تحديات الزراعة في الفضاء العميق

شركتان ناشئتان من «كاوست» تقتربان من إنتاج أغذية لرحلات المريخ

باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
TT

تحديات الزراعة في الفضاء العميق

باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء

«المريخ ينادي!»... تلك الجملة برزت في إعلان لـ«وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)»، في يوم الأحد 6 أغسطس (آب) 2021، تطلب فيه مرشحين ليكونوا أحد أفراد طاقم رحلة فضائية في برنامج «محاكاة للحياة في عالم بعيد»، مدته عام واحد يبدأ في خريف 2022، في «مركز جونسون للفضاء»، التابع للوكالة.
وكان قد سبق ذلك، وتحديداً في يناير (كانون الثاني) 2021، إعلان لـ«ناسا»، بالتنسيق مع وكالة الفضاء الكندية، عن بدء فتح باب الترشيحات لمسابقة حملت اسم «تحدي الغذاء في الفضاء العميق». ونظراً إلى أن روّاد الفضاء يحتاجون إلى نظام غذائي صحي، فقد دعت المسابقة إلى البحث عن تقنيات جديدة لإنتاج أغذية آمنة ومغذية وصحية وشهية، تتطلب الحد الأدنى من الموارد وتنتج نفايات محدودة وتناسب الرحلات الفضائية طويلة الأمد.
وخلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أُعلن عن الفائزين في المرحلة الأولى من المسابقة، حيث اختير 18 فريقاً أميركياً، و10 فرق دولية من خارج الولايات المتحدة الأميركية شملت شركات ومبتكرين من: كولومبيا، وألمانيا، وفرنسا، وأستراليا، وإيطاليا، وتايلاند، والبرازيل، وفنلندا، والهند، والمملكة العربية السعودية، عبر شركتين ناشئتين من «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)».
يأتي ذلك التحدي نتيجة التطور والاهتمام الكبيرين اللذين يحظى بهما مجال تقنية الفضاء، حيث يبحث المبتكرون عن طرق جديدة لتوسيع الوجود البشري خارج كوكبنا ولإدارة موارد الفضاء.

غذاء فضائي

لماذا إنتاج الغذاء في الفضاء؟ في البداية كانت الوجبات الأولى في الفضاء غير مستساغة. وفي حين تحسّن طعام رواد الفضاء بعض الشيء، فإنهم لا يزالون حتى اليوم يعودون إلى منازلهم متلهفين لتناول طبقهم المفضل.
في عام 1961، أصبح رائد الفضاء السوفياتي يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض، كما كان أول شخص يأكل في الفضاء. وتضمنت وجبة غاغارين، الخالية من الفتات، حصتين من اللحم المهروس، مخزنتين بعناية في حاويات تشبه أنبوب معجون الأسنان.
في العام التالي، أصبح رائد الفضاء جون غلين أول أميركي يدور حول الأرض، ولم يكن اختيار وجبته أفضل من وجبات غاغارين.
في ذلك الوقت، كان لدى العلماء مخاوف أكبر من إرضاء ذوق رواد الفضاء، ولم يعرف أحد كيف سيتفاعل الجسم مع تناول الطعام في بيئة تنعدم فيها الجاذبية، وهل سيكون بمقدور رواد الفضاء ابتلاع الطعام وهضمه؟ لحسن الحظ، تعامل جسم غلين مع وجبة الفضاء بشكل طبيعي.
بعد ذلك حصل رواد فضاء على طعام صلب، واختفت أنابيب معجون الطعام. واليوم يتناول رواد الفضاء في «محطة الفضاء الدولية ISS))»، التي تبعد 250 ميلاً عن الأرض، بشكل أساسي الأطعمة المعلَّبة أو المجففة والمجمَّدة المرسلة من الأرض. وفي محاولة للتقليل من ذلك، طوّرت «ناسا» نظاماً على متن المحطة يطلق عليه «فيجي» لإنتاج مجموعة من الخضراوات، مثل الخس والكرنب والخردل والكيل الأحمر الروسي وأزهار الزينيا.
أما في الرحلات المستقبلية لغزو الفضاء، والتي ستكون طويلة، فسيحتاج رواد الفضاء لمصدر يمدّهم بالغذاء والأطعمة الطازجة على مدى أشهر أو سنوات طويلة. وفي هذه الحالة لن تمدَّهم الأغذية المجمّدة بالعناصر الغذائية والفيتامينات اللازمة لمنع إصابتهم بأمراض؛ مثل اضطرابات القلب والشرايين وجريان الدم.

