سينما اليوم تفتقر إلى ما كانت عليه في السبعينات

سكورسيزي يهاجم مجدداً ليذكّر بماضٍ أجمل

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي
TT

سينما اليوم تفتقر إلى ما كانت عليه في السبعينات

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

استغل المخرج مارتن سكورسيزي وقوفه على منصّة مهرجان نيويورك الأخير ليصوّب رصاصاته على هوليوود الحالية. قال إنها تُكرس وضعاً صعباً، عبر تجاهل كل مقوّمات العمل السينمائي باستثناء اللهاث وراء أرقام «شباك التذاكر». وأضاف: «منذ الثمانينات ركّزت هوليوود على الأرقام. إنه أمر يدعو للاشمئزار». من ثَم تابع: «كسينمائي وشخص لا يتصور الحياة بلا سينما، وجدت دائماً أن هذا الهوس مهين».
طبعاً هذه ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها المخرج هوليوود، بل سبق له أن وجه إلى إكثارها وتفضيلها لأفلام الـ«سوبرهيرو» نقداً لاذعاً، مقارناً هذه الأفلام بحدائق ومتنزهات الترفيه (Theme Parks).
ما يقوله صحيح وما تفعله هوليوود يبرره. آخر ما تفتقت عنه هوليوود من أفعال إطلاق الأفلام السينمائية تزامناً مع إطلاقها على المنصات الإلكترونية. ليس بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر، بل في اليوم نفسه. وهذا ما حدث أخيراً، مع فيلم «هالووين ينتهي»، الذي سجل 41 مليون دولار محتلاً القمة، علماً بأنه في نفس يوم افتتاحه بُث على الإنترنت. مما يعني أنه لو أتيح لصالات السينما الانفراد بعرضه، لسجل الفيلم ضعف ذلك المبلغ أو قريباً منه.

روبرت ردفورد في «المرشّح»

- انتصار صلب
الحال لم تكن على هذا النحو قبل 50 سنة (ولا قبلها أو بعدها حتى نهاية السبعينات). كصناعة تقوم على التجارة لا بد لكل شركة إنتاج أن تحلم باسترداد التكلفة على الأقل، ناهيك عن تسجيل أرباح قصوى. لكن هوليوود‪، ‬ قبل 50 سنة، كنموذج، كانت لا تزال تؤمن بأن هناك جماهير عدّة وليس جمهوراً واحداً هو الجمهور الذي يفضل الأفلام المحض تجارية. كانت لا تزال تطلق أفلاماً من كل نوع وليس فقط من نوعين أو ثلاثة، على أساس أنها هي وحدها التي تستحق الإنتاج كما هو حاصل اليوم.‬
نظرة فاحصة لما كانت عليه السينما سنة 1972 تفصح عن الكثير.
1972 هو العام الذي حقق فيه المخرج فرنسيس فورد كوبولا تحفته الأولى «العرّاب». ولم يكن تحقيق هذا الفيلم الذي فاجأ نجاحه التجاري والنقدي هوليوود سهلاً. كوبولا، الذي لم يكن بعد كوّن اسماً دامغاً، حارب اتجاهات الشركة المنتجة (باراماونت) في دفع الفيلم صوب معالجات تقليدية. أصر على معالجته الخاصة لرواية ماريو بوزو وعلى جلب أي ممثل أراده (كل من مارلون براندو وآل باتشينو كانا موضع رفض لدى الشركة في بادئ الأمر).
انتصار كوبولا الصلب، ساهم كثيراً في تسهيل عملية إنتاجه الجزء الثاني سنة 1974 وتأكيد دور المخرج في الفيلم كأعلى من مجرد منفّذ. لكن لم تشهد كل الأفلام المبهرة في ذلك العام هذا التحدي الكبير. بعضها تم تحقيقه من دون تلاحم وفرض شروط. لذلك شهدت السينما الأميركية أعمالاً رائعة أخرى غير فيلم «العرّاب» تميّزت بالتنوع حين كان التنويع لا يزال ضرورياً.
الآيرلندي جون بورمن أنجز «خلاص» (Deliverance)، عن تلك الرحلة فوق نهر بعيد تشهد مواجهة بين أبناء المدينة ومجاهل عالم لا يزال يعيش في كنف الأمس. لاحقاً، حقق في الولايات المتحدة أعمالاً لافتة أخرى بينها «Point Blank» بوليسي صارم من بطولة لي مارفن.
المخرج بوب فوسي أنجز فيلمه المستمد من سيرة حياته وهو «كباريه»، أحد أفضل أعماله. حفل الفيلم بألوان تعبير فنية مختلفة فهو مسرح، وموسيقى، وتمثيل، ورقص، وسرد حياة خاصّة في قالب واحد.
المخرج الرائع ألفرد هيتشكوك عاد في 1972 إلى تألقه عبر فيلم بعنوان «هيجان» (Frenzy)، والمخرج الذي لا يقل قيمة جون هيوستن حقق «مدينة سمينة» (Fat City). بينما انصرف هيتشكوك لاستعادة قدراته الفنية في كيفية تحويل قصّة جريمة إلى فيلم يثير الذعر بنجاح، منح هيوستن فيلمه صبغة إنسانية ومعالجة اجتماعية باتت نادرة المثال اليوم. قصّة ملاكم سابق (ستايسي كيتش) يحاول العودة إلى الحلبة عن طريق تبني ملاكم شاب يأمل به نجاحاً (جف بريدجز). على عكس أفلام رياضية كثيرة، هذا الفيلم ليس عن الملاكمة بل عن الطموح ثم الإحباط مروراً بمتاعب اجتماعية وعاطفية وأزمات.

