فنانون ومنتجون عراقيون: سياسة التقشف أوقفت عجلة الدراما المحلية

تعرض أعمالهم المنتجة في الموسم الماضي ولا جديد لهم هذا العام

فنانون عراقيون في أحد الأعمال الفنية
فنانون عراقيون في أحد الأعمال الفنية
TT

فنانون ومنتجون عراقيون: سياسة التقشف أوقفت عجلة الدراما المحلية

فنانون عراقيون في أحد الأعمال الفنية
فنانون عراقيون في أحد الأعمال الفنية

شكا فنانون ومنتجون عراقيون من شحة الإنتاج الدرامي المحلي للعام الحالي، بسبب سياسة التقشف الحاصلة في ميزانية الدولة، إذ لم تشهد استوديوهات التصوير إنتاج أي عمل درامي جديد في هذا الموسم الرمضاني، واكتفت شبكة الإعلام العراقي (القناة الرسمية في البلاد) بعرض الأعمال التي سبق إنتاجها في الموسم الماضي، فيما اتجه معظم الفنانين للبحث عن فرص أخرى للعمل كتقديم البرامج الاجتماعية ومسابقات رمضان.
ولم تنفع مناشدات ومطالبات الفنانين باستثناء الدراما من سياسة التقشف أو محاولة إيجاد البديل لها لكي لا تثقل كاهل الممثل العراقي، خاصة ممن لا يتقاضون راتبا شهريا من أي جهة حكومية أو غير حكومية. وسبق أن نظم الفنانون وقفة احتجاجية عند مدخل مبنى المسرح الوطني وسط العاصمة بغداد، شارك بها عدد كبير من الفنانين والمنتجين والكوادر الفنية مطالبين الحكومة بإعادة النظر في حالة التقشف التي فرضت على الفن، كونها تسهم في تعطيل عجلة الفن وتزيد من بطالة الفنان في العراق.
يقول الفنان الكوميدي علي قاسم الملاك: «اعتاد الجمهور على مشاهدة عمل فني كوميدي كل موسم رمضان، لكن هذا العام لم استطع الوجود مثل غيري من الفنانين في المسلسلات الكوميدية بسبب سياسة التقشف في إنتاج الأعمال». وأضاف: «ستكون لي إطلالة على جمهوري من خلال البرنامج الفكاهي (زرق ورق) في جزئه الثاني».
أما الفنانة هناء محمد، فقالت: «أنتظر موسم رمضان من كل سنة لكي أشارك ببعض المسلسلات التي من خلالها وما يقدم لي من أجر يسير وبشكل بسيط أوفر متطلبات معيشتي، ولكن هذا الموسم اختلف، مما جعل الفنان في حيرة من أمره». وأضافت: «المشكلة في انعدام أو قلة إنتاج الدراما العراقية في القنوات غير الرسمية، والتي اعتمدت على شراء الأعمال العربية، مما جعل الفنان يبحث عن فرص أخرى غير التمثيل كتقديم البرامج وغيرها». وأشارت الفنانة هناء محمد إلى أنها ستطل على جمهورها في رمضان المقبل بشخصية أم جاسم في مسلسل «وادي السلام» الذي أنتج العام الماضي.
بدورها، ناشدت الفنانة عواطف السلمان الحكومة العراقية أن تستثني الدراما من التقشف أو إيجاد البديل لها لكي لا تثقل كاهل الممثل العراقي، خصوصا الذي لا يتقاضى راتبا شهريا من أي جهة حكومية أو غير حكومية. وعلى الصعيد الفني طالبت السلمان الجهات غير الرسمية بأن تمد لها يد العون في إنتاج عمل درامي يجسد شخصية الشهيدة بنت الهدى.
مسؤول قسم الدراما في مديرية الإنتاج الدرامي في شبكة الإعلام العراقي رضا المحمداوي، أكد قائلا: «لأن سياسة التقشف التي انتهجت في العديد من وزارات ودوائر الدولة لعام 2015 أثرت بشكل مباشر في عملية الإنتاج الدرامي، إذ لم يتم إنتاج أي عمل درامي للموسم الحالي، لذا فإنه تم التعويل على المسلسلات الدرامية التي تم إنتاجها للموسم الماضي، وهي: (وادي السلام) تأليف أحمد سعداوي وإخراج مهدي طالب، والذي تدور فكرته الرئيسية عن الأحداث التي رافقت قيام الانتفاضة الشعبانية، واتخاذ مدينة النجف الأشرف مسرحا لأحداثها، وفي مقبرة (وادي السلام) تحديدا، ويجسد شخصياته العديد من الفنانين، أبرزهم الفنان مقداد عبد الرضا. والمسلسل الثاني هو (رازقية)، تأليف باسل الشبيب وإخراج علي أبو سيف، وهو الجزء الثالث من مسلسل (أعماق الأزقة)، ويسلط الضوء على منطقة الكرادة وما جرى فيها من أحداث أيام النظام السابق. وتدور أحداث المسلسل في عام 1975، تلك الفترة التي كانت حبلى بالأحداث السياسية والاجتماعية وكانت آلة القمع البعثية تتحرك لتصفية الرموز الوطنية في جميع مناطق العراق، وتميزت الكرادة الشرقية في تلك الحقبة بوجود القوى الوطنية التي قارعت النظام آنذاك، وهي كانت محور الأحداث في الجزء الثالث من خلال بيت بغدادي قديم تسكنه أربع عوائل مختلفة في المستوى والاتجاهات ومن خلال تلك العائلات تنسج الأحداث التي ستنتقل من بيئةٍ إلى أخرى في أزقة البصرة، ومن ثم إلى أهوار الناصرية، وفي هذا الجزء ستختلف الحكاية عن الجزءين الأول والثاني من خلال الشخصيات التي ظهرت في الجزءين السابقين عدا شخصيتين هما محور الحدث الدرامي الذي يبدأ في لندن لتظهر شخصية رازقية (آسيا كمال) وهي المحور الرئيسي والبطلة المطلقة لهذا العمل الدرامي، يرافقها في الحدث زوجها فؤاد (باسل الشبيب). رازقية التي هاجرت مع زوجها فؤاد إلى لندن بعد مقتل ولدها والبطش الذي تعرضت له وزوجها من قبل الأجهزة الأمنية، يراودها حلم بأن ابنها (خليل) في محنة.. ابنها (خليل) الذي قتل في الأهوار مع أعمامه تشعر بأنه لا يزال حيا. وشكل هذا الحلم مشكلة كبرى بين رازقية التي تدهورت حالتها النفسية وزوجها فؤاد الذي نعتها بالجنون، حيث لم يكن مؤمنا بالحلم. لذا قررت العودة للعراق والبحث عن ابنها».
ويواصل المحمداوي: «هناك كذلك مسلسل (دنيا الورد)، تأليف عبد الأمير شمخي، وإخراج جلال كامل، وهو مسلسل اجتماعي يناقش قضية الإرث من خلال الصراع حول من يمتلك العمارة السكنية. والمسلسل الرابع هو (دولاب الدنيا)، تأليف مشعل عذاب، وإخراج جمال عبد جاسم، وهو مسلسل كوميدي اجتماعي يجسد شخصياته العديد من نجوم الفن العراقي أبرزهم عبد الستار البصري ومحمد حسين عبد الرحيم وسحر محمد وكريم محسن وميلاد سري وفاطمة الربيعي».
