برلمان لبنان يفشل للمرة الثالثة في انتخاب رئيس جديد للجمهورية

«حزب الله» وحلفاؤه يتمسكون بالورقة البيضاء... ومعوض يكسب «الثلث الضامن»

الرئيس نبيه بري يُشرف على عدّ أصوات النواب خلال جلسة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس نبيه بري يُشرف على عدّ أصوات النواب خلال جلسة أمس (إ.ب.أ)
TT

برلمان لبنان يفشل للمرة الثالثة في انتخاب رئيس جديد للجمهورية

الرئيس نبيه بري يُشرف على عدّ أصوات النواب خلال جلسة أمس (إ.ب.أ)
الرئيس نبيه بري يُشرف على عدّ أصوات النواب خلال جلسة أمس (إ.ب.أ)

لم تختلف نتائج الجلسة الثالثة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان عن سابقاتها بحيث شهد البرلمان، أمس، سيناريو مكرراً للجلسة الأولى، وذلك عبر انعقاد الدورة الأولى بحضور 119 نائباً وإدلائهم بأصواتهم قبل أن يتخذ فريق «حزب الله» وحلفاؤه قراراً بالانسحاب لإفقاد الدورة الثانية نصابها، فيما حدد رئيس البرلمان نبيه بري، موعداً لجلسة جديدة الاثنين المقبل.
وإذا كان ما شهدته قاعة البرلمان أمس متوقعاً، فإن تغييراً سُجّل في توزيع الأصوات لصالح النائب ميشال معوض وفي تركيبة التحالفات السياسية لا سيما التقارب بين «نواب التغيير» و«كتلة الاعتدال الوطني». إذ في حين بقي معوض مرشّحاً وحيداً للجزء الأكبر من الكتل المعارضة، أبرزهم حزب «القوات اللبنانية» وحزب «الكتائب اللبنانية» والحزب «التقدمي الاشتراكي»، فقد سُجل ارتفاع في عدد الأصوات التي حصل عليها أمس، إلى 42 صوتاً، بعدما كان 36 صوتاً في الجلسة الأولى، مقابل بقاء «حزب الله» وحلفائه متمسكين بـالورقة البيضاء، مع عدم التوافق فيما بينهم على مرشّح نتيجة الخلافات بين حلفاء الحزب المسيحيين الطامحين للرئاسة، أي رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ورئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية.
وبعد توزيع الأوراق والاقتراع، أظهر فرز الأصوات نيل النائب ميشال معوض 42 صوتاً، فيما حملت 17 ورقة عبارة «لبنان الجديد» وهي تضم، وفق ما علمت «الشرق الأوسط»، عشرة نواب من «كتلة التغيير» إضافةً إلى النائب عبد الرحمن البزري وستة نواب من تكتل «الاعتدال الوطني» إضافةً إلى ورقة كُتب عليها اسم «ميلاد أبو ملهب»، وذلك مقابل 55 ورقة بيضاء لنواب «حزب الله» وحلفائه بعدما كانوا في جلسة الانتخاب الأولى 63 صوتاً (قبل أسبوعين)، وذلك نتيجة تغيّب عدد من النواب.
ووفق المعلومات فإن زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها معوض، تضم النواب: فؤاد مخزومي وستريدا جعجع ونعمة أفرام وسليم الصايغ، الذين غابوا عن الجلسة الأولى إضافةً إلى نائبين من تكتل «الاعتدال الوطني».
وفيما عُلم أن النائب جميل السيّد اقترع بالورقة التي تحمل عبارة «ديكتاتور عادل»، أعلن النائب كريم كبارة أنه صوّت بعبارة «لأجل لبنان»، واقترع النائب أسامة سعد بعبارة «لا أحد»، تعبيراً عن استيائه حسبما أعلن، واختار النائب ميشال دويهي الذي خرج من «تكتل نواب التغيير» الاقتراع بعبارة «سيادي إصلاحي»، في وقت غاب فيه من «نواب التغيير» كل من النائبة سينتيا زرازير والنائب إلياس جرادي. مع العلم أن «نواب التغيير» كانوا قد اتفقوا في اجتماعهم مساء أول من أمس، عشية الجلسة، على التصويت لوزير الخارجية السابق ناصيف حتي، قبل أن يعدلوا عن قرارهم بطلب وتمنٍّ منه.
وفيما تلفت مصادر في «كتلة التجدد» إلى أن الحسابات كانت تؤكد حصول معوض على 44 صوتاً في جلسة أمس، وذلك باحتساب النائب إيهاب مطر الذي تغيب لأسباب صحية طارئة والنائب في «القوات» شوقي الدكاش الذي لم يتمكن من حضور الجلسة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن التفاوض في المرحلة المقبلة سيختلف عمّا سبقها وذلك انطلاقاً من الواقع المتمثل بحصول معوض على «الثلث الضامن» في البرلمان (أي ثلث النواب) ما سيشكّل ورقة ضغط في التفاوض، وهو العدد الذي لا يمكن تأمين النصاب من دونه. في موازاة ذلك، تشير مصادر في «الاعتدال الوطني» إلى تقدم تشهده المفاوضات بين تكتل «نواب التغيير» وهو ما تمثّل في جلسة الانتخاب أمس، في الاتفاق مع عدد كبير منهم، على التصويت بـورقة «لبنان الجديد»، وهو ما من شأنه أن يؤسس في الفترة المقبلة لتوافق أوسع يُبنى عليه.
