حمدي أبو جليل هو السارد والبطل في روايته الجديدة

« يدي الحجرية»... تاريخ العائلة والحبيبة في موازاة سردية

حمدي أبو جليل هو السارد والبطل في روايته الجديدة
TT

حمدي أبو جليل هو السارد والبطل في روايته الجديدة

حمدي أبو جليل هو السارد والبطل في روايته الجديدة

مداخل عدة يمكن النظر من خلالها إلى رواية «يدي الحجرية» للكاتب الروائي حمدي أبو جليل، لعل من أبرزها التقصي السردي لتاريخ القبائل البدوية العربية وهجرتها من الجزيرة العربية إلى مصر، وبعض بلدان المغرب العربي، أيضاً يمكن النظر إليها من نافذة علاقة الشرق والغرب بسؤالها الشائك المتجدد ما بين الحين والآخر في أعمال سردية عربية، أو زاوية «تقنيات الحكي والسرد بروح المغني الشعبي ومسرح السامر»، وهي تقنية تتناثر في هذا العمل ومعظم أعمال الكاتب السابقة.
لكن من بين هذه الرؤى النقدية أرى أن هذه الرواية تندرج تحت فن السيرة الذاتية، وتقدم نمطاً خاصاً ومتميزاً فيه، ينهض على بنية التجاور، وخلق موازاة حميمة بين نصين أو قصتين، لا يشتبكان معاً، ومع ذلك يحكمان عالم الصراع في الرواية، وينوعان مسارات السرد والحكي، كأنها رحلة متناثرة في أصقاع الزمان والمكان. يتشكل هذان الخطان من خط العائلة، وخط العلاقة العاطفية ما بين الكاتب الراوي نفسه، والسيدة الفرنسية التي تقطن مدينة تولوز وتعشق اللغة العربية، وأطلق عليها اسم «مراية» نسبة إلى المرآة بالعربية لصعوبة نطق اسمها بالفرنسية المأخوذ من اسم قديسة... أيضاً يبرز التوازي كقيمة للتجاور في فصل بعنوان «أغنيتان» (ص 129)، حيث يلجأ أبو جليل على غرار الكاتب الإسباني سيرفانتس بتقديم روايته بأغنيتين، جعل واحدة باسم العائلة، والأخرى باسم «مراية»، المرأة التي تفجر عشقه للأسئلة المشرقة في الحياة. لذلك كان ضرورياً أن يترك لها مساحة أكبر، تحكي فيها عن هواجسها وأحلامها، بدلاً من هذه المساحة التي لا تتجاوز بضع صفحات.
ينهض الحكي في الرواية على فعل الإرادة الحرة، فالكاتب هو السارد والبطل وكل شيء. لا يكترث كثيراً بالوقائع والمشاهد في ترابيتها المنطقية، إنما يعيشها بعبلها، بنبلها وهمجيتها، بسوقيتها وفوضاها وعربدتها العفوية الموحية والمربكة أحياناً. فنحن أمام راوٍ طفل، لا يخجل من أن يترك نفسه تتعرى جسداً وروحاً، بل لا يلتمس لها الأعذار أو الستر، إنما يفرح بكل هذه الأجواء كأنها طقس من طقوس الطفولة، والفعل الحر المفتوح دائماً على البدايات والنهايات. وعلى حد قوله، واصفاً نفسه بـ«حمار حصاوي يتمرغ في بستان زهر».
تنبش القصة الأولى في تاريخ العائلة قبيلة «الرماح» البدوية التي ينحدر منها الكاتب، ويقول عنها (ص 62): «والرماح هي القبيلة البدوية الوحيدة التي تعد مصرية وأعلنت كقبيلة في مصر، وهي صنيعة لإصلاحات محمد علي التي نقلتهم فعلياً من طور البداوة إلى طور الاستقرار وفلاحة الأرض، والخوف الأزلي من أي شكل من أشكال الحكومة، وجدي الكبير كان أول عمدة رسمي تعينه الحكومة لقبيلة الرماح». ويروي عن علاقته بأبويه وإخوته وأخواله وخالاته وأعمامه وعماته وأجداده، وصراعهم مع النظام الحاكم والاحتلال الإنجليزي والقبائل الأخرى، وبخاصة قبيلة «الفوايدة»، وتتكشف في ثنايا الحكي أنماط من عاداتهم وتقاليدهم في الأفراح والمآسي، وحروبهم، والتي وصلت ذروتها مع سعيد باشا ابن محمد على، وانتصارهم عليه بعد أن شن عليهم حملات ضارية قاد بعضها بنفسه، ثم هجرتهم في الصحراء خوفاً من بطش النظام، وعودتهم، والمذبحة التي تمت لأربعين شخصاً من مشايخهم في دار أم حليجة زعيمة المرابطين الذين استقروا بجنوب الفيوم، بعد توسطها للصلح بينهم وبين سعيد باشا، وذلك على غرار مذبحة القلعة الشهيرة، التي تخلص بها والده محمد علي من المماليك (فصل المكيدة).
