سينما اليوم تفتقر إلى ما كانت عليه في السبعينات

سكورسيزي يهاجم مجدداً ليذكّر بماضٍ أجمل

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي
TT

سينما اليوم تفتقر إلى ما كانت عليه في السبعينات

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

استغل المخرج مارتن سكورسيزي وقوفه على منصّة مهرجان نيويورك الأخير ليصوّب رصاصاته على هوليوود الحالية. قال إنها تُكرس وضعاً صعباً، عبر تجاهل كل مقوّمات العمل السينمائي باستثناء اللهاث وراء أرقام «شباك التذاكر». وأضاف: «منذ الثمانينات ركّزت هوليوود على الأرقام. إنه أمر يدعو للاشمئزار». من ثَم تابع: «كسينمائي وشخص لا يتصور الحياة بلا سينما، وجدت دائماً أن هذا الهوس مهين».
طبعاً هذه ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها المخرج هوليوود، بل سبق له أن وجه إلى إكثارها وتفضيلها لأفلام الـ«سوبرهيرو» نقداً لاذعاً، مقارناً هذه الأفلام بحدائق ومتنزهات الترفيه (Theme Parks).
ما يقوله صحيح وما تفعله هوليوود يبرره. آخر ما تفتقت عنه هوليوود من أفعال إطلاق الأفلام السينمائية تزامناً مع إطلاقها على المنصات الإلكترونية. ليس بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر، بل في اليوم نفسه. وهذا ما حدث أخيراً، مع فيلم «هالووين ينتهي»، الذي سجل 41 مليون دولار محتلاً القمة، علماً بأنه في نفس يوم افتتاحه بُث على الإنترنت. مما يعني أنه لو أتيح لصالات السينما الانفراد بعرضه، لسجل الفيلم ضعف ذلك المبلغ أو قريباً منه.

روبرت ردفورد في «المرشّح»

- انتصار صلب
الحال لم تكن على هذا النحو قبل 50 سنة (ولا قبلها أو بعدها حتى نهاية السبعينات). كصناعة تقوم على التجارة لا بد لكل شركة إنتاج أن تحلم باسترداد التكلفة على الأقل، ناهيك عن تسجيل أرباح قصوى. لكن هوليوود‪، ‬ قبل 50 سنة، كنموذج، كانت لا تزال تؤمن بأن هناك جماهير عدّة وليس جمهوراً واحداً هو الجمهور الذي يفضل الأفلام المحض تجارية. كانت لا تزال تطلق أفلاماً من كل نوع وليس فقط من نوعين أو ثلاثة، على أساس أنها هي وحدها التي تستحق الإنتاج كما هو حاصل اليوم.‬
نظرة فاحصة لما كانت عليه السينما سنة 1972 تفصح عن الكثير.
1972 هو العام الذي حقق فيه المخرج فرنسيس فورد كوبولا تحفته الأولى «العرّاب». ولم يكن تحقيق هذا الفيلم الذي فاجأ نجاحه التجاري والنقدي هوليوود سهلاً. كوبولا، الذي لم يكن بعد كوّن اسماً دامغاً، حارب اتجاهات الشركة المنتجة (باراماونت) في دفع الفيلم صوب معالجات تقليدية. أصر على معالجته الخاصة لرواية ماريو بوزو وعلى جلب أي ممثل أراده (كل من مارلون براندو وآل باتشينو كانا موضع رفض لدى الشركة في بادئ الأمر).
انتصار كوبولا الصلب، ساهم كثيراً في تسهيل عملية إنتاجه الجزء الثاني سنة 1974 وتأكيد دور المخرج في الفيلم كأعلى من مجرد منفّذ. لكن لم تشهد كل الأفلام المبهرة في ذلك العام هذا التحدي الكبير. بعضها تم تحقيقه من دون تلاحم وفرض شروط. لذلك شهدت السينما الأميركية أعمالاً رائعة أخرى غير فيلم «العرّاب» تميّزت بالتنوع حين كان التنويع لا يزال ضرورياً.
الآيرلندي جون بورمن أنجز «خلاص» (Deliverance)، عن تلك الرحلة فوق نهر بعيد تشهد مواجهة بين أبناء المدينة ومجاهل عالم لا يزال يعيش في كنف الأمس. لاحقاً، حقق في الولايات المتحدة أعمالاً لافتة أخرى بينها «Point Blank» بوليسي صارم من بطولة لي مارفن.
المخرج بوب فوسي أنجز فيلمه المستمد من سيرة حياته وهو «كباريه»، أحد أفضل أعماله. حفل الفيلم بألوان تعبير فنية مختلفة فهو مسرح، وموسيقى، وتمثيل، ورقص، وسرد حياة خاصّة في قالب واحد.
المخرج الرائع ألفرد هيتشكوك عاد في 1972 إلى تألقه عبر فيلم بعنوان «هيجان» (Frenzy)، والمخرج الذي لا يقل قيمة جون هيوستن حقق «مدينة سمينة» (Fat City). بينما انصرف هيتشكوك لاستعادة قدراته الفنية في كيفية تحويل قصّة جريمة إلى فيلم يثير الذعر بنجاح، منح هيوستن فيلمه صبغة إنسانية ومعالجة اجتماعية باتت نادرة المثال اليوم. قصّة ملاكم سابق (ستايسي كيتش) يحاول العودة إلى الحلبة عن طريق تبني ملاكم شاب يأمل به نجاحاً (جف بريدجز). على عكس أفلام رياضية كثيرة، هذا الفيلم ليس عن الملاكمة بل عن الطموح ثم الإحباط مروراً بمتاعب اجتماعية وعاطفية وأزمات.

