كاستيلانوس: الانضمام لـ«سيتي» خطوة عملاقة... وأتطلع إلى تغيير العالم قليلاً

اللاعبة الفنزويلية المنضمة حديثاً إلى الدوري الإنجليزي تروي كيف قاتلت لتحقيق حلمها في عالم كرة القدم

دينا كاستيلانوس الملقبة في فنزويلا بـ«الملكة» انضمت لـ«مانشستر سيتي» بصفقة قياسية للسيدات (الغارديان)
دينا كاستيلانوس الملقبة في فنزويلا بـ«الملكة» انضمت لـ«مانشستر سيتي» بصفقة قياسية للسيدات (الغارديان)
TT

كاستيلانوس: الانضمام لـ«سيتي» خطوة عملاقة... وأتطلع إلى تغيير العالم قليلاً

دينا كاستيلانوس الملقبة في فنزويلا بـ«الملكة» انضمت لـ«مانشستر سيتي» بصفقة قياسية للسيدات (الغارديان)
دينا كاستيلانوس الملقبة في فنزويلا بـ«الملكة» انضمت لـ«مانشستر سيتي» بصفقة قياسية للسيدات (الغارديان)

تُعرف دينا كاستيلانوس في وطنها فنزويلا باسم «الملكة دينا»، لكن بعد دقائق من هذه المقابلة الشخصية، تبخرت لديّ جميع المخاوف المزعجة من أن اللاعبة رقم «10» المنضمة حديثاً إلى «مانشستر سيتي» قد تكون صفقة مبالغاً في سعرها، أو لا ترتقي إلى مستوى التوقعات.
تعني كلمة «رينا» في اللغة الإسبانية «الملكة»، ومن ثم يبدو أن هناك تناغماً طبيعياً بينها وبين اسم «دينا»، التي أصبحت قائدة لمنتخب بلادها وهي في الحادية والعشرين من عمرها.
تبلغ دينا، التي انضمت خلال فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة لـ«مانشستر سيتي» بقيادة المدير الفني غاريث تايلور قادمة من «أتلتيكو مدريد»، من العمر الآن 23 عاماً، لكنها تدرك تماماً أنه من دون الحصول على منحة جامعية لدراسة الصحافة وكرة القدم في ولاية فلوريدا، لما وصلت إلى ما هي عليه الآن.
تقول المهاجمة الفنزويلية المتواضعة التي نشأت في مدينة ماراكاي بالقرب من ساحل البحر الكاريبي: «الذهاب إلى الولايات المتحدة هو الخطوة التي غيرت حياتي». كانت دينا تنظر إلى اللاعبة البرازيلية مارتا على أنها المثل الأعلى بالنسبة لها، وكانت تقاتل من أجل تحقيق حلمها في عالم كرة القدم. وتقول عن ذلك: «لقد كانت هذه لحظة رائعة ومهمة للغاية في مسيرتي المهنية».
ويفسر هذا سبب قيام دينا بإنشاء مؤسسة تساعد - من بين أمور أخرى - في تقديم منح دراسية في مجال كرة القدم للفتيات الصغيرات من أميركا الجنوبية، ولماذا تحدثت بشغف شديد عن المساواة بين الجنسين، والتعليم و«تغيير العقليات» خلال تقديمها كلاعبة جديدة في صفوف «مانشستر سيتي».
وقالت اللاعبة الفنزويلية، التي تجيد اللعب كمهاجمة صريحة أو في خط الوسط المهاجم، والتي تلعب دوراً محورياً في خطط تايلور لإعادة بناء فريق «مانشستر سيتي» بعد صيف التغيير الجذري: «أريد أن أغير العالم قليلاً، وأن أقاتل من أجل المساواة».
ومع انتقال لوسي برونز وكيرا وولش إلى «برشلونة»، وانتقال جورجيا ستانواي إلى «بايرن ميونيخ»، ورحيل كارولين وير إلى «ريال مدريد»، واعتزال إلين وايت؛ تغيرت التشكيلة الأساسية لـ«مانشستر سيتي» كثيراً خلال الموسم الجاري. تقول دينا، التي سجلت 23 هدفاً في 59 مباراة مع «أتلتيكو مدريد»: «اللاعبات اللاتي رحلن عن الفريق كن نجمات بارزات ومهمات للغاية، لكننا جميعاً هنا سعيدات ومتحمسات للغاية للوجود في (مانشستر سيتي)، على الرغم من هطول الأمطار قليلاً في هذه المدينة الإنجليزية!».
بالإضافة إلى ذلك، ومع استمرار وجود اللاعبتين الإنجليزيتين لورين هيمب وكلوي كيلي، فإن الاستمرارية ليست غريبة تماماً، حيث يسعى تايلور لقيادة فريقه لتحقيق أول فوز في الموسم الحالي بالدوري الإنجليزي الممتاز للسيدات عندما يستضيف «ليستر سيتي».
لم تكن هناك حالة توافق بين المدير الفني لـ«مانشستر سيتي» وبرونز المنتقلة لـ«الريال»، لكن دينا معجبة للغاية بمهاجم «ويلز» السابق، وتقول عن ذلك: «إنه شخص لطيف حقاً. إنه يحاول دائماً أن يعلمك ويجعلك أفضل، وهو أمر لا يفعله كل المديرين الفنيين. أعتقد أنني أستطيع أن أتطور كلاعبة هنا».
