تحديات الزراعة في الفضاء العميق

شركتان ناشئتان من «كاوست» تقتربان من إنتاج أغذية لرحلات المريخ

باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
TT

تحديات الزراعة في الفضاء العميق

باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء

«المريخ ينادي!»... تلك الجملة برزت في إعلان لـ«وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)»، في يوم الأحد 6 أغسطس (آب) 2021، تطلب فيه مرشحين ليكونوا أحد أفراد طاقم رحلة فضائية في برنامج «محاكاة للحياة في عالم بعيد»، مدته عام واحد يبدأ في خريف 2022، في «مركز جونسون للفضاء»، التابع للوكالة.
وكان قد سبق ذلك، وتحديداً في يناير (كانون الثاني) 2021، إعلان لـ«ناسا»، بالتنسيق مع وكالة الفضاء الكندية، عن بدء فتح باب الترشيحات لمسابقة حملت اسم «تحدي الغذاء في الفضاء العميق». ونظراً إلى أن روّاد الفضاء يحتاجون إلى نظام غذائي صحي، فقد دعت المسابقة إلى البحث عن تقنيات جديدة لإنتاج أغذية آمنة ومغذية وصحية وشهية، تتطلب الحد الأدنى من الموارد وتنتج نفايات محدودة وتناسب الرحلات الفضائية طويلة الأمد.
وخلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أُعلن عن الفائزين في المرحلة الأولى من المسابقة، حيث اختير 18 فريقاً أميركياً، و10 فرق دولية من خارج الولايات المتحدة الأميركية شملت شركات ومبتكرين من: كولومبيا، وألمانيا، وفرنسا، وأستراليا، وإيطاليا، وتايلاند، والبرازيل، وفنلندا، والهند، والمملكة العربية السعودية، عبر شركتين ناشئتين من «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)».
يأتي ذلك التحدي نتيجة التطور والاهتمام الكبيرين اللذين يحظى بهما مجال تقنية الفضاء، حيث يبحث المبتكرون عن طرق جديدة لتوسيع الوجود البشري خارج كوكبنا ولإدارة موارد الفضاء.

غذاء فضائي

لماذا إنتاج الغذاء في الفضاء؟ في البداية كانت الوجبات الأولى في الفضاء غير مستساغة. وفي حين تحسّن طعام رواد الفضاء بعض الشيء، فإنهم لا يزالون حتى اليوم يعودون إلى منازلهم متلهفين لتناول طبقهم المفضل.
في عام 1961، أصبح رائد الفضاء السوفياتي يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض، كما كان أول شخص يأكل في الفضاء. وتضمنت وجبة غاغارين، الخالية من الفتات، حصتين من اللحم المهروس، مخزنتين بعناية في حاويات تشبه أنبوب معجون الأسنان.
في العام التالي، أصبح رائد الفضاء جون غلين أول أميركي يدور حول الأرض، ولم يكن اختيار وجبته أفضل من وجبات غاغارين.
في ذلك الوقت، كان لدى العلماء مخاوف أكبر من إرضاء ذوق رواد الفضاء، ولم يعرف أحد كيف سيتفاعل الجسم مع تناول الطعام في بيئة تنعدم فيها الجاذبية، وهل سيكون بمقدور رواد الفضاء ابتلاع الطعام وهضمه؟ لحسن الحظ، تعامل جسم غلين مع وجبة الفضاء بشكل طبيعي.
بعد ذلك حصل رواد فضاء على طعام صلب، واختفت أنابيب معجون الطعام. واليوم يتناول رواد الفضاء في «محطة الفضاء الدولية ISS))»، التي تبعد 250 ميلاً عن الأرض، بشكل أساسي الأطعمة المعلَّبة أو المجففة والمجمَّدة المرسلة من الأرض. وفي محاولة للتقليل من ذلك، طوّرت «ناسا» نظاماً على متن المحطة يطلق عليه «فيجي» لإنتاج مجموعة من الخضراوات، مثل الخس والكرنب والخردل والكيل الأحمر الروسي وأزهار الزينيا.
أما في الرحلات المستقبلية لغزو الفضاء، والتي ستكون طويلة، فسيحتاج رواد الفضاء لمصدر يمدّهم بالغذاء والأطعمة الطازجة على مدى أشهر أو سنوات طويلة. وفي هذه الحالة لن تمدَّهم الأغذية المجمّدة بالعناصر الغذائية والفيتامينات اللازمة لمنع إصابتهم بأمراض؛ مثل اضطرابات القلب والشرايين وجريان الدم.

فكرة التحدي

تعدّ مسابقة «تحدي الغذاء في الفضاء العميق» جزءاً من التحديات الكبرى، وهي سلسلة واسعة من المسابقات التي تنظمها «ناسا»، وتفتح المسابقة أبوابها أمام الشركات الرائدة التي تُعنى بتقديم حلول وتقنيات جديدة للمشكلات المتعلقة بالفضاء.
وفي حين تغامر «ناسا» بعيداً في الكون، ستتغير تجربة رائد الفضاء، استعداداً لتحديات الحياة الواقعية للبعثات المستقبلية إلى المريخ. وستدرس الوكالة كيفية استجابة الأفراد المتحمسين للغاية، في ظل صرامة محاكاة أرضية طويلة الأمد.
تتضمن سلسلة المهام - المعروفة باسم «صحة الطاقم وتناظرية استكشاف الأداء» - 3 عمليات محاكاة لسطح المريخ لمدة عام واحد في «مركز جونسون للفضاء»، التابع للوكالة؛ من أجل تطوير أساليب وتقنيات لمنع وحل المشكلات المحتملة وإنتاج الغذاء في مهام رحلات الفضاء البشرية المستقبلية إلى القمر الذي يبعد عن الأرض 238 ألفاً و855 ميلاً في المتوسط، والمريخ الذي يبعد 33 مليون ميل بوصفها أقصر مسافة.

تقنيات «كاوست» الفائزة

وقع الاختيار على شركتي «ناتوفيا» و«إدامة»؛ وهما من شركات التقنية الزراعية الناشئة في «كاوست»، ضمن قائمة الفائزين العشر في المرحلة الأولى من المسابقة، التي اختتمت أعمالها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2021.
وكان تكريم وكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الكندية»، للفريق المشترك من «ناتوفيا» و«إدامة»، اعترافاً بتميز الشركتين في طرح حلول مبتكرة، وتطوير تقنيات جديدة لإنتاج الغذاء في الفضاء.
ومن مقرهما في «مجمع الأبحاث والتقنية» في «كاوست»، تضافرت جهود وخبرات الشركتين بوصفهما فريقاً واحداً، لمواجهة هذا التحدي وخوض غمار المسابقة معاً؛ إذ جاء الحل المقترح لهذا الثنائي المميز جامعاً بين أنظمة الزراعة المائية (دون تربة) الأوتوماتيكية المتقدمة، وأنظمة زراعة الطحالب الكبيرة، وأنظمة التسميد، التي تُدمج بسلاسة في نظام بيئي؛ لإنتاج غذاء يتميز بتكلفة صيانة منخفضة، وسهولة الاستخدام، واحتوائه حلقة تكرارية مغلقة.
ويرتكز هذا النظام على فكرة أساسية؛ وهي استعادة الموارد من النفايات، ومن ثم إعادة استخدامها بكفاءة بهدف زيادة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على المُدخلات الخارجية.
كما يمكن أن يوفر هذا النظام قائمة متنوعة ومغذية من الطعام، تضم الفواكه والخضراوات والمكملات الغذائية المصنعة من الطحالب.
وفي سياق الحديث عن أهمية المسابقة وما يترتب عليها من إنجازات في مجال استكشاف الفضاء، قال جيم رويتر، المدير المساعد لـ«مديرية مهام تقنية الفضاء»، التابعة لوكالة «ناسا»: «الوكالة متحمسة لإشراك الجميع في تطوير التقنيات التي من الممكن أن تقدم تغذية صحية لمكتشفي الفضاء العميق، حيث إن التطورات التقنية وما تحققه الشركات مثل (ناتوفيا) و(إدامة) من إنجازات، تعمل على تعزيز مسيرتنا في اكتشاف الفضاء العميق».
وبصفتها الشركة الأولى من نوعها في المملكة العربية السعودية، تقدم «إدامة» حلولاً لإعادة تدوير النفايات العضوية للبلديات والمجتمعات الصغيرة؛ بهدف تغيير طريقة إدارة النفايات في المملكة.
يذكر أنه في عام 2018 كانت الشركة واحدة من 6 فائزين في «برنامج مسرّعة الأعمال»، المعروف باسم «تقدُّم»، التابع لـ«كاوست»، وهو إنجاز بارز ساهم في إنشاء مرفق تسميد تجريبي.
وقد عبّر ميتشل مورتون، المدير التنفيذي للتقنية والشريك المؤسس لشركة «إدامة»، عن سعادته قائلاً: «اختيار وكالة (ناسا) لشركتنا لهو شرف عظيم لنا، ودليل على توفيق خُطانا، وتشجيع كبير للمضي قدماً في عملية التطوير التي نقوم بها».
أما «ناتوفيا» فهي شركة أنشأتها «كاوست»، أو بالأحرى مختبر أبحاث حاصل على العديد من الجوائز، مختص في أنظمة الزراعة المائية التي توفر تقنية زراعة منزلية فريدة من نوعها، بحيث تنمو النباتات والأعشاب الطازجة على مدار العام.
وقد تلقت الشركة مبلغ مليوني دولار أمريكي من «صندوق كاوست للابتكار»، في عام 2021؛ بهدف مساعدتها على إطلاق منتجها في السوق، حيث تعتمد على ابتكار يسمى «نسبريسو للنباتات والأعشاب»؛ وهو حديقة داخلية مؤتْمتة بالكامل (قائمة بذاتها).
من جانبه، أضاف غريغوري لو، مؤسس شركة «ناتوفيا»: «هذه الجائزة من (ناسا) اعتراف كبير بمدى أهمية ابتكار (ناتوفيا). ومع وجود التقنيات المتطورة في (كاوست)، وبشراكتنا مع (إدامة)، فسنتمكن من مجابهة التحديات التي تطرأ على العديد من الصناعات. وفي حال تمكن (ناتوفيا) من زراعة النباتات في الفضاء، فسنتمكن من زراعتها في أي مكان؛ في المنزل أو المكتب أو المطعم».
من ناحية أخرى، تعمل الشركتان، في الوقت الحالي، على استكشاف مصادر للتمويل كي تتمكنا من المشاركة في المرحلتين الثانية والثالثة من المسابقة، خصوصاً أن لديهما من الخبرة والمهارة، ما يؤهلهما للمضي قدماً في المنافسة.
وتستمر المرحلة الثانية حتى مارس (آذار) 2023، وسيتعين على المشاركين إنشاء وعرض نموذج أولي لتقنيتهم المقترحة أمام لجنة مشتركة من وكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الكندية».
وتنتهي هذه المرحلة لتبدأ مرحلة الاختيار؛ حيث سيُختار 3 مشتركين دوليين، جنباً إلى جنب، مع الشركات الأميركية للمنافسة في المرحلة الثالثة الأخيرة.
أما الفائز في المرحلة الأخيرة فسيشترك مع «ناسا» لتطوير تقنيات إنتاج الغذاء التي سيزوَّد بها طاقم مكون من 4 رواد فضاء، خلال مهمة استكشاف تصل مدتها إلى 3 أعوام ذهاباً وإياباً.
يقول روبين غاتينيز، مدير برنامج المحطة الفضائية الدولية بالوكالة: «يمكن لهذه الأنواع من الأنظمة الغذائية أن تقدم منافع كثيرة لكوكبنا، فالحلول المصممة لمواجهة هذا التحدي يمكن أن توفر سبلاً جديدة لإنتاج الغذاء في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد، والمواقع التي تحدث فيها كوارث تدمر البنى التحتية الحساسة».
وتجسّد شركتا «ناتوفيا» و«إدامة» مثالين على أفضل المواهب التي احتضنتها «كاوست» وارتقت درجات عالية من التطور؛ بهدف تنشيط النظام البيئي الذي يتسم بالثراء في الشركات الناشئة السعودية، وحل المشكلات العالمية؛ بما في ذلك مشكلة استدامة الغذاء.
ولا ريب في هذا؛ فبصفتها قلب التقنية العميقة بالمملكة، تسعى «كاوست» بشكل مستمر إلى اقتناص فرص التعاون والاستثمار بهدف الابتكار وإيجاد الحلول في المشكلات العالمية الملحّة المتعلقة بالمناخ والصحة وغيرها من القضايا، ويبرز النظام القوي لريادة الأعمال في مجال النظام البيئي الذي تبنيه المملكة العربية السعودية لحل ما يتعلق به من مشكلات تؤرق العالم بأسره.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»