«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

تنويعات سردية ـ سينمائية على عوالم سردية

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة
TT

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

رواية «لست كما يدعون» للروائي آريان صابر الداودي، الصادرة عام 2022، رواية فريدة في بابها، ذلك أنها تعتمد على لونٍ من السرد الهذياني (Delerous Narration)، إذْ تقدم الرواية بكاملها عبر بنية الرواية المونولوغية أحادية الت، بمنظور ميخائيل باختين، من خلال وعي بطلها المصاب بلون من مرض الهذيان العصابي، حيث يقدم الراوي، وهو البطل المركزي في الرواية أيضاً، رؤيته للأحداث، وهو يحاول أن يدفع عنه التهمة التي يلصقها به الآخرون كونه مجنوناً أو مصاباً بالهلوسة، ولذا نراه دائماً يؤكد لطبيبه النفسي الافتراضي أنه ليس كما يدعون، التي أصبحت لازمة سردية يختتم بها الراوي مروياته وحكايته عبر مبدأ «التنضيد السردي»، وهو ما عبر عنه عنوان الرواية بوصفه العتبة النصية الأولى التي تقدم للقارئ أفق توقع مفتوح على تأكيدات متلاحقة، يطرحها الراوي في لون من السرد الشفاهي والمرافعة القانونية على أنه يتمتع بقدرة عقلية ونفسية سليمة، وأنه، كما يقول العنوان «لست كما يدعون».
فالسرد المهيمن في الرواية، هو سرد الراوي المركزي، بطل الرواية المصاب بالهذيان، الذي يوظف فيه ضمير المتكلم (أنا)، وهو يوجه خطابه نحو آخر افتراضي، هو الطبيب النفسي الذي يعالجه، وهو ما نجده في استهلال المتن الروائي الأصلي:
«يا سيدي الطبيب، أكلمك هنا بصراحة تامة خالصة، حدق في عيني جيداً، ستجد إن كنت كما أدعي، أم كما يدعون» (ص 13).
وعبر هذا السرد الشفاهي، يقوم الراوي بسرد حكاية جديدة عن حياته وأسرته وأصدقائه وحبيباته، ويختتم كل فصل بلازمة مكررة وهو يخاطب طبيبه النفسي المتخيل:
«سأكمل لك أحاديث أخرى في وقت لاحق» (ص 52).
وسوف يفاجأ القارئ أن البطل هذا كان في الواقع يخاطب مرآة ليس إلا، وهو ما صدم والدته في الفصل الأخير عندما دخلت إلى غرفته ووجدته يخاطب المرآة، فصرخت برعب:
«حجي حسام... تعال أخذ إبنك للسيد الملا... صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وكانت الأم قد فوجئت وهي تشاهدهُ وهو يضع بين كفيه مرآة يحدثها (ص 154).
ومن الطريف أن الراوي «فكر لحين قدوم والده أن يجعل صديقه الدكتور (المرآة) في مكان آمن» (ص 154).
والحقيقة أن اصطحاب الراوي إلى «السيد الملا» هنا، كما يبدو، لا يجري للمرة الأولى، إذْ وجدنا الأسرة في الصفحات الاستهلالية الأولى غير المرقمة، التي يمكن أن نعدها بمثابة عتبة نصية دالة، تصطحبه إلى «السيد الملا» الذي يقوم بطقوس تعذيب حقيقية لكي يطرد كما يعتقد «الجان» الذي دخل جسمه وعقله وهو يصرخ به: «اخرج يا ملعون».
إذْ يصور الروائي في هذا الاستهلال مشهداً يمارس فيه «السيد الملا» طقوس طرد الجان، كما يزعم وهو يداعب لحيته:
«جان بيه جني... بس آني وبفضل خبرتي بهالمجال طردته» (ص 9).