وتضيف: «كرة القدم الإنجليزية أسرع وأكثر اعتماداً على اللياقة البدنية والصراعات الهوائية بالمقارنة بإسبانيا، لكنها تعتمد على النواحي الفنية أيضاً، فهي مزيج رائع من الأساليب المختلفة. (مانشستر سيتي) يعتمد دائماً على تمرير الكرات واللعب الجماعي، وهذا شيء مهم للغاية. من المهم للغاية التحكم في المباريات من خلال السيطرة على الكرة».
ومن المؤكد أن البنية التحتية ذات الـ7 نجوم في «مانشستر سيتي» وملعب «الاتحاد»، بعيدة بسنوات ضوئية عن الحياة اليومية في فنزويلا. وتتمثل مهمة دينا في ضمان أن تكون كل فتاة صغيرة «ملكة على طريقتها الخاصة»، لكن إرث الانهيار الاقتصادي لبلدها بعد فشل ثورتها الاشتراكية يعني أن مجرد البقاء هو أقصى طموح للعديد من المواطنين.
ففي عام 2018، تحدث مواطنها سالومون روندون، الذي كان يلعب آنذاك في صفوف «نيوكاسل يونايتد» ويلعب الآن مع «إيفرتون»، عن إحباطه من الانهيار الاقتصادي لبلاده، ورسم صورة قاتمة لرفوف المحلات التجارية الفارغة، ونقص المياه على نطاق واسع، وندرة الأدوية الأساسية، والإلغاء الجماعي للعمليات الجراحية بالمستشفيات، في الوقت الذي تتسارع فيه معدلات أعمال العنف والخطف، ومعدلات التضخم.
وبعد 4 سنوات، تم تخفيف حالة الطوارئ بشكل طفيف، لكن العاصمة، كاراكاس، لا تزال تسجل أحد أعلى معدلات القتل في العالم. تقول دينا، التي لا تزال عائلتها تعيش في فنزويلا: «أعتقد الآن أن الوضع أفضل قليلاً مما كان عليه عندما أخبرك سالومون بذلك. هناك المزيد من الإمدادات الغذائية، وأصبحت إمكانية الوصول إلى الأدوية أفضل، لكن البلاد لا تزال في وضع سيئ. آمل أن يتغير ذلك».
وأعلنت دينا عن رغبتها في أن تصبح صحافية بعد اعتزالها كرة القدم، وأشارت إلى أنها استمتعت بالعمل كمحللة تلفزيونية بشكل أساسي مع «إن بي سي» و«تيليموندو»، في إسبانيا، وفي كأس العالم للسيدات 2019 في فرنسا. تقول دينا: «أشعر بالراحة حقاً أمام الكاميرا. وأقوم بالتحليل أو التعليق أو المقابلات بنفس الشغف الذي ألعب به كرة القدم».
وعلى الرغم من أنها لم تتعلم لغتها الثانية إلا بعد انتقالها إلى فلوريدا، فقد دربت نفسها على «التفكير باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى الإسبانية»، وتجيد الحديث بكلتا اللغتين بشكل مثير للإعجاب أمام الكاميرا. وبعد فشل فنزويلا في التأهل لنهائيات كأس العالم الصيف المقبل، يبدو أنها تتودد إلى شركات البث التلفزيوني قبل البطولة التي تقام في أستراليا ونيوزيلندا، لكي تقوم بتحليل المباريات على الشاشة. تقول دينا: «سيكون هذا شيئاً مذهلاً حقاً. تحسنت كل المنتخبات كثيراً، سواء من الناحية الفنية أو الناحية البدنية. كانت الولايات المتحدة هي التي تفوز دائماً، لكن الآن فازت إنجلترا ببطولة (اليورو)، ويمتلك المنتخب الإسباني أيضاً مستقبلاً مشرقاً للغاية».
يمكن أن تساعد البطولات النسائية الرائعة في إحداث تغيير اجتماعي، وقد شعرت دينا بسعادة غامرة عندما طالب المنتخب الأميركي للسيدات علناً بإقالة جميع مديري الأندية في أميركا الشمالية الذين غضوا الطرف عن ثقافة الاعتداء العاطفي والجنسي الممنهج في دورياتهم المحلية، التي كشفت عنها سالي ييتس أخيراً. تقول دينا: «إنهن شجاعات لأنهن تحدثن بصوت عالٍ عن أشياء مهمة. أنا فخورة بهن».
وعلى الرغم من أن ذلك يأتي في سياق مختلف تماماً، فإنها تحمل مشاعر مماثلة حول مجموعة من الرسومات الموجودة على جسدها. وتقول: «لديّ الكثير من الوشوم بالتأكيد. لست متأكدة من عددها بالضبط، لكن أعتقد أنها تصل لنحو 37. إنها مزيج من الكلمات والصور، لكن ليس لديّ وشم عن (مانشستر) حتى الآن. أعتقد أنه قد يشمل بعض الأمطار!».


