الحبيب السالمي: أكتب بالعربية لأن «الفرنسية» لم تسكن خلايا جسدي

الروائي التونسي لـ «الشرق الأوسط»: معرض الرياض يهتم بقضايا المثقف العربي

الروائي التونسي الحبيب السالمي
الروائي التونسي الحبيب السالمي
TT

الحبيب السالمي: أكتب بالعربية لأن «الفرنسية» لم تسكن خلايا جسدي

الروائي التونسي الحبيب السالمي
الروائي التونسي الحبيب السالمي

الروائي التونسي الحبيب السالمي، أحد أبرز الروائيين التونسيين المنحدرين من القيروان، وهو أيضاً من أدباء المهجر، يقيم في باريس منذ 37 عاماً، لكنه ظلّ يكتب أعماله الروائية باللغة العربية موظفاً التراث التونسي وتفاصيل الحياة الشعبية في رواياته، مشتغلاً على هموم الطبقة الوسطى ومعاناتها، وهو الذي قاسى المعاناة في قريته العلا، حين فقد والديه في صباه، وظل يكافح حتى حصّل نصيبه من التعليم، وأصبح أحد أهم الروائيين في المغرب العربي. وعلى صعيد الموضوع اشتغل بالعلاقة مع الآخر وبقضايا الهوية، خصوصاً في ظل التحولات والهجرات.
الحبيب السالمي كتب نحو 11 رواية تأهّل بعضها للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية «البوكر»، وحصل على «جائزة كتارا للرواية العربية» في 2021 عن رواية «الاشتياق إلى الجارة». وقد ترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عدّة؛ كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.
رواياته هي: «بكارة»، و«جبل العنز» (1988)، و«صورة بدوي ميت» (1990)، و«متاهة الرمل» (1994)، و«حفر دافئة» (1999)، و«عشاق بية» (2001)، و«أسرار عبد الله» (2004)، و«روائح ماري كلير» (2008)، و«نساء البساتين» (2010)، و«عواطف وزوارها» (2013)، و«الاشتياق إلى الجارة» (2021)، بالاضافة لأعماله القصصية.
على هامش مشاركته في معرض «الرياض الدولي للكتاب»، التقت «الشرق الأوسط» الروائي التونسي الحبيب السالمي، وأجرت معه الحوار التالي:
(*) كيف رأيت معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- كنت قد سمعت كلاماً جيداً عنه، وهذه المرة الأولى التي أُدعى إليه. وتأكدت مما سمعت عنه؛ فهو معرض ممتاز فعلاً من حيث التنظيم والفعاليات المتنوعة التي تتناول العديد من القضايا التي تشغل بال المثقف العربي.
(*) ما رأيك بالمشاركة التونسية في الرياض؟ وكيف استقبل المثقفون والجمهور السعودي الحضور الأدبي والثقافي والفني؟
- المشاركة التونسية في المعرض ممتازة، وكثير من دُور النشر التونسية حاضرة فيه، كما لاحظت، والجناح التونسي منظم ويجذب الزائرين. وبالإضافة إلى ذلك معظم الكُتاب والشعراء التونسيين الذين يشاركون في المعرض، هم من أهم المبدعين في تونس. أما عن استقبال الجمهور السعودي للحضور الأدبي والثقافي والفني فهو رائع حقاً.
(*) ما الفرص التي يوفرها المعرض للمثقفين للتعارف وإثراء المحتوى الثقافي؟
- يوفر فرصاً عديدة للمثقفين للتعارف والتلاقي وتبادل إنتاجاتهم الأدبية. وكثيراً ما يثار بينهم نقاش وجدل في قضايا الأدب والثقافة عموماً في البلدان العربية. شخصياً أشارك بحماس في هذا النقاش، وأستفيد منه كثيراً.
بدايات شاقة
(*) حدِّثنا عن بداياتك في معتمدية العلا بالقيروان.. كانت بداية صعبة فقدتَ والديك وأنت في سن الصبا، ولكنك شققت طريقك نحو النجاح.
- كانت صعبة فعلاً. وُلدت وقضيت الأعوام الأولى من طفولتي في قرية توجد في عمق الريف، لكن هذا لم يحدّ من رغبتي في التعلم والذهاب إلى الجامعة؛ حيث اكتشفت الأدب العربي وآداب العالم. وأنا لست الوحيد الذي كانت له طفولة صعبة. الكثير من الكُتاب العرب عانوا كثيراً في بداية حياتهم.
(*) ماذا تركت فيك تلك التجربة؟ إلى أي مدى أثّرت في أعمالك؟
- إنها حاضرة بقوة في كل قصصي ورواياتي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. من النادر ألا تجد في أعمالي ما يحيل إلى هذه التجربة. إنها جزء أساسي من عالمي في الرواية.
(*) لديك اشتغال بتوظيف التراث التونسي، والقيروان حاضرة في أعمالك بنحو خاص، ماذا تمنحك القيروان من إلهام رغم غربتك المكانية عنها؟
- القيروان مدينة تحتل مكانة استثنائية في تونس، فهي ضاربة بعمق في تاريخ العرب والمسلمين في هذا البلد العربي، بل في كل بلدان المغرب العربي. كل ما فيها من عمارة يحيل إلى هذا التاريخ المجيد. طبعاً للقيروان حضور في أعمالي؛ فقد كانت بالنسبة لنا، نحن السكان الذين نقيم في القرى والبلدات القريبة منها، هي المدينة. لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الحضور على الرغم من أهميته، لا يعادل حضور قريتي العلا التي أمضيت فيها كل طفولتي؛ لسبب بسيط هو أنني لم أقم فيها لفترة طويلة.