من فيلم «خلاص» لجون بورمن

- ردفورد في ثلاثة
شهدت السنة نفسها، ثلاثة أفلام لعب روبرت ردفورد بطولتها. ليس من بينها ما يمكن إنتاجه اليوم بنجاح إلا مع تغيير قواعدها والإتيان بمشاهد خيالية جانحة ومواقف غير منطقية. الفيلم الأول هو «المرشّح»، الذي أخرجه المنسي مايكل ريتشي وفيه لعب ردفورد دور سياسي يعلن ترشيحه كسيناتور عن ولاية كاليفورنيا مدركاً احتمالات إخفاقه بسبب نظام سياسي يطاله الفساد. فيلمه الثاني في العام نفسه كان «الجوهرة الساخنة» (The Hot Rock) لبيتر ياتس، الذي تحوّل فيه إلى رئيس عصابة وسيم وذكي يقرر سرقة جوهرة من داخل خزانة المصرف. الفيلم الثالث كان «ويسترن»، عنوانه «جيروميا جونسون» لسيدني بولاك عن مكتشف براري يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في بيئة خطرة.
الـ«ويسترن» بالمناسبة كان انتقل من مجرد حكايات رعاة بقر وهنود حمر إلى مرثيات عاطفية أشبه بغناء البلوز. كان منها في ذلك العام ثلاثة أفلام برزت أكثر من سواها هي «جونيور بونر» لسام بكنباه، حول ذلك الرجل الذي يحن لعصر مضى (قام به ستيف ماكوين) و«أصحاب سوء» (Bad Company) لروبرت بنتون، ودار حول مجموعة من الشباب لم تترك لهم مصاعب الحياة سوى اقتراف الجريمة و«غارة ألزانا» لروبرت ألديتش: بيرت لانكاستر وحامية عسكرية تدافع عن نفسها ضد المواطنين الأميركيين. النهاية البائسة لكل فيلم من هذه الأفلام، كما المعالجة الواقعية، لم تمنع تحولها إلى أيقونات سينمائية محفورة في صلب التاريخ.
بكنباه، مخرج «جونيور بونر» كان لديه فيلم آخر في عام 1972 هو «الفرار» (the Getaway)، أيضاً مع الممثل ستيف ماكوين: دراما بوليسية يواجه فيها ماكوين عصابة تريد السطو على ما سطا عليه من غنيمة. نصف هذه الأفلام التي ذكرتها سجّلت إقبالاً جماهيرياً ناجحاً وانتهت على قائمة أنجح أفلام السنة.
«العرّاب» تربع على القمة بنحو 83 مليون دولار حين كان سعر التذكرة لا يزيد عن 3 دولارات في المساء وأقل من ذلك في ساعات النهار. «خلاص» جاء في المرتبة الرابعة، وفي الخامسة «جيرميا جونسون»، وفي السادسة «كباريه» وفي الثامنة «الفرار».
مع تعديل قيمة الدولار لسعر اليوم أنجز كل من هذه الأفلام ما يزيد عن 100 مليون دولار من دون تنازل عن مساره فنياً أو موضوعاً.
- تدجين جيل
خارج الولايات المتحدة شهدت السينمات العالمية مزيداً من نجاحات فنية كانت بدأت منذ منتصف الستينات. في ذلك العام حقق الروسي أندريه تاركوفسكي فيلمه «سولاريس»، الذي واكبته تقديرات النقاد الغربيين مانحة إياه خمس نجوم كشأن فيلم إنغمار برغمن في العام نفسه «صرخات وهمسات».
الألماني فرنر هرتزوغ قدّم رائعة ملحمية تحت عنوان «أغوير، غضب الله» (Aguirre‪، ‬ The Wrath of God) وزميله رينر فرنر فاسبيندر، أودع جمهوره واحداً من أفضل أعماله «الدموع المرّة لترا فون كانت» (The Bitter Tears of Petra von Kant).‬
الإيطالي فرانكو زيفيرللي حقق واحداً من أفلامه البديعة هو «الأخ شمس، الأخت قمر»، والأميركي جوزف لوزي، الذي نفذ بجلده من المكارثية في الخمسينات وحل في بريطانيا، حقق فيلماً من إنتاج مشترك ما بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا هو «اغتيال تروتسكي».
ترشيحات أوسكار سنة 1972 لأفلام 1971 كان بدوره مزيجاً من أفلام لم نعد نرى مثيلاً لها في ركاب اليوم: «كلوكوورك أورانج» لستانلي كوبريك، «نيكولاس وألكسندرا» لفرانكلين شافنر، و«آخر عرض سينمائي» (The Last Picture Show) لبيتر بوغدانوفيتش، وفيلم المطاردة «ذا فرنش كونكشن» لويليام فرايدكن، ثم «فدلر أون ذا روف» لنورمان جويسون.
لا يجب أن ننسى أن العديد ممن ذكرنا أسماءهم من المخرجين (بل معظمهم)، رحل عن دنيانا، وبذلك لم نعد قادرين على مشاهدة جديد لهم، لكن هذا ليس السبب الذي يمنع سينما اليوم من تكوين خاماتها الفنية. ذلك لأنه يوجد اليوم مخرجون جيدون لكن معظمهم محاطون بحقيقة أن الجمهور دُجّن فعلياً منذ منتصف الثمانينات بحيث بات - في معظمه - يتبع النمط الواحد أو النمطين المتوفّرين. معظم هؤلاء من جمهور حديث لم يتسنَ له الشرب من مياه السينما الصافية حينها، وكل ما يعرفه عن الفن السابع اليوم هو قدرة الـ«سوبر هيرو» على تحقيق العدالة بالقوة الفردية، أو بخطط وحوش الدينوصورات والغوريلات الضخمة للفتك بالعالم من دون سبب وجيه سوى تحقيق «حفنة أخرى من الدولارات».


مقالات ذات صلة

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

ثقافة وفنون نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

أعلن منظمو مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، منح نجم «هوليوود» والمخرج جورج كلوني جائزة «الأسد الذهبي» تقديراً لمجمل مسيرته الفنية.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق ركّز الفيلم على تناول جوانب في حياة الشباب (الشركة المنتجة)

أومبرتو كارتيني: المجتمعات الحديثة فقدت قدرتها على الإنصات للأجيال الجديدة

قال المخرج الإيطالي أومبرتو كارتيني إن أكثر ما يقلقه اليوم ليس ما يواجهه الشباب من أزمات، لكن عدم منح الكبار الوقت الكافي للاستماع إليهم.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق قدم الفيلم جانباً من حياة الفتيات وطموحاتهن (الشركة المنتجة)

دينا دوما: «التزلج ليس للفتيات» يطرح أسئلة عن الحرية والانتماء

لا ينطلق الفيلم من فكرة الصراع المباشر بين الحرية والقمع بقدر ما يسعى إلى استكشاف المساحات الرمادية التي تعيش فيها الفتيات يومياً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق توجت سارة الأسبوع الماضي بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل (مهرجان أفلام السعودية)

سارة طيبة: الصدق يمنح الفيلم معناه

بين الفانتازيا والكوميديا السوداء والأسئلة الوجودية، اختارت الممثلة والكاتبة السعودية سارة طيبة أن يكون رهانها على عنصر آخر؛ حكاية متماسكة،

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق عرض الفيلم في مهرجان «آنسي» مؤخراً بفرنسا (الشركة المنتجة)

فان سيسوكو: «تماسكي» يحوّل الصراعات الداخلية إلى تعبيرات ملموسة

أكدت المخرجة الفرنسية-المالية فان سيسوكو أن فيلم الرسوم المتحركة القصيرة «تماسكي» انطلق من رغبتها في التعبير عن المشاعر التي تعجز الكلمات عن وصفها.