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.


لا شيء يأتي من العدم... كيف صنعت فرنسا إمبراطورية كروية أصبحت تُغذي العالم؟

المنتخب الفرنسي لكرة القدم (د ب أ )
المنتخب الفرنسي لكرة القدم (د ب أ )
TT

لا شيء يأتي من العدم... كيف صنعت فرنسا إمبراطورية كروية أصبحت تُغذي العالم؟

المنتخب الفرنسي لكرة القدم (د ب أ )
المنتخب الفرنسي لكرة القدم (د ب أ )

لا يمكن تفسير الهيمنة الفرنسية على كرة القدم العالمية بمنطق الصدفة، أو الاكتفاء بالإشارة إلى وفرة المواهب. فما تحققه فرنسا منذ أكثر من عقدين هو نتيجة مشروع طويل الأمد، بُني على مراجعة شاملة لمنظومة التكوين، حتى أصبحت اليوم أكبر مصنع للمواهب الكروية في العالم.

وتُجمع الدوائر الرياضية العالمية اليوم على أن فرنسا تحولت إلى أكبر مركز لتكوين اللاعبين، وتصدير المواهب في العالم، مستندة إلى ثورة هيكلية شاملة غيّرت خريطة الكرة الدولية، وجعلت من المدارس الفرنسية الرافد الأساسي الذي يغذي شرايين المنتخبات العالمية في المونديال الحالي، خاصة المغاربية، والأفريقية.

تتجاوز الهيمنة الفرنسية حدود قميص «الزرق» لتشمل أكبر المنتخبات العالمية في هذه النسخة المونديالية الحالية لعام 2026، حيث تكشف الإحصائيات الرسمية أن نحو 8 في المائة من إجمالي اللاعبين المشاركين حالياً في كأس العالم وُلدوا وتلقوا تكوينهم الأساسي داخل الأراضي الفرنسية، ومراكزها الرياضية، قبل أن يختاروا تمثيل بلدانهم الأصلية، نداءً للقلب، أو بحثاً عن فرص دولية أوسع.

كيليان مبابي يحتفل مع زملائه بعد تسجيله الهدف الثالث لفرنسا خلال مواجهة السويد (إ.ب.أ)

صدمة 1993 ونقاط التحول التاريخية

النهضة الكروية الرهيبة التي تعيشها فرنسا لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج استراتيجية وطنية صارمة، وُلدت من رحم المعاناة، والصدمة التاريخية لعام 1993، حين فشل الديكة في التأهل إلى مونديال أميركا 1994 بعد الهزيمة الدراماتيكية الشهيرة أمام بلغاريا في باريس.

تلك النكسة دفعت الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى إعادة صياغة منظومة التكوين بالكامل، والتركيز على مراكز التميز الإقليمية، وفي مقدمتها «كليرفونتين»، وأثمرت هذه الهندسة البشرية تفرداً فرنسياً غير مسبوق في العقدين الأخيرين، والنتيجة تتحدث عن نفسها بوضوح في سجلات «الفيفا»، ففي النسخ السبع الأخيرة من بطولة كأس العالم، نجحت فرنسا في بلوغ المباراة النهائية في أربع مناسبات كاملة (1998، 2006، 2018، 2022)، وتوجت باللقب الغالي مرتين، في تأكيد صريح على استدامة النموذج الفرنسي، وقدرته على تجديد الدماء جيلاً بعد جيل دون انقطاع. ويكفي النظر إلى المنتخب الجزائري، الذي يضم 13 لاعباً تخرّجوا من مراكز التكوين الفرنسية، لإدراك أن أثر هذه المنظومة تجاوز الحدود، وأصبح رافداً أساسياً لمنتخبات عدة.

