بوتين يتهم الغرب بتعزيز «النزعات الاستعمارية» ويؤكد قدرة روسيا على المواجهة

التغيرات العالمية «لا رجعة فيها» والنخب الغربية «منفصلة» عن مصالح الشعوب

شدد بوتين على أن التغيرات التي يشهدها العالم حالياً «لا رجعة فيها» (أ.ف.ب)
شدد بوتين على أن التغيرات التي يشهدها العالم حالياً «لا رجعة فيها» (أ.ف.ب)
TT

بوتين يتهم الغرب بتعزيز «النزعات الاستعمارية» ويؤكد قدرة روسيا على المواجهة

شدد بوتين على أن التغيرات التي يشهدها العالم حالياً «لا رجعة فيها» (أ.ف.ب)
شدد بوتين على أن التغيرات التي يشهدها العالم حالياً «لا رجعة فيها» (أ.ف.ب)

عكست تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي، رهاناً روسيّاً على تعميق الأزمات الداخلية في المجتمعات الغربية، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وزيادة التضخم، وارتفاع الأسعار. ورأى بوتين أن النخب الغربية انفصلت عن مصالح شعوبها، وعملت على تعزيز مسار «فرض الهيمنة الاستعمارية». وقدّم بوتين في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي الذي يُعقد في أقصى الشرق الروسي تحت عنوان «نحو عالم متعدد الأقطاب» رؤيته للتطورات السياسية والاقتصادية في العالم على خلفية الحرب الأوكرانية، والمواجهة المتفاقمة بين روسيا والغرب. وقال إن «التحديات العالمية الجديدة» حلّت محل وباء فيروس «كورونا»، منتقدا ما وصفها بأنها «هستيريا العقوبات الغربية»، و«المحاولات العدوانية المكشوفة لفرض أنماط سلوكية على دول أخرى، وحرمانها من سيادتها وإخضاعها لإرادتها».
وقال الرئيس الروسي إن الحرب ضد أوكرانيا هذا العام كان أمرا ضروريا. وقال: «أستطيع أن أقول إن المكسب الرئيسي كان تعزيز سيادتنا، وهذه نتيجة مؤكدة لما يحدث الآن»، مشيرا إلى أن الهجوم على أوكرانيا كان مطلوبا للدفاع عن روسيا. وأضاف «لم نخسر شيئا ولن نخسر شيئا».
ووصف العقوبات الغربية بأنها باتت مصدر تهديد للعالم بأسره. وأشار إلى أن ذلك أدى إلى تراجع الثقة في الدولار واليورو والجنيه الإسترليني، وقال إنه «حتى حلفاء الولايات المتحدة يخفضون احتياطياتهم من العملة الأميركية».

