فؤاد مطر يختتم تجربته في التأليف بعمل موسوعي عن العراق

«العراق الغاضب والمغضوب منه والمغضوب عليه» يروي تاريخ بلاد الرافدين في 10 مجلدات

فؤاد مطر يختتم تجربته في التأليف بعمل موسوعي عن العراق
TT

فؤاد مطر يختتم تجربته في التأليف بعمل موسوعي عن العراق

فؤاد مطر يختتم تجربته في التأليف بعمل موسوعي عن العراق

أنجز الزميل الكاتب فؤاد مطر عملاً موسوعياً بعنوان «العراق الغاضب والمغضوب منه والمغضوب عليه»، يعتبره ختام تجربته في التأليف التي بدأت في عام 1964 بكتاب «رؤساء لبنان من شارل حلو إلى شارل دباس» الذي كان أول كتاب أيضاً في سلسلة نشر «كتاب النهار» التي كانت تصدرها الصحيفة اللبنانية الشهيرة.
استغرق العمل التأليفي الجديد الذي يقع في عشرة مجلدات بمعدل 500 صفحة لكل مجلد بالحجم الموسوعي، خمس سنوات، وعاون مطر في إنجازه فريق عمل من الباحثين والموثِّقين.
يقول المؤلف إنه حدث بعض التأمل فيما حوته رفوف مكتبته من إضبارات، وهو الدائب على الاحتفاظ بما هو مهم من أوراق وصحف وكتابات ومراسلات، لا تأخذ طريقها للنشر لظروف تستوجب ذلك، وأهمها ما يتعلق بالجسام من الصراعات العربية، وما يندرج في ضوء لقاءاته بقيادات مسؤولة وبمرجعيات ذات صلة بالذين في قمة السُّلطة، سواء في لقاءات بهدف النشر أو لسماع الآراء المسؤولة التي توضح ما هو ملتبس، وأحياناً ما يكون خفياً، وبالتالي أعظم.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنه عندما تيسر له الحصول على ملف من مرجع مسؤول يتضمن محاضر لقاءات أجرتها لجنة رئاسية عربية مع القادة العرب، كل في عاصمة دولته ومقره الرسمي، تستهدف تحقيق التضامن الذي كان يشهد في النصف الثاني من السبعينات تشققات تركت محاذير على جوهر المشاعر وطبيعة العلاقات الثنائية، فإنه أودع هذا «الكنز المعلوماتي الرسمي» في ملف «المحرّم نشْره إلى حين». ثم جاء الإفراج عنه من جانبه بعدما تبدلت المحاذير، وخرج إلى فضاء النشر الحلال عام 2001 كتاباً وبالنهج التوثيقي والتحليلي إياه الذي يعتمده وتحت عنوان «التضامن العربي ذلك المستحيل» بمحاضر ووثائق رسمية على مستوى القمة، حول خفايا محاولة يتيمة لجمع الصف العربي الذي مزَّقه الرئيس الراحل أنور السادات للمرة الأُولى، وكيف يفكر أهل القرار العربي عند خروج أحدهم على القضية.
في بادئ الأمر، بعد عميق التأمل في الكم الثري من مضامين الإضبارات التي في رفوف مكتبته، ارتسم المشهد العراقي في باله، بالذي جرى في العراق، وما أصابه من جرَّاء صولات وجولات حرب استباقية خاضها مع إيران الخمينية، ومن حرب دولية تأديبية للنظام البعثي الصدَّامي نفسه، جرَّاء غزوة للجار الأول غلبت فيها التهيؤات على المنطق.
أمضى مطر أوقاتاً يعيد تقليب أوراق ومرجآت ووثائق عن العراق، منذ أن سطَّر الجنرال عبد الكريم قاسم كتابة العبارات الثورية الأولى في لوحة الظلم المتمثلة؛ ليس بتغيير بما هو أكرم للنظام، وإنما الفتك والتلذذ باستباحة الأرواح إلى درجة التمثيل بأصحابها، وبذلك قام النظام الجمهوري في العراق على زرع ثوري دموي في واقع الأمر. ومنذ 14 يوليو (تموز) 1958 والعراق ينزف دماً وبغضاء تلد كراهية وسيادة مجيَّرة وكياناً أشبه بميدان غير مكتملة مقومات الفروسية والفرسان فيه.
بعد تقليبه في الإضبارات وما حوته من مواقف وحقائق ووقائع ثم تنسيقها، خلص فؤاد مطر إلى أن العراق منذ السنتيْن الأخيرتيْن من الخمسينات وصولاً إلى ما عاشه خلال ستة عقود، هو الحالة الأكثر تعقيداً في حالات بعض دول الأمة، وأن التوصيف الواقعي له هو «العراق الغاضب، والمغضوب منه، والمغضوب عليه». ومن هذه الرؤية، بدأ العمل على تحويل ما تفيد الإضاءة عليه. وتوزعت الإضبارات على فريق من الباحثين والموثقين الذين أنجزوا المجلد تلو الآخر، مع ملاحظة أن العمل مرّ بمراحل: تحرير المادة، ثم التدقيق، والربط، والتنسيق، والتصحيح، فاختيار العناوين التي ليست تناسب المادة فقط، وإنما تُشوِّق القارئ لها. هذا إلى رفد المادة بالصور التاريخية أو الحديثة والمباشرة بعد ذلك، بتدوين المحتويات، بحيث تكون الدليل لمن يريد الاطلاع على حدث أو موضوع بعينه.