وبناءً على توصية «السيد الملا»، فقد وضع البطل في غرفة خاصة منفصلة عن الضوضاء لكي لا يرجع الجني إليه، حيث بقي وحيداً، لمدة ثلاثة أيام، مرت عليه ثقيلة وطويلة قرر بعدها أن ينفذ خطة طرأت له:
«هكذا: أمضى ثلاثة أيام، بلا نوم وحتى راودته فكرة وقرر أن يمارسها... وأصبح يردد مع نفسه: دعهم يقولون فأنا لست كما يدعون» (ص 11).
وهذا الإعلان من قبل الراوي هو الذي يفتح ملف السرد بضمير المتكلم (أنا) على امتداد فصول الرواية اللاحقة، حيث يقرر بعدها أن يخاطب طبيبه النفسي الافتراضي عبر المرآة، كما اكتشفنا في نهاية الرواية.
ويبدو الراوي وهو يقدم مروياته وحكاياته للمرآة/ الطبيب، مثل شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» وهي تروي حكاياتها إلى الملك شهريار، لكن شهريار في هذه الرواية افتراضي ومتخيل ويطل عبر المرآة فقط.
أما زمكان الرواية فواضح تماماً، فالمكان هو مدينة كركوك، وجامعتها، والقسم الداخلي لطلبتها، حيث يقيم البطل وأصدقاؤه من طلبة الجامعة. أما الزمان، فيظهر أنه بعد الاحتلال لأن هناك أكثر من إشارة إلى أصوات الانفجارات (ص 42) وإلى نقاط التفتيش، ونشاط القوى الإرهابية، التي كانت تنصب نقاط تفتيش وهمية، يذهب ضحيتها العشرات من المواطنين، كما كان الحال بمقتل مواطن من قبل نقطة تفتيش وهمية كان البطل شاهداً عليها (ص 148). ونجد تداخلاً بين هذه البيئة الزمكانية للأحداث الروائية التي تدور داخل مدينة كركوك، وبين الأزمة النفسية الداخلية التي يعيشها البطل، والتي نطل عليها من خلال منظور بطل الرواية الطالب في كلية القانون (ص 23) في جامعة كركوك: «شارع المحافظة من شوارع كركوك الجميلة، فنادق وعمارات ومحلات تجارية، مثلجات، مطاعم، والسيارات التي تملأ شوارعها» (ص 118).
وفي مقابلة صورة المدينة العصرية هذه، التي تمثلها مدينة كركوك، نجد صورة أخرى للقرية التي جاء منها، وهي قرية بسيطة وبدائية تقع قريباً من مدينة الخالص: «آه... قريتي الجميلة، مع دخولها استنشقت الهواء الذي يعالج الأمراض. يا دكتور، حياة المدن تختلف عن حياة القرى ونحن نمارس كل شيء هنا، ونحدد حدوداً معينة» (ص 113).
ويخيل لي أن من أسباب الاضطراب النفسي لدى البطل يعود إلى اصطدام ابن القرية البدائية بمظاهر المدينة الصاخبة، كما أن مشهد قتل المواطن البريء (وهو شرطي) على أيدي الإرهابيين الذين نصبوا نقطة تفتيش وهمية سبب له، صدمة شديدة، أدت إلى تدهور حالته النفسية تدريجياً، ودخوله في حالة الهذيان والهلوسة هذه. فعندما وصل إلى قريته بعد أن شاهد مقتل الشرطي انهار جسدياً ونفسياً، وبدأ يهذي ويهلوس مما دفع بأسرته إلى نقله إلى «السيد الملا» لعلاجه، ولطرد «الجني» الذي تلبسه، كما يظنون.
لقد تحولت الرواية تدريجياً إلى التحليل السيكولوجي لشخصية البطل، خصوصاً بعد مشاهدته لمنظر قتل الشرطي على أيدي الإرهابيين: «شعرت أنني أفقد حواسي، لوهلة أصبحت أقرب إلى الموت مني إلى الحياة، شفتاي ترتجفان، وكانت ساقاي تصطكان، شعرت أن رأسي يدور» (ص 15).
لقد شعر البطل أنه قد فقد الكثير من قواه، وكأنه آلة تتحطم: «لقد هزتني المشاعر هزاً عميقاً وزعزعت كياني من الجذور» (ص 150).
