ظلال المدن... والصمت

داخل الاستديو اللندني للفنان الفرنسي هيرفي كونستانت

كونستانت بين أعماله
كونستانت بين أعماله
TT

ظلال المدن... والصمت

كونستانت بين أعماله
كونستانت بين أعماله

لم أتخيل قط أن تلك السلالم الرطبة القريبة من منطقة هاكني البوهيمية، شرق لندن، ممكن أن تؤدي إلى استديو كبير ومتنوع الأعمال والإبداعات الفنية، كما هو استديو الفنان الفرنسي المقيم في لندن هيرفي كونستانت.
حالما يدخل المرء ذلك الاستديو الكبير الشبيه بالقبو، أطلقتُ عليه «عرين الفنان»، فإنه ينسى تماماً ما يحدث في العالم الخارجي، ويتماهى مع اللوحات والكتب وأصص النباتات الداخلية والتماثيل وفرش الرسم وأجهزة التسجيل وغيرها من مقتنيات الفنان الشخصية. قد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك الاستديو/ القبو مبعثر ومليء بأشياء كثيرة، لكن مع التمعن والتماهي بالجدران التي تملؤها اللوحات أيقنت أن المكان مرتب جداً وبعيد عن التشظي، لكنه أسلوب الفنان المميز في حياته كما في أعماله كما في صوته ومظهره. إنه تشظ بانتظام وبعثرة محكمة.
سجلنا ما يقرب الساعة بين سؤال وجواب، وحديث عن التجربة الشخصية والفن والسينما والشعر (سجل بصوته العميق بعضاً من قصائد رامبو وأرفقه بأعماله الفيلمية).
حينما سألته ما هو هدفه من الرسم، وهو الفنان متعدد الأساليب بين التخطيط والرسم والطباعة وصناعة الأفلام وإلقاء القصائد، أجابني:
- الأمر معقد بالنسبة لي، كنت أبحث عن الحب والاهتمام، وأتمنى أن أكون محبوباً، وكأن الطفل الذي جرب وحدة وقسوة الميتم ما زال يصرخ في داخلي طلباً للحب والاهتمام. فقد ولدتُ في الدار البيضاء بالمغرب بداية خمسينات القرن الماضي لأم مغربية وأب فرنسي، وارتحلتُ إلى فرنسا بعمر الخامسة بعد انفصال أبوي، وعشت في الملجأ لعدة سنوات في طفولتي. كنت وحيداً وعانيتُ من الشعور بالوحدة وصعوبة التواصل مع الآخرين. في السابعة عشرة من عمري اشتغلتُ في ورشة لتصليح السيارات في مدينة طولون جنوب فرنسا، وكان أحد الزبائن هو مدير الكونسرفتوار في مدينة طولون، واقترح علي الدراسة في المعهد، وكان ذلك بمثابة الباب الذي فُتح أمامي ولم يغلق لحد الآن، وكان باباً للأدب والموسيقى والفن. بعدها درست المسرح في باريس، وعملت ممثلاً في عدة مسارح، لكني كنت دائم الزيارة للمعارض الفنية واللوفر، وكنت أخطط وأعمل اسكتشيهات لفنانين مشهورين منهم أنتوني كيرشنر وبول كيلي وماكس بيكمان وغيرهم، وأحتفظ بها بين طيات كتبي، وحينما قدمت إلى لندن بداية ثمانينات القرن الماضي وأردتُ دراسة الفن لم أستطع الحصول على منحة دراسية، لذلك بدأت أخطط وأرسم وأبيع أعمالي لكي أعيل نفسي، لكني عرفتُ أيضاً أن هذا ما كنت أريد أن أفعله بقية حياتي. وهكذا كانت انتقالاتي من الموسيقى والمسرح إلى الفن التشكيلي، وأعتقد أن الفنون كلها متواشجة في داخلي كما الثقافات.
يغلب على أعمال هيرفي كونستانت الفنية طابع التجريد، وهناك ظلال من الرمزية والتعبيرية وحتى السوريالية، وهناك أيضاً عين الفنان الواقعية التي تلتقط أشياء استهلاكية بسيطة من الحياة اليومية وتعزلها وتجعلها في محيط مختلف لتعطي أبعاداً رمزية حاذقة تقترب من الروحانية، وتوحي باتساع مساحة الصمت في حياة الإنسان المعاصر، كما في لوحات المقص المفتوح على خلفية معتمة: تليفون أرضي مقطوع جالس على كرسي، دمية جالسة على كرسي ذي مقعد أسود. الفنان نفسه غير مهتم بتبويب أسلوبه، وهو يصرح بأن هناك فكرة ما وشخصنة في أعماله حتى لو بدتْ تجريدية، المهم أن يكون العمل الفني جيداً وأصيلاً.
رسم كونستانت عدة تخطيطات لرامبو، وأحد تخطيطاته تُعرض الآن في متحف رامبو في مدينته شارلفيل، كما أنه رسم بورتريت بحجم كبير لرامبو وهو يحتضر مستلهماً تخطيطات أخته إيزابيلا أثناء فترة وجودها مع الشاعر في مشفى بمدينة مارسيليا. رامبو في هذا البورتريت لا يشبه رامبو الشاب النزق الذي نعرف، بل هو رجل متألم ومتغضن الوجه في حالة احتضار، ويضع على رأسه قبعة أشبه ما تكون بغطاء رأس الفلاحين في مصر. ليس هذا فقط، فقد سجل هيرفي كونستانت بصوته قصيدة رامبو الشهيرة «المركب السكران» في فيديو رائع ومعبر جداً عن رامبو وعن هيرفي في الوقت ذاته، والفيديو متاح في «اليوتيوب» عبر قناة الفنان وبحاشية ترجمة إنجليزية.
يقول هيرفي كونستانت عن شغفه برامبو: «إني أتماهى مع رامبو شعراً وتجربة إنسانية فريدة. هناك حالة اغتراب كبيرة تجمعني برامبو، أنا قارئ جيد لشعره ومتتبع أيضاً لمسارات حياته وارتحاله، وأعتقد أن هناك تشابهاً حياتياً بيننا، فكلانا ولد لأب هو ضابط فرنسي خدم في المغرب العربي، وكلانا افتقد وجود الأم، لقسوتها المفرطة في حالة رامبو ولغيابها الفعلي في حالتي، وكلانا ارتحل نحو المجهول مبكراً في محاولة لحل لغز الاغتراب الذاتي، رامبو هو ملهمي الفني فأنا أستلهم من شعره بعض أعمالي الفنية، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر».
لم تقتصر بورتريهات هيرفي كونستانت على رامبو فقط، بل رسم بورتريهات للشاعر الفرنسي فيرلين وتريستان تزارا وغيوم أبولونيير وغيرهم الكثير، لكن لا يوجد بورتريت شخصي للفنان رغم كثرة أعماله وتنوعها. وقد شارك مؤخراً مع الشاعر البريطاني آلان برايس في تجربة شعرية فنية مشتركة عبر نشر كتاب شعر بعنوان «حيرة»، وهي نصوص كتبها الشاعر استجابة أو كرد فعل شعري يقارب أعمال الفنان هيرفي كونستانت.
اخترت لوحة من لوحاته تجسد حقيبة متأهبة للسفر بلا مسافر، وقلت له: «هذه اللوحة هي بورتريت شخصي لك»، ابتسم وحكى لي حكاية الحقيبة التي رُميتْ بقوة على نافذة مرسمه الخلفية في مساء خريفي قبل سنوات: «يبدو أن الحقيبة سُرقت من أحدهم، وبعد أن أخذ اللصوص محتوياتها رموها على نافذتي، وجدتها حقيبة جيدة، وظلت ترافقني لعدة سنوات في أسفاري».
قلت له حقاً إنها أفضل بورتريت شخصي لك.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
TT