يضيف فؤاد مطر إلى ما قاله التوضيح بأن من أهم الدوافع إلى هذا العمل التوثيقي والتحليلي أن «موضوع العراق سيبقى الأكثر اهتزازاً في المشهد العربي لبضعة عقود، وأن الذي جرى للعراق وما أحدثه من تصدُّع، سيكون حاضراً في كثير من القرارات والخطوات وخرائط على أهبة الرسم. ولذا فإن الجيل العراقي الذي عايش الحالة العراقية الصعبة، ولم تتسن له الإحاطة بما حدث وما قيل وما يُرسم لوطنه، وذلك بسبب العصف الذي كاد يودي بالعراق إلى التجزئة، من حقه علينا أن نوثق ونحلل ما جرى، بغرض المعرفة في معزل عن ضوضاء صاخبة متلازمة مع الخوف على الحياة وعلى الوطن حفلت بها بضع سنين مضت».
وأوضح أنه «كذلك من حق الذين سيختارون الموضوع العراقي مادة لأطروحات في الجامعات التي يتابعون الدراسة فيها، أن يروا في هذا العمل الذي أنجزناه ما يساعد أبحاثهم. وبالأهمية نفسها هناك أجيال عربية دبلوماسية وأمنية وعسكرية واستخباراتية عايشت ظروف حرب من العراق وحرب عليه، وما بين الأُولى وتلك من احترابات، لم يتسن لها التأمل والتفكر نتيجة وتيرة السرعة والتسرع في أحداث جرت ومواقف اتُّخذت. ومن حق هؤلاء أيضاً أن نضع أمامهم وبكل التأني والحس المسؤول ما جرى سياسة وحرباً، وبذلك تتضح الرؤية لهم نتيجة وضوح الرواية، كما ستتضح لأجيال عربية لاحقة أمنية وعسكرية ودبلوماسية ومخابراتية صورة ما حدث، وقد خلت من غبار التشويش والمشوشين».
على مدى تاريخه المهني الحافل، طوّر فؤاد مطر الذي أوجب عمله الصحافي أن يكون مراسلاً جوالاً في مصر والسودان وليبيا والعراق والسعودية والجزائر وتونس، وحيث تنعقد المؤتمرات العربية، ما بدأه في كتابه الأول، ليعزز نهج الكتاب الذي يجمع بين التحليل والتوثيق في المؤلفات التي بلغت 34، فضلاً عن السيرة بصيغة السؤال والجواب لثلاث من الظواهر الثورية في الحياة السياسية العربية في حقبة السبعينات، تتمثل في: الرئيس الراحل صدَّام حسين، والرئيس الراحل جعفر نميري، والقائد الفلسطيني الراحل الدكتور جورج حبش.
ويتملك فؤاد مطر شعور بأنه أدى في مؤلفاته الـ34 التي أنجزها عن موضوعات شتى، من مصر إلى السعودية، مروراً بإيران وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين وروسيا. ولكل من مؤلفاته ظروف واكبت سنوات عمله صحافياً، أضاء عليها في كتاب حياته وسيرته الذاتية والمعنون «هذا نصيبي من الدنيا: تجربة حياة ومسيرة قلم» الصادر في عام 2017.
إلا أنه يرى في موسوعة «العراق الغاضب والمغضوب منه والمغضوب عليه» ختاماً لتجربته التأليفية. غير أنه لا يزال يتمسك بأمل استكمال كتابة تجربة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، استكمالاً للمحاولة الأولى لمناسبة توليه الحُكم التي كانت بعنوان «قاطرة سلمان... الحزم والحسم والعزم على طريق الاستقرار العربي والتأسيس الثاني».
وما يأمله فؤاد مطر لخصه في تقديمه لعمله الموسوعي التوثيقي الجديد، بالقول: «يغمر أنفسنا شعور بأننا نقدِّم للأجيال العربية المخضرَم منها والآتي على جناح الآمال بشتى الغيوم الداكنة، ما يجعلها تحيط بحقبة حجبت سرعة التطورات وغبار الأحداث عنها رؤية ما جرى بمنأى عن الضغوط. كما يحدوني رحب الأمل بأن يخطو خطانا باحثون وموثِّقون ومحلِّلون ينجزون الإضاءة على أحوال أقطار أُخرى في الأمة التي تعيش على براكين موسمية تقذف الحمم الغاضبة».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».