وشدد على أن التغيرات التي يشهدها العالم حاليا «لا رجعة فيها»، مشيرا إلى أن تقليص تأثير واشنطن على العمليات في الاقتصاد والسياسة العالميين، كان العامل المحفز لهذه العمليات. ووفقا لبوتين فإن «الغالبية المطلقة لدول آسيا والمحيط الهادي لا تقبل المنطق المدمر للعقوبات، وهنا تقع مبادئ المنفعة المتبادلة والتعاون في قلب مسار العلاقات التجارية». ولفت إلى أن «صفقة إسطنبول» التي تم توقيعها قبل أسابيع، لتسهيل صادرات الحبوب والأغذية من أوكرانيا وروسيا «لا تحقق أهدافها المعلنة لأن كل المواد الغذائية التي تصدرها أوكرانيا في إطار هذه الصفقة تذهب إلى أوروبا، وليس إلى البلدان المحتاجة».
وأوضح الرئيس الروسي «إذا استبعدنا تركيا كدولة وسيطة، فكل الحبوب المصدرة من أوكرانيا تقريباً لا يتم إرسالها إلى البلدان النامية والأكثر فقراً، ولكن إلى دول الاتحاد الأوروبي. خلافا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، والذي يتضمن فقط مساعدة أكثر الدول المحتاجة، (...) لقد تم تحميل سفينتين فقط. اسمحوا لي أن أؤكد، اثنتان فقط من أصل 87، وقد حملوا 60 ألف طن من المواد الغذائية من أصل مليوني طن، تم إرسال 3 في المائة فقط منها إلى البلدان النامية».
نفى الرئيس الروسي أن تكون روسيا تستخدم الطاقة «سلاحا» ضد أوروبا، بعد أيام من توقف شحنات الغاز الروسي عبر خط أنابيب «نورد ستريم». وقال بوتين إن الدول الغربية تقول إن «روسيا تستخدم الطاقة كسلاح. كلام فارغ! أي سلاح نستخدم؟ نقوم بتوفير الكميات الضرورية وفقاً لطلبات» الدول المستوردة. وتابع الرئيس الروسي أمام قادة اقتصاديين وسياسيين آسيويين «أعطونا توربيناً ونعيد إطلاق نورد ستريم غداً». وأعلنت مجموعة «غازبروم» الروسية الجمعة توقف عمل خط أنابيب «نورد ستريم» الحيوي لإمداد أوروبا بالغاز، «بالكامل»، حتى انتهاء إصلاح توربين فيه، بعدما كان من المقرر أن يعاود العمل السبت إثر عملية الصيانة. وعزز هذا الإعلان مخاوف الدول الأوروبية من انقطاع تام للغاز الروسي في أوروبا، قبل حلول فصل الشتاء وعلى خلفية تضخم متسارع في أسعار الطاقة. ويتهم الاتحاد الأوروبي موسكو باستخدام شحنات الغاز كسلاح ضغط في إطار النزاع في أوكرانيا. وتقول موسكو إن العقوبات المفروضة عليها تسببت في نقص قطع الغيار، ما يهدد تشغيل نورد ستريم. وقال بوتين متوجهاً إلى الأوروبيين، «نحن مستعدون لاستئناف التصدير عبر نورد ستريم غداً»، مضيفاً «كل ما عليكم فعله هو الضغط على الزر»، مذكراً بأن روسيا ليست هي من «فرض عقوبات». وتابع «لكننا وصلنا إلى طريق مسدود بسبب العقوبات الغربية» على موسكو. واعتبر أن تحديد سقف محتمل لأسعار الغاز الروسي من قبل الأوروبيين سيكون «حماقة» و«حلاً آخر خارج السوق بلا آفاق». وقال: «إذا أرادت الدول الأوروبية التخلي عن مزاياها التنافسية، فالقرار متروك لها».
ووصف بوتين سياسة الدول الأوروبية بأنها استمرار للماضي الاستعماري. منتقدا ما وصفه حرص الغرب على تعزيز مسار الهيمنة. وقال إن الغرب «يريد فرض نماذج سلوك خاصة به، تخدم مصالحه ولا تخدم سواه، ونشهد مساعي لتعزيز هيمنة مراوغة للولايات المتحدة في السياسة العالمية». وقال بوتين إن النخب السياسية الغربية «لا تعبأ بمصالح شعوبها، وتلقي بها في محرقة العقوبات، ونلاحظ اتساع الفجوة ما بين النخب السياسية والشعوب الغربية (...) بينما تنزع واشنطن إلى فرض أجندتها السياسية على القارة الأوروبية، غير عابئة بصالح القارة، تحت مزاعم وحدة الأطلنطي». وشدد على أن ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية «يمكن أن يكون مأساة حقيقية لمعظم البلدان الأشد فقرا. لذلك، وفقاً للأمم المتحدة، إذا عانى 135 مليون شخص في العالم في عام 2019 من نقص حاد في الغذاء، فإن عددهم حاليا هو 345 مليونا». وقال إن «الدول الأكثر فقرا تفقد تماما القدرة على الوصول إلى أهم المنتجات الغذائية لأن الشراء من قبل الدول المتقدمة يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار».
وتطرق في خطابه إلى الوضع الداخلي في روسيا وقال إن معدلات التضخم السنوي تتجاوز حاليا، 14 في المائة بقليل، مشيرا إلى اتجاه «تراجعي» في هذا المجال. وزاد «أعتقد أنه وفقاً لنتائج العام سيكون لدينا حوالي 12 في المائة، ووفقاً للعديد من خبرائنا، في الربع الأول، بحلول الربع الثاني من العام المقبل، سنصل على الأرجح إلى المؤشرات المستهدفة، وهناك من يتحدث عن معدلات 5 إلى 6 في المائة، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أنه سيتم الوصول إلى مستوى أربعة في المائة فقط». وأشار إلى أن الوضع الاقتصادي في روسيا قد استقر، و«لكن لا تزال هناك مشاكل مرتبطة بـالإمدادات من الخارج. كما استقرت أسواق العملات والأسواق المالية، ووصل معدل البطالة إلى أدنى مستوى تاريخي له بأقل من أربعة في المائة». وزاد أن «روسيا تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم القادرة على تلبية احتياجاتها من الموارد الطبيعية». وأشار إلى أن «السفن التي نطورها ستسمح لنا بالملاحة طوال العام عبر ممر الملاحة الشمالي».
وعموما فقد رأى بوتين أن «الوضع الاقتصادي في روسيا استقر لكن المصاعب لا تزال قائمة، وخصوصا المتعلقة بإمدادات من الخارج». لكنه جدد التأكيد في الوقت ذاته على «استحالة عزل روسيا ويكفي فقط النظر إلى الخريطة للتأكد من ذلك». وتعهد الرئيس الروسي بتعزيز مسار إحلال المعاملات بالعملات الوطنية في تعاملات روسيا الاقتصادية، وقال إنه سيتم استخدام الروبل الروسي واليوان الصيني في مدفوعات الغاز مع الصين بنسب متساوية.
وتستضيف مدينة فلاديفوستوك في أقصى الشرق الأقصى الروسي هذا الأسبوع فعاليات وأنشطة منتدى الشرق الاقتصادي، وسط مشاركة دولية وصفتها موسكو بأنها واسعة برغم القيود الغربية.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