هل أقصت الـ«سوشيال ميديا» الـ«باباراتزي»؟

المصوّر الصحافي... عين الإعلام وواجهته

بيار يوسف
بيار يوسف
TT

هل أقصت الـ«سوشيال ميديا» الـ«باباراتزي»؟

بيار يوسف
بيار يوسف

هل تخيّلت يوماً قراءة مقالة في جريدة من دون صور فوتوغرافية ترافقها؟ وهل في استطاعتك أن تكمل متابعة حدث معين عبر شاشة التلفزيون إذا غابت الصورة عنه؟ الإعلام المرئي والمكتوب يرتكزان على الصورة. فهي عين الإعلام وواجهته، تنقل الخبر كما هو وبوضوح حتى إن بعضها لا يحتاج أي تعليق. إذ يكفي أن تتصدر صورة جذابة صحيفة أو ريبورتاجاً مصوراً كي يسرق الخبر انتباهك، ويحثك على قراءته أو مشاهدته.
المصور الصحافي في لبنان، وغيره، يُعدّ من أكثر الإعلاميين مواكبة للأحداث الخطيرة بالجملة، منذ سبعينات القرن الماضي حتى اليوم. وبين حروب هنا ومعارك هناك، وثورات وأزمات وفضائح، اتسمت مهام المصوّرين الصحافيين، في الكثير من الأحيان، بالخطورة. فقد كانوا يضعون حياتهم على كفهم -كما يقال- وينطلقون مرتدين الدرع الحامية في رحلاتهم، من أجل إتمام المهمة على أكمل وجه، قبل العودة إلى أحبابهم أحياءً. وكم من صورة صحافية لا تزال تُحفر في ذاكرة الناس، لأنها نقلت آلامهم وعبّرت عن مآسيهم وأفراحهم، لمجرد نشرها في الإعلام؟
«الشرق الأوسط» التقت عدداً من المصورين الصحافيين، بينهم من تخصّصوا في تصوير الحروب والأخبار السياسية فكانوا في قلب الحدث، وآخرون اتجهوا نحو المجال التلفزيوني والصحافة الفنية، فاستطاعوا أن يعبروا بالمشاهد إلى حفلات ومهرجانات ومظاهرات وغيرها.
قصص هؤلاء المصوّرين مع كاميرتهم طويلة يمكنها أن تؤلف كتباً، لما تحمل من حكايات وغرائب.

أنور عمرو

«الكاميرا تسكنني»
يعمل أنور عمرو في التصوير الصحافي منذ أكثر من 30 سنة، ولقد تخصص في تصوير الحروب في لبنان وسوريا والعراق. عمله في وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) يفتح أمامه أبواباً محلية وعالمية، لكنه بسبب خطورته تعرّض لإصابات جسدية أكثر من 13 مرة. ولقد واكب الحرب السورية لنحو 4 سنوات متتالية، ولمجزرة قانا التقط صوراً تناقلتها وسائل إعلامية أجنبية كـ«واشنطن بوست» و«ليبراسيون» و«بي بي سي» وغيرها.
عن شغفه بمهنته، يقول إنه يعود إلى رسالة إنسانية لا تبارح ذهنه، ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «لطالما تمنيت أن تكون الصورة الفوتوغرافية التي ألتقطها السبب في إيقاف حرب أو مأساة وطن. عندما صورت تلك الطفلة المنتشَلة من تحت الركام في عام 1996 في مجزرة قانا، كنت كمن يصرخ للعالم طالباً النجدة والرأفة بالأطفال. كنت أحدّث نفسي وأقول لها: ليت صورتي هذه تهز المجتمعات، وتركض لإغاثتنا فتتوقف الحرب».


