اللغة العربية دون «حوسبة» متأخرة 60 سنة عن الإنجليزية

تعيش في القرن الماضي والترجمة الإلكترونية بعيدة المنال

عدنان عيدان
عدنان عيدان
TT

اللغة العربية دون «حوسبة» متأخرة 60 سنة عن الإنجليزية

عدنان عيدان
عدنان عيدان

لماذا لا تزال الترجمة الآلية من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى والعكس بالعكس متأخرة، عن كل ما عداها؟ هل هي قواعد النحو التقليدية التي لم تُحدّث؟ أم قلة المهارات التكنولوجية في العالم العربي؟ أم هو بكل بساطة الإهمال واللامبالاة باتجاه قضية باتت عمادًا للوصول إلى المعلومات بلغتنا الأم؟ لماذا بمقدور الفرنسي والأميركي والإسباني أن يضع أي نص بلغته على برنامج الترجمة، الذي تتيحه «غوغل» مثلاً ويحصل بكبسة زر على مقابله التقريبي بلغة أخرى، فيما يبقى العربي عاجزًا عن الوصول إلى نتيجة مقبولة ومفهومة.
المشكلات كثيرة ومتشعبة، لكن المعضلة الأصل هي في أن العرب لم يقوموا لغاية اللحظة بوضع «مدونة للغة العربية» أي جمع مئات آلاف النصوص التي كُتبت باللغة العربية، قديمًا وحديثًا، وفي مختلف المجالات العلمية والأدبية، إلكترونيًا ومن ثم حوسبتها، أي درسها بطريقة علمية حسابية، لاستخلاص النتائج حول قواعدها وأسس استخداماتها، ومعرفة تحولاتها، وتشكل دلالاتها وتبدل صيغها تاريخيًا، والتعامل معها من منظور جديد.
بعد حوسبة اللغة، أي جمع المخزون الهائل من النصوص الذي يعود عمره إلى 1500، نصبح قادرين على وضع بنية تحتية حديثة للغة العربية، وإجراء قراءات إحصائية حسابية وعلمية للكلمات، أو العبارات، وطريقة استخدام فعل ما أو تحولات دلالة ما، وهذا أمر لم يعد صعب الإنجاز، عندها أمور كثيرة تصبح ممكنة، منها معالجة اللغة آليًا، وضع قواميس ومعاجم حديثة، أو إجراء دراسات على الشعر وربما جرد بعض المفردات، ومعرفة الألفاظ الأكثر استخدامًا، واعتبار تعليمها أولوية في المدارس.
حين يصبح احتساب كل كبيرة وصغيرة في مدونتنا اللغوية منذ عرفت العربية النصوص المكتوبة إلى يومنا هذا ممكنًا، وجرد ما نريده بكبسة زر، تتغير حياتنا حتمًا.
الدكتور عدنان عيدان، يقول إنه والدكتور نبيل علي، ربما وحدهما من عملا جديًا في هذا المجال، في محاولة منهما للخروج من المأزق الذي تعاني منه العربية آليًا أولاً وعمليًا في الاستخدامات الحياتية بالنتيجة. «لا ترجمة آلية تقترب من الكمال دون حوسبة للغة، وكذلك لا دراسات آلية متطورة يمكن أن يقوم بها باحثون، بأساليب تختلف عن تلك التقليدية التي ما زالت وحدها تحتل الميدان» يشرح د. عيدان. والرجل عالم تخصص في علم الإحصاء، ومن ثم حصل على الماجستير في علم الاجتماع السياسي، لكن همه اللغوي قاده لتحضير الدكتوراه في لندن في جامعة برونيل في «علم الحاسب الآلي» وتحديدًا في مجال تطبيق علوم الحاسبات ومعالجة اللغة العربية، وكان موضوعه حول «إعراب الجملة العربية حاسوبيًا».
