بوتين يواجه الضغوط الغربية بتحويل مسار إمدادات الطاقة

تحدث عن «مصادر بديلة»... والاستخبارات الروسية تكشف تفاصيل هجوم جسر القرم وكييف تشكك في صحة معطياتها

صورة أرشيفية لبوتين مع حليفه لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا (أ.ب)
صورة أرشيفية لبوتين مع حليفه لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا (أ.ب)
TT

بوتين يواجه الضغوط الغربية بتحويل مسار إمدادات الطاقة

صورة أرشيفية لبوتين مع حليفه لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا (أ.ب)
صورة أرشيفية لبوتين مع حليفه لوكاشينكو رئيس بيلاروسيا (أ.ب)

كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته، الأربعاء، في أعمال منتدى «أسبوع الطاقة الروسي» جانباً من الخطوات التي يمكن أن تلجأ إليها روسيا في مواجهة التضييقيات الغربية المتصاعدة على صادرات مصادر الطاقة الروسية. ومع شن هجوم قوي على الولايات المتحدة وسياساتها في مجال الطاقة، سعى بوتين إلى إظهار استعداده لإبداء مرونة في التعامل مع المستهلكين الأوروبيين الذين رأى أنهم يدفعون ثمن سياسات واشنطن. وتحدث في الوقت ذاته عن البدائل الروسية المحتملة خلال الفترة المقبلة.
وقال بوتين إن روسيا يمكن أن تنقل حجم الإمدادات التي تم تقليصها بقوة عبر خط أنابيب «نورد ستريم» إلى منطقة البحر الأسود، من خلال إنشاء «مركز لتصدير الغاز» في تركيا لتسهيل الإمدادات إلى أوروبا؛ لكنه رأى أن ذلك سيكون ممكناً «إذا كان شركاء روسيا مهتمين بذلك».
وكانت صادرات روسيا من الغاز الطبيعي عبر خط «نورد ستريم» الذي يمر عبر بحر البلطيق تقلصت بقوة، على خلفية المواجهة الروسية الغربية والحوادث المتكررة التي عرقلت استقرار الإمدادات. وقال بوتين إنه «يمكننا الانتقال إلى منطقة البحر الأسود، وبالتالي جعل الطرق الرئيسية لتوريد مصادر الطاقة من الغاز الطبيعي إلى أوروبا تمر عبر تركيا»، مشيراً إلى أن هذا يعني «إنشاء أكبر مركز للغاز المصدَّر إلى أوروبا على الأراضي التركية».
وتحدث بوتين في الإطار ذاته عن ميل بلاده لتنشيط استخدام مصادر الطاقة البديلة. ووفقاً له، فإن مثل هذا الحل له جدوى اقتصادية ومستوى الأمن فيه «أعلى بكثير».
وقال الرئيس إنه «يجب التعامل مع مصادر الطاقة البديلة وفقاً لحجم الاستهلاك والنمو الاقتصادي، من دون التأثر بأسباب سياسية».
وكان خطَّا أنابيب تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا «نورد ستريم» و«نورد ستريم 2» تعرضا لعمليات تخريب قبل أسبوعين، ما أسفر عن تقليص جديد للصادرات. وذكرت شركة «نورد ستريم» المشغلة للخطين، أن حالة الطوارئ على خطوط أنابيب الغاز غير مسبوقة، ومن المستحيل تقدير وقت الإصلاح. بينما فتح مكتب المدعي العام لروسيا الاتحادية قضية تتعلق بـ«عمل إرهابي دولي» على خلفية الحادثة. وأعربت روسيا عن استياء كبير بسبب استبعادها من جانب البلدان الأوروبية من المشاركة في عمليات التحقيق الجارية. وتطرق بوتين لهذا الموضوع في كلمته، واتهم «النظام في كييف» باستخدام الإرهاب وسيلة لتنفيذ أهدافه. وزاد أن الاستخبارات الأوكرانية حاولت أيضاً تقويض خط أنابيب «السيل التركي». واستغل بوتين المناسبة لتعزيز هجومه على واشنطن، وقال إن سعر الغاز الأميركي المقدم إلى أوروبا «أعلى بكثير، كما أنه غير موثوق به لجهة استقرار الإمدادات». وقال إن أحد الأمثلة على ذلك هو قيام إحدى حاملات الغاز الأميركي بـ«تحويل وجهتها في منتصف الطريق لحصولها على صفقة أفضل».
