المقاهي الأدبية في المغرب... تجارب لكسر نخبوية الثقافة

لم تقتصر على المدن الكبيرة بل امتدت إلى القرى

مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
TT

المقاهي الأدبية في المغرب... تجارب لكسر نخبوية الثقافة

مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون

ما الوسائل الكفيلة بتجاوز النظرة النمطية السلبية عن المقاهي بوصفها فضاء لإهدار وقتل الوقت، والنميمة الاجتماعية، وملء الكلمات المتقاطعة وأشياء أخرى؟ وكيف يمكن خلق فعل فكري ثقافي وأدبي في المقاهي؟ تساؤلات يطرحها المنشغلون بالشأن الثقافي بالمغرب، ويتقاسمها معهم المبادرون إلى تأسيس المقاهي الثقافية والأدبية منذ أواخر الألفية الماضية.
وإذا كان كثير من المقاهي على المستوى العالمي قد ارتبط بأسماء شخصيات من المفكرين والأدباء والسياسيين، مثل نجيب محفوظ في مصر (مقهى «ريش» و«الفيشاوي» بالقاهرة)، وجان بول سارتر في فرنسا («دو فلور» في باريس)، وفرانز كافكا في التشيك («مونتمارتر» في براغ)، فإن المغرب لم يخرج عن هذا السياق، فقد اعتاد عدد من المثقفين والسياسيين والفنانين ارتياد مقاهٍ معينة (مقهى «باليما» المقابل لمقر البرلمان بالرباط، و«لا كوميدي» وسط الدار البيضاء).
ورغبة في الخروج بالفعل الثقافي من القاعات المغلقة، وتغيير الصورة المتداولة السلبية اللصيقة بالمقاهي التقليدية، وأيضاً السعي إلى كسر نخبوية الثقافة، شهدنا منذ العقدين الماضيين مبادرات لتحويل بعض المقاهي إلى فضاءات ثقافية وأدبية، من أجل تجاوز عجز المؤسسات الثقافية، وتقريب مختلف ضروب الأدب والفن والسياسة والثقافة إلى الناس.

توسيع قاعدة الاستهلاك الثقافي

في عام 2015، تشكلت «شبكة المقاهي الثقافية» التي كانت تضم في بدايتها 5 مقاهٍ فقط بالرباط، لتصل حالياً إلى ما يناهز 40 مقهى ثقافياً وأدبياً بمدن وجهات مختلفة، وهي «قفزة نوعية»، كما يقول رئيس الشبكة نور الدين أقشاني لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن الشبكة قامت بتنظيم مجموعة من الأنشطة، منها على الخصوص لقاءات مع مفكرين وأدباء وفنانين، وقراءات وتوقيع للكتب الجديدة، فضلاً عن إصدار عدة مؤلفات في القصة والرواية.
إن إدراج الثقافة والأدب والفن بفضاءات المقاهي، كما يضيف: «يتميز بالتفاعل مع جمهورٍ غالبيته غير معتاد على زيارة المكتبات ودُور الثقافة والمسارح، وهو ما يعني إخراج الثقافة والأدب من بين جدران هذه المؤسسات وتقريبها إلى المواطن العادي والبسيط، ومن مختلف الشرائح. فالمقاهي الأدبية تسعى إلى تجاوز عجز المؤسسات الثقافية، وإخراج الفعل الثقافي من دائرة الفضاءات المغلقة، وكسر نخبوية الثقافة من خلال جعلها ممارسة شعبية، وتقريب الثقافة من الأماكن البعيدة عن المركز، وتوسيع قاعدة الاستهلاك الثقافي».

مقهى الشعر

ويذكر أقشاني أن شبكة المقاهي الأدبية بالمغرب التي استضافت أكثر من 150 فعالية ثقافية وفنية وسياسية ومجتمعية، في لقاءات وحوارات مباشرة مع الجمهور، طورت تجربتها بتنظيم عدد من التظاهرات الكبرى المتخصصة، كـ«المقهى الشعري»، بمناسبة «اليوم العالمي للشعر»، و«نقرأ في الطبيعة»، بمناسبة «اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف»، و«ليالي المقاهي الثقافية الرمضانية والحقوقية».
وتنفرد مدينة آسفي الواقعة على الساحل الأطلسي (325 كيلومترًا جنوب الرباط) بتجربة متميزة، تتمثل في «المقهى الأدبي والثقافي» التي تشغل مجموع مساحة الطابق الأرضي لإحدى العمارات العصرية بهذه الحاضرة المغربية.
ويسعى هذا المقهى -وفقًا لصاحبه محمد الشقوري، نقيب المحامين السابق بآسفي- إلى «تغيير الصورة السلبية المتداولة في المخيال الجمعي حول المقاهي، بوصفه ملتقى للثرثرة وإهدار الوقت»، موضحاً أن أنشطة هذا المقهى على الرغم من كونها تُمول بالكامل من طرف صاحبه، في غياب أي دعم أو منحة مالية، فقد «أصبح عنواناً معروفاً لدى المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي؛ ليس فقط على صعيد المدينة، ولكن على المستوى الوطني».
ومنذ تأسيس المقهى في أبريل (نيسان) 2005، استضاف نخبة من المفكرين والمثقفين والفنانين والإعلاميين، وهو ما ساهم في تنشيط الحركة الثقافية في آسفي، والدفع بها قُدماً حتى تستعيد هذه الحاضرة ما كان لها من توهج وإشراق ثقافي في الماضي، وتحويلها إلى ملتقى للمثقفين والأدباء والفنانين، ومجال لتبادل الرأي حول السبل القمينة بالمساهمة في تحقيق التنمية الثقافية بالمدينة أو بمجموع الإقليم، مع الانفتاح على المؤسسات الفكرية والعلمية والجامعية.
ويقول الشقوري إن المقهى الأدبي والثقافي بآسفي يعمل جاهداً على تحبيب الثقافة، وترسيخ قيم الاختلاف والقبول بالرأي والرأي الآخر، ونشر أخلاق حسن الإنصات، وتعزيز آداب الحوار بين مكونات المشهد الثقافي. وقد احتضن منذ تأسيسه أكثر من 100 شخصية فكرية وفنية وسياسية من مختلف المشارب، وإن أنشطته المتنوعة لم تقف عند حقل ثقافي واحد؛ بل قاربت أجناساً وحقولاً وتخصصات وفروعاً معرفية مختلفة من سائر العلوم والفنون؛ من بينها الشعر والزجل والقصة والرواية والمسرح والثقافة الشعبية والنقد الأدبي والموسيقى والفن التشكيلي والفلسفة، من خلال المحاضرة والندوة تارة، والحفل الشعري والموسيقي تارة أخرى.

مقهى ثقافي بقرية نائية

ولم تقتصر تجربة المقاهي الثقافية والأدبية على المدن؛ لكنها امتدت إلى القرى؛ بفضل بعض الفعاليات الأدبية والإعلامية، منها مقهى «قصبة بني عمار زرهون» (180 كيلومتراً شرق الرباط).
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والإعلامي محمد بلمو لـ«الشرق الأوسط»، في معرض توقفه عند هذه التجربة: «تعود بي الذاكرة إلى سنة 2001 في قصبة بني عمار زرهون، بتنظيم الدورة الأولى لـ(مهرجان بني عمار)؛ البلدة التي لا تتوفر على بنيات ثقافية، مثل دار الثقافة أو دار الشباب، ولا على بنيات استقبال كالفنادق والمطاعم. وكان لا بد لنا من فضاء خاص بحفلات توقيع الكتب واللقاءات الأدبية، فكان الحل هو استخدام أحد المقاهي التقليدية، وهو عبارة عن بناء تقليدي كأغلب مباني القصبة التي تعود إلى العهد المريني، يتميز ببرودته في فصل الصيف الحارق. وسبب اختيار هذا الفضاء هو أنه كان مناسباً للأنشطة الأدبية، وأطلقنا عليه (مقهى المعرض الدائم) الذي أبدع أصحابه في تأثيثه، حيث تم تغليف الكراسي والطاولات بصناعة الدوم المحلية المعروفة بـ(لوضيفة) مع تزيين الجدران بنماذج من المنتوجات المحلية، مما طبع فضاء هذا المقهى الثقافي الأول من نوعه بسحر خاص».
وذكر بلمو أن هذا المقهى استقبل، طيلة دورات مهرجان بنى عمار، عشرات من الأدباء والمبدعين والفنانين، بالإضافة إلى المجموعات الغنائية الشهيرة، مثل: «ناس الغيوان»، و«جيل جيلالة».
وعبر بلمو عن اعتقاده بأن ما نطلق عليه «أزمة قراءة» لا يعني غياب القراء؛ بل يعني غياب خطط وأشكال جديدة لترويج وتسويق الكتاب من طرف «الناشرين الكسالى»، كما يعبر. أما القراء فإنهم موجودون، وما علينا إلا أن نقترب منهم ونطرق أبوابهم، لا أن ننتظر منهم المجيء إلينا في أبراجنا الوهمية.
وعن الصعوبات التي تواجهها تجربة المقاهي الأدبية، فقد حددها أقشاني في «عدم رغبة عديد من أصحاب المقاهي في دخول المغامرة الثقافية، بحكم تغليب الهاجس التجاري، وغياب الوعي والقناعة بأهمية فتح فضاءاتهم للثقافة».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.