فكرة التحدي

تعدّ مسابقة «تحدي الغذاء في الفضاء العميق» جزءاً من التحديات الكبرى، وهي سلسلة واسعة من المسابقات التي تنظمها «ناسا»، وتفتح المسابقة أبوابها أمام الشركات الرائدة التي تُعنى بتقديم حلول وتقنيات جديدة للمشكلات المتعلقة بالفضاء.
وفي حين تغامر «ناسا» بعيداً في الكون، ستتغير تجربة رائد الفضاء، استعداداً لتحديات الحياة الواقعية للبعثات المستقبلية إلى المريخ. وستدرس الوكالة كيفية استجابة الأفراد المتحمسين للغاية، في ظل صرامة محاكاة أرضية طويلة الأمد.
تتضمن سلسلة المهام - المعروفة باسم «صحة الطاقم وتناظرية استكشاف الأداء» - 3 عمليات محاكاة لسطح المريخ لمدة عام واحد في «مركز جونسون للفضاء»، التابع للوكالة؛ من أجل تطوير أساليب وتقنيات لمنع وحل المشكلات المحتملة وإنتاج الغذاء في مهام رحلات الفضاء البشرية المستقبلية إلى القمر الذي يبعد عن الأرض 238 ألفاً و855 ميلاً في المتوسط، والمريخ الذي يبعد 33 مليون ميل بوصفها أقصر مسافة.

تقنيات «كاوست» الفائزة

وقع الاختيار على شركتي «ناتوفيا» و«إدامة»؛ وهما من شركات التقنية الزراعية الناشئة في «كاوست»، ضمن قائمة الفائزين العشر في المرحلة الأولى من المسابقة، التي اختتمت أعمالها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2021.
وكان تكريم وكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الكندية»، للفريق المشترك من «ناتوفيا» و«إدامة»، اعترافاً بتميز الشركتين في طرح حلول مبتكرة، وتطوير تقنيات جديدة لإنتاج الغذاء في الفضاء.
ومن مقرهما في «مجمع الأبحاث والتقنية» في «كاوست»، تضافرت جهود وخبرات الشركتين بوصفهما فريقاً واحداً، لمواجهة هذا التحدي وخوض غمار المسابقة معاً؛ إذ جاء الحل المقترح لهذا الثنائي المميز جامعاً بين أنظمة الزراعة المائية (دون تربة) الأوتوماتيكية المتقدمة، وأنظمة زراعة الطحالب الكبيرة، وأنظمة التسميد، التي تُدمج بسلاسة في نظام بيئي؛ لإنتاج غذاء يتميز بتكلفة صيانة منخفضة، وسهولة الاستخدام، واحتوائه حلقة تكرارية مغلقة.
ويرتكز هذا النظام على فكرة أساسية؛ وهي استعادة الموارد من النفايات، ومن ثم إعادة استخدامها بكفاءة بهدف زيادة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على المُدخلات الخارجية.
كما يمكن أن يوفر هذا النظام قائمة متنوعة ومغذية من الطعام، تضم الفواكه والخضراوات والمكملات الغذائية المصنعة من الطحالب.
وفي سياق الحديث عن أهمية المسابقة وما يترتب عليها من إنجازات في مجال استكشاف الفضاء، قال جيم رويتر، المدير المساعد لـ«مديرية مهام تقنية الفضاء»، التابعة لوكالة «ناسا»: «الوكالة متحمسة لإشراك الجميع في تطوير التقنيات التي من الممكن أن تقدم تغذية صحية لمكتشفي الفضاء العميق، حيث إن التطورات التقنية وما تحققه الشركات مثل (ناتوفيا) و(إدامة) من إنجازات، تعمل على تعزيز مسيرتنا في اكتشاف الفضاء العميق».
وبصفتها الشركة الأولى من نوعها في المملكة العربية السعودية، تقدم «إدامة» حلولاً لإعادة تدوير النفايات العضوية للبلديات والمجتمعات الصغيرة؛ بهدف تغيير طريقة إدارة النفايات في المملكة.
يذكر أنه في عام 2018 كانت الشركة واحدة من 6 فائزين في «برنامج مسرّعة الأعمال»، المعروف باسم «تقدُّم»، التابع لـ«كاوست»، وهو إنجاز بارز ساهم في إنشاء مرفق تسميد تجريبي.
وقد عبّر ميتشل مورتون، المدير التنفيذي للتقنية والشريك المؤسس لشركة «إدامة»، عن سعادته قائلاً: «اختيار وكالة (ناسا) لشركتنا لهو شرف عظيم لنا، ودليل على توفيق خُطانا، وتشجيع كبير للمضي قدماً في عملية التطوير التي نقوم بها».
أما «ناتوفيا» فهي شركة أنشأتها «كاوست»، أو بالأحرى مختبر أبحاث حاصل على العديد من الجوائز، مختص في أنظمة الزراعة المائية التي توفر تقنية زراعة منزلية فريدة من نوعها، بحيث تنمو النباتات والأعشاب الطازجة على مدار العام.
وقد تلقت الشركة مبلغ مليوني دولار أمريكي من «صندوق كاوست للابتكار»، في عام 2021؛ بهدف مساعدتها على إطلاق منتجها في السوق، حيث تعتمد على ابتكار يسمى «نسبريسو للنباتات والأعشاب»؛ وهو حديقة داخلية مؤتْمتة بالكامل (قائمة بذاتها).
من جانبه، أضاف غريغوري لو، مؤسس شركة «ناتوفيا»: «هذه الجائزة من (ناسا) اعتراف كبير بمدى أهمية ابتكار (ناتوفيا). ومع وجود التقنيات المتطورة في (كاوست)، وبشراكتنا مع (إدامة)، فسنتمكن من مجابهة التحديات التي تطرأ على العديد من الصناعات. وفي حال تمكن (ناتوفيا) من زراعة النباتات في الفضاء، فسنتمكن من زراعتها في أي مكان؛ في المنزل أو المكتب أو المطعم».
من ناحية أخرى، تعمل الشركتان، في الوقت الحالي، على استكشاف مصادر للتمويل كي تتمكنا من المشاركة في المرحلتين الثانية والثالثة من المسابقة، خصوصاً أن لديهما من الخبرة والمهارة، ما يؤهلهما للمضي قدماً في المنافسة.
وتستمر المرحلة الثانية حتى مارس (آذار) 2023، وسيتعين على المشاركين إنشاء وعرض نموذج أولي لتقنيتهم المقترحة أمام لجنة مشتركة من وكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الكندية».
وتنتهي هذه المرحلة لتبدأ مرحلة الاختيار؛ حيث سيُختار 3 مشتركين دوليين، جنباً إلى جنب، مع الشركات الأميركية للمنافسة في المرحلة الثالثة الأخيرة.
أما الفائز في المرحلة الأخيرة فسيشترك مع «ناسا» لتطوير تقنيات إنتاج الغذاء التي سيزوَّد بها طاقم مكون من 4 رواد فضاء، خلال مهمة استكشاف تصل مدتها إلى 3 أعوام ذهاباً وإياباً.
يقول روبين غاتينيز، مدير برنامج المحطة الفضائية الدولية بالوكالة: «يمكن لهذه الأنواع من الأنظمة الغذائية أن تقدم منافع كثيرة لكوكبنا، فالحلول المصممة لمواجهة هذا التحدي يمكن أن توفر سبلاً جديدة لإنتاج الغذاء في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد، والمواقع التي تحدث فيها كوارث تدمر البنى التحتية الحساسة».
وتجسّد شركتا «ناتوفيا» و«إدامة» مثالين على أفضل المواهب التي احتضنتها «كاوست» وارتقت درجات عالية من التطور؛ بهدف تنشيط النظام البيئي الذي يتسم بالثراء في الشركات الناشئة السعودية، وحل المشكلات العالمية؛ بما في ذلك مشكلة استدامة الغذاء.
ولا ريب في هذا؛ فبصفتها قلب التقنية العميقة بالمملكة، تسعى «كاوست» بشكل مستمر إلى اقتناص فرص التعاون والاستثمار بهدف الابتكار وإيجاد الحلول في المشكلات العالمية الملحّة المتعلقة بالمناخ والصحة وغيرها من القضايا، ويبرز النظام القوي لريادة الأعمال في مجال النظام البيئي الذي تبنيه المملكة العربية السعودية لحل ما يتعلق به من مشكلات تؤرق العالم بأسره.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تعاني «قلق الغاية»؟