محاربو الصحراء تحت لواء الهوية المونديالية الفرنسية

لاعبو الجزائر يتسلحون بخبرة مدربهم بيتكوفيتش من أجل تخطي عقبة سويسرا (أ.ف.ب)

يظهر منتخب الجزائر كواحد من أكثر المنتخبات اعتماداً على الطيور المهاجرة المتخرجة من مراكز فرنسا الكروية، والنشطة في مونديال 2026. ويأتي على رأس هذه المجموعة النجم المخضرم رياض محرز قائد المنتخب، وجناح الأهلي السعودي الذي ولد في سارسيل، وتكون في لوهافر.

ويرافقه في خطوط الفريق لاعب وسط الاتحاد السعودي حسام عوار المتخرج من أكاديمية ليون، ومهاجم أولمبيك مارسيليا أمين غويري خريج رين، بالإضافة إلى الظهير الأيسر لنادي مانشستر سيتي ريان آيت نوري الذي صقل مهاراته في نادي أنجيه الفرنسي. وتكتمل ملامح هذه «المدرسة الفرنسية» بوجود حارس المرمى لوكا زيدان المتكون في ريال مدريد، ولكن بنشأة فرنسية، والواعد مالفين ماستيل خريج تروا.

وفي الخطوط الخلفية، يبرز عيسى ماندي، وجوان حجام، ومدافع باريس إف سي سمير شرقي. أما وسط الميدان فيضبط إيقاعه نبيل بن طالب خريج ليل، وفارس شايبي المتألق مع تولوز سابقاً، يدعمهم في الشق الهجومي الجناح أنيس حاج موسى، وفارس قدجيميس. وبهذه التشكيلة التي تضم 13 لاعباً من تكوين فرنسي تتربع الجزائر كأكثر دولة مشاركة في مونديال 2026 يضم منتخبها لاعبين تأسسوا كروياً في فرنسا بعد الديوك أنفسهم.

بصمة فرنسية تصنع ربيع «أسود التيرانغا» في المونديال

فازت السنغال بنتيجة كبيرة على العراق لكنها استفادت من تعادل مصر وإيران لتتأهل (إ.ب.أ)

في توليفة أفريقية يمتزج فيها الطموح بالخبرة الأوروبية، دخل منتخب السنغال منافسات مونديال 2026 متسلحاً بـ11 لاعباً وُلدوا ونشأوا في الملاعب الفرنسية، ليشكلوا الركيزة الصلبة التي راهن عليها بابي ثياو في هذا المحفل العالمي. حماية العرين السنغالي تبدو فرنسية الهوى بامتياز بوجود الثلاثي: إدوارد ميندي ابن مونتيفيلييه، وخريج لوهافر، وموري دياو المولود في بويسي، وخريج باريس سان جيرمان، والشاب إيفان ضيوف ابن نوتير، ومتكون في تروا. هذه الصلابة تمتد إلى الخطوط الخلفية التي يوجهها القائد كاليدو كوليبالي المولود في سانت ديي دي فوز، وخريج ميتز، وبجانبه موسى نياكاتي ابن روبيه، وخريج فالنسيان، والمدافع مامادو سار ابن مارتيغ، وخريج ليون، بالإضافة إلى أنتوني ميندي ابن مرسيليا، ومتكون في نيس.

أما معركة خط الوسط فيديرها ثنائي يجمع بين بابي غاي المولود في مونتروي، وخريج لوهافر، وحبيب ديارا ابن غولفيش، وخريج ستراسبورغ. ولا تكتمل الإثارة السنغالية إلا في الخط الأمامي الذي يتوهج بلمسات إيلمان ندياي المولود في روان، ومتكون في مرسيليا، ولاعب باريس سان جيرمان الصاعد إبراهيم مباي ابن بلدية تراب.

هذا الحضور يجعل من السنغال القوة التكوينية الثانية في البطولة مباشرة بعد الجزائر (13 لاعباً)، لتؤكد ملاعب فرنسا مجدداً أنها الممول الأكبر للمواهب في عرس 2026 الكروي.

