التخت الشرقي... تاريخٌ عصيٌّ على الاندثار

يكاد يكون أساس الموسيقى العربية منذ العصر العباسي

نصير شمة
نصير شمة
TT

التخت الشرقي... تاريخٌ عصيٌّ على الاندثار

نصير شمة
نصير شمة

لم تكن حاجة الذائقة السمعية ماسّةً لما تمثله موسيقى التخت الشرقي، في أي وقت مضى، مثلما هي اليوم. ليس للحفاظ على طبيعة هذا الطراز الموسيقي الذي يعود إلى قرون، فهو عصيٌّ على الاندثار، كما يخبرنا التاريخ بذلك. لكن الحاجة ماسّة لموسيقى بقيت ملهِمة في آلات التخت الشرقي، ولم تستطع الآلات الإلكترونية الجديدة، على أهميتها، إزاحتها.
ذلك أحد أهم الأسباب في اختيار مسرح «بيير بولسار» ببرلين في دورته الخامسة، لأيام الموسيقى العربية بوصفها أفضل ما يجمع الدول العربية لتقديم فنها في تبادل إبداعي، فالموسيقى لا تخضع لجغرافيا التقسيم وهي تكتنز كل هذا التاريخ في متنها الحسّي.
التخت الشرقي لا يكتفي بالتعبير عن خصوصية بلد ما في الشرق، بل هو جامع لكل تلك البلدان، فاسمه مستلٌّ من مفردة تعني المجلس أو المنصة الخشبية التي كان يجلس عليها العازفون والمنشدون في معابد البابليين، كمكان مرتفع قليلاً عن المتعبدين.
واستوحت موسيقى التخت الشرقي، تلك الطقوس في المقامات العراقية حتى القدود الحلبية والطقطوقة السورية والموال والأدوار المصرية، وصولاً إلى الموشحات والمألوف في بلدان المغرب العربي بشمال أفريقيا.


