ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}

سلام يتعهد بانتخابات رئاسية في موعدها * 24 وزيراً وفق قاعدة «الثمانيات الثلاث» * باسيل للخارجية والمشنوق للداخلية وريفي للعدل

ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}
TT

ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}

ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة دون {الثلث المعطل}

أبصرت الحكومة اللبنانية الجديدة النور بعد مخاض مرير استمر عشرة أشهر، وعشرة أيام، انتهى أمس بإصدار مراسيم تشكيلها من قبل رئيسي الجمهورية ميشال سليمان والحكومة تمام سلام، وهي حكومة لا يمتلك فيها حزب الله الأكثرية (8 وزراء له ولحلفائه من أصل 24)، كما لا يمتلك فيها «الثلث المعطل الذي يسمح له بوضع الفيتو على القرارات التي تتطلب ثلثي أصوات الوزراء، كما لا يسمح له بإسقاط الحكومة».
وسبقت لحظة إعلان الحكومة مشاورات مكثفة، أسفرت عن تذليل آخر العراقيل التي ظهرت بوجهها، وتحديدا في عقدة توزير المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي رفض حزب الله توزيره في موقع وزير الداخلية، قبل أن يقبل به وزيرا للعدل، مما أثار انقسامات في صفوف مناصري الحزب وحلفائه السياسيين، ترجم بإعلان بعضهم «فض الشراكة» معه، بينما ظهرت دعوات للاعتصام في الضاحية الجنوبية ليلا احتجاجا على توزير «أحد قادة المحاور»، بالإشارة إلى ريفي الذي يتهمه فريق «8 آذار» بأنه مسؤول عن بعض مسلحي مدينة طرابلس في شمال لبنان.
وأفاد مصدر لبناني لـ«الشرق الأوسط» بأن اتصالات الساعات الأخيرة أفضت إلى تذليل عقبة توزير ريفي بعد اتصالات، تولى رئيس كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط دور الوسيط فيها بين الحزب ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، الذي قالت مصادر قريبة من جنبلاط لـ«الشرق الأوسط» إنه «كان إيجابيا للغاية» وسهل عملية التأليف. وأشار وزير الصحة في الحكومة الجديدة، وائل أبو فاعور، في حديث تلفزيوني، إلى أن «جنبلاط سعى شخصيا للمساعدة على تأليف الحكومة، وتدخل مع رئيس (تيار المستقبل) سعد الحريري، وكنا نسعى لإعلان الحكومة ليل أمس (أول من أمس) كي لا يحمل الليل أي تطورات أو تعقيدات». ورأى أن «أهم ما في الأمر أن جنبلاط كرس موقعه الوسطي وفكرة التسوية، وهذا ما حصل».
فبعد رمي الفيتو بوجه ريفي في وزارة الداخلية، اتفق على تعيينه وزيرا للشؤون الاجتماعية، لكن ريفي رفض الأمر مشترطا الحصول على وزارة العدل أو الاتصالات لدخول الحكومة، فكان أن جرى تعيينه وزيرا للعدل. لكن هذا التعيين خلق مشكلة جديدة في وجه الوزير رشيد درباس الذي كان مطروحا تعيينه وزيرا للداخلية، قبل حصول مشاكل داخل الصف الواحد نتيجة «حسابات طرابلسية» بعد اعتراض أحد المرشحين الطرابلسيين الذي كان مقررا تعيينه في هذا المنصب على اسمه، فاتفق على تعيينه وزيرا للعدل، بصفته نقيبا سابقا للمحامين في الشمال، فكان أن جرى التوافق أخيرا على تعيينه وزيرا للشؤون الاجتماعية.