كتيبة «الفهود» تصنع الحدث بهوية فرنسية صريحة في المونديال

مدرب جمهورية الكونغو الديمقراطية سيباستيان ديسابر يعطي تعليمات للاعبيه خلال استراحة ترطيب (رويترز)

بأسلوب تكتيكي صارم يقوده المدرب الفرنسي سيباستيان ديسابر، اقتحم منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية غمار مونديال 2026 متسلحاً بـ10 لاعبين من مواليد ومراكز تكوين فرنسا، والذين يشكلون العمود الفقري لعودة الكونغو التاريخية إلى المحفل العالمي بعد غياب دام 52 عاماً. تبدأ هذه البصمة من حراسة المرمى بليونيل مباسي المولود في ميو، وخريج لوهافر، وتتمدد بقوة في الجدار الدفاعي المكون من: آرثر ماسواكو ابن مدينة ليل، وخريج فالنسيان، جيديون كالولو المولود في ليون، وخريج أكاديميتها، وديلان باتوبينسيكا ابن بونتواز، وخريج باريس سان جيرمان، والمدافع الضخم ستيف كابوادي المولود في لو مان، وتكوين جنت البلجيكي بصبغة ناشئة فرنسية.

وفي وسط الميدان، يبرز ضابط الإيقاع سامويل موتوسامي ابن باريس، وخريج أولمبيك ليون، بجانب الموهوب ناتانايل مبوكو المولود في فيلنوف سان جورج، وخريج ريمس، والمخضرم غيل كاكوتا ابن ليل، وخريج لانس. أما القوة الهجومية للفهود، فيقودها الثنائي في الملاعب الأوروبية: يوان ويسا المولود في فيلنوف سان جورج، وخريج شاتورو، وسيمون بانزا ابن بونتواز، وخريج لانس.

نسور قرطاج وتوليفة التكوين الفرنسي

وحدها تونس خرجت عن تألق عرب أفريقيا (إ.ب.أ)

بأسلوب مغاير يعتمد على دمج الصلابة الدفاعية بابتكار خط الوسط، رسم منتخب تونس ملامح قائمته في مونديال 2026 بالاعتماد على 7 لاعبين من مواليد ومراكز تكوين فرنسا كأعمدة أساسية في الفريق. في الخطوط الخلفية تظهر البصمة الفرنسية جلية بوجود المدافع المحوري منتصر الطالبي المولود في باريس، وخريج أكاديمية نادي لوريان، وإلى جانبه ديلان برون ابن مدينة كان، وخريج نادي نيور، بالإضافة إلى الظهير الأيمن يان فاليري المولود في شامبيني سور مارن، والمتكون في ستاد رين.

أما معركة صناعة اللعب وضبط الإيقاع في وسط الميدان، فيقودهما إلياس السخيري المولود في لونييل، والمتخرج من مدرسة مونبلييه العريقة، ومعه الموهوب حنبعل المجبري ابن مدينة إيفري سور سين، وخريج مدرسة موناكو، والوافد الشاب إسماعيل الغربي المولود في باريس، والمتكون في أكاديمية باريس سان جيرمان. وفي الشق الهجومي تكتمل هذه المجموعة بالمهاجم إلياس عاشوري المولود في بلدية سان دينيس، وخريج مركز تكوين نادي سانت إتيان.

الأفيال الإيفوارية بنكهة فرنسية

لاعبو ساحل العاج يحتفلون بعد التأهل (رويترز)

مر منتخب ساحل العاج (الأفيال) بمرحلة تجديد باهرة في مونديال 2026 تحت قيادة المدرب إيميرس فاييه، معتمداً على مدرسة التكوين والنشأة الفرنسية التي قدمت للفريق 7 لاعبين وُلدوا وتأسسوا بالكامل في الملاعب الفرنسية ليمثلوا الركائز الفنية للجيل الجديد.

في الدفاع، تبرز الصلابة بوجود موسى نيخاتي المولود في روبيه، وخريج فالنسيان، والظهير برادلي لوكو ابن مونتروي، وخريج ريمس.

أما خط الوسط فيتحكم في ضبط إيقاعه الثنائي: سيكو فوفانا المولود في باريس، وخريج لوريان، والمايسترو جيريمي بوجا ابن مرسيليا، وتكوين لانس.

وتصل البصمة الفرنسية ذروتها في الهجوم بقيادة الجناح إيدون جيلجروفا المولود في ليون، والقناص جون فيليب ماتيتا ابن مدينة سينس، وخريج شاتورو، إلى جانب المهاجم المخضرم سيباستيان هيلير المولود في ريس أورانجيس، وخريج أوكسير.

سداسي أسود الأطلس في الميدان وجغرافيا التكوين

المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

بناءً على اللائحة الرسمية التي يعتمد عليها مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي، يبرز الحضور الفرنسي التكويني بقوة من خلال ستة أسماء واعدة تلعب في البطولة الحالية. ويقود هذا الخط الدفاعي المدافع الصلب عيسى ديوب لاعب فولهام الإنجليزي الذي تدرج في صفوف تولوز بجانب لاعب الوسط الفذ نائل العيناوي نجم نادي روما الإيطالي، والمولود في نانسي.

