جنوا: «وداعاً كورونا وأهلاً بالسيّاح»

إيطاليا تنفض غبار الإقفال وتستعيد بريقها

كامولي كانت قرية لصيادي الأسماك واليوم مقصد لمحبي الشواطئ الخلابة
كامولي كانت قرية لصيادي الأسماك واليوم مقصد لمحبي الشواطئ الخلابة
TT
20

جنوا: «وداعاً كورونا وأهلاً بالسيّاح»

كامولي كانت قرية لصيادي الأسماك واليوم مقصد لمحبي الشواطئ الخلابة
كامولي كانت قرية لصيادي الأسماك واليوم مقصد لمحبي الشواطئ الخلابة

سطور طال انتظار كتابتها، ووجهات انتظرت بفارغ الصبر لتستقبل زوارها من جديد، وملحق سياحي علق بسبب الجائحة التي شلت حركة التنقل والسفر والاستكشاف، وحرمت الناس من رؤية بعضهم البعض.
من الصعب أن نصدق بأن حياتنا في طريقها للعودة إلى طبيعتها، من الأصعب أن نصدق ما حصل عندما فرض على العالم فيروس لعين لم نره ولكن رأينا أضراره على البشر والاقتصاد وشركات الطيران والفنادق وشتى المرافق الحيوية التي نراها اليوم تسعى جاهدة للتعافي الذي قد يستغرق أكثر من سنة في ظل الأزمات الاقتصادية السيئة التي تعصف بالعالم.
بعد أشهر قليلة من رفع الإجراءات الاحترازية وفحوصات الـ«بي سي آر» واستعمال الكمامة (أصبحت اختيارية على بعض شركات الطيران) التي جعلتنا نفكر ملياً قبل الإقدام على السفر، نرى العالم اليوم يلملم جراحه المادية والمعنوية ويؤمن بمقولة: Life Goes On بمعنى أنه لا بد بأن تستمر الحياة مهما كان الثمن ومهما كانت الظروف.


جنوا مدينة بسيطة وجارة للأغنياء

وبعد طول غياب عن واحد من أجمل البلدان المتوسطية وبعد شوق للمعالم والثقافة والطعام كان لا بد من العودة إلى إحدى مدن تلك البلاد المتوسطية الجميلة، ووقع الخيار على جنوا القابعة على الساحل الشمالي الغربي لإيطاليا التي تعتبر سادس أقدم مدينة في البلاد وفيها واحد من أشهر الموانئ الأوروبية العريقة وفيها أيضاً المعمار المتنوع والشواطئ الخلابة وجارة ميلانو ومرفأ بورتوفينو و«تشينكوي تيري» الرائعة.
تماشياً مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة وأهمية التنبه لمسألة الإنفاق، فمن الضروري أن نختار وجهة جميلة وبالوقت نفسه مقدور عليها من حيث التكلفة. ميزة جنوا هي أنها تقع وسط أجمل الأماكن السياحية التي يقصدها الأغنياء مما يجعل الإقامة والأكل غالي الثمن، ولهذا السبب نرى الكثير من الزوار الذين يجعلون من جنوا قاعدة لبدء جولتهم منها لأن فنادقها أرخص بكثير من فنادق جارتها ميلانو أو «بورتو فينو» أو مدينة «الأراضي الخمس» أو Cinque Terre المعروفة بروعة ألوانها وإطلالة هضباتها الخمس على البحر، فأفضل طريقة للتعرف على مقاطعة ليغوريا الملقبة بالريفييرا الفرنسية هي عن طريق التوجه إلى جنوا والتنقل بواسطة القطار أو استئجار سيارة والمشي على الأقدام.