وبعد رفع جلسة الانتخاب أمس، اتهم النائب ميشال معوض فريق «حزب الله» وحلفاءه بالتعطيل، وقال: «بات من الواضح أن هناك فريقاً يأتي إلى المجلس لينتخب جدياً رئيساً للجمهورية من أجل إعادة تكوين المؤسسات، وفريقاً عملياً، حتى لو أنه شارك في الدورة الأولى إلا أنه تبين بكثير من الوضوح أنه ليس هنا لانتخاب رئيس وحتى لا ينفضح أنه يعطِّل، ولكنّ تصرفَّ البعض في الدورة الثانية أكد مَن يشارك ومَن يعطل».
وأكد: «رغم كل التحليلات ومحاولة (القصف) على ترشحي، تبيَّن اليوم أنه الترشيح الجدي الوحيد الموجود أمام النواب واللبنانيين واللبنانيات»، مضيفاً: «أنا مرشح ولا أنتظر تسويات ومساومات إقليمية أو دولية»، مضيفاً: «طرحي إنقاذيٌّ واضح وآرائي في الأمور واضحة وغير مخفية... لبنان اليوم في حال من الانهيار. وهذا الانهيار يحتاج إلى وقف التكاذب بعضنا على بعض وإلى وضوح في التعاطي، ويحتاج إلى وفاق حقيقي ولا يحصل بالتكاذب، بل على أسس تتصل بإعادة ربط لبنان ومصالحته مع العالم العربي ومع العالم، وعلى أسس عودة الجميع إلى لبنان وترك الساحات والقبول بالحياد أو التحييد الإيجابي».
في موازاة ذلك، أكد رئيس «الكتائب» النائب سامي الجميل، «استمرار العمل على توحيد صفوف المعارضة على اسم واحد». فيما وجّه الأفرقاء الآخرون اتهامات إلى نواب التغيير، بعرقلة التفاهم بين المعارضة، وهو ما أشار إليه النائب في «القوات» جورج عدوان والنائب في «اللقاء الديمقراطي» هادي أبو الحسن.
وقال عدوان بعد رفع جلسة الانتخاب: «باتت الأمور واضحة وكيف سننطلق إلى المرحلة المقبلة، فقد تبين اليوم أن هناك 56 نائباً لا يمكنهم الاتفاق على مرشح لخوض الانتخاب من خلاله ولا جرأة لديهم للذهاب نحو دورة ثانية».
وأضاف: «اليوم المرشح ميشال معوض نال 44 صوتاً، وهذا يعني أنه استطاع بين دورة وأخرى إقناع نواب جدد للانضمام إلى معركة السيادة والإصلاح». وتوجه لـ«نواب التغيير» قائلا: «عليكم يوم الاثنين أن تحسموا أمركم، وكثرة الاجتماعات والأسماء الجديدة لن توصل إلى مكان».
من جهته، رأى أمين سر كتلة اللقاء الديمقراطي النائب هادي أبو الحسن، أن «المسار يبدو طويلاً، والجلسة كانت بها مؤشرات شبه حاسمة، فهناك فريق يمعن بتعطيل النِّصاب، فتارةً يستخدم الورقة البيضاء وتارةً (يطيّر النِّصاب)، وهناك مجموعة تحاول إجهاض فرصة الوصول إلى صوت وازن، وهذا أمر غير صحي»، متوجّهاً إلى النواب بالمعارضة بالقول: «ليكن النقاش صريحاً وواضحاً وأن نتلاقى على طرح معيّن، فلا يجوز الاستمرار على هذا المنوال. أين الثقة التي أعطاها الناخب اللبناني لنا كي نقدّم رئيساً إصلاحياً ووطنياً؟».
وتابع أبو الحسن: «السياسة لا تدار لا بالإرباك ولا بقلة الخبرة ولا بالنكد السياسي، وإذا التقت قلة الخبرة مع النكد نكون في كارثة حقيقية، لذلك الدعوة اليوم لنتلاقى على مُرشّح وندعو الفريق الآخر إلى حوار حقيقي». وأكد: «لدينا مُرشّح واضح حامل لمشروع وملتزم بـ(الطائف) وبعودة علاقات لبنان إلى سابق عهدها مع المحيط العربي، وجدّيٌّ بطرح أفكاره علناً، وفي المقلب الآخر توجد أسماء مخفية». وشدّد على أنَّنا «نعبّر عن ثوابتنا وملتزمون بهذا الأمر ومستمرون»، موجهاً السؤال إلى «من يُغرّد خارج سرب المعارضة»: «هناك 60 في المائة باتجاه واحد، فلماذا تفويت هذه الفرصة وتعملون بعكس قناعة الناس وتعطون فرصة للفراغ مجدداً؟».
ورغم أنه كان واضحاً أن «حزب الله» وحلفاءه أفقدوا الجلسة نصابها أمس، قال النائب في «حزب الله» حسن فضل الله، «ليس من سياستنا مقاطعة المجلس النيابي، نحن حاضرون دائماً ودستورنا واضح، وأي مرشح لرئاسة الجمهورية يحتاج إلى نصاب الـ86 نائباً، ما يعني تأمين أوسع تفاهم بين اللبنانيين، وجميعنا ملزمون بإمكانية التوافق. وهناك مساحة للتلاقي على رئيس، ومن حق أي «كتلة» أن تصوّت بالطريقة التي تراها مناسبة، وحتى الآن لا يوجد توافق، ودعوتنا إلى التوافق وعدم التوافق توصّل إلى الفراغ. كما أننا لسنا مع رئيس استفزازي وتحدٍّ، ونريد رئيساً تتفاهم عليه الكتل النيابية».
من جهته، رأى النائب في «التيار الوطني الحر» جورج عطا الله، أن «الورقة البيضاء تعني انفتاحاً على التوافق»، وقال بعد جلسة أمس: «تصويتنا هو للورقة البيضاء يعني انفتاحاً على التوافق، لأننا عندما نتبنى مرشحاً لن نغيِّر رأينا فيه».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