كما يوجد الشاب أيوب بوعدي ذو الـ18 عاماً وجوهرة نادي ليل، بالإضافة إلى ثنائي خط وسط وهجوم نادي ستراسبورغ سمير المرابط، وياسين جسيم.

ويكتمل السداسي بالتحاق المهاجم الشاب أمين السباعي الذي تلقى تكوينه الكروي كاملاً في الملاعب والمراكز الفرنسية قبل أن يبصم على حضوره الدولي مع الأسود، والذي يعوض صخرة الدفاع نايف أكرد خريج أكاديمية محمد السادس بالرباط، والذي يغيب عن المونديال بسبب الإصابة.

المدارس الكروية الفرنسية تفرض إيقاعها على النجوم السوداء

أداء منتخب غانا أمام نظيره الإنجليزي دل على نجاح خطط المنتخبات الصغيرة أمام الكبيرة (أ.ب)

بخلاف طبيعة المنتخبات المغاربية، اقتحم منتخب غانا غمار منافسات مونديال 2026 بخصوصية فريدة، إذ يعتمد بشكل كلي على لاعبين اثنين فقط ممن وُلدوا وتأسسوا بالكامل في فرنسا، غير أن البصمة الفرنسية لا تغيب عن هذا الجيل بفضل الطيور المهاجرة التي أكملت نموها الرياضي داخل أندية «الليغ 1». فعلى مستوى التكوين والمولد الفرنسي الخالص، يقود معركة الدفاع الظهير الأيمن لنادي أوكسير مارفين سينايا المولود في سان موريس، وخريج ستراسبورغ، بينما يضبط إيقاع وسط الميدان النفاثة إليشا أووسو ابن مدينة مونتروي، وخريج مدرسة أولمبيك ليون العريقة.

هوية فرنسا تصنع معجزة أسماك القرش الزرقاء

منتخب الرأس الأخضر يحتفل بتأهل تاريخي لدور الـ32 من المونديال (إ.ب.أ)

يتميز منتخب الرأس الأخضر في مونديال 2026 باعتماده على لاعبين اثنين فقط من مواليد وتكوين الملاعب الفرنسية. ويتجلى هذا الحضور في الدفاع عبر لوغان كوستا المولود في سان دنيس، وخريج ريمس، والظهير ستيفن موريرا ابن نوازي لو غران، وخريج رين. في المقابل، استند الفريق على الشتات التاريخي في هولندا، حيث تضم القائمة ستة لاعبين من مواليد روتردام، يتقدمهم الهداف دايلون ليفرامينتو، وثنائي الوسط لاروس، وداروي دوارتي.

مبابي يقود فرنسا للفوز على السويد والصعود لمواجهة باراغواي (أ.ب)

يبرهن مونديال 2026 على أن فرنسا تدير الإمبراطورية الكروية الأكثر وفرة وجاهزية للظفر باللقب، فهي لا تملك مجرد تشكيلة أساسية مرعبة يقودها القائد كيليان مبابي رفقة صانعي اللعب عثمان ديمبيلي، ومايكل أوليز، وصخرة الدفاع ويليام ساليبا، بل إن قوتها الحقيقية تكمن في دكة بدلاء «احتياطية» توازي الأساسيين جودة، وشراسة. بوجود خيارات خارقة، وجاهزة للاستدعاء في أي لحظة، مثل برادلي باركولا، وريان شرقي، وبريس سامبا، وماكسينس لاكروا، والواعد ديزيريه دوي، تبدو فرنسا كأنها تلعب بمنتخبين من طراز رفيع فوق أرضية الميدان، مما يجعل «الديوك» المرشح الأوفر حظاً، والأقوى تكتيكياً لاعتلاء عرش العالم مجدداً.


كيف تحول منتخب المغرب إلى «قاصم» ظهور المدربين في كأس العالم؟

المنتخب المغربي (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي (أ.ف.ب)
TT

كيف تحول منتخب المغرب إلى «قاصم» ظهور المدربين في كأس العالم؟

المنتخب المغربي (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

لم يعد تفوق المنتخب المغربي في المحافل الدولية مجرد طفرة كروية عابرة، أو مفاجأة مدوية يسجلها التاريخ في دفاتر «الحصان الأسود»، بل تحول الأداء التكتيكي ل «أسود الأطلس» إلى حقيقة استراتيجية راسخة داخل خريطة كرة القدم العالمية.

لقد تجاوز المغرب مرحلة حصد النقاط وإقصاء المنافسين إلى مربع مغاير تماماً، باتت فيه مواجهته بمثابة حقل ألغام تكتيكي يهدد استقرار أعرق المدارس التدريبية.