صلصة البيستو من أشهر ما تقدمه جنوا

نقطة الانطلاق
بدأت الرحلة من لندن، فلا تزال تفرض بعض شركات الطيران على مسافريها وضع الكمامة، ولكن ولحسن الحظ لم يطلب منا ذلك، استغرقت الرحلة ساعة و45 دقيقة للوصول إلى مطار كريستوفر كولومبوس، وهذا الاسم تراه كثيراً في جنوا تكريماً للمستكشف والرحالة الإيطالي وابن جنوا التي لا تزال تحتفظ بمنزله القديم الذي أمضى فيه طفولته وتم ترميمه عدة مرات على مر السنين، ويعتبر من المعالم السياحية المقصودة في جنوا ويقع بالقرب من دير «سانت أندريا»، كما توجد سفينة كريستوفر كولومبوس راسية عند مرفأ جنوا القديم وهذا ما يجعل المدينة مغناطيساً لمحبي الحياة المائية والملاحة لأنها غنية بالتاريخ البحري.
إذا كنت من محبي التاريخ البحري أنصحك ببدء الرحلة من المرفأ القديم Porto Antico الذي تحول اليوم إلى معلم سياحي أكثر منه مرفأ يستقبل ويودع السفن بحيث يقصده سكان المدينة والسياح للتمتع بالأكل الليغوري في المطاعم المنتشرة على طول الكورنيش البحري، ومن هناك يمكن المشي للوصول إلى مصعد «بيغو» من تصميم رينزو بيانو الذي يؤمن لك رؤية المدينة من على علو 40 متراً فوق البحر، وبعدها تصل إلى الغابة الاستوائية و«بياتزا ديلي فيستي» المصممة على شكل مجسم من حديد مغروز في الماء.


الفوكاتشيا على طريقة جنوا وتحشى بالجبن

قد لا تكون جنوا من أجمل المدن الإيطالية المعروفة بمعمارها مثل روما وبوبميي، ولكنها ستفاجئك ببعض مبانيها الأثرية شرط أن تقرر المشي لاستكشاف روعة معمارها المخفي والمدرج على لائحة اليونيسكو، لا سيما في شارع التسوق الرئيس «فيا غاريبالدي» وشارع «كايرولي» و«بالبي» وكل هذه الشوارع تكون ما يعرف بالشارع الجديد «سترادي نووفي»، فيكفي أن تتمشى في أزقة جنوا القديمة لكي تكتشف المعمار الباروكي الذي يعود للقرن السادس عشر، مع استراحة قصيرة لتناول فنجان من الاسبريسو الإيطالية في الهواء الطلق.
من المعالم الجميلة في وسط جنوا كاتدرائية القديس لورينزو، المميزة بلون جدرانها الخارجية السوداء والبيضاء ويستمر مسلسل الدهشة بعد ولوجك للداخل حيث ترى روعة تاريخية حقيقية. ولا تفوتك زيارة منارة جنوا التي بنيت في عام 1500 ولا تزال واقفة بطولها الفاره الذي يبلغ 76 متراً، وتعتبر هذه المنارة من بين أهم المعالم السياحية في إيطاليا وأطولها.
لمحبي عالم البحار، لا تبخل جنوا على زوارها بالمتاحف التي تزيد على 10 متاحف، وعلى رأسها «غالاتا ميوزيو ديل ماري»، والمتحف الفن التاريخي بسقوفيته المرسومة باليد. ويحظى من يفضلون زيارة الغاليريهات العصرية بحصة وافرة من المعارض الفنية والمتاحف العصرية مثل متحف «فيلا غروسي» وغاليري الفن الحديث.