وأثار إعلان الحكومة، التي حملت اسم حكومة «المصلحة الوطنية»، ارتياحا واسعا في الأوساط اللبنانية الشعبية والسياسية والاقتصادية بعد أكثر من عشرة أشهر من الجمود، والمخاطر الأمنية التي كانت سببا أساسيا في قبول حزب الله التنازل وخفض سقف مطالبه، سواء فيما يتعلق بشكل الحكومة لقبوله بعدم الحصول على الثلث الضامن الذي يسمح له بفرط عقد الحكومة في حال قرر هو وحلفاؤه الاستقالة، كما حصل مع حكومة الرئيس سعد الحريري، أو لجهة قبوله بأسماء يراها استفزازية. وقال أحد الوسطاء الذين عملوا على خط تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء لـ«الشرق الأوسط» أن الحزب بدا أكثر تساهلا فيما يتعلق بعملية تأليف الحكومة في الأسابيع الأخيرة، تحت ضغط التفجيرات الانتحارية التي ضربت المناطق المؤيدة للحزب في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع، لجهة اعتباره أن التوافق داخل الحكومة من شأنه أن يعطي عملية ملاحقة المفجرين فعالية أكبر، إذ سيكون الفريق السني في الحكومة شريكا في محاربة منفذي التفجيرات، كما يقلل التوافق السياسي من الاحتقان الداخلي. ونقل الوسيط عن أحد مفاوضي الحزب قوله في أحد مفاصل المفاوضات: «نحن نريد الحكومة قبل غيرنا لأن دمنا على الأرض»، في إشارة إلى عمليات التفجير.
وأفادت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحكومة دعيت إلى الاجتماع الثلاثاء المقبل، حيث سيكون على جدول أعمالها تأليف لجنة وزارية لصياغة البيان الوزاري الذي ستتقدم به إلى المجلس النيابي من أجل نيل الثقة كما ينص الدستور. وقالت المصادر إن البيان الوزاري سيكون الامتحان الحقيقي للتوافق السياسي، بعد أن أجل البحث فيه إلى ما بعد تأليف الحكومة تجنبا لتفجيرها قبل تأليفها، وذلك بسبب إصرار فريق «14 آذار» على عدم «إعطاء أي شرعية لسلاح حزب الله» الذي حظي بتغطية من البيانات الوزارية لكل الحكومات اللبنانية التي تألفت منذ إقرار اتفاق الطائف في مطلع التسعينات من القرن الماضي. ورغم أن حكومات ما بعد عام 2005 تلاعبت لغويا من أجل عدم ذكر الأمر مباشرة، فإن غنى اللغة العربية سمح لها بإقرار صيغة يترجمها كل فريق على هواه، كذكر الحكومات الأخيرة لثلاثية «الشعب والجيش والمقاومة» في مقاومة الاحتلال، وهي صيغة ترفضها قوى «14 آذار» الآن.
وقالت المصادر إن انسحاب التوافق السياسي على موضوع البيان الوزاري سيترجم من خلال تنازل أحد الطرفين عن مطالبه، أو توافقهما على صيغة مبهمة أخرى، أما في حال فشلا في ذلك فسنكون أمام مرحلة صعبة قد تعني تحول الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال بتوافق الطرفين، خصوصا أن ولاية رئيس الجمهورية تنتهي بعد نحو شهرين، ومن هنا تواجه البلاد مخاطر الفراغ الرئاسي الذي ستملأه الحكومة.
وكانت علامات «الدخان الأبيض» ظهرت صباح أمس مع توجه رئيس الحكومة المكلف تمام سلام إلى القصر الجمهوري، حيث انضم إليهما لاحقا رئيس مجلس النواب نبيه بري، مما أشر قرب صدور مراسيم تشكيل الحكومة التي صدرت قرابة الواحدة بعد الظهر.
وألقى الرئيس سلام بيانا أكد فيه أن «حكومة المصلحة الوطنية الجامعة التي شكلت تتوافر فيها جميع العناصر الدستورية والميثاقية والقانونية والتمثيلية». وقال: «شكلت بروحية قادرة على خلق مناخات إيجابية لإحياء الحوار الوطني حول القضايا الخلافية برعاية فخامة رئيس الجمهورية، وقادرة على تأمين الأجواء اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، فضلا عن الدفع باتجاه إقرار قانون جديد للانتخابات التشريعية». وأعلن مد يده إلى جميع القيادات التي دعاها إلى «التنازل لصالح مشروع الدولة، والالتقاء حول الجوامع الوطنية المشتركة، ومعالجة الخلافات داخل المؤسسات الدستورية والالتفاف حول الجيش والقوى الأمنية وإبقائها بعيدة عن التجاذبات السياسية». وجاء في البيان: «لقد شكلت حكومة المصلحة الوطنية بروحية الجمع لا الفرقة، والتلاقي لا التحدي. هذه الروحية قادرة على خلق مناخات إيجابية لإحياء الحوار الوطني حول القضايا الخلافية برعاية فخامة رئيس الجمهورية، وقادرة على تأمين الأجواء اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، فضلا عن الدفع باتجاه إقرار قانون جديد للانتخابات التشريعية».

