انطلاق «استفتاءات الانفصال» في أقاليم أوكرانية

وسط خرائط نفوذ مربكة وآليات تصويت معقدة

أوكراني يصوت في مركز للاستفتاء في موسكو التي أعلنت عن فتح عشرات المراكز الاقتراعية على أراضيها لاستقبال نحو ثلاثة ملايين أوكراني تقول موسكو إنهم يعيشون في روسيا حالياً (رويترز)
أوكراني يصوت في مركز للاستفتاء في موسكو التي أعلنت عن فتح عشرات المراكز الاقتراعية على أراضيها لاستقبال نحو ثلاثة ملايين أوكراني تقول موسكو إنهم يعيشون في روسيا حالياً (رويترز)
TT

انطلاق «استفتاءات الانفصال» في أقاليم أوكرانية

أوكراني يصوت في مركز للاستفتاء في موسكو التي أعلنت عن فتح عشرات المراكز الاقتراعية على أراضيها لاستقبال نحو ثلاثة ملايين أوكراني تقول موسكو إنهم يعيشون في روسيا حالياً (رويترز)
أوكراني يصوت في مركز للاستفتاء في موسكو التي أعلنت عن فتح عشرات المراكز الاقتراعية على أراضيها لاستقبال نحو ثلاثة ملايين أوكراني تقول موسكو إنهم يعيشون في روسيا حالياً (رويترز)