الدكتور عيدان، أحد مؤسسي شركة «آي تي آي» للبرمجيات، ويعمل منذ ربع قرن على الحاسوبيات اللغوية، والترجمة الآلية ومحركات البحث حيث وضع محرك «الهدهد»، يرى أن العمل على حوسبة اللغة الإنجليزية، والترجمة الآلية بهذه اللغة بدأ منذ أكثر من نصف قرن. ويضيف عيدان: «بدأ الأميركيون العمل على الترجمة الآلية منذ الخمسينات، مع اختراع الكومبيوتر وتطوير برامجه لأغراض عسكرية». حاولت وزارة الدفاع الأميركية، ترجمة صحيفة «البرافدا» من الروسية، في إطار الحرب الباردة التي كانت مشتعلة حينها، لكنهم فشلوا. الباحث المعروف ناعوم تشومسكي هو الذي كشف لهم أن الترجمة كما يحاولونها لن تصل بهم إلى نتيجة، وأنهم بحاجة أولاً إلى ترجمة آلية للغة البشرية، وهو ما نطلق عليه اليوم اسم الحوسبة.
فاللفظة الواحدة في لغة ما، قد تعني أشياء متعددة ومختلفة، وهو ما لا تستطيع أن تدركه الآلة، وبالتالي علينا أن ندرس المحددات؛ فكلمة «بوك» بالإنجليزية، قد تعني حجز مقعد، أو كتابا أو إنذارا، تمامًا كما كلمة «كَتَبَ» أو«كُتُب» أو «كُتِبَ» باللغة العربية. كيف لجهاز الكومبيوتر أن يعرف حين تكون لفظة «كتب» غير محركة إن كانت اسمًا أو فعلاً، دون أن نعطيه المحددات التي تأتي قبل كل حالة وبعدها. نحن بحاجة لإعادة دراسة اللغة من منظور حاسوبي، كي نفلح في جعلها لغة إلكترونية بكل ما في الكلمة من معنى، لتفادي الاشتراك اللفظي.
لكن إذا كان الأميركيون قد سبقوا العالم أجمع إلى حوسبة لغتهم؛ فكيف نجح الأوروبيون في اللحاق بهم، ولماذا لم ينل العرب القسط نفسه؟ الأوروبيون عملوا بجدية على هذا الموضوع، منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وحتى بداية الثمانينات، خدمة لمشروعهم الأوروبي المشترك. يشرح د. عيدان: «الأميركيون ركزوا على الترجمة الإنجليزية - الروسية لكن الأوروبيين اشتغلوا على الترجمة بين لغاتهم المختلفة، من فرنسية وألمانية وإسبانية وإيطالية. كان هدفهم التوصل إلى ترجمة آلية كي يفهموا بعضهم بعضا. أرادوا إذا ما تحدث مسؤول إنجليزي عن الزراعة مثلاً أن يحصلوا على ترجمة مباشرة بست لغات أخرى، وبالتالي قاموا بعمل قاموس وسيط يسمح لنص بإحدى اللغات السبع أن يدخل من باب، ليخرج بست لغات من الجهة الأخرى». من أواسط الستينات إلى أواسط الثمانينات، مئات الرسائل العلمية حررت في كل من أميركا وأوروبا حول حوسبة اللغات. ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، يقول د. عدنان عيدان: «بدأت مرحلة جديدة، وركز الأميركيون بشكل خاص على الترجمة الإنجليزية – الإسبانية، والعكس بالعكس، لأن همهم أصبح داخليًا، وصار الهدف ربط شرق أميركا بغربها الذي يتكلم الإسبانية ويصدر صحفًا بهذه اللغة. وهكذا صار ما تكتبه بوسطن من صحف يمكن أن تقرأة مباشرة كاليفورنيا. وبالتالي توصل الأميركيون إلى ترجمة بين الإنجليزية والإسبانية تصل إلى 95 في المائة من حيث دقتها، ووصل الأوروبيون إلى النسبة ذاتها عند الترجمة بين اللغات الأوروبية، وهو ما لم تحلم به العربية لغاية اللحظة.
يتساءل الدكتور عيدان بحسرة، حول ما لا يقل عن 400 جامعة عربية، ألا يوجد فيها 15 أستاذا و20 طالبًا يعملون على الترجمة الآلية من العربية إلى الإنجليزية مثلاً؛ أليس هذا معيبًا؟! لماذا هذه الجامعات تصرف المليارات، ولا تعني بالترجمة الآلية التي باتت عمادًا لكل تطور؟!
«بلغت من العمر 69 عامًا ولا أريد شيئًا، لنفسي»، يقول د. عيدان، «شكرًا لكم، فقط اهتموا بجامعاتكم».