 لبانة القنطار

كذلك تتنوع خيارات هذه الأيام العربية وهي تحتفي بالموسيقى في أعمق صورها، عبر نتاجات مجموعات فنية من البلدان العربية التي بقيت على خيارها في التعريف بحضارتها وثقافتها بالموسيقى، عابرة في ذلك الخلاف السياسي والجغرافي.
فالتخت الشرقي يكاد يكون أساس الموسيقى العربية منذ أن وُجد في العصر العباسي، لكنه اتخذ لنفسه فيما بعد تلك الصورة المصغرة لموسيقى تقتصر على عدد قليل من الآلات الشرقية تحديداً: القانون، والعود، والناي، والبزق، والدف. حتى ضم إليها الكمان، الموسيقار السوري أنطوان الشوا عام 1865.
وتمثل تجربة الفيلسوف العربي يعقوب بن إسحاق الكندي الذي عاش في القرن الثامن الميلادي إبان العصر العباسي في بغداد، وأدخل مفردة الموسيقى إلى اللغة العربية التي انتقلت إلى اللغات الأخرى بما فيها الإنجليزية، بدايات التخت الشرقي الذي تطور إلى مفهومه المعاصر.
وضع الكندي أولى قواعد الموسيقى في العالم الإسلامي آنذاك، ولم يكتفِ بالتنظير المعرفي لفلسفة الموسيقى وتأثيرها على الحواس، إذ كوّن تختاً شرقياً ووضع سلماً موسيقياً من اثنتي عشرة نغمة، ما زال يُستخدم في الموسيقى العربية إلى اليوم، وكان أول مَن اقترح إضافة الوتر الخامس إلى العود.
والكندي الذي كان شديد العقلانية ووضع خمس رسائل في الموسيقى، اكتشف في الموسيقى علاجاً عندما عدّها بمثابة «الحيلة لدفع الأحزان»، في نوعٍ من المواساة الفلسفية.
واليوم تقدَّم هذه المشاركات في أيام الموسيقى العربية بطريقة معاصرة، لكنها لا تغادر صورة التخت الشرقي التاريخي. فالموسيقار العراقي نصير شمة يحافظ على هوية تلك الآلات الشرقية لكنه في الوقت نفسه يضيف لها آلات هوائية ووترية مثل فيولونسيلو ودبل باس والفلوت، بينما يقدم لنا الفنان اللبناني فادي أبو سعد «ألف» التخت الشرقي من البيانو بوصفها الآلة التي تمتلك تلك القدرة العجيبة لتكون جزءاً حيوياً من موسيقى الغرب والشرق على حد سواء، فتأتي مع التخت المصاحب لبيانو «ألف»، أنغام القانون والرق والترومبون محمّلة بطاقة موسيقية تجمع موسيقى الشعوب.
بينما ستكون قيادة عازف الكمان المغربي محمد العثماني مع جوق الموسيقى الأندلسية في تخت شرقي مغاربي، يحافظ على هويته الأندلسية المتمثلة بالعود والربابة والدربوكة والطار، مضافاً إليها الفيولا. مثلما يقدم الموسيقى الصوفية التي بقيت أعمق طرق التعبير الروحي عن المناجاة والابتهالات.
يكاد هذا الجوق المغربي الذي بقي مخلصاً لخصوصية الموسيقى المغاربية، أكثر المحافظين على أطوار المألوف والموسيقى الأندلسية التي بقي المغرب أميناً عليها، مثلما يجسد جوق العثماني التعريف التاريخي والمعاصر في آن واحد لمفهوم التخت الشرقي.
لا يمكن للتخت الشرقي أن يكتمل من دون الغناء! فالفنانة السورية لبانة القنطار الصوت الأوبرالي القادم من عمق بلاد الشام، تكاد تعيد الفنانة الراحلة أسمهان إلى الحياة، في استلهام عربي معاصر للغناء الأوبرالي مع التخت الشرقي في جوقة تذوب ولهاً مع سحر الناي والقانون.
فإذا كان نصير شمة أكثر المخلصين لاستمرار مدرسة العود العراقية الممثلة بجميل بشير وسلمان شكر ومنير بشير وروحي الخماش، فإن لبانة القنطار امتداد لغناء الراحلة أسمهان بطبقة صوتية أوبرالية وبحس عربي.
كذلك ستكون تلك الجوقات ملهمة ومعبرة عن الفكرة التي تأمل بها أيام الموسيقى العربية على امتداد أماسيّها في برلين. مثلما هي فرصة للجمهور المختلف في تنوعه وذائقته وخلفياته الثقافية، لتكوين فكرة جيدة عن التخت الشرقي، على نفس المستوى من اختبار مشاعر الذائقة السمعية الأوروبية وتفاعلها مع الموسيقى العربية الممثلة بأبرع العازفين المعاصرين الممثلين لخصوصية موسيقى بلدانهم.
ستكون هناك استعادة لدور التخت الشرقي الذي كان يستوطن القصور والسرايا في القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل إلى المقاهي والأحياء في الدول العربية، فالموسيقى لا تفرّق بين الأغنياء والفقراء، كما أن نغماتها لا تتغير أو تصاب بالوهن سواء قُدمت في القصور المدججة بالفخامة أو في المقاهي التي يرتادها عامة الناس.
كانت التخوت تسمى باسم فنانيها، مثل تخت سامي الشوّا في سوريا، وتخت منيرة المهدية في مصر، وتخت صالح الكويتي ومحمد القبانجي في العراق.