سودانيون عادوا إلى الخرطوم يشكون نقص مقومات الحياة

امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)
امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)
TT

سودانيون عادوا إلى الخرطوم يشكون نقص مقومات الحياة

امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)
امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)

بعد فرارهم خلال الحرب، عاد قسم كبير من سكان الخرطوم إليها آملين باستعادة حياتهم، لكنهم باتوا أمام خيار المغادرة مجدداً أو البقاء على مضض، في ظلِّ افتقارها لمقوّمات حياتية أساسية، رغم مرور أشهر على عودتها إلى كنف الجيش.

ترك نحو 4 ملايين شخص العاصمة بعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. ويُقدّر بأن 2.7 مليون شخص عادوا بعدما استعاد الجيش المدينة العام الماضي، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن بالنسبة لكثيرين، زالت فرحة العودة أمام الواقع المعيشي الصعب.

من هؤلاء رجل الأعمال عماد خالد أحمد (43 عاماً) الذي عادت أسرته من القاهرة قبل شهر، لكنه بات يستعد لإعادتها مجدداً إلى العاصمة المصرية.

ويوضح: «لا أقول إني نادم، لكن قرار عودة الأسرة كان خطأ». وأبلغ مسؤولون حكوميون، طُلب منهم العودة إلى الخرطوم، «وكالة الصحافة الفرنسية»، بأنهم يعتزمون كذلك إبقاء أسرهم في الخارج.

تبقى ندوب الحرب حاضرة في الخرطوم. فجسر شمبات الذي كان شرياناً حيوياً بين شطرَي المدينة، لا يزال جزء منه مفقوداً منذ تعرُّضه لغارة جوية. وفي وسط العاصمة، تنتشر سيارات متروكة سُرقت إطاراتها ونخر الرصاص هيكلها.

وفي حين سعى قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إلى تسويق عودته إلى الخرطوم بوصفها محطةً مفصليةً، تكشف خلفية المشاهد التي نشرها الجيش حجم الدمار: فالقصر الجمهوري مجرد هيكل لما كان عليه، وداخله فارغ بمعظمه بعدما تعرَّض للنهب والتخريب على يد «قوات الدعم السريع».

رغم ذلك، يشجّع الجيش السكان على العودة، وأعاد بناء المطار وافتتحه من جديد لتسيير الرحلات الداخلية، وبدأ بتأهيل بعض البنى التحتية.