وديع شلينك

هدف أنور كان دائماً الإضاءة على وجع الناس: «كيف لا، وأنا منهم؟ صورتي يجب أن تعكس هذه القضايا وتبرزها». ملايين الصور التي التقطها أنور عمرو تذكّره بحقبات تاريخية، وعندما يستعيدها في ذهنه يطرح على نفسه أسئلة كثيرة. «كنت في كل مرة أغادر فيها إلى حرب، يقولون لي: هل أنت مجنون؟ ولكنّ شغفي وحبي لمهنتي كانا يقفان وراء اندفاعي. لست نادماً، ولا على أي لحظة خطرة عشتها من أجل حبي هذا». وحقاً، لا تزال صور أنور عمرو تلاقي الشهرة التي تستحقها، بينها تلك التي صوّرها للمُودِع المسلّح الذي تمترس داخل أحد المصارف اللبنانية، وهو يدخن سيجارة من وراء القضبان الحديدية للبنك.
ثم يوضح: «لعملنا قواعد وأصول ولذلك نخضع لدورات خاصة تتطلب مهارات وتمارين وتدريبات في معسكرات خاصة للمصوّرين. هناك نتعلم كيف نتحرك على أرض مشتعلة بالقذائف أو مزروعة بالألغام أو يجتاحها قناصة. كان همي دائماً التأمين على عائلتي فيما لو حدث لي أي مكروه. وهذا الأمر توفّره المؤسسة التي أعمل بها (أ.ف.ب)، وهو ما يجعلني أقوم بمهماتي وأنا مطمئن». أما عن كاميرته فيقول: «إنها تسكنني، فهي بمثابة عضو من أعضاء جسدي، إنها هاجسي... ولا تفارقني حتى في أيام العطلة».


حسن عسل

تغيّر الأزمنة
يعترف معظم المصوّرين الذين التقتهم «الشرق الأوسط» بأن زمن الصورة تبدلت مشهديته تماماً. فهو تطور مع الوقت بفضل انفتاح الناس تجاهه مرة، وتراجعهم مرات بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. ويرى حسن عسل، المصوّر في جريدة «النهار» منذ أكثر من 30 سنة، أن الضغوط التي كان المصور الصحافي في الماضي يتعرض لها في مهماته خفّت. ويتابع: «كانت هناك محظورات وخطوط حمراء يفرضها السياسيون علينا من باب عدم اقتحام خصوصياتهم، مع أنها كانت عموميات وتدخل في صلب عملنا. فهذا السياسي ممنوع أن تقترب منه، وذاك الزعيم يجب ألا تنشر له صورة قبل أن يلقي نظرة عليها. اليوم الأمور تغيّرت وصرنا نعيش زمناً تفتّحت فيه الذهنيّات، وما عادت تعلق على أمور سطحية. فالناس كما أهل السياسة صاروا يعرفون أن المصوّر ليس عدوهم، بل مجرد شخص يقوم بعمله بكل بساطة، فيقبلونه بكل طيبة خاطر».
حسن الذي عُرف بتصويره مواضيع يطغى عليها العنصر السياسي مُنع غير مرة من إكمال مهماته التصويرية. إذ استولى بعضهم على شرائط صور له، وذات يوم حُوّل إلى الشرطة العسكرية. ويتذكر: «لا يمكنني أن أنسى لحظة تصويري وزيرة الخارجية الأميركية (السابقة) مادلين أولبرايت، وكنت يومها أعمل في جريدة (السفير). تمكنت من تصويرها وهي تحط بهليكوبتر في ساحة السفارة الأميركية. فنُصب لي حاجز لدى مغادرتي بُعيد انتهائي من إتمام مهمتي. واستولى عنصر على الصور، وعندما سألته عن السبب، أجابني بأن صوري خرقٌ أمني».
من ناحية ثانية، يرى حسن أن الصورة الفوتوغرافية لها أهمية أكبر من الريبورتاج (التحقيق) المصوّر، لأن عمرها أطول، ونستطيع نبشها ولو بعد حين».