اللوم على مصر أكثر من غيرها، كما يرى هذا العالم المشغول بتطوير المزيد من البرامج الحاسوبية اللغوية، لأن «الإمكانيات هناك كبيرة، وعندهم أساتذة على مستوى مهم، وهم بلد ضخم، ومع ذلك لا إنتاج يُذكر في مجال الحوسبة أو الترجمة الآلية، بل على العكس الصحف المصرية مليئة بالأخطاء، فلا يوجد ألف مقصورة، وكأنها أُلغيت من اللغة، ودائمًا تحتها نقطتين، لتتحول تلقائيًا إلى (ي)».
إهمال الجامعات العربية لموضوع على هذا القدر من الأهمية متأتٍّ من أننا مستهلكون للعلوم ولسنا مبتكرين لها أو حتى مساهمين بها. يشبه الدكتور عيدان علاقتنا بالتكنولوجيا كما صلتنا بـ«الفاصولياء المعلبة» نأتي بها جاهزة للأكل فقط. في البدء يقول: «كان العاملون في مجال الكومبيوتر إما طلاب رياضيات أو فيزياء أو كيمياء، ثم بمرور الوقت أدركوا أن دمج هذه العلوم معًا سيكون مفيدًا لفتح تخصص أكاديمي جديد هو هندسة الكومبيوتر؛ 15 سنة بعدها بدأت تفتتح أقسام الهندسة الطبية، واللسانيات الحاسوبية، وهي موجودة في كثير من الجامعات في بريطانيا، وهو ما لم يحدث بعد في الجامعات العربية».
تدشين أقسام للسانيات الحاسوبية في الجامعات العربية، يفتح الباب ليس فقط لتطوير الترجمة الآلية، وإنما أيضا للعمل على تطوير «التعرف الضوئي على الحروف» لمسح النصوص الورقية ضوئيًا وجعلها إلكترونية، وسيسهم أيضا في تطوير محركات بحث عربية، وبرامج التصليح الآلي، وأمور أخرى يصعب حصرها هنا. الجامعات العربية لا تزال قاصرة عن تخريج طلاب مؤهلين للقيام بهذه المهمات على لغتهم الأم.
الأفراد والشركات الصغيرة ليسوا هم المخولين القيام بهذه الأدوار التي تحتاج دولاً وجهودًا جماعية متواصلة. تسليم هذه المهمات للشركات يجعل منه أمرًا تجاريًا، في الجامعات الأميركية والإنجليزية تمكنوا من تفكيك نصوص الأدب الإنجليزي بشكل رائع، بفضل الحوسبة وبنوا عليها، واستفادوا منها في مختلف مناحي الحياة، فيما لا تزال النصوص العربية تنتظر من يعنى بها. ولا يزال الطالب العربي يتخرج ولا يعرف الفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع، ولا يستطيع الكتابة دون أخطاء، ولا يميز بين الهاء والتاء المربوطة.
«في لغتنا ست حركات إضافة إلى السكون والشدة، لماذا لا يستخدمهما أحد؟ لماذا تم الاستغناء عنهما، وهما جزء من لغتنا التي نكتبها ونتفوه بها». مشكلة إضافية أخرى يتحدث عنها عيدان هي إدخال تكنولوجيا غير مقيسة إلى بلداننا. فكل يحمل هاتفًا أو يعمل على حاسوب ترتيب الحروف العربية عليه مختلف عن الآخر، وهذا يحدث بلبلة حقيقية. لماذا لا يتم وضع أسس يتم اعتمادها وتفرض على الشركات المصنعة التي تشحن بضائعها إلى الدول العربية، وهذا ممكن وميسر.
التكنولوجيا تربكنا. ما كان ينقص اللغة العربية في زمن انحطاطها الأكبر إلا هذه التحديات المتزايدة، التي تواجه بكسل متماد. 60 سنة عمل، تفصل بين الإنجليزية واللغات الأوروبية الأخرى واللغة العربية التي لا تزال عمليًا تعيش في ستينات القرن الماضي.
كم قطعنا من مسافة في مشوار الحوسبة الطويل، بجهود أفراد قلة انتدبوا أنفسهم لعمل بحجم أمة، يجيب د. عيدان: «مدوّنة اللغة العربية هي ملف إلكتروني هائل يتجاوز حجمه حاليًا مليار (ألف مليون) كلمة عربية، والعمل جارٍ للوصول في النهاية إلى 10 مليارات (عشرة آلاف مليون) كلمة». الترجمة الآلية العربية التي يمكن الركون إليها للتعرف على ما تنتجه اللغات الأخرى لن تكون غدًا.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.