أحمد عدلي (القاهرة)

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
TT

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)

حسبة سريعة لأفضل 10 أفلام (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) تمّت مشاهدتها منذ مطلع العام. تكشف هذه القائمة، إلى حدٍّ ما، عن استمرار الثراء في تناول الموضوعات الهادفة بأساليب فنية تستحق التقدير، رغم تحديات الذكاء الاصطناعي وطغيان أفلام الأبطال الخارقين وأشكال الترفيه الخالية من القيمة.

الأب وابنه في «الجكارندا» (لو فيلم بيلبوكيه)

1- «الجاكراندا»

إخراج: حسن فرحاني (الجزائر)

رحلة وثائقية يقوم بها المخرج في ذاكرة وحياة والده الكاتب الجزائري أمزيان فرحاني. العنوان هو اسم تلك الأشجار الجميلة التي يحنّ إليها الأب ضمن ما يفتقده من عالم مضى في مدينة تغيّرت عمّا كانت عليه. ليس الفيلم نوستالجيا تكتفي بالمشاعر وتتجنّب العمق، بل هو مزج بين حياة الكاتب ومدينته، يحمل كلٌّ منهما تاريخه ويمضي في مساره.

2- «خروج آمن»

إخراج: محمد حمّاد (مصر)

دراما تدور حول شاب يعمل حارساً لمبنى سكني، محاطاً دوماً بالمشاغل والمشكلات التي يفرضها عليه محيطه. سمعان (يؤديه بإتقان مروان وليد) يعيش مخاوف ووحدة قاسيتين في واقع لا يقل قسوة. لا بطولات ولا انتصارات، ولا حتى إنجازات، في عالم صغير مغلق. يعتمد المخرج إيقاعاً لا يخون رتابة البيئة وطبيعتها، ويعالج بمهارة مخاوف بطله من البيئة الاجتماعية التي تثقل كاهله.

3- «لمن يجرؤ»

إخراج: دانيال عربيد (لبنان، فرنسا)

هذا أفضل فيلم أخرجته دانيال عربيد إلى اليوم. امرأة تنقذ شاباً سودانياً يصغرها بسنوات عدة من اعتداء بدني. تنمو العلاقة العاطفية بينهما سريعاً، إذ يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر في مواجهة رفض المجتمع من منطلق عنصري. هيام عبّاس ما زالت تقدّم جديداً جيداً مع كل دور تؤديه. هي امرأة قوية وعنيدة في مواجهة محيطها الاجتماعي.

فيكتوريا لوينغو وخافيير باردم في «المحبوبة» (كاباللو فيلمز)

4- The Beloved

إخراج: رودريغو سوروغويَن (إسبانيا)

دراما عن مخرج سينمائي صارم (خافيير باردم)، يطلب من ابنته الممثلة أداء بطولة فيلمه المقبل. تنتقل العلاقة المتوترة بينهما في الحياة إلى الفيلم داخل الفيلم الذي نشاهده. يحمل عمل المخرج سوروغويَن سمات موهبة بصرية لافتة؛ فمشاهده حادّة لكنها صادقة، وخافيير باردم يوفّر، بحد ذاته، متعة فنية جمّة.

5- Fatherland

إخراج: بافل بافليكوفسكي

جزء من سيرة حياة الروائي توماس مان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولته الخروج من أزمات البحث عن الهوية والمكان معاً. يحيط الفيلم بالتوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وبين ابنته (ساندرا هولر). ‬ قد لا يصل الفيلم إلى مستوى أعمال بافليكوفسكي السابقة، لكنه يقترب منها.