الريفييرا الإيطالية
بما أن جنوا هي الخيار الأفضل للإقامة والتمتع بجاراتها الواقعة على الريفييرا الإيطالية فلا بد من زيارة «كامولي» Camogli وهي قرية يسكنها صيادو الأسماك وتبعد عن جنوا بمسافة 35 دقيقة فقط بواسطة السيارة أو القطار، وتنتشر فيها الشواطئ الجميلة وإذا كنت من أصحاب القلوب القوية وتحب الغطس فيمكنك القفز من أعلى كنيسة «سان فروتووزو» لترى تمثال المسيح البرونزي في قعر البحر.
ومن المناطق الجميلة منطقة «نيرفي» Nervi وهي كانت مخصصة لصيد السمك في الماضي وتشتهر بحدائقها التي كانت في السابق تابعة لفيلات خاصة مثل يلا غروبالو وسيرا سالوتزو وغريمالدي فاسيو.
لهذه القرية رونق خاص تكتشفه عندما تتمشى بمحاذاة الماء حيث تنتشر البوتيكات الصغيرة التي تبيع القطع يدوية الصنع ومعدات صيد السمك. زيارة مرفأ بورتوفينو حلم لكثيرين، فهو شعار الرومانسية والحب والدولتشي فيتا أو الحياة الإيطالية السعيدة. تنتشر في بورتوفينو المقاهي المحازية للماء وفيها يمكنك أن تتناول الغداء أو العشاء أو تناول الجبن والمشروب أو «أبيريتيفو» على طريقة الإيطاليين الذين يتوجهون في المساء الباكر لتناول مشروب خفيف مع تشكيلة أجبان إيطالية وبعدها يتوجهون إلى أحد المطاعم لتناول الباستا أو البيتزا. بورتوفينو فيها شواطئ تحبس الأنفاس وفيها رونق خاص لا تجده إلا فيها. فهي تبعد عن جنوا بحوالي 50 دقيقة تنقلك إلى عالم جميل من المقاهي الممتدة على الريفييرا ينصح بتناول وجبة خفيفة فيها ومن ثم التوجه إلى منطقة قريبة لتناول العشاء لأنه أسعار مطاعمها غالية بعض الشيء بسبب نوعية الزوار الذين يأتون إليها على متن يخوتهم الخاصة، ومن الأماكن الجميلة لتناول الـ«أبيريتيفو» والأجبان الإيطالية «وينتر روز»، جلساته جميلة ولكنه لا تقبل الحجوزات المسبقة فيه.
وفي منطقة «سانتا مارغيريتا» القريبة من بورتوفينو توجد مطاعم كثيرة وجيدة وأسعارها أرخص من غيرها ولكن إذا أردت مطعماً جديداً وأطباقه رائعة فلقد افتتح فيها مطعم جديد اسمه «Longosteria Paraggi» فهو بمحاذاة الماء وأسعاره عالية جداً تنافس علو الأمواج ولكن أطباقه التي تعتمد على الأسماك وثمار البحر تبرر ذلك.
ومن بورتوفينو إلى Cinque Terre ويمكن الوصول إلى كل من تلك القرى الخمس عن طريق القارب، وفي كل قرية تجد شيئاً ما يشدك إليها بدءاً بألوان البيوت الزاهية التي ترتكز على الأحمر والبرتقالي والوردي والأصفر، مروراً بالانحدارات وانتهاء بالمطاعم التي تقدم أطباقاً إيطالية تقليدية يسيل لها اللعاب.

الأكل في ليغوريا
المعروف عن إيطاليا تنوع المطبخ فيها، على عكس ما يتصوره البعض بأن الأطباق تتشابه في جميع المناطق والمقاطعات، ففي ليغوريا وتحديداً في جنوا الساحلية، تنتشر الأطباق التي يدخل فيها السمك وثمار البحر بشكل عام، فهي مدينة واقعة على البحر مباشرة وتضم مرفأ كبيراً وهذا ما يجعلها من أهم المدن التي تشتهر بالأسماك مثل الكود والقواقع بشتى أنواعها التي لا تخلو منها لوائح الطعام في المطاعم.
أشهر طبق في جنوا يطلق عليه اسم «بوريدا» وهو يخنة من السمك مع صلصة طماطم وثوم.
وأشهر صلصة في جنوا هي البيستو المصنوعة من الحبق والصنوبر وزيت الزيتون والثوم وجبن البراميزان، فهذه الصلصة ولدت في جنوا ولا تستطيع أي منطقة أخرى أن تصنع بمثل نكهتها وجودتها، تباع هذه الصلصة في جميع المحلات في جنوا ولكن من المستحسن أن تسأل أحداً من أهالي المدينة لكي يرشدك للصنف الجيد أو في تراتوريا روزمارينو.
أما عن خبز الفوكاشيو فحدث ولا حرج، فجنوا تشتهر بالفوكاشيا بعدة أنواع، ولكن الطريقة التي يتبعها أهالي جنوا تختلف، فالفوكاشيا الـ«جينوفيزي» رقيقة جداً ومحشوة بالجبن الذي يشبه الموتزاريلا، وهناك نوع آخر فيه الكثير من زيت الزيتون والملح الخشن، وهناك نوع من الفوكاشيا يقدم على سطحه الانشوفة.