هل تعاني «قلق الغاية»؟
TT

هل تعاني «قلق الغاية»؟

هل تعاني «قلق الغاية»؟

تتحدث إلين هندريكسن، وهي اختصاصية نفسية سريرية في بوسطن، كثيراً مع مراجعين يشعرون بالقلق بشأن مسار حياتهم، وتقول إن أحدهم التحق بكلية الطب مثلاً لأن والديه توقعا منه ذلك، «فعاش تعيساً نتيجةً لهذا القرار». وآخرون عملوا بجد للوصول إلى قمة مجالاتهم المهنية، ليجدوا أنفسهم في النهاية يتساءلون: «من أجل ماذا كان كل هذا؟».

«الغاية» الهيكل المعماري لتنظيم الحياة

وتوضح هندريكسن أن هؤلاء الأشخاص كانوا يواجهون جميعاً صعوبة في العثور على «غاية أو هدف» لحياتهم، وهي حالة يُشار إليها أحياناً باسم «قلق الغاية» (Purpose Anxiety).

وتُعد الغاية إحدى أهم الوسائل التي نضفي من خلالها معنى على حياتنا. ويقول تود كاشدان، أستاذ علم النفس بجامعة جورج ميسون، الذي يدرس كيف يسعى الأفراد لإيجاد غاية في حياتهم وكيف يعيشون وفقاً لها: «والغاية، بمجرد تحديدها، تصبح بمثابة الهيكل المعماري أو المخطط الأساسي لتنظيم حياتك».

«الغاية» في الحياة

كما أن وجود غاية في الحياة يجلب فوائد متعددة، إذ يرتبط الشعور بوجود غاية بتحسن الصحة البدنية، وارتفاع مستويات السعادة والرضا عن الحياة، وانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق، بل يرتبط حتى بطول العمر. ولحسن الحظ، يؤكد الخبراء أن هناك طرقاً لاكتشاف غايتك في الحياة دون الوقوع في دوامة من القلق أو الاضطراب.

