نظم الذكاء الصناعي تتنبأ بوقوع الجرائم

نظم الذكاء الصناعي تتنبأ بوقوع الجرائم
TT

نظم الذكاء الصناعي تتنبأ بوقوع الجرائم

نظم الذكاء الصناعي تتنبأ بوقوع الجرائم

هناك تاريخ طويل لاستخدامات نظم الذكاء الصناعي في التنبؤ بالجرائم، ابتدأ أولاً بدفع تلك النظم لرجال الشرطة باتجاه اتهام أصحاب البشرة الملوّنة بالجرائم، ولكن ذلك لم يمنع الباحثين من الاستمرار في محاولة تطوير أدوات خاصّة للتنبؤ بالجريمة.

التنبؤ بالجريمة
في عالم فيلم «تقرير الأقلية» (2002) تكاد تكون الجريمة معدومة لأنّ العرّافين يتوقّعون موعد حدوث جرائم القتل، ما يتيح للشرطة التدخّل واعتقال «الذين يوشكون على ارتكاب الجريمة».
ويلاحق الباحثون منذ زمن طويل الإمكانية غير الأكيدة للتنبؤ بالجريمة قبل حصولها. وقد كشف فريق من جامعة شيكاغو الشهر الفائت النقاب عن خوارزمية جديدة قادرة على تنبؤ الجريمة بدقّة تصل إلى 90 في المائة.
تحدّد الخوارزمية مواقع في المدن الكبرى، تواجه، وفقاً لحساباتها، خطراً مرتفعاً من جرائم قتل وسرقة ستقع في الأسبوع التالي. يستطيع البرنامج أيضاً تقييم تفاوت نشاط الشرطة بين الأحياء في ثمانية مدن أساسية في الولايات المتحدة منها شيكاغو، ولوس أنجليس، وفيلادلفيا.
ولكنّ استخدام الذكاء الصناعي لتوجيه أجهزة إنفاذ القانون يثير حنق الكثير من علماء العدالة الاجتماعية والجريمة، الذين يتخوّفون من تاريخ طويل راكمه هذا النوع من التقنيات في توجيه الشرطة خطأً باتجاه الجاليات الأفريقية واللاتينية، لا سيّما أنّ أحد الباحثين المشاركين في الدراسة الجديدة اعترف بأنّ قدرة الخوارزمية على التنبؤ بالجريمة محدودة.وقد رأى إيشانو تشاتوبادياي، أستاذ محاضر في جامعة شيكاغو والباحث الرئيسي في الدراسة، أنّ «الماضي لا يقول لنا شيئاً عن المستقبل. ولكن السؤال هو: ما درجة تأثير الماضي على المستقبل؟ وما المدى الحقيقي لعفوية وعشوائية الأحداث؟ هذه هي التفاصيل التي تحدّ قدرتنا على التنبؤ»
في السنوات الخمس عشرة الماضية، بدأ أكبر أقسام الشرطة في الولايات المتحدة كنيويورك ولوس أنجليس وشيكاغو، بدراسة وسائل تتيح لها استخدام الذكاء الصناعي ليس فقط لتحليل الجريمة، بل للتنبؤ بها أيضاً. لجأت هذه الأقسام في معظم الأحيان إلى شركات تحليل البيانات كـ«بريد بول» و«بلانتير»، اللتين تطوّران برمجيات تستخدمها أجهزة إنفاذ القانون في توقّع الجريمة.
تعتمد أدوات التنبؤ التي تستخدمها الشرطة على تغذية الخوارزميات بالبيانات –كتقارير الجرائم، وسجلات الاعتقال، وصور لوحات السيارات. يدرّب المختصون هذه الخوارزميات على البحث عن أنماط تتوقع مكان وزمان وقوع نوع محدّد من الجرائم التي ستحصل في المستقبل.