مقالات ذات صلة

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

سفر وسياحة تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

على عُمق 30 متراً (98 قدماً) تحت مدينة لندن، تقع شبكة من الأنفاق بطول ميل واحد، من المقرر أن تصبح واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في العاصمة البريطانية.

عادل عبد الرحمن (لندن)
يوميات الشرق أطفال مبتهجون عقب أدائهم صلاة العيد مع عائلاتهم (تصوير: عبد العزيز النومان)

فعاليات ترفيهية مبهجة تثري ليالي العيد في السعودية

فعاليات وأنشطة ترفيهية متنوعة أطلقتها «الهيئة العامة للترفيه» بالسعودية، فأثرت الأجواء الاحتفالية بعيد الفطر، مقدمة تجارب استثنائية للزوار من داخل وخارج البلاد.

إبراهيم القرشي (جدة)
يوميات الشرق الملياردير الأميركي جيف بيزوس وخطيبته لورين سانشيز (رويترز)

الاحتفالات ستستمر 3 أيام... جيف بيزوس يختار وجهة أوروبية لعقد زفافه

كشف عمدة البندقية عن مكان حفل زفاف الملياردير الأميركي جيف بيزوس المرتقب بشدة، بعد أن تفاخر بأن الاحتفالات ستدرّ ملايين الدولارات على المدينة الإيطالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - روما)
سفر وسياحة إطلالة رائعة على أجمل مباني فلورنسا وساحاتها (الشرق الاوسط)

فلورنسا... المدينة الأكثر شهرة عالمياً لمحبي سياحة الفن والتاريخ

إذا كنت من محبي السياحة الممزوجة بالفن والتاريخ أنصحك بالذهاب إلى فلورنسا التي تستضيف حالياً معرضاً خاصاً للفنانة البريطانية تريسي إمين

جوسلين إيليا (فلورنسا)
سفر وسياحة إقبال شديد على السفر بالقطارات التي يمكن النوم فيها (ترينيتاليا)

هل تخطط لرحلة بالقطار في أوروبا؟

ما زال السفر بالسكك الحديدية في توسع في أوروبا، مع افتتاح مجموعة من الطرق الجديدة واحتدام المنافسة على الطرق الرئيسية

بايج مكلاناهان (نيويورك)

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
TT
20

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)

على عُمق 30 متراً (98 قدماً) تحت مدينة لندن، تقع شبكة من الأنفاق بطول ميل واحد، من المقرر أن تصبح واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في العاصمة البريطانية، وفقاً للشركة التي حصلت على الموافقة لتنفيذ المشروع بتكلفة 149 مليون دولار.

كانت أنفاق «كينغسواي إكستشينج» قد بُنيت في الأربعينات من القرن الماضي لحماية سكان العاصمة من حملة قصف معروفة بـ«بليتز»، (حملة قصف ألمانية على المملكة المتحدة في عامي 1940 و1941، وقد استخدمت المصطلح لأول مرة وسائل الإعلام البريطانية، وأصل الكلمة مشتق من الألمانية Blitzkrieg، وتعني «الحرب الخاطفة»)، خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي فُتحت فيها للجمهور.

المالك الجديد لمجمع الأنفاق يريد جذب ملايين السياح سنويًا. (أنفاق لندن)
المالك الجديد لمجمع الأنفاق يريد جذب ملايين السياح سنويًا. (أنفاق لندن)

كان الدور التالي لهذه الأنفاق في زمن الحرب أنها مقر للعمليات الخاصة البريطانية السرية للغاية، التي كانت جزءاً من الاستخبارات البريطانية «M16»، ومصدر إلهام من الواقع لقسم «Q» في سلسلة أفلام العميل السري «جيمس بوند».