«في حلقنا غصّة»

إلا أن ذلك لم يكفِ لعودة الخدمات. فالكهرباء ما زالت تُقطع لأيام متتالية، وكذلك المياه، ويعاني كثيرون للتبضع في ظلِّ أسعار باهظة تواصل الارتفاع يومياً.

وتقول سعاد محمد إدريس (49 عاماً) إنها عادت إلى منزلها في الخرطوم بحري لتجد أن أثاثه قد سُرق. في ظلِّ عجزها عن شراء ثلاجة جديدة، باتت تضطر لشراء المواد الغذائية يومياً.

وتضيف السيدة، وهي أرملة وأم لـ6 أولاد: «لا بد أن اشتري الخضراوات واللحمة يومياً، والأسعار مرتفعة وكل يوم في زيادة... صحيح جئنا بشوق لبلدنا، لكن الغلاء طاحن».

تركزت العودة في الأحياء الشعبية، بينما تبقى مناطق راقية تنتظر أهلها، مثل «الخرطوم 2»، حيث ينتشر الزجاج المكسور في شوارعها المظللة بالشجر، بين منازل فخمة بعضها مُدمَّر، في صمت لا تخرقه سوى زقزقة العصافير.

بعد 3 أشهر من العودة، تحزم ثريا بابكر (86 عاماً) حقائبها مجدداً.

وتوضح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أنا وزوجي وابنتي الصغيرة سنغادر إلى الإمارات... طبعاً كنا نريد ألا نغادر، لكن وضعنا الصحي وصعوبة الحصول على العلاج» يحتّمان ذلك.

ويُشكِّل وضع القطاع الصحي الذي تعرَّض لضرر بالغ في الحرب، أولوية لكثيرين.

ورغم أن جمعيات خيرية أعادت تأهيل بعض المستشفيات مع بدء عودة السكان العام الماضي، فإن كثيراً من المستلزمات الطبية يبقى غير متوافر.

وتقول الطبيبة هيفاء عمر: «نحاول بقدر الإمكان ألا يضطر المريض وأهله لإجراء أي فحوص أو صور أشعة خارج المستشفى».

تضيف: «لكن بعض الأدوية لا تتوافر... نطلب من المريض شراءها من خارج المستشفى، وفي حلقنا غصة لأننا نعرف ظروف الناس».

حتى خارج المستشفى، ليس من السهل العثور على الدواء، بحسب ما يؤكد إمام بكر عباس الذي عاد إلى جنوب الخرطوم برفقة زوجته وطفليه ووالديه، بعدما أمضوا 3 أعوام في القاهرة.

وأمام صيدلية، يقول الرجل البالغ 34 عاماً: «والدي مصاب بضغط الدم، وللحصول على الدواء، عليّ أن أدخل 10 صيدليات لأجده، وسعره يتغير يومياً».

كما يعاني عباس لحفظ الإنسولين مبرداً لوالدته المصابة بداء السكري. ويوضح أنه ابتاع ثلاجة «لكن الكهرباء تنقطع 12 ساعة في اليوم، فيتلف».

«الأمور ليست بخير»

أصبحت الخرطوم حالياً ظلاً لما كانت عليه ذات يوم: عاصمة أفريقية كبرى يزيد سكانها على 8 ملايين نسمة.

ويقول مسؤول أممي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في الخرطوم إن حجم الدمار يفوق كل النزاعات التي شهدها، ومنها أوكرانيا.

ورغم أن «قوات الدعم السريع» تشنّ هجمات متفرقة بالمسيّرات على الخرطوم، فإن السلطات تتمسك بعودة الأمور إلى طبيعتها.

وهي أنهت نظام التعليم عن بُعد في الجامعات في يوليو (تموز)، وبات لزاماً على الطلاب العودة. ودفعت هذه الخطوة أساتذة الطب في جامعة الخرطوم إلى التلويح بتقديم استقالات جماعية.

وتقول إحدى طالبات الماجستير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «رفضتْ الجامعة مناقشة بحث للماجستير عبر الإنترنت»، رغم أن المشرف عليها «موجود في دولة أخرى».

أما طالبة أخرى كان من المقرر أن تبدأ السنة الأخيرة من مرحلة الإجازة في إدارة الأعمال، فباتت تسابق الزمن للحصول على منحة في مصر لبدء الدراسة من جديد، بعدما فاتتها الامتحانات الحضورية هذا الصيف.

وتقول بحسرة: «لم يصغوا إلينا. كل ما كان يهمهم هو أن يعود الناس».

تضيف الشابة التي طلبت عدم ذكر اسمها: «الأمر سياسي، فهم يريدون عودة الناس ليظهروا أن الأمور على ما يرام، لكنها... ليست على ما يرام أبداً».