6- Flies

إخراج: فرناندو إيميك (المكسيك)

دراسة لشخصية امرأة تجاوزت سن الشباب (ترستينا سانشير)، تعيش وحيدة وتعتمد على نفسها في كل شيء. تضطر إلى تأجير غرفة في منزلها لرجل ترقد زوجته في مستشفى قريب. وتشترط عدم وجود أطفال في الغرفة، لكن الرجل يضطر إلى جلب طفله معه. عندئذٍ تكتشف المرأة معنى لحياة افتقدتها طويلاً. حوار مقتصد وإخراج يعتمد أساساً على دلالات الصورة.

7- In Waves

إخراج: فيونغ ماي نغيووِن (فرنسا)

رسوم متحركة متقنة تقنياً وثريّة الألوان، تنساب بسلاسة لتحكي قصة شاب لا يجيد رياضة ركوب الأمواج، إلى أن تساعده فتاة على اكتسابها. تتغيّر حياته كما لو كان بحاجة إلى يد ترفعه من البراءة إلى الثقة بالنفس. يختلف الفيلم لا في حكايته فحسب، بل أيضاً في أسلوبه الموجّه إلى الراشدين.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وفنياً لافتاً يمتد من الجزائر إلى تشيلي

8- The Loneliest Man in Town

إخراج: راينر فريمل وتيزا فيكو (النمسا)

بطل هذا الفيلم رجل تأثر بأغاني «البلوز» التي أدمن سماعها، ويغني ما يحفظه منها في حانة صغيرة أمام جمهور محدود. يعيش وحيداً بلا عائلة ولا أهل ولا أصدقاء، إلى أن يقرر الهجرة إلى أميركا في نهاية الفيلم. إخراج مقتصد لمشاهد لا تؤلف حكاية متكاملة بقدر ما ترسم ملامح حياة رجل وحيد.

9-Project Hail Mary

إخراج: فيل لورد وكريستوفر ميلر

(الولايات المتحدة)

فيلم خيال علمي عن رحلة فضائية يقودها رايان غوسلينغ لمنع جرمٍ كوني يهدد بحجب أشعة الشمس عن الأرض. يجمع الفيلم بين التشويق والمؤثرات البصرية المتقنة وحكاية مؤثرة عن الصداقة، مقدّماً متعة لهواة الخيال العلمي ومعالجة قادرة على استقطاب جمهور أوسع.

10- The Red Hangar

إخراج: خوان بابلو سالاتو (تشيلي)

ضابط مشرف على حظيرة طائرات في تشيلي عام 1973، يجد نفسه تحت سلطة قيادة عسكرية تشن حملة اعتقالات واسعة إثر الانقلاب الذي أطاح بالسلطة السابقة. يتحوّل المكان إلى سجن ومركز للتعذيب، ما يضع الضابط أمام خيارات صعبة. يلتقط المخرج هذه اللحظة المفصلية ويبني عليها ما يدور في أعماق شخصيته.


شاشة الناقد: نقد لفيلمين مختلفين ورائعين

«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)
«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)
TT

شاشة الناقد: نقد لفيلمين مختلفين ورائعين

«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)
«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)

THE GIRL WHO CRIED PEARLS

★★★★★

إخراج: كريس لافيز، ماشيك شزربوفسكي

كندا (2025) | أوسكار أفضل

فيلم أنيميشن قصير

«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» فيلم قصير آسر، يتمتع بقصة جميلة وغنية بالدلالات. تكتشف حفيدة صغيرة حبة لؤلؤ فوق مكتب جدّها، فيدخل الغرفة ويبدأ بسرد تاريخ تلك الجوهرة. ومن هنا ينطلق «فلاشباك» طويل (مع عودتين فقط إلى الحاضر؛ الأولى في منتصف الفيلم، والثانية في نهايته).

يروي الجد كيف ترعرع يتيماً في أزقة مونتريال القديمة. كان يبيت في كوخ مهجور، يفصل بينه وبين جيرانه جدار خشبي يسمع من خلاله بكاء فتاة صغيرة تعاني قسوة زوجة أبيها وعجز والدها. ذات يوم، تنهمر دموع الفتاة، لكنها ليست دموعاً من ماء، بل حبات لؤلؤ تتدحرج، فتصل اثنتان منها إلى غرفة الصبي. وفي اليوم التالي، يتجه إلى دكان للرهونات، فيستولي صاحبه على الحبتين ويعرضهما على تاجر تحف وأثريات، فيخبره الأخير بأن قيمتهما لا تُقدَّر بثمن. عندئذٍ يبدأ صاحب دكان الرهونات بشراء كل ما يستطيع الصبي جمعه من لآلئ مقابل مبالغ طائلة.