وسيكون هذا المَعْلم السياحي الجديد بمنزلة نصب تذكاري لحملة قصف لندن، وهو ما ذكره بيان للرئيس التنفيذي لـ«أنفاق لندن»، أنغوس موراي، قائلاً إن الموقع سيقسَّم إلى ثلاثة أجزاء: «متحف، ومعرض، ومكان ترفيهي». ومن المقرر افتتاح المشروع للجمهور في أواخر عام 2027 أو أوائل 2028.

تصور لترميم الأنفاق بطريقة جذابة. (أنفاق لندن)
تصور لترميم الأنفاق بطريقة جذابة. (أنفاق لندن)

«متحف لندن للنقل» يُقدم جولات حصرية وإذا كنت لا تستطيع الانتظار حتى ذلك الحين لاستكشاف أعماق مدينة لندن، فإن «متحف لندن للنقل» يُقدم جولات حصرية، بصحبة مرشدين، لمحطات الأنفاق المهجورة، بما في ذلك محطة «داون ستريت»، التي كانت مخبأ سرياً تحت الأرض ساعد بريطانيا على تحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية. هناك باب مغلق على المنصة المتجهة شرقاً من محطة «تشانسيري لين» في مترو أنفاق لندن. إنه باب متواضع، وقوي وأبيض اللون. وخلفه تجد مجموعة من السلالم المؤدية إلى متاهة يبلغ طولها ميلاً واحداً تقريباً من الأنفاق التي بُنيت في الأربعينات من القرن العشرين، التي هدفها في البداية أن تكون ملجأً للحرب ثم استُخدمت في وقت لاحق للتجسس وتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات.

ترميم الأنفاق بطريقة جذابة (انفاق لندن)
ترميم الأنفاق بطريقة جذابة (انفاق لندن)

مرحباً بكم في أنفاق «كينغسواي إكستشينج»، التي تقع على عُمق 100 قدم تقريباً تحت مستوى شوارع وسط لندن، وتمتد تحت الخط المركزي لمترو الأنفاق. سرعان ما تدخل تلك الأنفاق إلى فصل جديد من تاريخها؛ إذ تقدَّم أنغوس موراي، صاحب المجمع، الذي اشترى الأنفاق الصيف الماضي، بطلب للحصول على تصريح تخطيط للسلطات المحلية جنباً إلى جنب مع شركة «ويلكنسون أير» المعمارية لتحويل الأنفاق إلى وجهة سياحية يمكنها استقبال ملايين الأشخاص سنوياً. وتخطط شركة أنفاق لندن، التي يملكها موراي، لاستثمار ما مجموعه 220 مليون جنيه إسترليني (نحو 275 مليون دولار) في ترميم الأنفاق والحفاظ عليها، فضلاً عن إضافة التكنولوجيا للمنشآت الفنية وغيرها من عوامل الجذب السياحي. وقال موراي إنه سيكون قادراً على استضافة معارض فنية مؤقتة، وعروض أزياء وغيرها. وفي الوقت الحالي، يتطلب الدخول إلى الأنفاق ركوب مصعد صغير مخبَّأ خلف باب جانبي في أحد الأزقة قبالة شارع واسع في وسط لندن. (قال موراي إن زوار المنطقة الجديدة سوف يستخدمون مدخلاً مختلفاً، وأكبر حجماً).

داخل انفاق لندن عالم ثاني (أنفاق لندن)
داخل انفاق لندن عالم ثاني (أنفاق لندن)

وعندما تُفتح أبواب المصعد، تدخل إلى نفق يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية -وهو واحد من 10 ملاجئ مدنية اقترحتها الحكومة البريطانية بعد بداية حملة القصف الجوي النازية، وهو قصف الذي استمر 8 أشهر على لندن من الألمان، وبدأ في سبتمبر (أيلول) عام 1940. لم تُستخدم الأنفاق أبداً ملاجئ. وبحلول الوقت الذي اكتملت فيه عام 1942، كانت الغارات الجوية قد انتهت.