وفي نفس السياق؛ تمكّن رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام من إعلان تشكيلة حكومية تضم 24 وزيرا وفق قاعدة «الثمانات الثلاثة»، إذ نال كل من تحالفي 8 و14 آذار ثمانية حقائب وزارية، وحصدت الكتلة الوسطية، المتمثلة بسلام والرئيس اللبناني ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط، الحقائب الثمانية الأخرى.
وباستثناء حزب القوات اللبنانية، الذي اختار طوعا عدم المشاركة في أي تشكيلة حكومية يشارك فيها حزب الله، اعتراضا على قتاله إلى جانب القوات النظامية في سوريا، ضمت الحكومة ممثلين عن أبرز الكتل البرلمانية اللبنانية. لكن حكومة سلام لم تتضمن حضورا نسائيا فاعلا لتقتصر المشاركة على وزيرة واحدة هي وزيرة المهجرين القاضية أليس شبطيني، التي أدرج اسمها في الساعات الأخيرة على لائحة المرشحين للتوزير.
وإذا كانت الحكومة الأخيرة التي شكلها رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي في 13 يونيو (حزيران) 2011، أبصرت النور بعد تسوية تخللها تضحية رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بمقعد وزاري محسوب على الطائفة الشيعية لصالح الطائفة السنية، شغله وزير الرياضة السابق فيصل كرامي، مما رفع حصة «السنّة» إلى سبعة وزراء مقابل خمسة للشيعة، فإن سلام أعاد التوازن الطائفي إلى الحكومة. بالأرقام، انقسمت مقاعد الحكومة الأربعة والعشرون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وتمثلت كل من الطائفتين السنية والشيعية بخمسة مقاعد، فيما نالت الطائفة الدرزية مقعدين. ومسيحيا، ذهبت خمسة مقاعد إلى الموارنة وثلاثة إلى الأرثوذكس، في حين تمثل الكاثوليك بمقعدين، مقابل مقعد للأقليات وآخر للأرمن. وسياسيا، تمثل الرئيس اللبناني ميشال سليمان ضمن الحصة الوسطية بثلاثة وزراء، هم نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الوطني سمير مقبل، ووزيرة المهجرين أليس شبطيني، ووزير الشباب والرياضة عبد المطلب حناوي. وحصد النائب وليد جنبلاط مقعدين وزاريين يشغلهما وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور ووزير الزراعة أكرم شهيب، بينما بقي للرئيس سلام وزيران هما وزير البيئة محمد المشنوق ووزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس.
على صعيد قوى «14 آذار»، تمثل تيار المستقبل بأربعة وزراء هم وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، ووزير العدل أشرف ريفي، ووزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية نبيل دو فريج، إضافة إلى وزير السياحة ميشال فرعون، في حين حصد مستقلو «14 آذار» حقيبة الاتصالات التي يتولاها الوزير بطرس حرب.
ونال حزب الكتائب اللبنانية، الذي يتزعمه الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، حصة الأسد الوزارية في الحكومة، بعد أن صبّ امتناع القوات عن المشاركة لصالحه. وتمثلت «الكتائب» بثلاثة وزراء في الحكومة هم وزير الإعلام رمزي جريج، ووزير الاقتصاد والتجارة آلان حكيم، ووزير العمل سجعان قزي، علما بأن كتلة الكتائب النيابية تضم خمسة نواب.
في المقابل، فاز تحالف 8 آذار بثمانية مقاعد وزارية، ذهب أربعة منها إلى تكتل التغيير والإصلاح، الذي يضم إلى جانب كتلة النائب ميشال عون، كلا من تيار المردة برئاسة النائب سليمان فرنجية، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب الطاشناق الأرمني. وتمثل تيار عون بوزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، والحزب القومي بوزير التربية والتعليم العالي إلياس أبو صعب، وهو مقرب من عون، في حين تمثل تيار المردة بوزير الثقافة روني عريجة وحزب الطاشناق بوزير الطاقة والمياه آرتور نظريان.