وفي أحد الأيام تختفي الفتاة، لننتقل إلى الزمن الحاضر، حيث ينهي الجد قصة حياته بموعظة مفادها أن «القصة أهم من الغرض الذي تقف وراءه».

القصة هنا بديعة؛ إنسانية وملهمة. لكن ما يجعل الفيلم نادراً كدموع اللؤلؤ هو العناية الفائقة بالحركة المتأنية المطابقة للواقع، والديكور شديد التفاصيل، وألوانه الموحية التي تنقل إحساساً بزمن قديم يكاد المشاهد يشم رائحته. الفيلم منفَّذ بتقنية Stop-Motion (تحريك كادرات الرسومات وجمعها معاً لتشكل الحركة التي نراها على الشاشة)، وهو سبب إضافي لتميّزه، بعيداً عن تقنيات الكمبيوتر والغرافيك المستخدمة على نطاق واسع.

KOKUHO ★★★★☆

إخراج: سانغ إل لي

اليابان (2026) | مثّل اليابان

في ترشيحات الأوسكار الأخيرة

ألا يجد المشاهد خطأً يُذكر في الفيلم الذي يشاهده، سوى بعض الهنات الطفيفة إذا أمعن النظر، أمر غير شائع. لكن هذا هو الحال مع «كوكوهو» («كنز وطني»)، الفيلم الثالث لمخرجه الياباني - الكوري سانغ إل لي. فعلى امتداد مدة عرضه (قرابة 3 ساعات)، يقدّم الفيلم إبهاراً بصرياً متواصلاً بفضل التصوير الذي تولاه التونسي سفيان الفاني، لوناً وإطاراً وإضاءة وضبطاً. كما يكشف عن إخراج متماسك لفنان يعرف قيمة ما يقدّمه ويثق بقدراته في مختلف نواحي عمله، خالقاً عملاً فنياً رفيعاً يماثل موضوعه الذي يدور حول فن مسرح الكابوكي وممثليه.

من «كنز وطني» (AMUSE)

يبدأ الفيلم عام 1964، ثم يسرد حكايته عبر 50 سنة تالية. في حفل لرأس السنة يقيمه زعيم من زعماء الياكوزا، يؤدي ابنه كيكو (ريو يوشيزاوا) عرضاً تمثيلياً يثير إعجاب الحاضرين، قبل أن يهاجم أفراد من عصابة منافسة الحفل ويقتلوا والده.

ويلي هذا المدخل المفاجئ تعريف مكتوب يوضح أنه في ذلك الحين كان الرجال يؤدون الأدوار النسائية على خشبة المسرح، لأن النساء كنّ ممنوعات من التمثيل. ويُعرف هذا الفن باسم «الكابوكي». وقد تناولته أفلام يابانية سابقة، من بينها An Actor's Revenge («انتقام ممثل»، 1963) للمخرج كن إتشيكاوا، وDouble Suicide («انتحار مزدوج»، 1969) للمخرج لماساهيرو شينودا، وNarayama («ناراياما»، 1958) للمخرج كيزوكي كينوشيتا وقد أبرزت هذه الأعمال فن الكابوكي بدراية واحترام. أما «كوكوهو» فينقل هذا الفن إلى مستوى سينمائي يجاور تلك الكلاسيكيات، إن لم يتجاوز بعضها.

بعد مقتل والده، يلجأ كيكو إلى ممثل كابوكي محترف يؤدي دوره (كن واتانابي)، فيضمه إلى فرقته المسرحية إلى جانب ابنه شونسوكي (ريوسي يوكوهاما). ومن هنا ينتقل الفيلم من مرحلة تاريخية إلى أخرى، متابعاً الصداقة التي تنشأ بين الشابين، كما المنافسة التي يشعر بها كل منهما تجاه الآخر. ومنذ تلك اللحظة وحتى النهاية، التي تقوم خلالها صحافية بالتقاط صور لكيكو قبل أن تكشف أنها ابنته، خلال اللقاء، الذي يتّسم بهدوء عائد إلى ممارسة كيكو فن الكابوكي بالغ الانضباط تتوالى مشاهد لآخر تمثيل مشترك بينه وبين شونسوكي الذي يسقط أرضاً نتيجة نزيف داخلي.