ما الغاية؟ ولماذا تثير القلق؟

على الرغم من أن مصطلح «قلق الغاية» ليس شائع الاستخدام في علم النفس، لكنه مفهوم مألوف لدى الباحثين والأطباء على حد سواء. ويبدو أن هذا المصطلح صِيغ في عام 2014 على يد طالب دراسات عليا في علم النفس، خلص في بحثه حول هذا الموضوع إلى أن معظم الناس يتوقون إلى وجود غاية في حياتهم، لكنهم «يواجهون دائماً تقريباً قلقاً بشأن هذه الغاية أثناء رحلة البحث عنها، بغض النظر عن أعمارهم».

مكاسب نفسية أكثر عند السعي لتحقيق غاية نافعة للآخرين

ويشير كاشدان إلى أن هذا القلق ينبع أحياناً من مفاهيم خاطئة حول ماهية «الغاية» والدور الذي تؤديه في حياتنا. فعلى سبيل المثال، غالباً ما ينظر الناس إلى الغاية على أنها شيء يعود بالنفع عليهم وحدهم، في حين أن الأفراد يحققون أكبر قدر من المكاسب النفسية عندما يسعون لتحقيق غاية تعود بالنفع على الآخرين أيضاً.

ومن ناحية أخرى، يفترض البعض أن الغاية تتطلب هدفاً سامياً أو عظيماً، مثل الوصول إلى منصب قيادي رفيع أو ابتكار علاج لمرض ما.

يقول باتريك هيل، أستاذ العلوم النفسية والدماغية بجامعة واشنطن في سانت لويس، الذي يدرس مفهوم «الغاية» منذ أكثر من عقد من الزمن، إن هذا الافتراض «قد يثير قلقاً كبيراً لدى الناس، إذ يتساءلون: كيف يمكنني الارتقاء إلى ذلك المستوى أو بلوغ ذلك المعيار؟».

غاية بسيطة وأقل طموحاً

لكن الخبراء يؤكدون أن غايتك في الحياة يمكن أن تكون أبسط وأقل طموحاً، كما أنها قد تتغير على مر السنين، بل يمكنك أن تمتلك أكثر من غاية في الوقت نفسه. فعلى مدى العقد الماضي، وجد داريل فان تونجيرين، أستاذ علم النفس في كلية «هوب» بمدينة هولاند في ولاية ميشيغان، غايته في زراعة بذور الفلفل، ورعاية سيقانها الغضة، ثم حصادها لصنع صلصة حارة يشاركها مع عائلته وأصدقائه. ويُعد هذا النشاط مغايراً لعمله الأساسي، وهو في الوقت نفسه وسيلة ممتعة لتعزيز روابطه مع الأشخاص الذين يحبهم.

وقد أظهرت أبحاث فان تونجيرين أن التصرف بطرق تعود بالنفع على الآخرين يمكن أن يضفي مزيداً من المعنى على حياتنا. ويقول، في هذا الصدد: «إن القيام بذلك يعزز علاقاتنا، والعلاقات هي المصدر الأكثر موثوقية للمعنى في الحياة».

كيف يمكنك العثور على «غاية» تُشعرك بالحياة؟

قد يكون العثور على «الغاية» أمراً صعباً، فقد أظهر استطلاعٌ شمل أكثر من 2400 شخص من «الجيل زد» (Gen Z)، نُشر في يونيو (حزيران) الماضي، أن نحو 45 في المائة من المشاركين يشعرون بغياب المعنى أو الغاية في حياتهم. وإذا كنت تشعر بأنك عالق في مكانك، فهناك عدة طرق يمكنك اتباعها.

* «إيجاد غاية»

يقول كاشدان إن إحدى هذه الطرق هي السعي النشِط لإيجاد غاية، وذلك من خلال تجربة أنشطة متنوعة، والقراءة عن الأمور التي تثير اهتمامك، والانتباه لما يجعلك تشعر بالحياة. يتطلب هذا أيضاً تخصيص فترات للتأمل بهدف تحديد أيٍّ من تلك التجارب كانت لديك الأكثر عمقاً ومعنى، ولماذا كانت كذلك.

ويضيف كاشدان أن هناك طريقة أخرى تتمثل في استلهام الغاية من حدث حياتيّ جوهري غيّر مسار حياتك. فعلى سبيل المثال، قد يجد رياضيّ تعرّض لإصابة أجبرته على الاعتزال غايةً جديدة في مساعدة الآخرين على التعافي، فيقرر حينها احتراف العلاج الطبيعي.

*«التعلم الاجتماعي»

وأخيراً، يقترح كاشدان ما يُعرف بـ«التعلم الاجتماعي»، وهو ملاحظة السلوكيات الإيجابية لدى الآخرين ومحاكاتها.

في المقابل، يمكنك أيضاً الانتباه للمواقف التي تثير فيك نفوراً أخلاقياً أو انزعاجاً تجاه الآخرين، فهذا يساعدك على إدراك الصفات التي لا ترغب في أن تتسم بها.