يتصدر الكاتب السارد المشهد، كراوٍ عليم متخذاً من ضمير المتكلم جسراً للربط بينه وبين الأحداث المسرود عنها التي لم يشارك فيها، إنما يستدعيها، ويتماهى معها، مضفياً عليها طابعاً حماسياً مشرباً بالسخرية حتى من قبيلته ومن نفسه أحياناً؛ مثل ربكته في مطار القاهرة وإحساسه بأنه فقد جواز السفر وتذكرة السفر إلى باريس، مرجعاً الأمر إلى قوة شريرة في عينه، ثم يتذكر ساخراً من سيارته، والديوك الرومي التي تربيها والدته. يقول (ص 69): «مثلاً ما إن أحس أن المرسيدس سيارة فعلاً حتى تدخن من كل مكان، مرة قلت ذلك لأمي، فقالت: (يا لهوي عليَّ). كانت تربي سنوياً عشرين ديكاً رومياً، وتعتني بهم اعتناء العبادة، وتطعمهم صفار البيض بيدها، وما إن (يكبروا ويبقوا ديوكاً فعلاً) في نظرها حتى يصيبهم (الهف)، مرض الطيور الفاتك، ويموت معظمهم كل عام، فلا هي كفت عن التربية، ولا هم كفوا عن الموت... لكن هذا موضوعاً آخر».
هنا تبرز سمة أساسية من سمة السرد لدى حمدي أبو جليل، وهي القدرة على تعليق الحكاية في الحكاية نفسها، والتلاعب بالمتن والهامش، بحيث يتبادلان الأدوار بخفة شفيفة. يقول (ص 58): «وما الشذوذ بنوعيه، إلا محاولات طليعية لتأكيد وحدته... ولكن هذا موضوعاً آخر»... أي شذوذ يقصد بهذين النوعين... إنه يعلق الحكاية بقوله: «هذا موضوع آخر».
إضافة إلى ذلك، يغذي الشاعر البدوي الشعبي وقائع وأحداث الرواية بمخزون من الخيال البكر، في أشكال شعرية شتى. ورغم صعوبة فهم هذا النمط من الشعر، فإن الإحساس بإيقاعه يربطه بمسارات السرد والحكي الرئيسية، ويجعل الدمج بين الفصحى والعامية سلساً، فمثلاً يقول: «ضربتُ سيجارتين»، فاللغة هنا لغة التداول اليومي ابنة مقتضى الحال وليس القاموس.
على مستوى الرؤية، تضمر الحرية التي تتغنى بها الرواية نوعاً من المشاعية المبطنة، وبخاصة الكلام عن الجنس وكونه «محض غريزة إنسانية كالأكل والشرب» (الرحلة - ص 114).
«مراية» متعددة المواهب، متعددة العشاق، متعددة الرغبات، عشقت الخط العربي وأتقنته وسبرت أغواره الفنية والجمالية، ورسمت ألف لوحة شاركت بها في معارض بأوروبا وفي مصر، بحسب الرواية (ص 136)، ثم تعلمت كل أشكال الرقص الشرقي والغربي لمدة 15 عاماً، وتركت كل شيء فجأة، ما يشي بأن ثمة جانباً متناقضاً في شخصيتها، فهي ليست امرأة ازدواجية كما تصفها الرواية في أحد الفصول الأخيرة بعنوان «ازدواج». سيكولوجياً نحن أمام امرأة تبحث دائماً عن مصدر يعيد إليها نوعاً من الثقة المفقودة بذاتها، مصدر مرهون بزمن معين هي التي تحدده؛ فعلى سبيل المثال لا تعيش مع رجل أكثر من عامين، رغم أنها قضت في شبابها 10 سنوات مع جان كلود زميلها معلم التاريخ في المدرسة، ما جعل عقدتها تتركز في «الترك المفاجئ»، فسرعان ما تنخرط في أشياء تتقنها مكرهة، وتغادرها مكرهة أيضاً.
تصل الرواية إلى ثقل الخفة في الجزء الأخير بداية من (ص 161) «دجرة اللامعة والدجاجة النابشة»، وهي خفه أشبه بمونولوجات شعرية تتمتع بروح مشهدية، تعتمد على عنصر المفاجأة في ختام المشهد أو اللقطة. ويتعمد الكاتب تكرار بعض الوقائع التي ذكرت سلفاً، كأنه يريد أن ينبه القارئ لحقيقة ما جرى، وهو يتأهب للنهاية، مثل تكرار «تغريبة جدي عيسى».
وتصل إلى ذروتها الدرامية بمونولوجي شجي شديد الأسى للكاتب البطل، بعد فشل لقائه مع «مراية» بشقتها بشارع قصر العيني، مستشعراً بداية تحرره منها، وتحرره من نفسه. يقول (ص247): «أعيش ولا أعيش، كالذي ينهل ولا ينهل، الذي يعربد طوال الوقت دون أي اقتناع بأن العربدة مصير ملائم في الحياة».
يبقى الجميل في هذه الرواية الممتعة أن كل شيء له حدوتة، كل شيء يحكي، حتى تخيلت أن الهواء يحكي، وليس فقط الحجر واليد الحجرية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع آثار تل أبو صيفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، عن توصلها، خلال موسم حفائر هذا العام، إلى عدد من النتائج العلمية المهمة التي تلقي مزيداً من الضوء على تاريخ المواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وتكشف عن ملامح طريق حورس الحربي التاريخي، وتطوره المعماري والعسكري عبر العصور التاريخية المختلفة.