وفي إشارة إلى استعداده لإبداء مرونة مع المستهلكين الأوروبيين، قال بوتين إن «(السيل الشمالي) هو مشروع اقتصادي تشارك فيه الشركات الروسية والأوروبية على قدم المساواة». وزاد أن أسعار مصادر الطاقة الروسية أرخص ثمناً، وهي أكثر استقراراً. مضيفاً أنه كان من الممكن تجنب ارتفاع الأسعار في أوروبا بعدم اللجوء إلى ربط أسعار الغاز بالنفط، والاعتماد على العقود طويلة الأمد. وقال بوتين إن روسيا «مستعدة لمواصلة ضخ الغاز إلى أوروبا عبر (السيل الشمالي-2). كل ما يتعين فعله هو فتح الصنبور».
وتطرق الرئيس الروسي إلى قرار تكتل «أوبك بلاس» أخيراً بخفض إنتاج النفط، وقال إنه يهدف لضمان استقرار الأسواق العالمية، وليس هو السبب في ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أنهم «مرة أخرى يحاولون تعليق أخطائهم على شماعة الآخرين».
اللافت أن حديث بوتين عن هذا الملف تزامن مع الإعلان عن إغلاق أحد خطَّي أنابيب «دروغبا» النفطيين اللذين يربطان روسيا بألمانيا بعد اكتشاف تسرُّب في بولندا، حسبما أعلنت، الأربعاء، شركة «بيرن» البولندية المشغّلة. وقالت الشركة في بيان إنّ «أسباب الحادث غير معروفة في الوقت الحالي. توقّف الضخّ في الخط المتضرّر على الفور. الخط 2 يعمل بشكل طبيعي»، موضحة أنّ التسرّب اكتُشف مساء الثلاثاء. و«دروغبا» هو خط أنابيب النفط الرئيسي الذي ينقل النفط الروسي إلى ألمانيا.
وأوضحت المتحدثة باسم «بيرن» كاتارزينا كراسنسكا أنّ «هذا الجزء من خط أنابيب النفط الرئيسي ينقل النفط الخام إلى مصفاتين ألمانيّتين هما (بي تسي كا رافينري شفيدت) و(توتال رافينري ميتلدويتشلاند) في شبيرغاو».
وبدأ العمل بخط الأنابيب «دروغبا» الذي يعني اسمه «صداقة»، في بداية التسعينات، ويمتد اليوم على شبكة طولها 5500 كيلومتر، وينقل النفط من جبال الأورال إلى مصافي التكرير في بولندا وألمانيا.
وينقل فرع آخر من خط «دروغبا» النفط الروسي إلى المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك.
على صعيد آخر، استبعد الكرملين، الأربعاء، عقد لقاء يجمع بوتين مع نظيره الأميركي جو بايدن على هامش قمة العشرين. وقال الناطق الرئاسي دميتري بيسكوف إنه «لا توجد أي مبادرات لعقد اجتماعات قمة بين روسيا والولايات المتحدة». وزاد: «على حد علمي، لم يتخذ الجانبان الروسي والأميركي أي مبادرات لتنظيم اتصالات ثنائية على أعلى مستوى». وكان بايدن قد قال إنه في الوقت الراهن لا يرى أي جدوى من إجراء محادثات مع نظيره الروسي.