ومن هنا نجد أهمية هذا التفاعل بين الواقع السياسي والأمني الخارجي من جهة، وبين تدهور الحالة النفسية للبطل من جهة أخرى، حتى ليمكن القول إن الواقع الخارجي هو المسؤول غير المباشر عن الأزمة النفسية والشخصية للبطل.
ومن خلال تشكل هذا النمط من الشخصية العصابية، نجح الروائي إلى حد كبير في استغوار العالم الداخلي للبطل ونوازعه السرية.
لقد انطوت رواية «لست كما يدعون» على تنويعات سردية، فقد بدأ السرد الروائي في العتبة النصية الأولى عبر «السرد كلي العلم» وعبر ضمير الغيبة (هو): «في المساء، عند الشفق، كان يرتجف كورقة في مهب الريح... بلغ به الذعر حداً لم يعرفه من قبل، يردد مع نفسه بصمت (أنا لست مجنوناً)» (ص 19).
وفي هذا السرد نجد بنية المشهد السينمائي هي التي تهيمن على السرد، حيث نجد أدق التفاصيل المتعلقة بزيارته العلاجية إلى «السيد الملا». ويعود هذا «السرد كلي العلم» بضمير الغائب في الفصل الأخير، الذي تنادي فيه الأم زوجها (حسام) للإسراع بنقل ابنهما إلى «السيد الملا»، لأنه «صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وعدا هذين الفصلين اللذين يؤطران المتن الروائي، فإن السرد الروائي ينحو منحى السرد الذاتي عبر ضمير المتكلم (أنا)، حيث يسترسل بطل الرواية في تقديم مروياته وحكاياته إلى طبيبه المتخيل عبر المرآة.
لقد وفق الروائي في خلق بنية رواية السرد الذاتي الداخلي، حيث الولوج إلى العوالم السرية الدفينة اللا وعي، مما أكسب الرواية بشكل عام مظهر الرواية السيكولوجية، من خلال التركيز على التحليل النفسي غير المباشر لنفسية البطل وعالمه الداخلي.
إلى جانب هذا السرد عبر ضمير المتكلم (أنا)، نجد سرداً عبر ضمير الغيبة (هو)، لكنه هذه المرة، يختلف عن السرد كلي العلم لأنه سرد «مبّأَر»، وهو في الجوهر تحويل أو تعديل لضمير السرد، لأنه سرد على شكل مونولوغ يدور داخل أعماق الشخصية الروائية، ويسمى بـ«أنا الراوي الغائب»، كما ذهب إلى ذلك الناقد تزفيتان تودوروف، وقد يسمى أيضاً بالمونولوغ المروي (narrated monologue): «كان يحس أن الناس كانت تراقب حركاته وجلسته، أنفاسه، نظراته، كل إشارة من إشاراته، كأنه يشاهد الجميع يتكلمون عنه» (ص 158).
من الواضح أن هذا السرد مبأَر (foclized)، ويمكن بسهولة استبدال الضمير «هو» بالضمير «أنا» لنحصل على نتيجة واحدة، هي الانثيال الحر للمشاعر والأحاسيس والأفكار بعفوية وتلقائية. فالبطل هنا يبدو مصاباً بنوع من مرض عصابي هو «البارانويا» (paranoia) يشعر فيه المريض بأنه مطارد ومضطهد، وبأن الجميع يراقبه، ويضطهده، كما يبدو لنا بأنه مصاب بالكآبة «melancholy» (المالنخوليا)، خصوصاً عندما كان يصف مشاعره: «وبالنسبة للوضع الصحي يا دكتور، كنت أشعر بين حين وآخر بالدوار وضيق في التنفس، وكنت أحياناً أرغب أن أكسر كل شيء حولي» (ص 115).
رواية «لست كما يدعون» رواية متفردة، لأنها انفردت بالاشتغال على لون من شعرية السرد الهذياني المنفلت لاستغوار عالم البطل الداخلي، وكانت موفقة إلى حد كبير في تحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
TT