أما على صعيد البرامج الرمضانية، فهناك العديد منها، حيث يقول مدير إذاعة «راديو العراقية» جبار عبد الكريم عن دورة برامج رمضان: «هناك العديد من البرامج الجديدة التي ستقدم طوال أيام الشهر الفضيل مثل (ومضات رمضانية) إعداد وتقديم نجلاء محمد، وتتناول فكرة البرنامج تقديم النصائح والإرشادات للصائمين. إضافة إلى برنامج (رمضان في كل مكان)، إعداد وتقديم زمن أحمد، وإخراج حيدر الخفاجي، ويسلط الضوء على العادات والتقاليد الرمضانية في الدول الإسلامية، وبرنامج (ليل وشعر) إعداد وتقديم جبار رشيد، وإخراج محمد البغدادي، وهو برنامج مباشر».
وهناك برنامج «دروس رمضانية» إعداد موج اللامي، تقديم علي عبد الرحمن، وتتحدث فكرته عن الأخلاق والمثل الإسلامية التي يتحلى بها الصائم. فضلا عن برنامج «أحلى صباح» إعداد أحمد المهندس وسماء عبد الكريم، وتقديم زمن أحمد. ومن البرامج التي تتسم بإضفاء الترفيه «كهوة علاوي»، إعداد شعبة المنوعات، تقديم علي القطراني وعلي حسين، ويتناول الأخبار الخفيفة والطريفة ومسابقات شبيهة بلعبة المحيبس.
أما برامج إذاعة جمهورية العراق، فمنها برنامج «أنجم العطاء» إعداد وتقديم نبيل مسلم، وإخراج قتيبة إبراهيم، ويسلط الضوء على خاصية الكرم والعطاء في كل زمان ومكان، وأن رمضان هو خير الأشهر للعطاء، وبرنامج «مسابقات رمضانية» إعداد وتقديم علي الصاحب، ويتناول طرح بعض الأسئلة الدينية والعامة على المستمعين وتخصيص جوائز نقدية للفائزين.
الفنان العراقي والمنتج جلال كامل، والذي أطل على جمهوره، ممثلا ومخرجا، من خلال مسلسل «دنيا الورد»، تأليف عبد الأمير شمخي، وتمثيل نخبة من الفنانين منهم سناء عبد الرحمن ومحمد حسين عبد الرحيم وعزيز كريم ومحمد هاشم ومازن محمد مصطفى مع وجوه شبابية عديدة، قال لـ«الشرق الأوسط»: «المسلسل اجتماعي صرف، يتحدث عن مشكلة لأسرة عراقية عادت من الخارج وتريد أن تعيش في بلدها، لكنها تداهم بالكثير من المشاكل، إلا أنها لا تجد خيارا أمامها سوى أن تعيش رغم كل الظروف، حالها حال أهل البلد». وأضاف عن الشخصية التي يمثلها: «أُجسِّد شخصية دكتور (مهندس معماري) اسمه (أحمد الورد)، وهو مغترب يعود من الخارج بعد أن قرر العيش في وطنه الأم. فيعيش الحياة بكل تفاصيلها في بغداد. ولكونه مؤمنا بأنه لا بد من أن يحقق شيئا لنفسه وأهله ووطنه، يدخل في صراعاتٍ عدة. فالفكرة الأساسية للعمل هي اختلاف نمط الحياة التي كان يعيشها هو وأولاده في الخارج الذين فوجئوا بحياة أخرى مختلفة بطبيعتها، لتبدأ الصراعات».
وعن الصعوبات التي واجهها خلال تصوير العمل، قال: «أحيانا نعمل بجهدٍ عال لنُظِهر كل شيء بشكلٍ مثالي، ولكن الظروف المحيطة ليست ملكنا كأصوات المولدات الكهربائية وغيرها. وهذه معضلة أي عمل عراقي. لكن المعضلة الرئيسية أننا صورنا سينما، وذلك لأن العمل كان يحتاج إلى زمن كبير للتحويل (من الـ2k إلى الـhd وإلى الـDigital الرقمي). يعني أن التفاصيل التقنية قد أخذت منا زمنا كبيرا جدا، الأمر الذي أرهقنا لأننا غير معتادين على أن نشتغل سينما ومن ثم نحول إلى تلفزيون».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».