ومن أهم هذه النتائج، العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين، ومنقوش من 3 جهات بألقاب الملك رمسيس الثاني، وفقاً لما ذكره رئيس الإدارة المركزية لوجه بحري وسيناء ورئيس البعثة، الدكتور هشام حسين، مضيفاً، في بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أنه عُثر أيضاً على نص كتابي يشير إلى أعمال الترميم التي أُجريت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، وهو ما يُمثل دليلاً بالغ الأهمية على هوية الموقع ودراسة تاريخه.

الموقع تم استخدامه في أغراض شتى عبر العصور (وزارة السياحة والآثار)

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن «النتائج الجديدة تُمثل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة في الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية بشمال سيناء ومنطقة القنطرة»، مشيراً إلى أن «ما يجري الكشف عنه بالموقع يُبرز الدور الاستراتيجي والحضاري الذي لعبته هذه المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور».

وأضاف أن «استمرار أعمال الحفائر المصرية في المواقع المرتبطة بطريق حورس يُسهم في إعادة بناء الصورة التاريخية لهذا الطريق ومحطاته، كما يؤكد أهمية الاستثمار العلمي في أعمال التنقيب والتوثيق الأثري للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ مصر القديم».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن «أعمال الموسم الحالي استكملت سلسلة من الحفائر التي أجريت بالموقع على مدار العقود الماضية، وأسفرت عن نتائج أعادت قراءة بعض العناصر المعمارية المكتشفة سابقاً بصورة أكثر دقة، بما يدعم فهم التخطيط الأصلي للموقع وتتابعه التاريخي»، مشيراً إلى أن «البعثة استكملت الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن ببواباته وغرفه الداخلية وطبقاته المختلفة؛ حيث تبيّن، من خلال الدراسة، أنه يُمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه، وهو ما يُصحح التفسير السابق لبعض أجزاء الموقع».