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)
تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026»، الذي يقام بمركز التجارة العالمي في العاصمة الماليزية خلال الفترة من 29 مايو (أيار) إلى 7 يونيو (حزيران)، في حضور استثنائي يُجسّد المكانة المتنامية للسعودية على الساحة الثقافية الدولية.

ويُعزِّز الجناح الحضور الثقافي السعودي في قارة آسيا، ويُعرّف بالمملكة بوصفها نموذجاً حضارياً يُجسد تحولات «رؤية 2030»، عبر محتوى أدبي، وثقافي، وتراثي متنوع، يسهم في مدّ جسور التفاهم الثقافي.

وافتُتح جناح السعودية ضيف شرف المعرض، بحضور رئيس الوزراء الماليزي داتوء سري أنور بن إبراهيم، وأسامة الأحمدي السفير السعودي في كوالالمبور، والدكتور عبد اللطيف الواصل الرئيس التنفيذي للهيئة، ووزير التعليم الماليزي فاضلينا صديق.

حضر افتتاح جناح السعودية ضيف شرف المعرض رئيس الوزراء الماليزي داتوء سري أنور بن إبراهيم (هيئة الأدب)

وأكد الدكتور الواصل أن اختيار السعودية ضيف شرف للمعرض، الذي يُعد من الفعاليات الثقافية البارزة في القارة، يأتي تتويجاً للعلاقات الثقافية المتينة بين البلدين، وتقديراً لحضور المملكة الفاعل في المشهد الثقافي الإقليمي، والدولي، وهو ما يتيح فرصة استثنائية لتعريف الجمهور الماليزي والآسيوي بتنوع الثقافة السعودية وعراقتها.

وعبَّر الرئيس التنفيذي للهيئة عن شكره للأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، على دعمه المتواصل للقطاعات الثقافية، وتمكينها من أداء دورها الريادي في رسم ملامح المشهد الثقافي السعودي المعاصر، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030»، مشيراً إلى أن الترحاب الماليزي يُبرز عمق الاحترام المتبادل، ويجسد روح التعاون الثقافي التي تجمع الشعبين.

وتقود الهيئة جناح السعودية بمشاركة وفد ثقافي وأدبي موسع، يضم عدة هيئات من منظومة الثقافة، وهي: «التراث، الموسيقى، الأفلام، فنون الطهي، الأزياء»، وجهات وطنية بارزة تشمل وزارتَي «الشؤون الإسلامية والعدل»، ومَجمعَي «الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والملك سلمان العالمي للغة العربية»، ومكتبتَي «الملك فهد الوطنية، والملك عبد العزيز العامة»، وشركة «ناشر للنشر والتوزيع»، بهدف فتح نافذة سعودية شاملة أمام جمهور المعرض.

يستعرض الجناح التجارب السعودية في تطوير القطاع الثقافي وتعزيز حضوره عالمياً (واس)

ويستعرض الجناح ملامح التنوع الإبداعي، والهوية الثقافية للسعودية، عبر برنامج ثقافي متكامل تنظمه الهيئة يشمل ندوات، وأمسيات شعرية بمشاركة نخبة من الأدباء السعوديين، ويشمل كذلك عروضاً للفنون الأدائية السعودية داخل المعرض وخارجه في الحدائق، والساحات العامة تشمل فنون «الخطوة، والسامري، والخبيتي»، فضلاً عن معرض يبرز عدداً من أهم المخطوطات التاريخية في المملكة.

كما يضم أركاناً خاصة بـ«الإصدارات السعودية»، و«الحرف اليدوية» ويُقدّم عروضاً حية للصناعات الحرفية، و«المستنسخات التراثية» ويستعرض مستنسخات لأهم القطع الأثرية في البلاد، و«الآلات الموسيقية السعودية»، و«الأزياء السعودية»، و«الأفلام» ويُتيح عروضاً تشويقية لمجموعة من الأفلام السعودية، إضافة إلى «المجلس» لاستقبال الزوار، وركن الضيافة، في لوحة تجمع روح الأصالة، وحفاوة الاستقبال.

يضم الجناح أركاناً للحرف اليدوية التقليدية والأزياء السعودية والآلات الموسيقية الشعبية (هيئة الأدب)

من جانب آخر، تجوّل السفير أسامة الأحمدي في الجناح، مُطّلعاً على ما يضمه من محتوى يبرز ثراء المشهد الثقافي السعودي، وتنوعه، وما يقدمه من فعاليات تسلط الضوء على الحراك الأدبي والإبداعي الذي تشهده البلاد في ظل «رؤية 2030».

واستمع الأحمدي خلال الزيارة إلى شرحٍ عن البرنامج الثقافي المصاحب، والذي يشتمل على ندوات، وجلسات حوارية، بمشاركة نخبة من المثقفين، والأدباء، والمتخصصين من السعودية، لمناقشة موضوعات تتصل بالأدب، والترجمة، والنشر، وصناعة المحتوى الثقافي، واستعراض التجارب السعودية في تطوير القطاع الثقافي، وتعزيز حضوره عالمياً.

كما اطّلع على ما يحتويه الجناح من مخطوطات نادرة، وقطع تراثية، وحرف يدوية، وأزياء تقليدية، وفنون بصرية، تُجسد العمق الحضاري للمملكة، وتنوعها الثقافي، والإبداعي الممتد عبر مختلف مناطقها، مؤكداً أن هذه المشاركة تعمّق العلاقات بين البلدين، وتصب في الحضور المتنامي للثقافة السعودية على الساحة الدولية.