ويختتم كاشدان قائلاً: «كلما زاد حب الاطلاع لديك وطرحت مزيداً من الأسئلة، وقارنت بين نمط حياة الآخرين وما تراه مثالياً لك، تولدت لديك طاقة تحفيزية تدفعك لتجربة ذلك النمط من الحياة بنفسك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
TT

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا

بعد مرور أكثر من أسبوعين على وفاة باحثة تبلغ من العمر 28 عاماً جراء إصابتها بعدوى غامضة أثناء عملها في مختبر روسي لأبحاث الطاعون، لا يزال مسؤولو الصحة حول العالم بانتظار الحصول على إجابات. وكانت التقارير الأولية تشير إلى أن داريا شيبيلوفا، وهي باحثة في «معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون»، قد أصيبت بالطاعون الرئوي pneumonic plague؛ ما أثار مخاوف بشأن طبيعة الأبحاث التي تُجرى في هذا المرفق، ومدى كفاية تدابير السلامة المتبعة فيه، كما كتبت كيه. آر. كالاواي (*).

حادثة غامضة

من جانبها، استبعدت السلطات الروسية إصابة شيبيلوفا بالطاعون الرئوي - وهو عدوى بكتيرية يسببها العامل الممرض ذاته المسؤول عن «الطاعون الدبلي» bubonic plague الأكثر شيوعاً - سبباً لوفاتها، لكنها لم تؤكد بعدُ ماهية العامل الممرض الذي تسبب في إصابتها بالالتهاب الرئوي.

وقد أثارت هذه الحادثة انتقادات من الولايات المتحدة وحكومات أخرى، كما كشفت عن استمرار حالة عدم الثقة لدى المجتمع الدولي تجاه الأبحاث الطبية الحيوية في روسيا، وهي مخاوف تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية، حين كان الجيش يمتلك برامج واسعة النطاق لتطوير أسلحة بيولوجية.

وعلى الرغم من أن معهد إيركوتسك لم يكن يوماً منشأة عسكرية، فإنه كان جزءاً من نظامٍ واسعٍ وسريٍّ لمكافحة الطاعون. ففي مئات المواقع والمختبرات المنتشرة في أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، عمل آلاف الباحثين على تتبع السلالات الناشئة من الطاعون وغيره من الأمراض المتوطنة، والقضاء على القوارض الناقلة للأمراض، وتطوير اللقاحات. ويشير خبراء إلى أن هذه المرافق كانت توفر أيضاً عينات من مسببات الأمراض للمختبرات العسكرية التي تولت تطوير الأسلحة البيولوجية خلال الحقبة السوفياتية.

ولا تزال معظم هذه المرافق تعمل حتى اليوم؛ إذ وبينما تخضع تلك الموجودة داخل روسيا لرقابة أمنية مشددة، فتحت بعض المرافق الأخرى - الواقعة في دول كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي - أبوابها أمام باحثين دوليين يسعون للتعرف على هذا النظام (النظام المختبري) الذي أحاطت به الأساطير.

بكتيريا «يرسينيا الطاعونية»

«نظام مكافحة الطاعون»

على الرغم من أن «الموت الأسود» الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر، يُعدّ أكثر تفشيات الطاعون فتكاً وشهرةً - وهو مرض تسببه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) وتنقله القوارض - فإن هذا المرض ظل يلاحق مناطق أوراسيا لآلاف السنين. وبهدف وضع حد لتفشي المرض المتكرر في المناطق الريفية - حيث تنتشر حيوانات تحمل بكتيريا الطاعون، مثل الجرذان واليربوع وغيرها - أنشأ الاتحاد السوفياتي في أوائل القرن العشرين سلسلة من المواقع الميدانية ومعاهد البحوث، وأطلق العلماء عليها اسم «نظام مكافحة الطاعون».

برنامج بدائي للقضاء على الطاعون

وتقول سوزان دي جونز، وهي مؤرخة في الطب البيطري بجامعة مينيسوتا - التي زارت عام 2018 معهداً سوفياتياً سابقاً لمكافحة الطاعون يقع في كازاخستان حالياً: «كان الهدف من عملهم إنشاء مؤسسة مركزية تتولى مراقبة مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بها، بما في ذلك السهوب التي تأوي أعداداً كبيرة من القوارض البرية التي تحفر جحوراً في الأرض».

في بداياته، كان البرنامج بدائياً للغاية؛ إذ كان العلماء ينطلقون على ظهور الخيل نحو بؤر تفشي الطاعون، وغالباً ما كانوا يقيمون في خيام أو يستأجرون غرفاً لدى السكان المحليين، ويقضون أيامهم في القضاء على القوارض، وحفر جحورها، وإحراق مخزونها من الطعام، في محاولة للقضاء على الأمراض التي تحملها.

