) الماضي ل

«الشرق الأوسط» (شتوتغارت)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم سوري مشتبه به في تنفيذ هجومين بسكين في ألمانيا

سوري مشتبه به في تنفيذ هجومين بسكين في ألمانيا

أعلن مكتب المدّعي العام الفيدرالي الألماني، اليوم (الجمعة)، أن سورياً (26 عاماً) يشتبه في أنه نفَّذ هجومين بسكين في دويسبورغ أسفر أحدهما عن مقتل شخص، وفقاً لوكالة «الصحافة الفرنسية». وذكرت النيابة العامة الفيدرالية في كارلسروه، المكلفة بأكثر القضايا تعقيداً في ألمانيا منها «الإرهابية»، أنها ستتولى التحقيق الذي يستهدف السوري الذي اعتُقل نهاية الأسبوع الماضي. ولم يحدد المحققون أي دافع واضح للقضيتين اللتين تعودان إلى أكثر من 10 أيام. وقالت متحدثة باسم النيابة الفيدرالية لصحيفة «دير شبيغل»، إن العناصر التي جُمعت حتى الآن، وخصوصاً نتائج مداهمة منزل المشتبه به، كشفت عن «مؤشرات إلى وجود دافع متطرف ور

«الشرق الأوسط» (برلين)
الخليج وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته الألمانية تطورات الأحداث في السودان

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته الألمانية تطورات الأحداث في السودان

تلقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، اتصالاً هاتفياً، اليوم (الخميس)، من وزيرة خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية أنالينا بيربوك. وبحث الجانبان خلال الاتصال، التطورات المتسارعة للأحداث في جمهورية السودان، وأوضاع العالقين الأجانب هناك، حيث أكدا على أهمية وقف التصعيد العسكري، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، وتوفير الممرات الإنسانية الآمنة للراغبين في مغادرة الأراضي السودانية. وناقش الجانبان القضايا والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تعزيز جهود إرساء دعائم السلام التي يبذلها البلدان الصديقان بالمنطقة والعالم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم القبض على سوري مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن بألمانيا

القبض على سوري مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن بألمانيا

ألقت السلطات الألمانية ليلة أمس (السبت)، القبض على شخص مشتبه به في تنفيذ هجوم الطعن الذي وقع مساء الثلاثاء الماضي، في صالة للياقة البدنية بمدينة دويسبورغ غرب البلاد. وصرح الادعاء العام الألماني في رد على سؤال من وكالة الأنباء الألمانية، بأن هذا الشخص سوري الجنسية ويبلغ من العمر 26 عاماً. وأدى الهجوم الذي قالت السلطات إنه نُفذ بـ«سلاح طعن أو قطع» إلى إصابة 4 أشخاص بجروح خطيرة.


الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».