فالصلابة الدفاعية والمنظومة الفنية الصارمة التي يفرضها المغاربة فوق أرضية الميدان أفرزت ظاهرة استثنائية تتمثل في تدمير المشاريع الرياضية الكبرى، إذ تحول هذا المنتخب إلى «قاصم» حقيقي لظهور المدارس الكروية، ومقبرة لعرابي التكتيك الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على التنحي والاستقالة تحت وطأة الصدمة الفنية والجماهيرية عقب السقوط أمام كتيبة الأسود.

السر وراء هذه المقصلة التدريبية لا يكمن فقط في النتيجة الرقمية للمباريات، بل في السيكولوجية الفنية التي يفرضها المغرب على منافسيه. عندما تسقط القوى العظمى أمام تنظيم دفاعي يجردهم من حلولهم التقليدية، تنكشف العيوب الهيكلية للمدربين أمام اتحاداتهم وجماهيرهم، مما يجعل البقاء في المنصب أمراً مستحيلاً.

فمنذ ملحمة قطر التاريخية عام 2022 وصولاً إلى الإثارة المونديالية في نسخة 2026 الحالية، لم تكن الهزيمة أمام المغرب نهاية مشوار في بطولة فحسب، بل كانت السطر الأخير في الفصل التدريبي لأسماء ملأت الدنيا وشغلت الناس، ليرتبط الخروج المرير بتقديم استقالات فورية تعقب صافرة النهاية بساعات معدودة.

زلزال بلجيكا... عندما هدمت قذائف صابيري وأبو خلال إمبراطورية مارتينيز

دخل المنتخب البلجيكي نهائيات كأس العالم في قطر وهو يحمل على عاتقه آمال جيل ذهبي يبحث عن تتويج أخير يكلل سنوات صدارته للتصنيف العالمي، وتحت قيادة فنية مستقرة للمدرب الإسباني روبيرتو مارتينيز دامت لست سنوات كاملة.

لكن الجولة الثانية من دور المجموعات شهدت تحولاً دراماتيكياً عندما اصطدم الشياطين الحمر بالتنظيم المغربي الصارم.

في تلك الموقعة المشهودة التي دارت رحاها في السابع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، نجح البديل عبد الحميد صابيري في كسر التعادل عند الدقيقة الثالثة والسبعين بركلة حرة مخادعة باغتت الحارس تيبو كورتوا، قبل أن يطلق زكرياء أبو خلال رصاصة الرحمة في الدقيقة الثانية بعد التسعين، مستغلاً تمريرة حاسمة من حكيم زياش لتنتهي المباراة بهدفين نظيفين لصالح الأسود.

هذا السقوط التكتيكي المدوي لم يكن مجرد خسارة ثلاث نقاط، بل كان بمثابة الهزة الأرضية التي عرّت الشيخوخة الفنية للجيل البلجيكي وأفقدته التوازن، مما أدى لاحقاً إلى خروجه الرسمي من الدور الأول.

روبرتو مارتينيز (أ.ف.ب)

مارتينيز، الذي عجزت تكتيكاته الهجومية عن اختراق الخطوط المغربية، لم ينتظر طويلاً ليرى قرار إقالته، إذ توجه مباشرة إلى المؤتمر الصحافي عقب المباراة الختامية للمجموعات ليعلن بكلمات حزينة استقالته الرسمية من منصبه، مؤكداً أن مواجهة المغرب وضعت حداً لمشروع فني شارف على النهاية ولم يعد يملك ما يقدمه.

العقم الإسباني... «تيكي تاكا» إنريكي التي انتحرت عند مشارف القفاز الذهبي لبونو

في السادس من ديسمبر (كانون الأول) 2022، كان ملعب المدينة التعليمية شاهداً على واحدة من أعقد المعارك التكتيكية في تاريخ المونديال، عندما التقى المنتخب المغربي بنظيره الإسباني في الدور ثمن النهائي.

لويس إنريكي، المدير الفني للماتادور، دخل اللقاء بفلسفة قائمة على الاستحواذ المطلق والتدوير المستمر للكرة، مراهناً على إرهاق الدفاع المغربي. لكنه واجه جداراً بشرياً فولاذياً قاده وليد الركراكي بانضباط تكتيكي حديدي، نجح من خلاله في شل حركة العقل المدبر للإسبان وحرمانهم من أي خطورة حقيقية على مدار مائة وعشرين دقيقة من اللعب السلبي.