جانب من الآثار المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

ولفت إلى أن الأدلة الجديدة تطرح فرضية أثرية وتاريخية قوية بشأن ارتباط الموقع بمدينة «مسن» المصرية القديمة.

ورصدت البعثة كذلك بقايا طريقين حجريين متعاقبين يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد؛ أولهما طريق من العصر البطلمي، يعلوه طريق روماني أقل اتساعاً.

كما جرى الكشف عن بقايا المعبد، مع غرف تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرف خدمية أوسع في الناحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقة قدس الأقداس التي تعرضت للهدم نتيجة أعمال التحجير أواخر العصر الروماني، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وأكد مدير البعثة، محمود جلال، أن الحفائر كشفت كذلك عن مجموعة من اللقى الأثرية ذات الدلالات الإدارية والعسكرية، من بينها جزء من تمثال من حجر الشست، يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، لكاتب الجيش يحمل ناووساً مكسوراً، بما يعكس بوضوح الطبيعة الاستراتيجية والعسكرية للموقع.

كما عُثر على تمثال فاقد الرأس والقدمين يعود إلى العصر المتأخر، وجذع تمثال ملكي من البازلت، إلى جانب أجزاء من تماثيل لصقور مصنوعة من البازلت والحجر الجيري.

نقوش مصرية قديمة على صخور الموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتُشير نتائج الحفائر إلى أن الموقع شهد مراحل متعددة من التطور والتحول؛ إذ بلغ المعبد ذروة ازدهاره المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يُعاد استخدام أجزاء من الموقع في إنشاء ثكنات عسكرية خلال القرن الثالث الميلادي.

وفي أواخر العصر الروماني تحوّل الموقع إلى محجر لإنتاج الجير؛ حيث كشفت البعثة عن فرنين دائريين ضخمين، أقيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، يحتويان على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.

وتؤكد النتائج التي توصلت إليها البعثة أن تل أبو صيفي يُمثل أحد المواقع الرئيسية على امتداد طريق حورس الحربي، ويكشف عن تعاقب وظائف عسكرية ودينية واقتصادية على الموقع، بما يعكس أهميته الاستراتيجية ودوره في حماية الحدود الشرقية لمصر.


مصر: الداخلية تنفي شائعات «التحرش» في حفل محمد رمضان بالساحل

محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
TT

مصر: الداخلية تنفي شائعات «التحرش» في حفل محمد رمضان بالساحل

محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)
محمد رمضان يتوقف عن الغناء خلال الحفل (إكس)

توقف الفنان المصري محمد رمضان عن الغناء خلال إحدى فقرات حفله الذي أقيم، مساء الجمعة، في «بورتو غولف العلمين» بالساحل الشمالي بعد الأحداث التي جرت وسط عدد من الحضور، خصوصاً الفتيات نتيجة التكدس والزحام الشديد ووجودهن وسط تجمعات لعدد كبير من الشباب، وما أشيع حسب تعليقات «سوشيالية» بتعرضهن للتحرش.

وانتشرت لقطات من حفل محمد رمضان عبر «السوشيال ميديا» خلال الساعات الماضية أظهرت فتيات في حالة انهيار عصبي وبكاء شديد بسبب التدافع وعدم استطاعتهن الخروج من السياج الحديدي؛ ما استدعى توقفه عن الغناء، وطلب من مسؤولي تأمين الحفل مساعدتهن في الخروج الآمن قبل استكمال فقرات حفله.