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)

فاز الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة السبت بفئة التصوير الفوتوغرافي في جائزة بايو المرموقة للمراسلين الحربيين عن أعماله من غزة.

وإلى جانب الجائزة الكبرى، فاز أبو حامدة المقيم في غزة بجائزة اختيار الجمهور عن تقريره المصوّر «ما تخلّفه الحرب».

ولم يحضر الصحافي المراسم في بايو بشمال غربي فرنسا، لكنه بعث رسالة مصورة إلى الاحتفال.

كما فازت كل من صحيفة «واشنطن بوست»، و«الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية (إن بي آر)، وشبكة «سي إن إن» بالجوائز الكبرى في فئات الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، عن تقارير أعدتها من أوكرانيا وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على التوالي.

وكُرّم فريق صحيفة «واشنطن بوست» لسرد قصة جندي أوكراني حوصر في منطقة قتال لمدة 177 يوماً.

وفاز الصحافي الفلسطيني أنس بابا، من شبكة الإذاعة الوطنية العامة (إن بي آر)، بالجائزة الإذاعية عن تقرير تناول انتشال جثامين الضحايا في غزة.

وفاز صحافيون من شبكة «سي إن إن» بجائزتي التلفزيون وجائزة صورة الفيديو لتقريرهم عن الجنود الإسرائيليين الذين يساعدون المستوطنين في الضفة الغربية.

وفاز مصور وكالة «أسوشييتد برس» جهاد الشرافي بجائزة «المراسل الشاب» للتصوير الفوتوغرافي عن سلسلته «حرب ودمار لا ينتهيان في غزة».

وأثارت إحدى صور الشرفي التي تُظهر لاعبي كرة قدم في ملعب تحيط به الأنقاض في غزة، جدلاً في فرنسا خلال أغسطس.

وأُزيلت الصورة من مهرجان للتصوير الرياضي في دوفيل بشمال فرنسا، قبل أن تأمر محكمة بإعادتها.

وترأست لجنة تحكيم جوائز بايو مراسلة «بي بي سي» المخضرمة لايز دوسيه.


رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.