في غضون ذلك، أعلنت الاستخبارات الروسية، الأربعاء، أنها اعتقلت 8 مشتبهين، بينهم 5 روس، للاشتباه في مشاركتهم في تجهيز الهجوم التفجيري الذي ضرب جسر القرم السبت. وأفاد بيان أمني بأن «الهجوم الإرهابي» من تنظيم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية. وزاد أنه «تم إثبات أن منظمي الهجوم الإرهابي على جسر القرم هم مديرية الاستخبارات المركزية في وزارة الدفاع الأوكرانية، ورئيسها كيريل بودانوف، وموظفون وعملاء لها». وقالت أجهزة الأمن إنه تم اعتقال 5 مواطنين روس و«3 مواطنين أوكرانيين ومواطن أرمني». وأضافت: «تمّ إخفاء العبوة الناسفة في 22 قطعة من اللفائف البلاستيكية، بوزن إجمالي يصل إلى 22.77 كيلوغرام».
ووفقاً للمعطيات التي استندت إلى التحقيق الروسي، فقد «تمّ إرسال المتفجّرات أوائل أغسطس (آب) في زورق انطلق من ميناء أوديسا في أوكرانيا إلى ميناء روسيه في بلغاريا. ثم نُقلت إلى ميناء بوتي في جورجيا، ليتمّ شحنها إلى أرمينيا قبل وصولها برّاً إلى روسيا».
وكشفت أجهزة الأمن أنّ العبوة الناسفة دخلت روسيا في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) في شاحنة مسجّلة في جورجيا، قبل أن تصل في السادس من أكتوبر، أي قبل يومين من الانفجار، إلى كراسنودار الروسية المتاخمة لشبه جزيرة القرم. وأكدت أنّ «عميلاً من كييف نسّق نقل المتفجّرات، وكان على اتصال بجميع الوسطاء». وأدى انفجار قوي السبت إلى إلحاق أضرار جسيمة بجسر القرم الذي يصل شبه الجزيرة الأوكرانية التي ضمّتها موسكو ببقية الأراضي الروسية. ومع ذلك، استؤنفت حركة السكك الحديدية وحركة السيارات والشاحنات بشكل جزئي على هذه الطريق الحيوية للجيش الروسي.
في بيانين آخرين، أعلنت أجهزة الأمن الروسية أنها أحبطت محاولتي هجوم في روسيا، نسبتهما للاستخبارات الأوكرانية.
وأكدت الأجهزة الروسية أنها أوقفت مواطناً أوكرانياً متهماً بإدخال قاذفات صواريخ «إيلغا» المحمولة، وهي أسلحة من تصميم سوفياتي، إلى روسيا من كييف عبر إستونيا. وكان من المقرّر استخدام هذه الآلات لتنفيذ «أعمال تخريبية وإرهابية» في منطقة موسكو، حسب جهاز الأمن الفيدرالي. كذلك أعلنت أجهزة الأمن الروسية أنها أوقفت أوكرانياً آخر قدم إلى روسيا من كييف عبر الحدود الإستونية. وأشارت إلى أنه كان يريد شنّ هجوم بالقنابل على مركز لوجيستي في بريانسك، وهي مدينة روسية لا تبعد كثيراً عن الحدود الأوكرانية.
وشككت كييف في صحة المعطيات الروسية، ووصف مسؤول أوكراني بارز، الأربعاء، نتائج التحقيق الروسي في الانفجار بأنه «هراء». ونقلت هيئة الإذاعة العامة الأوكرانية عن المتحدث باسم وزير الداخلية، آندريه يوسوف، قوله رداً على سؤال بشأن اتهامات موسكو: «ما يقوم به جهاز الأمن الاتحادي ولجنة التحقيق برُمّته هراء». ووصف يوسوف جهاز الأمن الاتحادي الروسي ولجنة التحقيق بأنهما «هياكل وهمية تخدم نظام بوتين، لذلك لن نعلق بالتأكيد على تصريحاتها».


مقالات ذات صلة

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: سنقترح قائمة بالتنازلات الروسية في إطار اتفاق سلام

قالت كايا كالاس، ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها ستقترح قائمة بالتنازلات التي ‌على أوروبا ‌مطالبة ⁠روسيا ​بتقديمها لإنهاء ‌الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».