الانضباط الذي يميّز ممثلي فن الكابوكي هو نفسه الذي يميّز تمثيل ريو يوشيزاوا في دور كيكو كلما شاهدناه على المسرح. هذا الفن الصعب لا يعترف بالأداء المسرحي في أي مكان آخر، بل يتحرك ضمن فواصل وتفاصيل محددة وببطء شديد مع غناء صادح وفرقة من 5 أشخاص تعزف على الأوتار والطبولً.

وهو أيضاً انضباط المخرج وإدارته المركزة للعمل. فالكاميرا التي يديرها سفيان الفاني تقوم على مبدأ تحليل اللقطة والالتزام بشروطها ضمن الفيلم. وهناك نوعان من عناصر العمل، التصوير الخاص بالمشاهد المسرحية وذلك الذي يتم خارجها. لكن من عماد الصورة كذلك التصاميم الفنية بكاملها (الديكور والملابس وباقي التفاصيل الفنية للممثلين وما يحيط بهم من أثاث). لا شيء صارخاً في الحوار أو الألوانً، بل حكاية تمر بتفاصيلها الدقيقة والثرية ومن دون التباس أو تعقيد.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
TT

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)

هناك جمهور كبير يبلغ تعداده بضعة ملايين حول العالم ينكبّون كل يوم على مشاهدة أفلام الأمس ذات اللونين الأبيض والأسود. وهؤلاء ليسوا فقط من المعمِّرين أو مِمَّن تجاوزوا سنّ الشباب؛ بل على العكس، فإن بين من هم دون الثلاثين من العمر عدداً كبيراً ممَّن يشاهدون أفلام الأبيض والأسود اليوم، مستمتعين بها وبقيمة فنِّ التصوير السينمائي الخالي من ألوان الحياة.

واقع مجرد من ألوانه

أن تشاهد «المواطن كاين» (Citizen Kane) لأورسن ويلز (1941)، أو «من الماضي» (Out of the Past) لجاك تورنور (1947)، أو «الساموراي» (Le Samouraï) لجان-بيير ملفيل (1967)، أو «سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960)، ومئات سواها، يعني أنك تتواصل مع فنِّ السينما في مصادره وأشكاله الأولى، عندما كان التصوير بالأبيض والأسود خياراً فنياً قائماً بذاته ومقبولاً من ملايين رُوَّاد السينما من دون سؤال أو تساؤل.

التصوير باللونين وحدهما هو تجريد الواقع من ألوانه وإضفاء حالة فنية جديدة عليه. وتجريد الواقع هو إحالته إلى صورة تتلاءم مع العالم الخيالي الذي تدور السينما في محيطه الكبير. وقد بدا هذا التلاؤم لمئات ملايين الناس الذين كانوا يؤمُّون دور السينما في عشرينات القرن الماضي وما بعدها أمراً طبيعياً، رغم إدراكهم أن الواقع نفسه ليس كذلك. وحال خروجهم من الصالات كانوا يكتشفون مجدداً الألوان الطبيعية المنتشرة، من إشارات المرور إلى العمارات، ومن أضواء النيون وألوان الملابس والزهور إلى الإعلانات وواجهات المحال والفنادق.

من «سايكو» لألفرد هيتشكوك (يونيفرسال)

وعلى الرغم من ذلك، لم يشتكِ أحد من هذا التباين الكبير وغير «الواقعي». ولم يرفض أحد الفيلم الأبيض والأسود لأن الحياة ليست كذلك. فالفيلم، سواء أكان واقعياً في قصته، مثل «سارقو الدراجات» (Bicycle Thieves) لفيتوريو دي سيكا (1948)، أم خيالياً جامحاً مثل «تارانتولا» (Tarantula) لجاك أرنولد (1955)، يبقى حالة فنية متميزة بعدد من العناصر، في مقدّمتها اغترابه عن الواقع وألوانه المعيشة.

الاختلاف بين هذا الفن من التصوير وبين الألوان الطبيعية كبير. ومن أبرز هذه الاختلافات أن التعبير في أفلام الأبيض والأسود (الجيَّدة منها طبعاً) يوظِّف الإضاءة على نحو مختلف عن الأفلام الملوَّنة. فهناك قدر كبير من الفهم لتوظيف الضوء والتصوير في تلك الأفلام، بما يُبرز التباين بين جزءٍ وآخر من المشهد الواحد.