وقد نُفذ العديد من مهمات تلك البعثات دون توفر مطهرات فعالة أو معدات حماية شخصية؛ ما جعل عمل القائمين على مكافحة الطاعون محفوفاً بمخاطر بالغة. ومع ذلك، لم تنجح جهود الإبادة هذه في وقف انتشار المرض.

برنامج «الوقاية من تفشي الطاعون»

لكن في الفترة ما بين عشرينات وخمسينات القرن العشرين، تحول تركيز البرنامج من «القضاء على المرض» إلى «الوقاية من تفشيه»، حيث تم افتتاح سلسلة من المختبرات في مدن مختلفة عبر الاتحاد السوفياتي. وبحلول منتصف القرن العشرين - ومع تطوير مضاد حيوي لعلاج الطاعون - أصبح آلاف الموظفين يعملون في هذه المختبرات على مدار العام، بالإضافة إلى مئات آخرين كانوا يُوظفون موسمياً لجمع العينات من الميدان.

زيارة مواقع من الحقبة السوفياتية

كتب مويسي يوسيفوفيتش ليفي، وهو باحث سابق في مجال مكافحة الطاعون، في مقال نُشر عام 1994، أن الأبحاث التي أُجريت في هذه المنشآت التي تعود للحقبة السوفياتية كانت «محاطة بستار من السرية».

ولتجنب الربط بين عملهم وبرامج تطوير الأسلحة البيولوجية في المختبرات العسكرية، تلقى العاملون في مختبرات أبحاث الطاعون تعليمات صارمة بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل محددة حول طبيعة عملهم. وإضافة إلى ذلك، صُممت مباني المختبرات ذاتها لتبدو وكأنها وحدات سكنية عادية؛ إذ كان الموظفون في العديد من هذه المنشآت يعتنون بالحدائق، ويتركون نوافذ المختبرات مفتوحة، ويتجولون بملابس عادية - أو حتى بملابس النوم - بدلاً من ارتداء المعاطف البيضاء المخصصة للمختبرات.

ولم تتضح الغاية الحقيقية من هذه المباني إلا عندما يدخلها زائر ويرى المعدات العلمية بداخلها: ثلاجات تعجّ بعينات من مسببات الأمراض، وأجهزة تعقيم ضخمة تُستخدم لغلي الأدوات المستعملة، وطاولات طويلة تصطف فوقها المجاهر.

معايير السلامة والأمن البيولوجي

وتشير سونيا بن وُغرهام-غورملي، وهي باحثة في مجال الدفاع البيولوجي بجامعة جورج ميسون - وقد زارت العديد من معاهد مكافحة الطاعون في دول الاتحاد السوفياتي السابق - إلى أن «معايير السلامة والأمن البيولوجي في تلك المواقع كانت تختلف اختلافاً جذرياً عما نعهده في الدول الغربية».

وفي سلسلة من المؤلفات التي تحمل عنوان «قصص مثيرة عن أحداث وأشخاص في نظام مكافحة الطاعون في روسيا والاتحاد السوفياتي» - التي تولى ليفي تحريرها - يصف المؤلفون ظروفاً خطيرة، شملت تفشي الأمراض بين الحيوانات المحفوظة داخل المنشآت، واندلاع حرائق في المختبرات، وفقدان عينات من مسببات الأمراض.

وفي السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، زُوِّدت بعض المنشآت بمعدات مختبرية أكثر أماناً وفاعلية، حيث استُبدلت بالثلاجات المنزلية أخرى أكثر أماناً، ووُضعت خزانات سحب الغازات (fume hoods) بدلاً من الاعتماد على النوافذ المفتوحة. ومع ذلك، كان الحصول على تمويل لهذه التحديثات أمراً بالغ الصعوبة؛ ما جعل المنشآت الأصغر حجماً أو تلك الواقعة في مناطق نائية - بما في ذلك المعهد الموجود في إيركوتسك - تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة هذه التغييرات.

المنشآت العلمية في بداية القرن الحالي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظلت معظم هذه المختبرات - بدءاً من المراكز المتطورة في المدن الغنية وصولاً إلى المنشآت الريفية التي تعاني ضائقة مالية - قائمة، وتعمل. وظل الكثير منها على حاله تقريباً لعقود طويلة. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، زارت بن واغرهام-غورملي - برفقة زملاء لها من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار - أكثر من 100 منشأة كانت تابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً. وقد وجدوا أن دخول إحدى هذه المنشآت كان أشبه بالعودة إلى الماضي؛ إذ كانت عمليات تتبع عينات مسببات الأمراض تُسجَّل يدوياً باستخدام القلم والورق، وكان العديد من القوارير يحفظ في ثلاجات تُفتح بشكل متكرر، مع استخدام أختام شمعية للدلالة على هوية الشخص الذي فتحها آخر مرة.

وأشار الباحثون إلى أن العديد من تلك المباني كانت تفتقر إلى أي تدابير أمنية خارجية، كما كانت إجراءات الأمن بداخلها في حدّها الأدنى.

وتستذكر بن واغرهام-غورملي إحدى تلك المنشآت قائلة: «عندما وصلنا للزيارة، وجدنا في المختبر طاولةً تحت نافذة مفتوحة على مصراعيها - نظراً لارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وغياب أجهزة التكييف - وكانت أكوام من مزارع بكتيريا الطاعون موضوعة على تلك الطاولة».

...وفي الوقت الراهن

وعلى مدى العقدين التاليين، خضعت العديد من المنشآت في دول الاتحاد السوفياتي السابق لعمليات تجديد أو إعادة بناء لتستوعب معدات علمية حديثة؛ ما حوَّل بعضها مراكز متطورة للغاية يقصدها الباحثون من جميع أنحاء العالم. وفي حديثها عن منشأة زارتها في كازاخستان عام 2018، تقول جونز: «توجد مستويات متعددة للاحتواء (احتواء انتشار مسببات الأمراض) داخل هذه المباني. ففي أعلى مستويات الاحتواء، يرتدي العاملون معدات الوقاية الشخصية الكاملة، وتُجرى جميع الأعمال داخل وحدات احتواء محكمة الإغلاق».

ولا تتوفر سوى معلومات شحيحة للجمهور حول المنشأة الواقعة في إيركوتسك. ومع ذلك، تصرّ السلطات الروسية على أن وفاة شيبيلوفا لم تكن ناجمة عن أي خرق للبروتوكولات أو تقصير في إجراءات الأمن البيولوجي داخل المنشأة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
TT

«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)

​لنتخيَّل مريضاً عربياً يدخل المستشفى لإجراء صورة أشعة أو تحليل جيني، معتقداً أن بياناته ستُستخدم لعلاجه. ولكن نسخة منها قد تنتقل -بعد إزالة ما يكشف هويته- إلى منصة خارجية لتدريب خوارزمية تشخيصية. وبعد سنوات، قد تعود الخوارزمية إلى المستشفى منتجاً تجارياً مدفوع الثمن، بينما لا يعرف المريض كيف استُخدمت بياناته، ولا تملك المؤسسة حقاً واضحاً في المعرفة الناتجة عنها أو عوائدها. فهل أسهمت هذه البيانات في تقدم الطب بمنافع مشتركة، أم أنها أسهمت في اقتصاد يقدِّم فيه المرضى المعلومات، ويحتفظ غيرهم بالقيمة؟

البيانات ليست مادة خاماً بلا صاحب

طوَّر الباحثان نِك كولدري وأوليسيس ميخياس مفهوم «استعمار البيانات» لوصف تحويل تفاصيل الحياة البشرية إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه جهات أخرى. وفي الصحة، لا تكمن المشكلة في انتقال البيانات عبر الحدود بحد ذاته؛ بل في اختلال العلاقة: يقدِّم المرضى صور الأشعة والمعلومات الجينية والسجلات الطبية، بينما تنفرد جهات أخرى بالخوارزميات والمعرفة والعوائد. وهذه البيانات مرتبطة بأشخاص وأُسَر ومجتمعات؛ وقد تكشف أخطاراً صحية لم يعرفها أصحابها بعد، أو تسهم في تطوير وسائل تشخيص وأدوية. لذلك، فإن استخدامها يطرح سؤالاً عن حقوق أصحابها ونصيبهم من منافعها.

ان البيانات الطبية معلومات عن أشخاص حقيقيين تحمل تفاصيل حساسة عن صحتهم وأسرهم وجيناتهم وسلوكهم، وقد تكشف أخطاراً مرضية لم يعرفوها بعد. وعندما تُستخدم هذه البيانات لتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي، فإن قيمتها تتجاوز غرض الفحص الأصلي؛ إذ قد تسهم في إنتاج معرفة، أو تطوير وسيلة تشخيص، أو دواء، أو ابتكار منتج تجاري يحقق أرباحاً.

استعمار البيانات الصحية... من يملك المعرفة والعائد؟

من الخصوصية إلى السيادة

تركِّز النقاشات على الخصوصية: هل أُزيل اسم المريض؟ وهل وافق على استخدام بياناته؟ لكن ذلك لا يحسم أسئلة: من يحدد استخداماتها اللاحقة؟ وهل تُستغَل تجارياً بعد انتهاء البحث؟ ومن يحق له فحص النظام أو الاعتراض على نتائجه؟ فقد تُخزَّن البيانات داخل الدولة، بينما تعتمد معالجتها على خدمات سحابية لا تستطيع الجهة الرقابية تدقيقها. لذلك، لا تكفي حماية الملف الطبي؛ بل نحتاج إلى سلطة فعلية لمراقبة الأنظمة التي تستخدمه وتؤثر في القرار العلاجي.

دراسة تكشف 3 فجوات

وقدمت دراسة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في «مجلة اقتصاديات وسياسات الصحة العالمية» (Journal of Global Health Economics and Policy) مثالاً على هذه التحديات؛ إذ درس الباحثون 4 شركات أفريقية تستخدم الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية، مستندين إلى 36 مصدراً منشوراً. وحددوا 3 فجوات: الاعتماد على خدمات سحابية أجنبية، ومحدودية الأدلة المنشورة على الرقابة المحلية على بيانات التدريب وإعادة تدريب النماذج واختبارها، وتفاوت الأطر التنظيمية بين نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا.

وخلصت الدراسة إلى أن «السيادة التشخيصية» تتجاوز امتلاك البيانات أو تخزينها محلياً، لتشمل القدرة على فحص بيانات التدريب، واختبار أداء النموذج لدى السكان المحليين، ومتابعة تحديثاته، والتدخل عند تراجع أدائه، ومحاسبة المسؤول عن الضرر. واقترح الباحثون صناديق إقليمية للبيانات الصحية، واختبار التقنيات تحت إشراف رقابي متدرج، وآليات تدقيق عامة، وعقود شراء تشترط نقل المهارات والتحقق المحلي.

لكن الدراسة استكشافية؛ فقد اعتمدت على معلومات منشورة، دون تدقيق تقني مباشر أو مقابلات مع الشركات والمرضى والجهات الرقابية. لذلك، لا تثبت وقوع مخالفات لدى الشركات الأربع؛ بل تشير إلى اختلال محتمل في توزيع السيطرة يستدعي مزيداً من البحث والتدقيق.

السؤال العربي

إذا كانت الدراسة تناولت أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تطرح سؤالاً مهماً للعالم العربي. فالمنطقة تضم أنظمة صحية رقمية متقدمة، وأخرى تعاني ضعف السجلات والاتصال والقدرات التنظيمية. وقد تتفاوض الدول الأقدر على شراكات أفضل، بينما تقبل الأنظمة الأقل موارد شروطاً غير متكافئة للحصول على التقنية. وهكذا، قد تتسع الفجوة داخل المنطقة نفسها، إلى جانب الفجوة بين الشمال والجنوب.

والبيانات العربية تكتسب أهميتها من التنوع الجيني والوبائي واللغوي للسكان، وإذا استُخدمت لبناء نماذج لا يستطيع الباحثون المحليون الوصول إليها أو مراجعتها، فقد تصبح المنطقة مصدراً للبيانات وسوقاً للمنتجات، بدلاً من المشاركة في إنتاج المعرفة. وقد يعود النموذج بواجهة عربية، دون أن يكون أداؤه قد اختُبر بما يكفي لفهم اللهجات وطرائق وصف الألم والأنماط المرضية المحلية.

ولهذا، ينبغي ألا يُقاس نجاح التحول الرقمي بعدد الملفات المجموعة أو العقود الموقعة وحده؛ بل بالقدرة المحلية على التحليل والتدقيق والاعتراض. فامتلاك خوادم البيانات لا يمنح الدولة سيادة فعلية ما لم تمتلك خبراء وصلاحيات لفحص النموذج، وفهم حدوده، وإيقاف استخدامه عند الحاجة.

السيادة لا تعني العزلة

لا تعني السيادة حجب البيانات أو رفض التعاون الدولي؛ فالبحوث ضرورية لدراسة الأمراض النادرة وتطوير الطب الدقيق والاستعداد للأوبئة. ولا تكمن المشكلة في استخدام منصة أجنبية؛ بل في غياب شراكة متوازنة ورقابة فعالة. المطلوب تعاون يتيح الاستفادة من التقنيات، مع الاحتفاظ بحق فحص البيانات والنماذج، والتحقق من أدائها، ومساءلة المسؤولين عن القرارات التي تمس المرضى.

من يملك القيمة؟

تبدأ الحماية بموافقة تميِّز الاستخدام البحثي من التجاري، وعقود تحدد أين تُعالج البيانات وكيف تُستخدم لاحقاً، وتضمن تقاسماً عادلاً للملكية الفكرية والمنافع. وينبغي أن تكفل الشراكات دوراً قيادياً للباحثين المحليين، والوصول إلى سجلات التدقيق، واختبار النماذج لدى السكان المحليين، والإبلاغ عن تحديثاتها والحوادث المرتبطة بها، والاستثمار في القدرات الحاسوبية والمهارات العربية. كما ينبغي أن تتيح العقود للحكومات والمستشفيات تغيير المورِّد دون فقدان البيانات أو الارتهان لخدماته.

في الاقتصاد الطبي، قد تستمر قيمة بيانات المريض طويلاً بعد انتهاء الفحص. لذلك، لا يكفي السؤال عن حمايتها من السرقة؛ بل يجب أن نسأل: من يحوِّلها إلى معرفة؟ ومن يملك المعرفة؟ وهل تعود فوائدها إلى الأشخاص والمجتمعات التي جاءت منها؟ فالشراكة العادلة تتيح تقاسم المعرفة والقدرة والعائد. أما حين يقدِّم طرف البيانات ويحتكر الآخر قيمتها، فإن التعاون قد يتحول إلى علاقة تبعية، مهما بدا متقدماً.