يتيح الجناح محتويات تُجسد العمق الحضاري للسعودية وتنوعها الثقافي والإبداعي (واس)

يُشار إلى أن «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب» يُعدّ من أعرق الفعاليات الثقافية، وأكثرها تأثيراً في جنوب شرقي آسيا؛ إذ انطلقت دورته الأولى في عام 1981م بتنظيم من وزارة التعليم الماليزية، واستطاع على مدى أكثر من أربعة عقود أن يرسّخ مكانته بوصفه تظاهرة معرفية كبرى، ومنصة إقليمية وعالمية رائدة لصناعة النشر.


«سفن دوغز» يتصدر شباك التذاكر العربي بإيرادات تتخطى 4 ملايين دولار

حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
TT

«سفن دوغز» يتصدر شباك التذاكر العربي بإيرادات تتخطى 4 ملايين دولار

حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)
حقَّق فيلم «سفن دوغز» حضوراً واسعاً في مختلف الأسواق العربية خلال فترة وجيزة (هيئة الترفيه السعودية)

واصل فيلم الأكشن العربي والعالمي «سفن دوغز» تحقيق نتائج استثنائية في شباك التذاكر، بعد أن تجاوزت إيراداته 4 ملايين دولار خلال أول يومين من عرضه، بينما بلغ إجمالي التذاكر المبيعة نحو 600 ألف تذكرة على مستوى العالم العربي، ليواصل تصدره قائمة الأفلام الأكثر مشاهدة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الإقبال الجماهيري الكبير الذي يحظى به الفيلم منذ انطلاق عرضه الرسمي في دور السينما؛ إذ تمكَّن خلال فترة وجيزة من تحقيق حضور واسع في مختلف الأسواق العربية، مدفوعاً بالاهتمام الكبير الذي سبق إطلاقه، إلى جانب ما يضمه من أسماء بارزة على مستوى التمثيل والإخراج والإنتاج.

ويعدّ «سفن دوغز» من أضخم الإنتاجات العربية السينمائية العربية، ويجمع بين الأكشن والتشويق والإنتاج البصري الضخم، ضمن قصة تدور حول ضابط الإنتربول «خالد العزازي» الذي يدخل في مهمة سرية مع أحد أخطر المجرمين السابقين لكشف منظمة إجرامية عالمية تُعرف باسم «سفن دوغز»، في رحلة تمتد عبر عدة مدن وعواصم حول العالم.

ويبرز الفيلم من خلال حجمه الإنتاجي الكبير، واعتماده على تصوير مشاهد رئيسية داخل استوديوهات «الحصن Big Time» في الرياض، إلى جانب استخدام مواقع متعددة من بينها بوليفارد سيتي، والاستعانة بفريق عالمي متخصص في التصوير والمؤثرات البصرية والمشاهد الخطرة؛ ما يمنحه جودة بصرية وحركية تضاهي كبرى إنتاجات أفلام الأكشن العالمية.

ويجمع العمل بين كريم عبد العزيز وأحمد عز، إلى جانب نخبة من النجوم العرب والعالميين، ومن إخراج الثنائي العالمي عادل العربي وبلال فلاح، في تجربة سينمائية تعكس الطموح المتصاعد لصناعة السينما العربية، وقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع داخل المنطقة وخارجها.

ودخل الفيلم موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بتحقيق رقمين عالميين بمجال المؤثرات السينمائية، شملت أكبر انفجار سينمائي في تاريخ الأفلام، وأكبر كمية متفجرات عالية الشدة يتم تفجيرها في مشهد واحد، ويعكس الإنجاز حجم الإمكانات الإنتاجية الضخمة التي وفَّرها العمل.


حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
TT

حجاج ومعتمرون مصريون يزيّنون بيوتهم برسم «الكعبة المشرفة»

مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)
مصريون يزيِّنون بيوتهم بصور الكعبة المشرفة (الشرق الأوسط)

في طقس راسخ يعبِّر عن البهجة، يحرص كثير من المصريين، خصوصاً في القرى الريفية والأحياء الشعبية، على توثيق رحلاتهم إلى البيت العتيق برسم الكعبة المشرفة والطائرات والبواخر على واجهات بيوتهم، إذ يعدّونها «ختماً توثيقياً» لزيارة الأراضي المقدسة.

الفنان التشكيلي إبراهيم البريدي الذي صوَّر رحلات الحج في كثير من لوحاته، يقول لـ«الشرق الأوسط» إنَّ هذه الرحلات ترسَّخت في مخيلته منذ صغره عبر حكايات والدته، موضحاً أنه قبل اتجاهه لعالم الفن التشكيلي، وإقامة المعارض كان يشارك بريشته في رسم واجهات البيوت في مدينته، طنطا، بمحافظة الغربية (دلتا مصر).