من فيلم «خلاص» لجون بورمن

- ردفورد في ثلاثة
شهدت السنة نفسها، ثلاثة أفلام لعب روبرت ردفورد بطولتها. ليس من بينها ما يمكن إنتاجه اليوم بنجاح إلا مع تغيير قواعدها والإتيان بمشاهد خيالية جانحة ومواقف غير منطقية. الفيلم الأول هو «المرشّح»، الذي أخرجه المنسي مايكل ريتشي وفيه لعب ردفورد دور سياسي يعلن ترشيحه كسيناتور عن ولاية كاليفورنيا مدركاً احتمالات إخفاقه بسبب نظام سياسي يطاله الفساد. فيلمه الثاني في العام نفسه كان «الجوهرة الساخنة» (The Hot Rock) لبيتر ياتس، الذي تحوّل فيه إلى رئيس عصابة وسيم وذكي يقرر سرقة جوهرة من داخل خزانة المصرف. الفيلم الثالث كان «ويسترن»، عنوانه «جيروميا جونسون» لسيدني بولاك عن مكتشف براري يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في بيئة خطرة.
الـ«ويسترن» بالمناسبة كان انتقل من مجرد حكايات رعاة بقر وهنود حمر إلى مرثيات عاطفية أشبه بغناء البلوز. كان منها في ذلك العام ثلاثة أفلام برزت أكثر من سواها هي «جونيور بونر» لسام بكنباه، حول ذلك الرجل الذي يحن لعصر مضى (قام به ستيف ماكوين) و«أصحاب سوء» (Bad Company) لروبرت بنتون، ودار حول مجموعة من الشباب لم تترك لهم مصاعب الحياة سوى اقتراف الجريمة و«غارة ألزانا» لروبرت ألديتش: بيرت لانكاستر وحامية عسكرية تدافع عن نفسها ضد المواطنين الأميركيين. النهاية البائسة لكل فيلم من هذه الأفلام، كما المعالجة الواقعية، لم تمنع تحولها إلى أيقونات سينمائية محفورة في صلب التاريخ.
بكنباه، مخرج «جونيور بونر» كان لديه فيلم آخر في عام 1972 هو «الفرار» (the Getaway)، أيضاً مع الممثل ستيف ماكوين: دراما بوليسية يواجه فيها ماكوين عصابة تريد السطو على ما سطا عليه من غنيمة. نصف هذه الأفلام التي ذكرتها سجّلت إقبالاً جماهيرياً ناجحاً وانتهت على قائمة أنجح أفلام السنة.
«العرّاب» تربع على القمة بنحو 83 مليون دولار حين كان سعر التذكرة لا يزيد عن 3 دولارات في المساء وأقل من ذلك في ساعات النهار. «خلاص» جاء في المرتبة الرابعة، وفي الخامسة «جيرميا جونسون»، وفي السادسة «كباريه» وفي الثامنة «الفرار».
مع تعديل قيمة الدولار لسعر اليوم أنجز كل من هذه الأفلام ما يزيد عن 100 مليون دولار من دون تنازل عن مساره فنياً أو موضوعاً.
- تدجين جيل
خارج الولايات المتحدة شهدت السينمات العالمية مزيداً من نجاحات فنية كانت بدأت منذ منتصف الستينات. في ذلك العام حقق الروسي أندريه تاركوفسكي فيلمه «سولاريس»، الذي واكبته تقديرات النقاد الغربيين مانحة إياه خمس نجوم كشأن فيلم إنغمار برغمن في العام نفسه «صرخات وهمسات».