وتصدر اسم محمد رمضان، ولقطات من حفل الساحل «الترند» على موقع «إكس» في مصر، السبت، واعترضت تعليقات ومشاركات عدة على طريقة التنظيم خصوصاً مع الحضور الجماهيري الكبير الذي شهده الحفل، إذ طالبت تعليقات بمحاسبة الشركة المنظمة بسبب أزمة التكدس.

جانب من حفل محمد رمضان (إنستغرام)

وفي السياق، حرص محمد رمضان، خلال الحفل على التدخل بنفسه مرة أخرى لمساعدة إحدى السيدات المسنات وإخراجها من بين الحضور إلى منطقة آمنة بجوار المسرح.

وعن رأيه بما جرى في حفل محمد رمضان، واتهام الشركة المنظمة بعدم وجود ضوابط صارمة مما تسبب في حدوث فوضى وتجاوزات بين الحضور، عدّ الناقد الفني المصري عماد يسري «ما حدث في الحفل مهزلة بكل المقاييس، ويتحمل ما جرى المسؤول عن التنظيم؛ لأنه لم يضع في حسبانه خطة شاملة لكل الأحداث المحتملة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الحفلات الجماهيرية التي تحظى باهتمام فئات عمرية معينة مثل الشباب لا بد أن يوضع في الاعتبار حالات التدافع وربما التعرض للتحرش، لذلك كان لا بد من الفصل، وتخصيص ممرات آمنة للخروج».

وتعليقاً على ما جرى خلال الحفل أكدت وزارة الداخلية المصرية في بيانها، السبت، عدم تعرض الفتيات للتحرش، وجاء في نص البيان: «في إطار كشف ملابسات عدة مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي تضمنت الزعم بتعرض فتاتين للتحرش بإحدى الحفلات بالساحل الشمالي بمطروح، بالفحص تبين أنه بتاريخ 15 الحالي وصل بلاغ لقسم شرطة العلمين من (طالبة جامعية وشقيقتها... مقيمتين بنطاق محافظة الجيزة) بتضررهما من تداول أخبار ومقاطع الفيديو والزعم بتعرضهما للتحرش خلال وجودهما بحفل بإحدى القرى السياحية بدائرة القسم، وذلك على خلاف الحقيقة بصورة مسيئة لهما».

وأوضح البيان «أن ما حدث كان نتيجة التزاحم الشديد للمشاركين بالحفل، ولم يتهما أحداً بالتحرش بهما، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية».

وقال عماد يسري إن بيان وزارة الداخلية الذي أفاد بعدم وجود حالات تحرش يؤكد أن الأزمة تكمن في سوء تنظيم، ووجود ثغرات أدت إلى تلك الأحداث.

وقبل حفله بساعات، كتب محمد رمضان عبر حسابه على موقع «إنستغرام»: «تمنياتي لجميع حضور حفلي بقضاء وقت ممتع وطاقة موسيقية تليق بكم، وأرجو من كل شاب مصري جدع أن يحافظ على سلامة كل بنت ويقول لصاحبه في غيابه (أختك أمانة في رقبتي)»، مضيفاً: «ليلة جميلة وأمان وسلام على كل حبايبي، وأنتظر تكتبوا لي هنا ما هي أكثر أغنية أعجبتكم ع المسرح.. ثقة في الله أقوى حفل مصر».

رمضان يتحدث إلى الجمهور والمنظمين خلال الحفل (إكس)

وقدم محمد رمضان خلال الحفل أغنيات عدة من بينها «نمبر وان»، و«جميلة»، و«محمد»، و«حبيبي أنا من غيرك» والأخيرة طرحها قبل أيام، وحازت على مشاهدات عدة عبر منصات موسيقية مختلفة، كما ظهر محمد رمضان على المسرح بالقناع، وفي فقرات أخرى بسيارته، وبالحنطور، إلى جانب الاستعراضات الغنائية التي اعتمدت على الإبهار البصري، كما أعلن قبل ساعات عن إقامة حفل غنائي جديد يوم 20 أغسطس «آب» الحالي.