وتقاسمت الثنائية الشيعية المقاعد الأربعة الباقية، فنال حزب الله حقيبة الصناعة التي يتولاها الوزير حسين الحاج حسن، وشغل الوزير محمد فنيش منصب وزير الدولة لشؤون مجلس النواب. أما كتلة حركة أمل التي يرأسها بري، فقد حصدت حقيبتي الأشغال العامة والنقل، التي يتولاها الوزير غازي زعيتر وحقيبة المالية، التي يتولاها الوزير علي حسن خليل.
يُذكر أن تركيبة الحكومة الجديدة اعتمدت مبدأ المداورة في الحقائب، أي تحرير الحقائب من القيد الطائفي والمذهبيّ، باستثناء حقيبة نائب رئيس مجلس الوزراء، وفق ما أعلنه سلام في كلمته بعد تشكيل حكومته. وأوضح مكتبه الإعلامي في وقت لاحق أمس أن «المقصود بالاستثناء من المداورة هو حقيبة الدفاع التي بقيت خارج هذا المبدأ، باعتبار أن نائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل الذي بات يتولاها (الدفاع) ينتمي إلى طائفة الروم الأرثوذكس التي ينتمي إليها وزير الدفاع السابق». وأفاد بأن «موقع نائب رئيس مجلس الوزراء الذي يعود إلى طائفة الروم الأرثوذكس ليس خاضعا لأي مداورة»، نظرا لكونه المنصب الأعلى الذي يمكن لأرثوذكسي الوصول إليه في لبنان.
وباستثناء حقيبة الدفاع، التي تعد سيادية، فإن مبدأ المداورة شمل الحقائب السيادية الثلاثة المتبقية، وهي الخارجية والداخلية والمالية. فانتقلت الأخيرة من الوزير السني محمد الصفدي (14 آذار) إلى الوزير الشيعي علي حسن خليل (8 آذار). وفي حين تسلم الوزير الماروني جبران باسيل (8 آذار) حقيبة الخارجية من الوزير الشيعي عدنان منصور (8 آذار)، وذهبت وزارة الداخلية إلى الوزير السني نهاد المشنوق (14 آذار) بعد أن كانت بيد الوزير الماروني السابق مروان شربل، المحسوب على الرئيس اللبناني.

هذا وقد خرقت «حكومة المصلحة الوطنية» ثلاثة أسماء يمكن وصفها بـ«الاستفزازية»، رغم إصرار رئيس الحكومة تمام سلام والأفرقاء السياسيين منذ بدء المباحثات على استبعاد شخصيات قد «تثير الحساسية» بالنسبة إلى أي فريق. وتتوزع هذه الشخصيات بانتمائها السياسي، بين أفرقاء الحكومة الثلاثة: قوى «14 آذار» و«8 آذار»، والوسطيين، أي الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط. وتتمثل بـالمدير العام السابق للأمن الداخلي اللواء المتقاعد أشرف ريفي المحسوب على «تيار المستقبل»، ووزير الطاقة جبران باسيل المحسوب على تكتل النائب ميشال عون، إضافة إلى السيدة الوحيدة في التشكيلة الحكومية التي اختارها الرئيس اللبناني لتكون من حصته وهي رئيسة محكمة التمييز العسكرية أليس شبطيني.
ويتصدر ريفي قائمة الأسماء «الاستفزازية»، وهو الذي كان السبب المعلن في استقالة رئيس الحكومة السابقة نجيب ميقاتي في 22 مارس (آذار) 2013، إثر اعتراض فريق «8 آذار» على التمديد له في موقعه بعد بلوغه سن التقاعد القانوني. وكاد ريفي يطيح أيضا بحكومة سلام في اللحظة الأخيرة، بسبب وضع حزب الله «فيتو» على توليه وزارة الداخلية، قبل أن تنشط الجهود في الساعات الأخيرة على أكثر من خط، لتذليل هذه العقبة، وصولا إلى منحه «وزارة العدل» بعدما رفض وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل.
وتشير المعلومات إلى أن حزب الله الذي كان على علاقة مقبولة معه خلال فترة عمله في «الأمن الداخلي»، كان وعد ريفي، بتولي وزارة الداخلية، قبل أن تنقلب الأمور رأسا على عقب، بسبب تصريحاته المهاجمة لحزب الله في الفترة الأخيرة، على خلفية الاشتباكات في طرابلس، مسقط رأس ريفي. فتحول الوعد إلى «فيتو» أبعده من الوزارة التي كان يطمح إليها. ويعرف ريفي بخبرته الأمنية التي كان لها دور أساسي في التحقيقات بقضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري التي أدت إلى اتهام خمسة أشخاص من حزب الله، إضافة إلى كشفه ما عرف بـ«شبكة الوزير السابق ميشال سماحة» التي كانت تخطط لتنفيذ عمليات أمنية في لبنان بالتنسيق مع شخصيات في النظام السوري.