الغربة والإبداع
(*) أنت من الأدباء المغتربين في فرنسا، ولكنك تكتب بالعربية. ألم تجذبك اللغة الفرنسية وعوالمها للكتابة بها؟
- أحب اللغة الفرنسية وأطالع بها كثيراً. معظم الأدب الأميركي والأوروبي أقرؤه في ترجمات فرنسية؛ لأنها أكثر دقة وأكثر حداثة. لكن حبي للغة العربية أكبر وأعمق. اللغة الفرنسية لم تنجح في أن تسكن كل خلية من جسدي. وهذا- في رأيي- شرط أساسي للكتابة بها. أتحدث هنا طبعاً عن الكتابة الإبداعية، وليس عن المقالات والبحوث. الكاتب لا يغير لغته بمجرد إقامته في بلد آخر. معظم الكُتاب الأوروبيين الذين عاشوا في فرنسا لم يفعلوا هذا. لقد تمسّكوا بلغتهم. جويس مثلاً، يمكن أيضاً أن نذكر غارسيا ماركيز، وفارغاس بوسا.
(*) كذلك تُرجمت أعمالك لعدة لغات، ماذا توفر الترجمة للعمل الأدبي؟
- نعم، تُرجم العديد من رواياتي إلى لغات كثيرة. الترجمة تنقل العمل الأدبي إلى فضاء ثقافي آخر، فضلاً عن أنها توسِّع من دائرة القراء. الترجمة تمنح النص حياة جديدة. عندما أقرأ بعض رواياتي المترجَمة إلى الفرنسية، أنتبه إلى أمور لم تكن تخطر ببالي عندما كتبتها، هذا يعني أن الترجمة تضيء النص من زاوية مختلفة.
(*) لديك العديد من الروايات التي ترشحت ضمن القائمة النهائية للروايات الست لجائزة (البوكر)، وحصلت «الاشتياق إلى الجارة» على «جائزة كتارا للرواية العربية» في 2021، ماذا تعني الجوائز للأديب والروائي؟
- الكاتب الحقيقي لا يكتب للجوائز. إنه يفعل هذا لأنه مسكون بشيء ما ويرغب في التعبير عنه. هذا هو الأساس في الكتابة. الجوائز تأتي فيما بعد، وهي تعني اعترافاً ما بقيمة ما يكتب الكاتب، ومن ثَم فإنها توفر له قليلاً من المال. الكاتب العربي عموماً يعيش في وضع مادي صعب؛ لأن عدد القراء ضعيف في العالم العربي، وهو يحتاج إلى هذا المال لكي يتمكن من الاستمرار في الكتابة.
(*) متى يصبح الكاتب عالمياً؟ إذا ترجمت أعماله وأصبحت مقروءة بلغات أخرى؟ أم يصبح عالمياً إذا حصل على جوائز عالمية؟
- هناك تفسيرات عدة لكلمة «عالمي»؛ هناك من يرى أن الكاتب يصير عالمياً عندما تترجَم أعماله إلى اللغات الأساسية في الغرب، وتحديداً الإنجليزية والفرنسية، وهناك من يعتقد أن هذا لا يكفي، لا بد من أن تلقى أعمال الكاتب المترجمة إقبالاً من القراء في البلدان التي تُرجمت فيها. وهناك من يشترط حصول الكاتب على جوائز عالمية، بالإضافة إلى الترجمة وإقبال القراء. شخصياً أميل إلى الرأي الثالث.
(*) من يقرأ رواياتك يجد أن موضوع الهوية يلحُّ على الكاتب ليطرحه في مختلف التفاصيل، كما يحضر التباين بين الحضارات. إلى أي مدى تمثل الهوية قلقاً في ظل هيمنة العولمة؟
- ثيمة الهوية تمتلك حضوراً قوياً في رواياتي؛ لأنها تقارب بطرق متباينة ومن زوايا مختلفة موضوع تلاقي الحضارات، الذي اكتسب بعداً آخر بعد انتشار العولمة. وهذه الهوية لا تتجلى في القضايا الكبرى المعروفة، وإنما أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية وفي أمور قد تبدو لنا غير مهمة، لكن لا بد من أن أشير إلى أن الهوية ليست بالنسبة إليّ شيئاً ثابتاً متعالياً على الزمن، وإنما هي تتطور باستمرار.
(*) لديك توظيف رائع لثيمة (الحبّ) القادر على اختراق الطبقات، كما يتضح بقوة لي في روايتك «الاشتياق إلى الجارة»، كيف يمكنك توظيف هذه الثيمة لكسر حاجز الطبقات؟
- نعم، الحب قادر على أن يخترق كل الطبقات، بلّ كل التقاليد والعادات، لا شيء يستطيع أن يقف حاجزاً أمام الحب إن كان حقيقياً، إنه كالنهر الهادر يحطم كل ما يعوق سيره.
(*) على الرغم من أن أغلب رواياتك الـ11 تعالج مشكلات المجتمع والطبقات المتوسطة والفقيرة وعلاقاتها مع الذات والآخر. وليس بارزاً أي توظيف سياسي أو حزبي أو ديني في أعمالك، فإن مراقبين يقولون إنهم يتلمسون تأثيراً لروايتك «نساء البساتين» في اندلاع أحداث الثورة التونسية، ما رأيك؟
- لقد قيل كلام كثير من هذا النوع عن روايتي هذه، بل هناك من رأى فيها تنبؤاً بما حدث في تونس وما صار يسمى «الربيع العربي». عندما نقرأ هذه الرواية ندرك حجم الدمار الذي تعيشه تونس، ونشعر بأن الوضع لا يمكنه أن يستمر، وأن انفجاراً ما سيحدث، لكن الرواية لا تذكر أي شكل سيتخذه هذا الانفجار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended