«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

تنويعات سردية ـ سينمائية على عوالم سردية

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة
TT

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

رواية «لست كما يدعون» للروائي آريان صابر الداودي، الصادرة عام 2022، رواية فريدة في بابها، ذلك أنها تعتمد على لونٍ من السرد الهذياني (Delerous Narration)، إذْ تقدم الرواية بكاملها عبر بنية الرواية المونولوغية أحادية الت، بمنظور ميخائيل باختين، من خلال وعي بطلها المصاب بلون من مرض الهذيان العصابي، حيث يقدم الراوي، وهو البطل المركزي في الرواية أيضاً، رؤيته للأحداث، وهو يحاول أن يدفع عنه التهمة التي يلصقها به الآخرون كونه مجنوناً أو مصاباً بالهلوسة، ولذا نراه دائماً يؤكد لطبيبه النفسي الافتراضي أنه ليس كما يدعون، التي أصبحت لازمة سردية يختتم بها الراوي مروياته وحكايته عبر مبدأ «التنضيد السردي»، وهو ما عبر عنه عنوان الرواية بوصفه العتبة النصية الأولى التي تقدم للقارئ أفق توقع مفتوح على تأكيدات متلاحقة، يطرحها الراوي في لون من السرد الشفاهي والمرافعة القانونية على أنه يتمتع بقدرة عقلية ونفسية سليمة، وأنه، كما يقول العنوان «لست كما يدعون».
فالسرد المهيمن في الرواية، هو سرد الراوي المركزي، بطل الرواية المصاب بالهذيان، الذي يوظف فيه ضمير المتكلم (أنا)، وهو يوجه خطابه نحو آخر افتراضي، هو الطبيب النفسي الذي يعالجه، وهو ما نجده في استهلال المتن الروائي الأصلي:
«يا سيدي الطبيب، أكلمك هنا بصراحة تامة خالصة، حدق في عيني جيداً، ستجد إن كنت كما أدعي، أم كما يدعون» (ص 13).
وعبر هذا السرد الشفاهي، يقوم الراوي بسرد حكاية جديدة عن حياته وأسرته وأصدقائه وحبيباته، ويختتم كل فصل بلازمة مكررة وهو يخاطب طبيبه النفسي المتخيل:
«سأكمل لك أحاديث أخرى في وقت لاحق» (ص 52).
وسوف يفاجأ القارئ أن البطل هذا كان في الواقع يخاطب مرآة ليس إلا، وهو ما صدم والدته في الفصل الأخير عندما دخلت إلى غرفته ووجدته يخاطب المرآة، فصرخت برعب:
«حجي حسام... تعال أخذ إبنك للسيد الملا... صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وكانت الأم قد فوجئت وهي تشاهدهُ وهو يضع بين كفيه مرآة يحدثها (ص 154).
ومن الطريف أن الراوي «فكر لحين قدوم والده أن يجعل صديقه الدكتور (المرآة) في مكان آمن» (ص 154).
والحقيقة أن اصطحاب الراوي إلى «السيد الملا» هنا، كما يبدو، لا يجري للمرة الأولى، إذْ وجدنا الأسرة في الصفحات الاستهلالية الأولى غير المرقمة، التي يمكن أن نعدها بمثابة عتبة نصية دالة، تصطحبه إلى «السيد الملا» الذي يقوم بطقوس تعذيب حقيقية لكي يطرد كما يعتقد «الجان» الذي دخل جسمه وعقله وهو يصرخ به: «اخرج يا ملعون».
إذْ يصور الروائي في هذا الاستهلال مشهداً يمارس فيه «السيد الملا» طقوس طرد الجان، كما يزعم وهو يداعب لحيته:
«جان بيه جني... بس آني وبفضل خبرتي بهالمجال طردته» (ص 9).
وبناءً على توصية «السيد الملا»، فقد وضع البطل في غرفة خاصة منفصلة عن الضوضاء لكي لا يرجع الجني إليه، حيث بقي وحيداً، لمدة ثلاثة أيام، مرت عليه ثقيلة وطويلة قرر بعدها أن ينفذ خطة طرأت له:
«هكذا: أمضى ثلاثة أيام، بلا نوم وحتى راودته فكرة وقرر أن يمارسها... وأصبح يردد مع نفسه: دعهم يقولون فأنا لست كما يدعون» (ص 11).
وهذا الإعلان من قبل الراوي هو الذي يفتح ملف السرد بضمير المتكلم (أنا) على امتداد فصول الرواية اللاحقة، حيث يقرر بعدها أن يخاطب طبيبه النفسي الافتراضي عبر المرآة، كما اكتشفنا في نهاية الرواية.
ويبدو الراوي وهو يقدم مروياته وحكاياته للمرآة/ الطبيب، مثل شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» وهي تروي حكاياتها إلى الملك شهريار، لكن شهريار في هذه الرواية افتراضي ومتخيل ويطل عبر المرآة فقط.
أما زمكان الرواية فواضح تماماً، فالمكان هو مدينة كركوك، وجامعتها، والقسم الداخلي لطلبتها، حيث يقيم البطل وأصدقاؤه من طلبة الجامعة. أما الزمان، فيظهر أنه بعد الاحتلال لأن هناك أكثر من إشارة إلى أصوات الانفجارات (ص 42) وإلى نقاط التفتيش، ونشاط القوى الإرهابية، التي كانت تنصب نقاط تفتيش وهمية، يذهب ضحيتها العشرات من المواطنين، كما كان الحال بمقتل مواطن من قبل نقطة تفتيش وهمية كان البطل شاهداً عليها (ص 148). ونجد تداخلاً بين هذه البيئة الزمكانية للأحداث الروائية التي تدور داخل مدينة كركوك، وبين الأزمة النفسية الداخلية التي يعيشها البطل، والتي نطل عليها من خلال منظور بطل الرواية الطالب في كلية القانون (ص 23) في جامعة كركوك: «شارع المحافظة من شوارع كركوك الجميلة، فنادق وعمارات ومحلات تجارية، مثلجات، مطاعم، والسيارات التي تملأ شوارعها» (ص 118).
وفي مقابلة صورة المدينة العصرية هذه، التي تمثلها مدينة كركوك، نجد صورة أخرى للقرية التي جاء منها، وهي قرية بسيطة وبدائية تقع قريباً من مدينة الخالص: «آه... قريتي الجميلة، مع دخولها استنشقت الهواء الذي يعالج الأمراض. يا دكتور، حياة المدن تختلف عن حياة القرى ونحن نمارس كل شيء هنا، ونحدد حدوداً معينة» (ص 113).
ويخيل لي أن من أسباب الاضطراب النفسي لدى البطل يعود إلى اصطدام ابن القرية البدائية بمظاهر المدينة الصاخبة، كما أن مشهد قتل المواطن البريء (وهو شرطي) على أيدي الإرهابيين الذين نصبوا نقطة تفتيش وهمية سبب له، صدمة شديدة، أدت إلى تدهور حالته النفسية تدريجياً، ودخوله في حالة الهذيان والهلوسة هذه. فعندما وصل إلى قريته بعد أن شاهد مقتل الشرطي انهار جسدياً ونفسياً، وبدأ يهذي ويهلوس مما دفع بأسرته إلى نقله إلى «السيد الملا» لعلاجه، ولطرد «الجني» الذي تلبسه، كما يظنون.
لقد تحولت الرواية تدريجياً إلى التحليل السيكولوجي لشخصية البطل، خصوصاً بعد مشاهدته لمنظر قتل الشرطي على أيدي الإرهابيين: «شعرت أنني أفقد حواسي، لوهلة أصبحت أقرب إلى الموت مني إلى الحياة، شفتاي ترتجفان، وكانت ساقاي تصطكان، شعرت أن رأسي يدور» (ص 15).
لقد شعر البطل أنه قد فقد الكثير من قواه، وكأنه آلة تتحطم: «لقد هزتني المشاعر هزاً عميقاً وزعزعت كياني من الجذور» (ص 150).