واستبق ريفي أمس، إعلان التشكيلة النهائية للحكومة، بإصداره بيانا، رد فيه على حزب الله المعترض عليه ومتهما إياه بالتعطيل، قائلا: «أراد أن يجعل من حقيبة الداخلية عقدة التأليف، والحقيقة أنه هو عقدة كل البلد، وأنا لن أشارك في إعطائه فرصة الاستمتاع بلحظة العرقلة من جديد». وتوجه إلى الحريري بالقول: «لن أرضى أن أكون جزءا من المشكلة التي تواجه تأليف الحكومة»، مؤكدا أنه «يقف مع أي قرار يتخذه الحريري ويرى فيه مصلحة للبلاد».
واستكمالا لسلسلة الانتقادات التي لحقت وتلحق بريفي من قبل معارضيه، أعلن أمس المدير العام للأمن العام السابق اللواء جميل السيد، أحد الضباط الأربعة الذي سبق أن أوقفوا في قضية اغتيال الحريري، قطع علاقته التشاورية بفريق «8 آذار»، عادا أنه «ما من سبب مبدئي أو أخلاقي يبرر لهم التفريط في وزارة العدل تحديدا، لأن العدل والأمن توأمان بالنسبة للمجتمع، ولأن من يعد غير مؤهل للأمن فهو غير مؤهل للعدل كذلك، خصوصا أن الفريق نفسه كان قد عارض في الأمس القريب التمديد للواء أشرف ريفي كمدير عام لـ(الأمن الداخلي)».
من جهته، لا يقل وزير الطاقة والمياه السابق وصهر النائب ميشال عون، جبران باسيل، «استفزازا» بالنسبة إلى فريق «14 آذار»، لا سيما أنه يعد «المدلل» في «التيار الوطني الحر» والوزير الذي يرفض عون الاستغناء عنه، حتى إنه هدد بعدم تأليف حكومة ميقاتي السابقة إذا لم يكن باسيل وزيرا فيها. وسبق لباسيل أن ترشح للانتخابات النيابية في عامي 2005 و2009 عن دائرة الشمال - البترون، لكنه خسر أمام مرشحين من فريق «14 آذار». أما المعركة الكبرى التي خاضها عون، فكانت في الحكومة التي أبصرت النور أمس، بعدما كان اعترض على مبدأ المداورة في الحقائب بشكل عام والتنازل عن وزارة الطاقة التي يتولاها صهره بشكل خاص، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ فريق «8 آذار» قراره مجتمعا بمقاطعة الحكومة أو الاستقالة منها في حال أقدم سلام على تأليفها. وبقيت هذه العقبة محور محادثات الأسبوعين الأخيرين إلى أن رضي عون بالتنازل عن «الطاقة» لصالح حليفه الأرمني «الطاشناق»، من دون أن يستغني عن باسيل، إنما هذه المرة في وزارة الخارجية. وللسيدة الوحيدة التي «زينت» الحكومة الذكورية، رئيسة محكمة التمييز العسكرية أليس شبطيني، المحسوبة على الرئيس سليمان، موقعها الاستفزازي بالنسبة إلى حزب الله. ويعود هذا الأمر إلى شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي عند اتخاذها قرار تخلية سبيل أربعة موقوفين في جرم التعامل مع إسرائيل مقابل كفالة مالية، مما أدى إلى شن حزب الله هجوما عليها، مطالبا بتنحيتها وبتحويل الملفات التي حكمت فيها للتفتيش القضائي. وفي حين حمل نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم القضاء، اللبناني مسؤولية عدم التهاون مع العملاء الإسرائيليين، عدت حينها قناة «المنار»، التابعة لحزب الله، أن أسباب إطلاق سراح هؤلاء مجهولة بقدر ما هي مشبوهة، سائلة عن دوافع ما أقدمت عليه القاضية شبطيني، ولمن تقدم شبطيني أوراق اعتمادها؟



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.