وعندما احتكم الفريقان لضربات الحظ الترجيحية، تجسدت العقدة المغربية في أبهى صورها، إذ فشل لاعبو إسبانيا في تسجيل ركلة واحدة أمام البسالة الأسطورية للحارس ياسين بونو الذي تصدى لضرباتهم بثبات وثقة، لتنتهي الحصة بثلاثة أهداف نظيفة للمغرب.

لويس إنريكي (د.ب.أ)

هذا الإقصاء المرير والعقم الهجومي الفاضح كلفا إنريكي منصبه فوراً، فالشارع الرياضي الإسباني لم يغفر له العجز التكتيكي أمام الأسود، مما دفع الاتحاد الإسباني لإعلان فض الشراكة وإقالة المدرب بعد ثمان وأربعين ساعة فقط من اللقاء، في خطوة جاءت بمثابة استقالة إجبارية لمدرب تحطم كبرياؤه الفني عند أسوار الدفاع المغربي.

دموع البرتغال... رأسية النصيري التاريخية التي أنهت حقبة العرّاب سانتوس

لم يكد الاستفاقة من الصدمة الإسبانية تكتمل حتى كان الدور على الجار البرتغالي في الدور ربع النهائي بتاريخ العاشر من ديسمبر 2022. قاد المدرب المخضرم فرناندو سانتوس، عرّاب التتويج التاريخي بيورو 2016، كتيبة مدججة بالنجوم يتقدمهم كريستيانو رونالدو، معتقدين أن التنظيم المغربي قد استهلك طاقته البدنية. لكن في الدقيقة الثانية والأربعين، ارتقى المهاجم يوسف النصيري بارتقاء إعجازي ناطح السحاب، مستغلاً خروجاً خاطئاً للحارس البرتغالي ليودع الكرة الشباك برأسية ذهبية سجلت الهدف الوحيد في المباراة.

أمّن المغرب دفاعه في الشوط الثاني ببسالة منقطعة النظير، لتنتهي المباراة بهدف نظيف شهدت الساحة بعده بكاءً مريراً لنجوم البرتغال وخروجاً تاريخياً جعل المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يصل للمربع الذهبي.

هذه الرأسية لم تمزق الشباك فحسب، بل قطعت حبال الثقة بين الاتحاد البرتغالي وسانتوس، إذ أدرك المدرب أن أفكاره الدفاعية التقليدية قد تجووزت أمام الحيوية المغربية، وأعلن عن تنحيه وإنهاء عقده بالتراضي بعد أيام قليلة من المباراة، لتنتهي حقبته الطويلة ضحية لمرتدة مغربية قاتلة.

طواحين هولندا... رونالد كومان يتجرع مرارة السقوط التكتيكي في منعرج 2026

تواصلت اللعنة المغربية على المدارس الأوروبية الكبرى لتنتقل من ملاعب قطر إلى المونديال الحالي لعام 2026. وفي مواجهة دراماتيكية جمعت الطرفين في الأدوار الإقصائية، وتحديداً في دور الاثنين والثلاثين بمدينة مونتيري المكسيكية، دخل المنتخب الهولندي بقيادة المخضرم رونالد كومان مدعوماً بترشيحات قوية وجيل شاب مفعم بالحيوية.

رونالد كومان مدرب منتخب هولندا السابق (أ.ف.ب)

ورغم تقدم الطواحين بهدف النجم كودي جاكبو في الدقيقة الثانية والسبعين، فإن الروح القتالية للمغرب فرضت نفسها، حيث نجح البديل عيسى ديوب في خطف هدف التعادل القاتل برأسية في الأنفاس الأخيرة من الشوط الثاني ليجر المباراة للأشواط الإضافية ثم ركلات الترجيح.

في كيريسيس ركلات الترجيح، ظهرت مجدداً العقدة النفسية والتكتيكية، وتألق الحارس ياسين بونو ليتصدى للركلة الحاسمة، بينما سجل إسماعيل صيباري ضربة الفوز ليعبر بالأسود بنتيجة (3 - 2).

هذا الخروج المبكر والصادم للمنتخب الهولندي، الذي كان يطمح للمنافسة على اللقب، أحدث شرخاً هائلاً في علاقة كومان بالجماهير والإعلام.

وتحت وطأة الانتقادات الحادة والانفجار الإعلامي الذي عاب عليه العجز عن حماية تقدمه أمام المرتدات والتحولات المغربية، لم يجد رونالد كومان خياراً سوى تقديم استقالته رسمياً بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على الإقصاء، معترفاً بتحمله المسؤولية الكاملة، لينضم رسمياً إلى القائمة الطويلة للمدربين الذين أنهت مخالبُ أسود الأطلس كبرياءهم الكروي.