ومن هنا نجد أهمية هذا التفاعل بين الواقع السياسي والأمني الخارجي من جهة، وبين تدهور الحالة النفسية للبطل من جهة أخرى، حتى ليمكن القول إن الواقع الخارجي هو المسؤول غير المباشر عن الأزمة النفسية والشخصية للبطل.
ومن خلال تشكل هذا النمط من الشخصية العصابية، نجح الروائي إلى حد كبير في استغوار العالم الداخلي للبطل ونوازعه السرية.
لقد انطوت رواية «لست كما يدعون» على تنويعات سردية، فقد بدأ السرد الروائي في العتبة النصية الأولى عبر «السرد كلي العلم» وعبر ضمير الغيبة (هو): «في المساء، عند الشفق، كان يرتجف كورقة في مهب الريح... بلغ به الذعر حداً لم يعرفه من قبل، يردد مع نفسه بصمت (أنا لست مجنوناً)» (ص 19).
وفي هذا السرد نجد بنية المشهد السينمائي هي التي تهيمن على السرد، حيث نجد أدق التفاصيل المتعلقة بزيارته العلاجية إلى «السيد الملا». ويعود هذا «السرد كلي العلم» بضمير الغائب في الفصل الأخير، الذي تنادي فيه الأم زوجها (حسام) للإسراع بنقل ابنهما إلى «السيد الملا»، لأنه «صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وعدا هذين الفصلين اللذين يؤطران المتن الروائي، فإن السرد الروائي ينحو منحى السرد الذاتي عبر ضمير المتكلم (أنا)، حيث يسترسل بطل الرواية في تقديم مروياته وحكاياته إلى طبيبه المتخيل عبر المرآة.
لقد وفق الروائي في خلق بنية رواية السرد الذاتي الداخلي، حيث الولوج إلى العوالم السرية الدفينة اللا وعي، مما أكسب الرواية بشكل عام مظهر الرواية السيكولوجية، من خلال التركيز على التحليل النفسي غير المباشر لنفسية البطل وعالمه الداخلي.
إلى جانب هذا السرد عبر ضمير المتكلم (أنا)، نجد سرداً عبر ضمير الغيبة (هو)، لكنه هذه المرة، يختلف عن السرد كلي العلم لأنه سرد «مبّأَر»، وهو في الجوهر تحويل أو تعديل لضمير السرد، لأنه سرد على شكل مونولوغ يدور داخل أعماق الشخصية الروائية، ويسمى بـ«أنا الراوي الغائب»، كما ذهب إلى ذلك الناقد تزفيتان تودوروف، وقد يسمى أيضاً بالمونولوغ المروي (narrated monologue): «كان يحس أن الناس كانت تراقب حركاته وجلسته، أنفاسه، نظراته، كل إشارة من إشاراته، كأنه يشاهد الجميع يتكلمون عنه» (ص 158).
من الواضح أن هذا السرد مبأَر (foclized)، ويمكن بسهولة استبدال الضمير «هو» بالضمير «أنا» لنحصل على نتيجة واحدة، هي الانثيال الحر للمشاعر والأحاسيس والأفكار بعفوية وتلقائية. فالبطل هنا يبدو مصاباً بنوع من مرض عصابي هو «البارانويا» (paranoia) يشعر فيه المريض بأنه مطارد ومضطهد، وبأن الجميع يراقبه، ويضطهده، كما يبدو لنا بأنه مصاب بالكآبة «melancholy» (المالنخوليا)، خصوصاً عندما كان يصف مشاعره: «وبالنسبة للوضع الصحي يا دكتور، كنت أشعر بين حين وآخر بالدوار وضيق في التنفس، وكنت أحياناً أرغب أن أكسر كل شيء حولي» (ص 115).
رواية «لست كما يدعون» رواية متفردة، لأنها انفردت بالاشتغال على لون من شعرية السرد الهذياني المنفلت لاستغوار عالم البطل الداخلي، وكانت موفقة إلى حد كبير في تحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.