في فيلم بيلي وايلدر البوليسي «تأمين مزدوج»، هناك ذلك المشهد الذي نرى فيه باربرا ستانويك وفرد ماكموري ليلاً. فهي تقف تحت ضوء ساطع مرتدية رداءً أبيض، في حين يظهر هو ببذلة داكنة في جزء معتم من اللقطة. ولا شيء يُترك للصدفة مطلقاً في أي فيلم جيِّد. فهي تمثّل الضوء، وككل ضوء تبدو بالأبيض؛ لأنها الحافز إلى الجريمة، وهو القاتل المخدوع؛ ولذلك يظهر ببذلة سوداء تُناسب سوداوية الجريمة التي يُقدِم عليها.

جماليات ودلالات

في عام 1998، أعاد المخرج المستقل غَاس فان سانت صُنع فيلم ألفرد هيتشكوك «سايكو» بالألوان. واستخدم المشاهد نفسها وحسب ترتيب ورودها. وكانت النتيجة باهتة، وفي أفضل الأحوال غير ضرورية.

يستطيع المرء أن يستمتع بنسخة هيتشكوك في كل مرة يشاهد فيها هذا الفيلم، أما نسخة فان سانت فقد ماتت فنياً منذ عرضها في صالات السينما، بل منذ أسبوعها الأول.

وكمثال واحد، احتوى مشهد القتل في الحمَّام على لقطة لدماء تسيل إلى البالوعة (من دون أن نرى لقطات طعن لجسد الضحية). وفي فيلم هيتشكوك تبدو هذه الدماء سوداء اللون لأن الفيلم غير ملوَّن، لكن تأثيرها أقوى من اللقطة نفسها في فيلم فان سانت، حيث نرى الدم باللون الأحمر.

ستانويك وماكموري في «تأمين مزدوج» (باراماونت)

والسبب هو أن هيتشكوك ومدير تصويره جون ل. راسل اعتمدا على التأثير المفجع للمشهد بأكمله. وقد ساعدت طريقة تصوير المشهد والتوليف المستخدم فيه على بلورة شعور بالخوف بدلاً من الشعور بالاشمئزاز. فالدم في الأبيض والأسود يضع المشاهد في حالة سوريالية وكابوسية، أما تصوير المشهد بالألوان فأقصى ما استطاع الوصول إليه هو حالة عادية تتدرج نحو الشعور بالاشمئزاز.

ومن الأمور الثابتة أن يمنح التصوير غير الملوَّن الفيلم تركيبة ذات تعبير أعمق، شأنه في ذلك شأن مئات الأفلام المماثلة التي حققتها السينما في عقودها الأولى وحتى اليوم. وهو تعبير يمضي بعيداً في ثنايا الصورة من حيث جمالياتها وعمق دلالاتها الدرامية والنفسية.

ومن أحدث هذه الأفلام، ولن يكون آخرها، فيلم «حظيرة الطائرات الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج التشيلي خوان بابلو سالاتو (جرى نقده في عدد 19/4/2026 من هذه الصفحة). وفي هذا الفيلم ينجح التصوير بالأبيض والأسود في التعبير ليس عن فترة ماضية فقط (مطلع السبعينات)، بل عن مجمل المشاعر التي ولَّدتها الأحداث داخل شخصية بطله، ضابط الطيران جورج (نيكولاس زاراتي): الحزن، والإحباط، والكبت، والخوف من قول الحقيقة.

وكما سبق القول، يمكن للفيلم الملوَّن أن يُوفِّر هذه المشاعر كلها، لكن الأبيض والأسود يوفِّرها بعمق أكبر ناتج من النسيج الفريد للمشاعر والمزاج العام والأجواء.

وكل ما سبق لا يعني وضع الأفلام الملوَّنة في خانة أدنى فنّاً أو تشكيلاً أو معنى. فهناك أفلام ملوَّنة عدَّة تجيد استخدام الألوان على مستوى فني رفيع. ولدينا أفلام ترنس مالك، وأفلام أندريه تاركوفسكي (أنجز أفلاماً من النوعين بجدارة لافتة)، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وديفيد لين، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وعشرات المخرجين المبدعين. فلكلٍّ من هذين النمطين السينمائيين شروطه وعالمه الخاص ومتطلبات إنجازه المختلفة.