حصيلة الحرب في غزة تتجاوز 74 ألف قتيل

خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)
خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)
TT

حصيلة الحرب في غزة تتجاوز 74 ألف قتيل

خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)
خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)

أُصيب فلسطينيان، أحدهما بجروح حرجة، صباح اليوم (الأحد)، جراء قصف طائرة مسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين قرب الجامع الأبيض في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة، فيما تجاوزت حصيلة قتلى الحرب 74 ألف قتيل.

ونقلت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) عن مصادر محلية قولها: «إن مواطناً أُصيب، فجر اليوم، جراء قصف مسيّرة قرب خيام نازحين في محيط سوق حي الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة».

وفي السياق، استهدفت القوات الإسرائيلية بقصف مدفعي مناطق جنوب خان يونس، بينما أطلقت آلياتها النار شرق المدينة، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار مكثف استهدف منطقة مواصي رفح، جنوب القطاع.

كما أطلقت طائرات مروحية إسرائيلية النار بكثافة شرق مدينة غزة، بينما أطلقت الدبابات والزوارق الحربية النار تجاه المناطق الشمالية الغربية من المدينة.

وفي شمال قطاع غزة، أطلقت آليات إسرائيلية النار بكثافة غرب بيت لاهيا.

يأتي هذا في الوقت الذي تجاوزت فيه حصيلة القتلى الفلسطينيين جراء الحرب المستمرة منذ نحو 3 سنوات بين إسرائيل وحركة «حماس» حاجز الـ74 ألف قتيل، وذلك وفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة.

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار - الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي - قد أوقف المعارك الأشد ضراوة، فإن الضربات الإسرائيلية لا تزال مستمرة فيما يصفه الجيش الإسرائيلي بأنه رد على تهديدات أو هجمات، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

حيث أعلنت وزارة الصحة في غزة أمس السبت أن حصيلة القتلى الفلسطينيين ارتفعت إلى 74 ألفاً و16 شخصاً، بالإضافة إلى إصابة 175 ألفاً و68 آخرين. وكانت الحرب قد اندلعت في 7 أكتوبر 2023، حين شنَّ مسلحون بقيادة «حماس» هجوماً على إسرائيل، مما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص - معظمهم من المدنيين - واحتجاز 251 آخرين كرهائن.

وذكرت الوزارة - التي تتبع الحكومة التي تديرها «حماس» - أنه منذ بدء وقف إطلاق النار، قُتل 1145 فلسطينياً. وتحتفظ الوزارة بسجلات مفصلة تعدّها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية موثوقة بشكل عام؛ ورغم أنها لا تميز في أرقامها بين المدنيين والمسلحين، فإنها تشير إلى أن النساء والأطفال يشكِّلون نحو نصف إجمالي الضحايا.

وفي المقابل، قُتل 7 جنود إسرائيليين منذ بدء وقف إطلاق النار.

ولا تزال جوانب أخرى من اتفاق وقف إطلاق النار - الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية - تراوح مكانها؛ إذ تسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على أكثر من نصف الأراضي الفلسطينية، ولم تقم «حماس» بتسليم سلاحها، كما لم تتشكَّل حكومة فلسطينية جديدة، ولم تبدأ عمليات إعادة الإعمار بعد.

ويؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب ما لم تقم «حماس» بتسليم سلاحها.


إسرائيل تستعد لاحتلال طويل في جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعد لاحتلال طويل في جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)

تستعد إسرائيل لاحتلال طويل الأمد في جنوب لبنان، حيث استحدثت منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر»، هي عبارة عن أرض محروقة لا يقيم فيها السكان، ولا تتضمن أي منازل أو منشآت مدنية.

وقال مصدر أمني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن استهداف تلك البلدات الواقعة على تماس مع «الخط الأصفر»، وطرد السكان منها وتحويلها إلى مناطق مدمرة وخطرة، إنما «يعني أن إسرائيل تخطط لإحباط أي محاولة لاستخدامها لشن عمليات ضد قواتها في المنطقة المحتلة بالجنوب».

في غضون ذلك، كشف معارضون لـ«حزب الله» عن أنه يعاني من أزمة قيادة بعد اغتيال أمينه العام الأسبق حسن نصر الله، الذي يحيي الحزب اليوم (الأحد) الذكرى السنوية الثانية لاغتياله.

ولم ينجح الحزب في تعويضه بعدما حوّل الأمانة العامة إلى مركز ثقل سياسي وتنظيمي وعسكري وجماهيري.