انطلقت، صباح الجمعة، عمليات التصويت في استفتاءات نظمتها موسكو في أربع مناطق أوكرانية تخضع في أجزاء واسعة منها للسيطرة الروسية. ويجري التصويت في دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا وفقاً لآليات معقدة تحيط بها الكثير من التساؤلات، على خلفية تباين مساحات النفوذ الروسي في المناطق الأربع، فضلاً عن استمرار المواجهات في مناطق واسعة منها.
ومع تزامن العملية في المناطق، تمت صياغة الأسئلة التي يتوجب على السكان الإجابة عنها بنعم أو بلا بشكل متفاوت. إذ سيكون على سكان دونيتسك ولوغانسك، وهما إقليمان استبقت موسكو الحرب في أوكرانيا بإعلان الاعتراف باستقلالهما، الإجابة عن سؤال وحيد، تمت صياغته بهذا الشكل: «هل تؤيد الانضمام إلى روسيا كأحد مكونات الاتحاد الروسي؟» في حين أن الأسئلة المطروحة في منطقتي زابوريجيا وخيرسون، صيغت بطريقة أخرى لتغدو: «هل تؤيد الانفصال عن أوكرانيا؟ هل تؤيد تحويل المقاطعة إلى دولة مستقلة؟ وهل تؤيد الانضمام إلى روسيا؟».
يعكس هذا الفارق جانباً من التطورات المتوقعة بعد انتهاء عمليات التصويت، إذ سيكون بمقدور روسيا الانتقال مباشرة إلى ضم إقليمي لوغانسك ودونيتسك على غرار سيناريو ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، في حين أن مسار ضم إقليمي زابوريجيا وخيرسون سوف يستغرق بعض الوقت ويحتاج إلى تعديلات دستورية روسية تمهد لذلك.
وتعليقاً على بدء الاستفتاء، قال رئيس لوغانسك ليونيد باسيتشنيك الموالي لموسكو: «لقد انتظرنا هذا اليوم منذ ثماني سنوات طويلة. من خلال هذا الاستفتاء سوف نجد الهدوء، والسلام، وسوف نعود إلى أحضان الوطن الأم».
ويجري التصويت في ظل انتشار أمني مكثف لضمان سلامة العملية، وسط استمرار عمليات القصف الأوكراني للمناطق «المحررة»، فضلاً عن استمرار مواجهات ضارية على أطراف عدد من المناطق الخاضعة لعمليات التصويت. اللافت أن موسكو أعلنت عملياً بشكل مسبق النتائج المتوقعة في العملية، إذ نشر مركز دراسات الرأي العام القريب من الكرملين، نتائج استطلاع أجراه خلال الأيام الأخيرة، وجاء فيها أن غالبية سكان لوغانسك ودونيتسك سوف يؤيدون الانضمام المباشر إلى روسيا بنسبة تبلغ 95 في المائة في مقابل 3 في المائة يعارضون ذلك ويفضّلون البقاء ضمن «كيان مستقل»، بينما وجدت نسبة الـ2 في المائة الباقية صعوبة في تحديد موقفها.
اللافت أن هذه النتائج المتوقعة تحيط بها كثير من علامات الاستفهام، كون آلية التصويت تجري بطريقة غير معهودة في الاستحقاقات المماثلة، وعلى مدى الأيام الخمسة التي تجري فيها عمليات التصويت، سوف يقوم آلاف الأشخاص التابعين للجان الانتخابات بالتجول على المساكن رفقة جهات أمنية وعسكرية لتعبئة استمارات التصويت، بينما سيتم في الخامس فتح أبواب مئات المراكز الاقتراعية لقدوم من يرغب في التصويت إليها.
وتثير هذه الطريقة حفيظة كثيرين، كونها لا تضمن حرية الخيار، على الرغم من أن الدعاية الرسمية المحلية وكذلك وسائل الإعلام الروسية ركزت على أن مرافقة العسكريين والجهات الأمنية لموظفي اللجان الانتخابية إلى المنازل تهدف «ليس إلى ترويع السكان بل لضمان حفظ الأمن ومنع الأوكرانيين من تخريب الاستحقاق».
تبدو هذه المقولة قابلة لتفسيرات مختلفة على خلفية الشكوك التي تحيط العملية برمتها. لكن العنصر الثاني المهم هنا، هو مدى ضمان أن توفر هذه الآلية الوصول إلى نحو خمسة ملايين ناخب مسجل وفقاً للسلطات الانفصالية في دونيتسك ولوغانسك، وبالمناسبة فإن هذا الرقم تحديداً هو الذي أشار إليه الرئيس فلاديمير بوتين في حديثه أخيراً عن تأييد نتائج الاستفتاء.
والعنصر الثالث اللافت، لا يقل أهمية، وهو يتعلق بمساحة السيطرة الروسية في المنطقتين، وهي مساحة تتباين بقوة بين لوغانسك، حيث تسيطر روسيا والقوات الانفصالية على نحو تسعين في المائة من الأراضي، بينما لا تزيد نسبة السيطرة في دونيتسك على ستين في المائة. وفي الحالتين تتواصل الاشتباكات وعمليات القصف بشكل قوي على طول خطوط التماس في محيط المنطقتين، فضلاً عن الاستهداف الأوكراني المتواصل بالمدفعية على مواقع الانفصاليين داخل المدن والبلدات فيهما.
هذا يجري في مناطق جنوب شرق أوكرانيا، لكن مع الانتقال جنوباً نحو خيرسون وزابوريجيا إلى الشمال منها يبدو الوضع أكثر صعوبة، إذ تتغير هنا مساحة السيطرة الروسية، وفي زابوريجيا مثلاً التي تنقسم إدارياً إلى 5 مناطق كبرى تسيطر القوات الانفصالية على 4 منها، بينما تخضع المنطقة الكاملة لسيطرة القوات الحكومية الأوكرانية بشكل كامل. وهذا يعقد عمليات التصويت ويلقي بظلال ثقيلة حولها.
وفي خيرسون حيث تبلغ نسبة السيطرة الروسية أكثر بقليل من 95 في المائة، لا يمكن القول إن الوضع يبدو أكثر هدوءاً؛ خصوصاً أن المناطق الشمالية والغربية من المدينة تشهد مواجهات ضارية وتبادلاً كثيفاً لإطلاق النار خلال الأسابيع الأخيرة.
اللافت على هذه الخلفية أن موسكو أعلنت عن فتح عشرات المراكز الاقتراعية على أراضيها لاستقبال نحو ثلاثة ملايين أوكراني تقول موسكو إنهم يعيشون في روسيا حالياً، ويكفي أن يقدم الأوكراني أي ورقة ثبوتية ليتمكن من المشاركة في العملية، ما يعني أن شرط إبراز الهوية الأوكرانية التي تثبت أن المواطن مسجل لدى دائرة انتخابية محددة لن يتم التعامل معه بصرامة.
على الرغم من هذه الأجواء، استبقت لجنة الانتخابات المركزية الروسية العمليات بإعلان ثقتها بنزاهة عمليات التصويت، وأكدت قيادة مجلس الاتحاد (الشيوخ) الروسي الثقة بحجم ونوعية «الإشراف الدولي» على عمليات الاقتراع. علماً بأن المناطق الانفصالية الأوكرانية كانت قد أعلنت عن دعوة مراقبين من روسيا وبيلاروسيا وسوريا وابخازيا وأوسيتيا الجنوبية (وهما منطقتان انفصاليتان عن جورجيا تعترف روسيا باستقلالهما).
وقالت رئيسة مجلس الاتحاد فالنتينا ماتفيينكو إن أعضاء مجلس الشيوخ يعملون كمراقبين في الاستفتاءات و«كل شيء جاهز على أعلى مستوى ممكن، تمت دعوة مراقبين دوليين، وأعضاء مجلس الشيوخ الروس يعملون أيضاً كمراقبين. لقد اتصلت بهم، وكما يقول زملائي، ليس هناك أي شكاوى من حيث التنظيم». وأشارت ماتفيينكو إلى أن «شروط التصويت تملي متطلبات أمنية خاصة، لكن تم عمل كل شيء لضمان الشفافية والانفتاح».
في الداخل الروسي انخفض الاهتمام بالاستفتاءات «الأوكرانية» إلى الصفر تقريباً، وسيطرت موضوعات التعبئة العسكرية و«إشارات حسن النية» الجديدة التي تمثلت في عمليات تبادل الأسرى والمسجونين أخيراً على النقاشات الدائرة على مواقع التواصل الاجتماعي وتغطيات وسائل الإعلام.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