أداء وتحيّز
ولكنّ جودة أداء الخوارزمية مرتبطة بجودة البيانات التي تتغذّى بها، الأمر الذي يشكّل تحدياً كبيراً للنّاس في الولايات المتّحدة، كما يشرح فنسنت ساوثرلاند، مدير مركز العرق واللامساواة والقانون في جامعة نيويورك.
ويشدّد ساوثرلاند على أنّ التاريخ يشهد أنّ بيانات الشرطة الأميركية منحازة وغير محايدة. يميل عناصر الشرطة غالباً إلى اعتقال أو إدانة أشخاص من أحياء فقيرة يغلب عليها أصحاب البشرة الملوّنة، إلّا أنّ هذه الحقيقة لا تعكس بالضرورة مكان حصول الجريمة، بل المواقع التي يمضي فيها عناصر الشرطة معظم أوقاتهم.
يضيف ساوثرلاند أنّ «الشرطة الأميركية تملك بيانات ملوّثة أو موسومة ببعض الانحياز – وهذا الانحياز سيظهر في الطرف المقابل من التحليل. بمعنى آخر، ستحصلون من هذا التحليل على نتائج تشبه ما وضعتموه في الأساس».
تسببت برمجيات التوقّع التي تستخدمها الشرطة في مشكلات كثيرة في العالم الحقيقي. فقد عمد مركز شرطة لوس أنجليس عام 2019 إلى تعليق العمل ببرنامج «ليزر» للتنبؤ الذي استخدم بيانات التاريخ الجنائي لتوقع البقع الساخنة للجرائم، بالإضافة إلى برنامج «بلانتير» الذي يحدّد نسبة الخطر التي يشكّلها الأشخاص، بعد أن أظهر تحقيق داخلي أنّه تسبب في تعريض أشخاص من أصحاب البشرة السوداء والعرق اللاتيني لمراقبة غير محقّة من الشرطة.
واستخدمت شرطة شيكاغو برمجيات تنبؤية من تطوير «معهد إلينوي للتقنية» لوضع لائحة بالأشخاص الذين تزيد أرجحية تورّطهم بجرائم عنيفة، ولكنّ البرنامج توقّف عن العمل عام 2020.
من جهته، رأى جون س. هوليوود، باحث أوّل في مؤسسة «راند للأبحاث والتطوير» التي ساعدت قسم شرطة شيكاغو في التحقيق باستخدام خوارزميات تنبؤية، أنّ الخوارزميات التي تستخدمها الشرطة «ليست كرة بلّورية» وأنّه من الأفضل النظر للوضع بشمولية... ما الأمور التي تحصل في مجالات معيّنة في المجتمع وتؤدي إلى حصول الجرائم حالياً؟».
من جهته، أقرّ تشاتوبادياي بأن أفراد فريقه طوّروا البرنامج وهم على دراية بتاريخ الخوارزميات المضطرب، كما يقول برانشو فيرما، الخبير الإعلامي في التقنية في واشنطن.

برنامج ذكي
وخلال صناعتهم للخوارزمية، قسّم فريق تشاتوبادياي المدن الكبرى لمربّعات بمساحة 1000 قدم مربع (93 متراً مربعاً)، واستخدموا لتدريبه بيانات الجريمة في المدينة من مدّة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. تتوقّع هذه الخوارزمية ارتفاع أو انخفاض خطر حصول جريمة في أحد الأقسام وفي وقت معيّن خلال مهلة أسبوع.
للحدّ من احتمال الانحياز، حذف الفريق بعض أنواع البيانات كالاعتقالات لحيازة الماريغوانا، ومخالفات المرور، والجرائم الطفيفة، لأنّ الأبحاث أظهرت أنّ أصحاب البشرة السوداء واللاتينيين يُستهدفون غالباً في هذا النوع من الجرائم. عوضاً عن ذلك، عمدوا إلى تزويد الخوارزمية ببيانات حول جرائم القتل، والاعتداءات الجسدية والجرائم التي تطال الأملاك كسرقة الشقق والدراجات النارية.
ولكنّه قال إن الهدف الرئيسي من الدراسة هو استخدام الخوارزمية للتحقيق بانحياز الشرطة. فقد قارن فريقه بيانات الاعتقال من أحياء بمستويات اجتماعية واقتصادية متنوعة، ووجدوا أنّ الجرائم التي وقعت في أغنى الأحياء أدّت إلى مزيد من الاعتقالات، بينما لم يكن للجريمة نفس التأثير في الأحياء الفقيرة، ما أظهر تناقضاً في إنفاذ القانون.
في المقابل، رأى أرفيند نارايانان، أستاذ محاضر في علوم الكومبيوتر في جامعة برينستون، أنّ البيان الصحافي والمقالات التي تناولت الدراسة لم تركّز بالدرجة الكافية على مسعى الدراسة للتحقيق في انحيازات الشرطة في إنفاذ القانون، بل بالغت في التركيز على ادعاءات دقّة الخوارزميات.
وأضاف أنّ «الدقّة مرّة واحدة في الأدوات التنبؤية في أعمال الشرطة ليست كافية على الإطلاق لتقييم فاعلية الأداة. الجريمة نادرة، وهذا يرجّح أنّ معظم تنبؤات الجرائم كانت نتائج إيجابية خاطئة».
يلفت علماء العدالة الجنائية وخبراء الشرطة والتقنية إلى أنّ دقّة الخوارزمية لا تعني عدم استخدامها من أجهزة إنفاذ القانون لاستهداف أصحاب البشرة الملوّنة وأولئك الذين يعيشون في أحياء فقيرة بمراقبة غير مبررة.
وافق جون س. هوليوود، من مؤسسة «راند للأبحاث والتطوير» هذا الرأي، ورأى أنّ تقليل معدّل الجريمة حقاً يتطلّب من أقسام الشرطة التعاون مع الاختصاصيين الاجتماعيين والمجموعات المحلية لمعالجة مشكلات التعليم والإسكان والانخراط المدني.
وأخيراً، وصف هوليوود الخوارزميات «بالأشياء البرّاقة واللماعة التي تؤدي غالباً إلى التشتيت».



«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.