الكاميرا... والجوّال
«زمن الصورة تحوّل؟ نعم» يقول وديع شلينك، الذي عمل في عدد من الصحف والمجلات والمواقع اللبنانية، وواكب حقبات فنية كثيرة كان فيها الـ«باباراتزي» نجم الساحة.
هذا الأخير باتت مهمته ملغاة بفضل الجوّال الذي يتيح لأي شخص أن يكون «باباراتزي». وهنا يضيف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «الهاتف الجوّال هو الذي تحول إلى «باباراتزي» متجوّل، وصاحبه يمكنه أن يصور فناناً أو فنانة ساعة يشاء، إذا ما صدف ووجد في المكان نفسه معهم. كنا في الماضي نسترق الوقت وندخل المكان خلسة، كي نستطيع الحصول على صورة تفضح الفنان في أوضاع مختلفة. هذه الخصوصية ولّت اليوم وغاب الـ«باباراتزي» عن الساحة، خصوصاً أن الفنان نفسه بات يتمنى أن يصوره أحدهم كي يكون حديث الصالونات والسوشيال ميديا». ويتابع شلينك أن «لكل زمن صورته، وزمن اليوم تجتاحه اللقطة السريعة بفضل الجوّال».
الصحافة الفنية يجدها وديع أكثر أماناً من غيرها «لأن الفنان بطبيعته يحب أن يتصور كي يسلّط الضوء على شكله الخارجي، ويحظى بـ(اللايكات)». لكنه في الوقت نفسه يرى أن الصورة الفوتوغرافية الحقيقية لا يمكن أن تنافسها أخرى التُقطت بالجوّال، لجهة جودتها وتقنيتها. لذلك أصبح الفرق شاسعاً بين صور يسهل التقاطها، وأخرى يلزمها الوقت لتنفيذها وخروجها إلى النور. وهو يختتم بالتأكيد أن علاقات تربطه مع فنانين كثر. وهو تعاون مع أهم نجوم لبنان: «أعتقد لأنهم يعرفونني منذ زمن ويثقون بعدستي. فأنا أعرف تماماً كيف ألتقط الصورة لشخص ما ومن أي زاوية».

التحقيق المصوّر
يختلف العمل التصويري للريبورتاجات (التحقيقات) المصورة عن الفوتوغرافي منه. وبيار يوسف نموذج يحتذى في هذا المجال. مسيرته في التصوير التلفزيوني في المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) تعود إلى نحو 40 سنة. وهو ينقل خبرته هذه اليوم إلى طلاب كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، حيث يعطي صفوفاً خاصة بكيفية تصوير الريبورتاج. أما قصته مع التصوير التلفزيوني فبدأت بالصدفة لأنه أصلاً درس الهندسة المدنية، لكنه ما لبث أن انتقل إلى العمل في هذا المجال بعدما درسه، وتابع دورات خاصة به.
بيار يرى أن على المصور التلفزيوني الحرص على الهدوء وتجنب دفع المشاهد إلى الملل. ويضيف: «هناك قواعد يجب اتباعها، منها ألا يتخطى صوت المراسل في التقرير المصور الـ20 ثانية في كل مرة يتحدث فيها أو يعلق على الحدث. وثانياً، تعامل المصور التلفزيوني مع المشاهد كشخص أصم، وأما القاعدة الثالثة فهي أن يتمتع بحس ثلاثي الأبعاد، بحيث يصوّر ويركز على الحدث، وفي الوقت ذاته يستطيع أن يلتقط أي إشارة صوتية تحيط به، وينقل أجواء المكان الذي يصور فيه».
ذكرياته كثيرة -كما قال لـ«الشرق الأوسط»- وغالبيتها محفوفة بالمخاطر: «لا يمكنني أن أنسى استشهاد الرئيس رينيه معوض الذي كنت أرافق تحركاته بطلب من (إل بي سي)، ويوم استشهاده طلب مني أن أغادر إلى مقره لأن لديه أعمالاً إضافية يقوم بها. وما إن وصلت إلى المقر في منطقة الرملة البيضاء حتى سمعت صوت الانفجار وعرفت أنه قضى».
نام بيار يوسف على الطريق السريع مرات، واتخذ من محطة «إل بي سي آي» بيتاً له بين 1985 و1992 كي يواكب أي مستجدات تحصل، ويتذكر: «كانت طبيعة عملنا أجمل وأكثر جودة، اليوم بات الاستسهال سيد المهنة وصارت الأخطاء كثيرة ولا يوجد من يصححها... ثم إن بين الفيديو والصورة فارقاً شاسعاً، فالأول يتفاعل الناس معه بشكل أفضل بسبب الحركة التي يتمتع بها، بينما الثانية أصعب لأن على صاحبها أن يوفق بلقطة غير عادية حتى تُحدث الفرق».
ومن ذكرياته تلك التي حملها معه من إندونيسيا... «يومها طُلب مني تصوير ما يحصل في موجة تسونامي التي أتت على الأخضر واليابس. كان الأمر قاسياً جداً، إذ كان عليّ أن أسير من دون أن أخطئ وأدوس على مئات الجثث المنتشرة هناك بفعل الموجة».


مقالات ذات صلة

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق «ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)

هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

أثار قرار «الهيئة الوطنية للإعلام» و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بالامتناع عن تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» وأخبارهم تساؤلات عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».


إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».