ولا يمكن للتاريخ الموسيقي إلا أن يتأمل «فرقة خماسي الفنون الجميلة» التي جمعت نخبة فنية بارعة من الموسيقيين العراقيين (سالم حسين: قانون. غانم حداد: كمان. روحي الخماش: عود. حسين قدوري: الجلو. حسين عبد الله: الدف) بوصفها المعبّر الأمثل عن التخت الشرقي.
وما قدمه هذا التخت من بشارف وسماعيات وتقاسيم، يعد اليوم مرجعاً لفهم دلالة الرقي بالذائقة السمعية.
استمر تخت «خماسي الفنون الجميلة» منذ سبعينات القرن العشرين حتى بداية عام 1990 جاب خلال تلك السنين عواصم العالم، مرسخاً مفاهيم الموسيقى العربية التي يمثلها التخت الشرقي.
كذلك بقيت السطوة لآلات التخت الشرقي متوجة في سحرها على المشاعر الإنسانية، فالقانون لم يفقد تسيّده على كبرى الجوقات الموسيقية على مر التاريخ «يتوسط عازف القانون عازفي التخت الشرقي للتعبير عن هيبته وقيادته الموسيقية»، والعود يكاد يكون السيد منذ أن اكتُشفت أول قيثارة سومرية قبل ستة آلاف سنة في بلاد الرافدين. ويبقى الناي أداة العاشقين الهائمين والفلاحين والرعاة على مر التاريخ، ثم تطور إلى آلات هوائية معاصرة أضحت المصاحب الأساسي لأوركسترا الموسيقى الكلاسيكية، بينما يكتفي الكمان بكونه الجامع بين الموسيقى في الشرق والغرب، متجاوزاً فكرة «ربع تون» التي يتذرع بها البعض لتقسيم الموسيقى.
الرقّ احتفظ بهيئته المشرقية وبقي أساسياً في التخت الشرقي، فضلاً عن كونه أداة كل احتفالات الشعوب وابتهالاتها وأناشيدها، لذلك تطوّر وتحوّر وتغيّر حجمه واسمه، لكنه لم يغادر التخت الشرقي، وذلك ما سيكون واضحاً في أماسيّ الأيام الموسيقية العربية لمسرح «بيير بولسار».
التخت الشرقي بمثابة مدرسة موسيقية وإن كانت صغيرة فإنها جادة في التعبير عن الأنماط الموسيقية العربية، مثلما هي قادرة على أن تكون مثالاً يعود له الدارسون لعلوم الغناء وأسرار هذا الفن الأزلي، التي باتت بموجبه الموسيقى المعبّر الأصدق عن الحرية الإنسانية.
في حين كان التخت الشرقي يتألف في الغالب من عدد قليل من الموسيقيين، لكنه لم يكتفِ بذلك وخرج عن الشكل التقليدي حتى أصبح فرقة متكاملة يماثل عددها الأوركسترا الغربية. مع ذلك تبقى لمسة الحنين باقية للتخت الشرقي كما هو بعدد من الموسيقيين الذين لا يتجاوزن خمسة عازفين، فضلاً عن كونه يمتلك من الطاقة الموسيقية ما يجعله قادراً على إيصال أصعب المقامات، ومصاحبة أعمق الأصوات في أدائها الغنائي.
ولأن الموسيقى والغناء هي نتاج لتاريخ من القوالب والقوانين والأشكال والبيئات على مستوى حقب التاريخ، فإن التخت الشرقي وليد تلك الحقب والأشكال الموسيقية التي توارثتها الأجيال عبر امتزاج علوم الغناء بالأفكار الفطرية عن ذلك الفن الذي بقي يحمل أعلى الرسائل الإنسانية.
سيحمل التخت الشرقي على مدار الأماسيّ الأربع في أيام الموسيقى العربية، ما يؤكد الحقيقة التاريخية بأن الموسيقى بقيت الأصدق على مر العصور عندما تقترن بالمشاعر الإنسانية، ولم تؤثر عليها كل التقسيمات الجغرافية، بقدر ما منحتها مساحة مضافة للتنوع والتلاقي والتطور والنمو.
إذا كان الإنسان لم يختلف في يوم ما على أهمية الموسيقى في حياة البشرية منذ أول نغمة صدرت من قيثارة بدائية قبل آلاف السنين، فإنه اليوم يستعين بها من أجل التعرف على ثقافة الآخر المختلف عنه، بوصف الموسيقى الفن الأمثل العابر لكل الحواجز العرقية والإثنية والوطنية.
كان العالم العربي محمد أبو نصر الفارابي، الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، قد رأى في الموسيقى في كتابه الشهير «كتاب الموسيقى الكبير» أنها تُحدث في «نفس الإنسان تخيلات وتصورات، مثل ما تفعل التماثيل المحسوسة بالبصر» لذلك استحدثها الإنسان تحقيقاً وإيفاءً لفطرته.
والعالم اليوم يلجأ إلى الموسيقى بوصفها العامل الإنساني الموحّد لكسر الخلافات والفروقات. وسيكون التخت الشرقي أحد أشكال الموسيقى المصورة للهوية والثقافة العربيتين، فهناك الكثير ما يجمع العرب من شمال أفريقيا حتى الخليج العربي، لكن الموسيقى كانت وستبقى أكثر ما يجمع الشعوب بعضها مع بعض.

* كاتب وصحافي عراقي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.