الألماني فرنر هرتزوغ قدّم رائعة ملحمية تحت عنوان «أغوير، غضب الله» (Aguirre‪، ‬ The Wrath of God) وزميله رينر فرنر فاسبيندر، أودع جمهوره واحداً من أفضل أعماله «الدموع المرّة لترا فون كانت» (The Bitter Tears of Petra von Kant).‬
الإيطالي فرانكو زيفيرللي حقق واحداً من أفلامه البديعة هو «الأخ شمس، الأخت قمر»، والأميركي جوزف لوزي، الذي نفذ بجلده من المكارثية في الخمسينات وحل في بريطانيا، حقق فيلماً من إنتاج مشترك ما بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا هو «اغتيال تروتسكي».
ترشيحات أوسكار سنة 1972 لأفلام 1971 كان بدوره مزيجاً من أفلام لم نعد نرى مثيلاً لها في ركاب اليوم: «كلوكوورك أورانج» لستانلي كوبريك، «نيكولاس وألكسندرا» لفرانكلين شافنر، و«آخر عرض سينمائي» (The Last Picture Show) لبيتر بوغدانوفيتش، وفيلم المطاردة «ذا فرنش كونكشن» لويليام فرايدكن، ثم «فدلر أون ذا روف» لنورمان جويسون.
لا يجب أن ننسى أن العديد ممن ذكرنا أسماءهم من المخرجين (بل معظمهم)، رحل عن دنيانا، وبذلك لم نعد قادرين على مشاهدة جديد لهم، لكن هذا ليس السبب الذي يمنع سينما اليوم من تكوين خاماتها الفنية. ذلك لأنه يوجد اليوم مخرجون جيدون لكن معظمهم محاطون بحقيقة أن الجمهور دُجّن فعلياً منذ منتصف الثمانينات بحيث بات - في معظمه - يتبع النمط الواحد أو النمطين المتوفّرين. معظم هؤلاء من جمهور حديث لم يتسنَ له الشرب من مياه السينما الصافية حينها، وكل ما يعرفه عن الفن السابع اليوم هو قدرة الـ«سوبر هيرو» على تحقيق العدالة بالقوة الفردية، أو بخطط وحوش الدينوصورات والغوريلات الضخمة للفتك بالعالم من دون سبب وجيه سوى تحقيق «حفنة أخرى من الدولارات».


مقالات ذات صلة

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد السعدني ومايان السيد في مشهد من فيلم افتتاح المهرجان (الشركة المنتجة)

«هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة بإضافات جديدة

يستعد مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» لإطلاق دورته الخامسة المقررة خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل الجاري في مدينة لوس أنجليس الأميركية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

«هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، لا بوصفها قدرة حسية فحسب، بل كوسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة...

أسماء الغابري (جدة)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً