هل بدأت موسكو إعداد «الهجوم الحاسم» في أوكرانيا؟

تعيين جنرال روسي بارز قائداً لـ«القوات المشتركة» وعمليات إجلاء للمدنيين من خيرسون

سيرغي سوروفيكين من الجنرالات «الصقور» الأكثر ميلاً للحسم وفي فترات سابقة قاد العمليات الروسية في سوريا (أ.ب)
سيرغي سوروفيكين من الجنرالات «الصقور» الأكثر ميلاً للحسم وفي فترات سابقة قاد العمليات الروسية في سوريا (أ.ب)
TT

هل بدأت موسكو إعداد «الهجوم الحاسم» في أوكرانيا؟

سيرغي سوروفيكين من الجنرالات «الصقور» الأكثر ميلاً للحسم وفي فترات سابقة قاد العمليات الروسية في سوريا (أ.ب)
سيرغي سوروفيكين من الجنرالات «الصقور» الأكثر ميلاً للحسم وفي فترات سابقة قاد العمليات الروسية في سوريا (أ.ب)

على خلفية تفجير جسر القرم والمعطيات الروسية التي ترددت بشكل أولي حول أن التفجير كان عملاً تخريبياً مدبراً، مع توجيه أصابع الاتهام إلى جهات أوكرانية، يترقب العالم رد الفعل الروسي على التطور الذي وصف بأنه قد يشكل منعطفاً جديداً وخطيراً في الأزمة الأوكرانية وفي المواجهة الروسية مع الغرب بشكل عام.
كعادته في المواقف الحاسمة، التزم «الكرملين» الصمت، ولم يدلِ ببيانات متسرعة، أو يوجه اتهامات.
واكتفى الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف إلى إعلان أن الرئيس فلاديمير بوتين أمر بتشكيل لجنة حكومية لمتابعة الملف، تضم عملياً رؤساء أجهزة أمنية وعسكرية ومسؤولين إقليميين في القرم والمناطق المحيطة بها، فضلاً عن وزراء وموظفين من الديوان الرئاسي.
المكتوب يقرأ من عنوانه، والتقديرات الأولية تشير إلى أن موسكو لن تتردد طويلاً في توجيه أصابع الاتهام بشكل رسمي إلى الأجهزة الخاصة الأوكرانية ومن خلفها الأجهزة الغربية. إذن، سوف ينظر كما تشير المعطيات الأولية التي عكستها تصريحات مسؤولين إقليميين بينهم حاكم القرم، وبرلمانيين روس في فرضية اتهام أوكرانيا، كاحتمال أساسي وربما يكون وحيداً. ما يستوجب ردا روسيا حاسماً وقوياً.
كان ملف استهداف جسر القرم تردد أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، ووفقاً لتصريحات مسؤولين أوكرانيين فإن هذا الهدف «يجب تنفيذه عندما تسمح الظروف وقدرات التسلح». في المقابل ردت موسكو أكثر من مرة بالتحذير من تجاوز هذا «الخط الأحمر» باعتبار الجسر ضمن «الأراضي الروسية» أولاً، وبصفته «منشأة مدنية» وليست عسكرية ثانياً. في وقت سابق لوح الرئيس السابق ديمتري مدفيديف الذي حولته الحرب الأوكرانية إلى أحد «الصقور» في السياسة الروسية، بعدما ظل لسنوات طويلة يوصف بأنه «حمامة»، لوح بأن استهداف جسر القرم سيكون بمثابة «يوم القيامة» بالنسبة إلى أوكرانيا.
من الصعب التكهن في المرحلة الراهنة، عن أسباب لجوء أوكرانيا إذا كانت بالفعل تقف وراء الحدث الكبير، إلى استفزاز ضخم ومباشر لبوتين في لحظة مهمة من الحرب الأوكرانية. لكن الأكيد في كل الحالات أن تفجير الجسر يفتح كما قال برلمانيون روس على مرحلة جديدة عنوانها «حرب بلا قواعد».

اللافت هنا أنه يمكن وضع تفجير الجسر إذا ثبت أنه استهدف بعمل تخريبي متعمد على نفس مستوى التفجيرات التي استهدفت خطوط إمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا. بمعنى أن هذا يشكل ثاني تحدٍ قوي لبوتين من وجهة نظر السلطات الروسية.
وإذا اضيف إلى ذلك مجريات العمليات العسكرية الجارية على الأرض وتزايد الصعوبات أمام القوات الروسية التي اضطرت إلى التراجع عن مواقع في دونيتسك وخيرسون التي غدت «جزءاً أبدياً» من روسيا الاتحادية وفقاً لوصف بوتين نفسه بعد ضم المناطق الأوكرانية أخيراً، فإن التحدي المطروح أمام الكرملين يبلغ مستويات غير مسبوقة.
أمام هذا المسار، يبدو الموقف الروسي آخذاً في التبلور تدريجياً، وكما سبق أن وضعت تصريحات برلمانيين روس مقدمات لتحرك سياسي وعسكري (الاعتراف بدونيتسك ولوغانسك، ثم إطلاق عملية لتأديب أوكرانيا ونزع سلاحها) فإن المقدمات الحالية المماثلة تشير إلى توقعات المرحلة المقبلة. ومن ذلك التصريحات النارية للناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا التي قالت بعد تفجير جسر القرم، إن «القتل والتخريب والتدمير والاستفزاز وتلفيق التهم، تشكل منطق الإجرام الذي يربط دول الناتو وحلفائه».
وربطت بين تفجير خطوط أنابيب الغاز «السيل الشمالي» واستهداف جسر القرم أخيراً، مستذكرة تصريحات غربية في الحالين ضد روسيا.
هذه المقدمات يمكن ربطها بتحركات تجري على أكثر من مستوى، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية السبت عن تعيين قائد للقوات المشتركة العاملة في أوكرانيا.
ووفقاً لقرار وزير الدفاع، فقد تم «تعيين جنرال الجيش سيرغي سوروفيكين قائداً لمجموعة القوات المشتركة في منطقة العملية العسكرية الروسية الخاصة». وفي الأشهر السابقة تولى سوروفيكين قيادة مجموعة قوات «الجنوب» العاملة على جبهات العملية الخاصة في أوكرانيا. وهو من الجنرالات «الصقور» الأكثر ميلاً للحسم في مناطق عمله وكان في فترات سابقة قاد العمليات الروسية في سوريا. ثم غدا قائداً لسلاح الجو.
السؤال المطروح هنا، حول أهمية توقيت الإعلان عن قائد للمجموعات المشتركة والمقصود هنا الجيش الروسي وقوات الانفصاليين وكتائب المتطوعين من الشيشان ومن مناطق عدة داخل روسيا وخارجها. ألا يوحي ذلك بأن موسكو مقبلة على مرحلة جديدة أكثر قوة وربما تكون حاسمة في عمليتها العسكرية؟
النقطة الثانية على الصعيد العسكري، كانت برزت في تقارير أوكرانية عن استخدام قاذفات ثقيلة روسية عبرت الأجواء الأوكرانية من جهة بيلاروسيا بشكل نشط خلال الأيام الأخيرة لتوجيه ضربات محددة على مواقع حول العاصمة كييف. اللافت أن البيانات الرسمية الروسية لم تشر إلى هذا الموضوع. يضاف إلى هذين العنصرين، تطوران برزا خلال الأيام الماضية، الأول تمثل في بدء توزيع القوات الجديدة التي تم تجنيدها بعد قرار التعبئة العسكرية على جبهات القتال، والثاني المعطيات عن نقل مجموعات من مدرعات هجومية ثقيلة من طراز «تايفون» إلى خطوط التماس. اللافت في موضوع «تايفون» أن هذه المدرعات مخصصة لقوات المظليين الروس، والحديث يدور حول نقلها جواً إلى مواقع متقدمة لاستخدامها في عمليات إنزال واشتباك في مواقع اقتحام خلف خطوط العدو.
في السياق ذاته، جاء الإعلان السبت، عن قرار سلطات منطقة خيرسون «نقل الأطفال مع ذويهم وفئات كبار السن لعدة أسابيع إلى مناطق داخل العمق الروسي بينها منتجعات في شبه جزيرة القرم ومنطقة روستوف وإقليم كراسنودار، بحسب كيريل ستريموسوف، نائب رئيس الإدارة الإقليمية الموالية لروسيا في خيرسون. قال المسؤول: «اليوم، تم اتخاذ قرار. نحن نستعد لفترة صعبة، لأن الأوكرونازيين يواصلون قصف المدينة. حرفياً من غداً، ستعمل المراكز على تقديم مكان إقامة مؤقتة لهذه الفئات، أثناء عمليات التطهير من النازيين. في كل مناطق الطوق المحيط على طول منطقتي خيرسون وزوباروجيا». تلك المقدمات كلها تشير إلى أن تفجير جسر القرم قد يكون كبسة الزر، التي فتحت على «الرد الروسي الحاسم» والمرحلة الجديدة من المواجهة.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».