نظام اتصالات سرِّي في الأنفاق

وخلال الحرب الباردة، أصدرت الحكومة البريطانية تعليمات إلى إدارة الهاتف، والذي أصبح فيما بعد شركة الاتصالات البريطانية، بإنشاء نظام اتصالات سرِّي في الأنفاق التي يمكن أن تصمد أمام هجوم نووي. وقد كان الخط الساخن الشهير بين الكرملين والبيت الأبيض يمر عبر ذلك المجمع، وفق الموقع الإلكتروني للمشروع. ولا يزال بعض معدات التبادل الهاتفي في الأنفاق قائمة حتى اليوم، على الرغم من أنها لم تُستخدم منذ ثمانينات القرن الماضي على الأقل. وقال مارتن ديكسون، أحد أمناء مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا»، وهي مؤسسة خيرية توثق وتحاول الحفاظ على المساحات تحت الأرض: «إن الفكرة كانت أن هذا من شأنه أن يوفر درجة من الحماية». وأضاف ديكسون، الذي انضم إلى مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا» قبل نحو 40 عاماً: «لو أن الحرب الباردة قد تحولت إلى شيء أكثر خطورة، لكان ذلك قد سمح باستمرار الاتصالات على مستوى ما». وتمتد الأنفاق تحت محطة «تشانسيري لين» لقطارات الأنفاق لأكثر من ميل، ويصل قطرها في بعض الأماكن إلى 25 قدماً تقريباً. وقال السيد موراي إن هذه الأبعاد تجعلها من بين كبرى مجموعات الأنفاق التي جرى بناؤها للناس في مدينة حضرية. وأضاف موراي قائلاً: «لديها تاريخ رائع حقاً». بالنسبة لمجموعة من العاملين في مكاتب البريد والاتصالات في العقود التالية على الحرب العالمية الثانية، تحول مجمع الأنفاق إلى مكان عمل، وقد ظلت بعض جوانبه باقية. وفي إحدى الغرف، لا مفرَّ من اشتمام رائحة سجادة قديمة. ولا يزال آخر يحمل بقايا مقصف. وهناك أيضاً نافذة مزيَّفة تصوِّر صور الطبيعة على أنها زخارف. ولا تزال هناك مكاتب، وكذلك غرف حيث يمكن للعمال قضاء الليل فيها. بعض أجزاء الأنفاق مبطنة بجدران وهمية، وبأبواب ليس وراءها أي شيء.

بريطانيا أول من إنشاءت الأنفاق خلال الحرب(أنفاق لندن)
بريطانيا أول من إنشاءت الأنفاق خلال الحرب(أنفاق لندن)

وقد أصبحت عملية الاتصالات في الأنفاق أمراً قديماً منذ ثمانينات القرن الماضي. وفي عام 2008، عرضت شركة الاتصالات البريطانية الأنفاق للبيع. اعتاد موظفو شركة الاتصالات البريطانية على النزول إلى المجمع حتى تسعينات القرن الماضي للتفتيش على السلامة من الحريق وغير ذلك من الظروف الأخرى. وكانت الأنفاق بخلاف ذلك خاوية. لا تزال هناك حاجة إلى توضيح كثير من التفاصيل بشأن منطقة الجذب السياحي الجديدة، ولكن السيد موراي قال إن تكلفة الزيارة ربما تكون في نفس نطاق السعر الذي تتمتع به المواقع السياحية الرئيسية الأخرى في لندن. (تبلغ رسوم الدخول إلى برج لندن نحو 40 دولاراً، وتبلغ رسوم الدخول إلى دير وستمنستر نحو 36 دولاراً). وقال ديكسون، من مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا»، إنه متحمس لتوقع تحول «كينغسواي إكستشينج» إلى منطقة جذب سياحية، شريطة أن تكون آمنة وأن يُحفظ التاريخ. وقال ديكسون: «لقد رأيت الآلاف من الأماكن تحت الأرض، من الأماكن العادية إلى المثيرة». ثم أضاف أن «(كينجسواي إكستشينج) مثيرة للاهتمام بصفة خاصة بسبب جميع الوظائف المختلفة التي كانت فيها. فقد لعبت دورها في الحرب العالمية الثانية، وكانت على استعداد للاضطلاع بدورها في الحرب الباردة كذلك».