رسم الكعبة على واجهات بيوت الحجيج والمعتمرين طقس مصري راسخ (الشرق الأوسط)

ويؤكد أنَّه مع «عودة الحجيج أو المعتمرين من الأراضي المقدسة، خصوصاً في موسم الحج، كان وما زال عدد كبير من أقارب الحجيج يحرصون على طلاء واجهات البيوت لتأخذ حُلةً جديدةً، وكأن لسان حالهم يقول إنَّ المنازل تبدأ حياةً جديدةً مثل أصحابها بعد عودتهم من الحج مغفوري الذنوب، وكانوا يدعونني بعد أن عرفوا موهبتي لرسم الواجهات، فقد صورت لوحات كثيرة، أظن أنَّ بعضها موجود حتى الآن. كانت مكة والسفن والطائرات وعبارات الدعاء والتهاني أهم عناصرها».

ويضيف: «كنت أكتب بخط كبير العبارة الأثيرة لدى كل حاج، (حج مبرور وذنب مغفور)، وكذلك (ألف مبروك يا حاج). كنت وقتها شاباً، وكنت ألبي دعوات كثير من الأهالي للمشارَكة في احتفالاتهم بتأدية أحد أفراد أسرهم فريضة الحج، فقد زينت كثيراً من حوائط البيوت بالزخارف والنخيل، والجِمال، ومكة، والسفن مضيفاً إليها بعض الأدعية والكلمات».

ويرى البريدي أن «رسم واجهات البيوت وتزيينها بتلك الصور يشيران إلى أنَّ هناك مَن أكمل أركان الإسلام الخمسة، بالإضافة إلى البهجة المصاحبة لتلك الزيارة المحببة إلى قلوب المصريين. من هنا يمكن النظر إلى معاني توثيقها على واجهات المنازل بوصفها أجمل ما قام به الرجل أو المرأة في حياته، وهو موروث ثقافي يحمله المصريون في وجدانهم رغم تغيُّرات الحياة وما يحدث من تطورات تهدِّد استمرار كثير من المظاهر الاحتفالية، والتقاليد القديمة في شمال مصر وجنوبها».

رسومات الكعبة وعبارات التلبية دليل على زيارة البيت العتيق (الشرق الأوسط)

طقس رسم واجهات البيوت وتزيينها لاستقبال الحجيج يُعدُّ أساسياً لدى عائلة محمد عبد السلام، وهو رجل «ستيني» تاجر مواد غذائية بمنطقة المنيب (غرب القاهرة) يتذكَّر عندما قام لأول مرة بزيارة مكة وأداء فريضة الحج، وداعَه بالأناشيد والطبول. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أكثر ما أسعدني عند عودتي مشاهدتي واجهة بيتي وهي مطلية ومزخرفة ومرسومة، وهي لوحة جميلة تبهجني كلما مررت بها، وتجعلني أستعيد الأيام التي قضيتها في مكة، وما مررت به من ذكريات مبهجة».

اللوحات المرسومة على واجهات البيوت تقاوم الزمن، وتظلُّ آمنة حال كانت مرسومة بألوان جيدة مثل قطعة فنية، وهي أبقى، وفق عبد السلام، من الإشارات التي توثِّق لرحلة الحج على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه يمكن أن تختفي بكبسة زر، لكن واجهات المنازل تظلُّ قادرةً على البقاء ما لم تمتد إليها الأيادي.

أحد البيوت بمحافظة الدقهلية (الشرق الأوسط)

وعدَّ عمرو حسين، وهو جزار أربعيني بمنطقة الطالبية بالجيزة (غرب القاهرة) رسم واجهة بيته، الذي يشير إلى تأديته فريضة الحج، فرحةً غامرةً وعادةً حافظ عليها كل أفراد عائلته الذين سبقوه جميعاً إلى زيارة الكعبة. يقول لـ«لشرق الأوسط» إنَّه عندما يستيقظ في الصباح وينظر لصورة الكعبة يشعر بفرح كبير، ويتذكَّر مشاعره وهو يستقل الطائرة في رحلتَي الذهاب والعودة. أما عن كتابة التعليقات والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي فلا تمنحه الشعور بالسعادة بالقدر الذي يصل إليه كلما نظر لواجهة بيته ورأى صور الكعبة والطائرة، وعبارات الدعاء.