إنشاء نظام اتصالات سري في الأنفاق خلال الحرب (غيتي)
إنشاء نظام اتصالات سري في الأنفاق خلال الحرب (غيتي)

وقال موراي في بيان له: «إن تاريخ الأنفاق وحجمها وموقعها بين هولبورن في لندن ومنطقة سكوير مايل التاريخية، يمكن أن يجعل هذه الأنفاق واحدة من أكثر الوجهات السياحية شعبية في لندن». وتتمثل الخطة في استثمار 140 مليون جنيه إسترليني (170.5 مليون دولار) في أعمال الترميم، ثم 80 مليون جنيه إسترليني (97 مليون دولار) أخرى في جميع الأجراس والصافرات المغمورة. ومع وجود المهندسين المعماريين من شركة «ويلكنسون أير» ضمن جهود المشروع، من المؤكد أن لديهم فريقاً بارعاً جرى تجميعه لتنفيذ هذه المشاريع الطموحة التي تفوق إلى حد بعيد أي شيء آخر معروض في المدينة.

استخدام الأنفاق لتخزين معدات الاتصالات. (أنفاق لندن)
استخدام الأنفاق لتخزين معدات الاتصالات. (أنفاق لندن)

غرف حرب تشرشل تحت الأرض

تعد «غرف حرب تشرشل» -التي تقع على عمق 12 قدماً فقط تحت مستوى الأرض وجزء صغير من المساحة البالغة 8000 متر مربع التي تشغلها أنفاق «كينغسواي إكستشينج»- من أكثر مناطق الجذب السياحي الدائمة تحت الأرض تطوراً في لندن حالياً. كما تُجري شركة مترو أنفاق لندن جولات سياحية دورية في «لندن الخفية» لاستكشاف محطات المترو والأنفاق المهجورة في المدينة. وعادةً ما تكون الجولات ذات شعبية كبيرة مع زيادة ملحوظة في عدد المشتركين فيها، حيث تنفد التذاكر بمجرد طرحها للبيع. ومع ذلك، فهي لا تزال أفضل فرصة لك لخوض مغامرة تحت الأرض لبضع سنوات مقبلة، لأن مشروع أنفاق لندن إذا استمر فلن يستقبل أول زواره المنبهرين حتى عام 2027.

إستخدامها لتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات (أنفاق لندن)
إستخدامها لتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات (أنفاق لندن)

إذاً، كيف وصلنا إلى هنا؟ بعد الحرب، استولت المخابرات البريطانية على الأنفاق لمكتبها التنفيذي للعمليات الخاصة (جزء من MI6)، وكان من المفترض أن تكون المكاتب مصدر إلهام لأفلام «جيمس بوند». وفي الخمسينات، جرى تحويل المجمع إلى Kingsway Exchange Tunnels، وهو يضم أعمق مقهى تحت الأرض، تم بناؤه لموظفيه البالغ عددهم 200 موظف.

وقال موراي: «عندما تنزل إلى هذه الأنفاق، سيكون من المستحيل عدم التفكير في تاريخ بنائها، وكيف ضحَّى الرجال والنساء بأنفسهم من أجل ذلك».

تم بناء الأنفاق في أربعينيات القرن العشرين(أنفاق لندن)
تم بناء الأنفاق في أربعينيات القرن العشرين(أنفاق لندن)

وأوضح موراي الخطط قائلاً: «هناك مولِّدان كبيران جرى تركيبهما بعد الحرب لتشغيل تبادل الاتصالات. سيتم الاحتفاظ بجميع هذه القطع من المعدات -مثلما فعل ويلكنسون اير في باترسي- وسيرى الناس هذه المعدات الأصلية الموجودة داخل الأنفاق».

ويأمل المشروع الذي تبلغ تكلفته 120 مليون جنيه إسترليني أن يتميز بشاشات عالية الدقة وأنشطة تفاعلية ومئات من المتحدثين، وحتى تكنولوجيا انبعاث الروائح لجذب هواة التاريخ والسياح على حد سواء. ويتوقع موراي أن يكون عامل الجذب مؤثراً مثل «عين لندن» التي تستقبل نحو 3 ملايين زائر سنوياً.