احتمالات المواجهة عبر مضيق تايوان تثير قلق «جارات» الصين

في أعقاب الغبار الذي أثارته زيارة نانسي بيلوسي لتايبيه

نانسي بيلوسي (يسار) رفقة الرئيسة التايوانية في زيارتها الأخيرة للعاصمة تايبه (د ب أ)
نانسي بيلوسي (يسار) رفقة الرئيسة التايوانية في زيارتها الأخيرة للعاصمة تايبه (د ب أ)
TT

احتمالات المواجهة عبر مضيق تايوان تثير قلق «جارات» الصين

نانسي بيلوسي (يسار) رفقة الرئيسة التايوانية في زيارتها الأخيرة للعاصمة تايبه (د ب أ)
نانسي بيلوسي (يسار) رفقة الرئيسة التايوانية في زيارتها الأخيرة للعاصمة تايبه (د ب أ)

خلّفت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى العاصمة التايوانية تايبيه في وقت سابق من الشهر تداعيات سياسية متتالية امتدت لما وراء مضيق تايوان في جميع أنحاء آسيا تقريباً، خاصة جنوب شرقي آسيا. وفي حين أسعدت زيارة بيلوسي سكان تايوان وقادتها، فإنها أثارت غضب الصين. ومنذ ذلك الحين، عمدت سلطات بكين، التي تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من التراب الصيني، إلى عرض قدراتها العسكرية... إذ ردت الصين بتنفيذ أكبر تدريبات عسكرية لها على الإطلاق، وطوّقت خلالها الجزيرة وأغلقت بشكل أساسي ممرات الشحن والسفر الجوي. ومع هذا، بعد زيارة بيلوسي، وصل وفد من المشرّعين الأميركيين إلى تايوان في زيارة استغرقت يومين التقوا خلالها بالرئيسة تساي إنغ ون، وهي ثاني مجموعة رفيعة المستوى تزور الدولة - الجزيرة وسط تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة.
باتت نانسي بيلوسي أول رئيس لمجلس النواب في الولايات المتحدة وأعلى مسؤول أميركي يزور تايوان منذ 25 سنة، داخلة بذلك في تحدٍ أمام الحزب الشيوعي الصيني الذي يعتبر تايوان جزءاً من أراضي الصين. وللعلم، يتجنب المسؤولون الأميركيون بوجه عام أي تحركات قد تؤدي إلى اندلاع صراع عسكري بين الصين وتايوان قد يؤدي إلى توريط الولايات المتحدة. ولكن حول الزيارة وتداعياتها تظاهرت واشنطن بأنها لم ترتكب أي خطأ، وأن رد فعل بكين مبالَغ فيه. ولا سيما أن تايوان كانت محطة في جولة بيلوسي في الشرق الأقصى شملت أيضاً اليابان وكوريا وماليزيا وسنغافورة.
كذلك، في خضم التوتر، أعلنت واشنطن أنها ستبدأ مفاوضات تجارية رسمية مع تايبيه، وكان قد كشف عن المبادرة الأميركية ـ التايوانية حول تجارة القرن الحادي والعشرين لأول مرة في يونيو (حزيران) الماضي، وقالت نائبة الممثل التجاري للولايات المتحدة سارا بيانكي في بيان «نخطط لمتابعة جدول زمني طموح... من شأنه أن يساعد في بناء اقتصاد أكثر عدلاً وازدهاراً ومرونة في القرن الحادي والعشرين». وبهذا الصدد، بلغت قيمة التجارة بين الولايات المتحدة وتايوان نحو 106 مليارات دولار عام 2020.
- لماذا عرض العضلات؟
فيما يخص الرئيس الصيني شي جينبينغ، أعرب أستاذ الدراسات الدولية الهندي، هارش في بانت، عن اعتقاده بأن الأمر لم يخلُ من بُعد شخصي، بالنظر إلى تاريخ بيلوسي المناوئ للصين. وبعد مطالبة بكين علناً بإلغاء هذه الزيارة، لم يعد هناك خيار أمام بكين سوى التصعيد. وما يستحق الإشارة هنا أن تحولاً ملحوظاً طرأ على سياسة بكين في محاولتها اجتذاب تايوان بعيداً من خلال التعاون والمشاركة؛ ذلك أن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين ازدهرت، وبرزت الأجزاء الرئيسية من الصين كوجهة جذابة للشباب التايواني. لكن الرئيس شي يشعر بأنه في عجلة من أمره، وليس لديه وقت للتعاون والمشاركة ما لم يسجل الإنجاز التاريخي المتمثل في إعادة توحيد البلاد باسمه.

مع هذا، تظل الحقيقة أن الإجراءات الصينية تجاه تايوان ليست موجهة للتايوانيين فحسب، بل تستهدف كذلك جمهوراً أوسع بكثير من شرق آسيا وجنوب شرقها وصولاً إلى جبال الهيمالايا والغرب. والرسالة إلى هذا الجمهور واضحة: كن مستعداً لمواجهة تهديدات بكين العسكرية حال مقاومة التغييرات التي تقرها منفردة في الوضع القائم. ومن خلال تعليق الحوار العسكري مع واشنطن ونبذ المشاركة الدبلوماسية وترك مهمة الحديث إلى الصواريخ، تعمد بكين اليوم إلى تذكير واشنطن بأن حقبة جديدة من «سياسات القوة» العالمية قد بدأت.
تايوان، كما هو معلوم، ظلت تتمتع بالحكم الذاتي لعقود من الزمان، ومزاعم الصين بأنها جزء من أراضيها لا تجدي شيئاً في تغيير هذا الواقع. بل تثير العدوانية الصينية حالة من التوتر الشديد داخل آسيا، في ضوء القلق الذي يساور دول المنطقة إزاء التوتر المتفاقم واحتمالات الاضطراب الإقليمي في المنطقة.
مع هذا، تدّعي الصين أن الإجماع الدولي يقف إلى جانبها، فقد صرح وانغ وينبين، الناطق باسم وزارة الخارجية، أمام حشد من الصحافيين بأن «أكثر عن 170 دولة... أعربت عن دعمها القوي للصين فيما يتعلق بقضية تايوان عبر وسائل مختلفة». ولكن الواقع أن، العكس صحيح فقد أعرب عدد قليل للغاية من الدول عن تأييده بالفعل لبكين. وتحديداً، تميل ثلاث دول فقط إلى جانب بكين هي ميانمار وكوريا الشمالية وروسيا. وتلوم الدول الثلاث صراحة واشنطن على التوتر الحالي. في المقابل، بينما يعترف معظم دول العالم بحكومة بكين ممثلة للصين، فإن قلة ضئيلة من الدول تعترف بتايوان. ومع أنه لا توجد علاقات رسمية بين واشنطن وتايبيه، ثمة قانون يلزم الجانب الأميركي بتزويد الجزيرة بوسائل الدفاع عن نفسها. وهنا يعلق الدبلوماسي والأكاديمي السنغافوري المخضرم كيشور محبوباني بأن «ما تعرفه البلدان في هذه المنطقة أن الصين لا تستطيع أن تفعل شيئا... وليس أمامها خيار سوى رد الفعل، وفي الوقت نفسه لا تود الصين أن تشعل شرارة الحرب العالمية الثالثة».
- تهديد التجارة العالمية
على صعيد آخر، قد يؤدي الصراع الصيني - التايواني إلى اضطراب هائل في سلاسل التوريد العالمية، ويحذر خبراء من أن صراعاً كهذا سيهدد استمرار التجارة عبر بحر الصين الجنوبي الذي يعد ممراً مهماً جداً يربط آسيا ببقية العالم. وفي حين تضرب العواصف الجيوسياسية سواحل تايوان، متحسبة لما قد تفعله بكين، تشعر دول المنطقة - من الفلبين وكوريا الجنوبية وفيتنام واليابان إلى سنغافورة - قلقة من احتمال تفجر الأوضاع.
في الحقيقة، وضعت أزمة تايوان «رابطة دول رابطة جنوب شرقي آسيا» (آسيان) في مأزق، وتثير التمارين العسكرية الصينية الكبيرة قبالة تايوان تخوفاً إقليمياً جدياً، على امتداد شرق آسيا وجنوب شرقها وفق الكاتب الصحافي الهندي شوباجيت. ولكن تتباين مواقف الدول المعنية حيال من يتحمل مسؤولية التوتر الحالي... الولايات المتحدة أم الصين.

دول «آسيان» تكره التنافس الأميركي - الصيني في المنطقة؛ لأنها لا تريد الانحياز إلى أحد الجانبين. وهي بينما ترحب بالمشاركة والاستثمارات الأميركية المتزايدة، فإنها تود تجنب اشتعال مواجهة بين الطرفين. وخلال احتفال دول «آسيان» بالذكرى السنوية الـ55 لتأسيسها «الرابطة»، صدر بيان قصير في اجتماع وزراء خارجيتها في منتصف في أوائل أغسطس (آب) حول التنمية عبر المضيق أعاد التأكيد على سياسة «آسيان» تجاه «الصين الواحدة». ودعا البيان إلى «أقصى درجات ضبط النفس»، وحذر من أن التمارين العسكرية يمكن أن «تؤدي إلى سوء تقدير ومواجهة خطيرة وصراعات مفتوحة وعواقب يتعذر التنبؤ بها بين قوى كبرى».
من جهته، حذر لي هسين لونغ، رئيس وزراء سنغافورة، من «سوء التقدير حيال التوتر في مضيق تايوان»، مستبعداً أن ينحسر التوتر قريباً في خضم شكوك عميقة وتعاون محدود بين واشنطن وبكين. وقال لي خلال خطاب متلفز، إن سنغافورة ستتعرض لضربات موجعة جراء هذا التنافس الشديد والتوتر في المنطقة، التي ينبغي أن تعمل من أجل مستقبل أقل سلاماً واستقراراً عن الآن. ثم تابع «من حولنا، ثمة عاصفة تتجمع. إن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تتدهور، بسبب قضايا مستعصية وشكوك عميقة والتعاون المحدود... ومن غير المحتمل أن يتحسن هذا في أي وقت قريب. بجانب ذلك، يمكن أن تؤدي الحسابات الخاطئة أو الحوادث المؤسفة بسهولة إلى جعل الأمور أسوأ بكثير». ويُذكر هنا، أنه تربط سنغافورة وتايوان علاقات تاريخية عميقة في مجالي الدفاع والأمن. ولقد اعتمدت سنغافورة منذ فترة طويلة على دعم تايوان في التمارين السنوية المشتركة التي تشكل حجر الزاوية في التعاون العسكري الثنائي، والتي يطلق عليها «عملية ستارلايت». وعلى امتداد أكثر عن 30 سنة بدءاً من عام 1975، دربت سنغافورة قواتها في تايوان في إطار هذا البرنامج.
- موقف الفلبين
وفي حين أن الولايات المتحدة قد يكون لديها القليل من الأمل في أن دول جنوب شرقي آسيا الأخرى (باستثناء سنغافورة ربما) ستقدم مساعدة عملية حال نشوب صراع، فإن الفلبين ستكون في دائرة الضوء؛ لأنها تواجه خيارات أكثر صعوبة. وستحمل نتيجة هذه الخيارات أهمية أكبر للولايات المتحدة والصين.
أساساً، سيكون لغزو الصين لتايوان – إذا حصل - تداعيات خطيرة على الفلبين بسبب الجغرافيا، ذلك الحد الشمالي لجزر الأرخبيل الفلبيني الشمالية تقع على بعد 190 كيلومتراً من تايوان، وأبعد قليلاً عن أقرب جزيرة في اليابان. ومن ناحيته، أشار وزير الدفاع الفلبيني خوسيه فوستينو أخيراً إلى أن «هذا الأمر قد يعرّض الفلبين لعواقب كارثة إنسانية، بما في ذلك تدفق موجات من اللاجئين». وبطبيعة الحال، مثل هذا «السيناريو» له سابقة معروفة للغاية في الفلبين، ففي نهاية حرب فيتنام، جرى إجلاء عشرات الآلاف من اللاجئين من جنوب فيتنام، وكذلك جاءت قطع من سلاح البحرية الفيتنامية الجنوبية إلى قاعدة سوبيك باي في الفلبين. ولقد ركزت بعض «سيناريوهات» المناورات الحربية الأخيرة التي أجرتها مراكز الأبحاث الأميركية على كيفية تطور الصراع بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان، والافتراض أن القوات الأميركية سيكون لها القدرة على استغلال قواعد الفلبين.
ومثل الفلبين، تبنت فيتنام أيضاً نهجاً حذراً. وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الفيتنامية لي ثي ثو هانغ، إن «فيتنام ترغب في أن تمارس جميع الأطراف المعنية ضبط النفس لا تصعيد التوتر في مضيق تايوان، وتفضل المساهمة بشكل إيجابي في الحفاظ على السلام والاستقرار، وتوطيد أواصر التعاون والتنمية في المنطقة والعالم». وما يستحق الذكر هنا، أن العلاقات القائمة بين تايوان وفيتنام «غير رسمية»، وبينما تلتزم سلطات هانوي بسياسة «صين واحدة» وتعترف رسمياً بجمهورية الصين الشعبية فقط. ومع ذلك، لم يوقف هذا الموقف الزيارات الثنائية والتدفقات الكبيرة للمهاجرين ورأس المال الاستثماري بين تايوان وفيتنام.
- اليابان وكوريا الجنوبية
يبقى السؤال، بالتالي، حول موقفي حليفي واشنطن الأبرز في المنطقة: اليابان وكوريا الجنوبية...
بصفة عامة، لدى سيول وطوكيو مواقف مختلفة تجاه تايوان وتجاه الصين. وتبعاً لما ذكرته وزارة الدفاع اليابانية في طوكيو، سقطت صواريخ الصين الخمسة داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة في اليابان. وسقطت الصواريخ الصينية في أقرب نقطة لها على بعد أقل عن 50 ميلاً من جزيرة يوناغوني اليابانية وعطلت مصايد الأسماك اليابانية. وراهناً، تتحدى بكين مطالبة اليابان بمنطقة اقتصادية خاصة في المياه القريبة من تايوان. وفي هذا الإطار، قال ماساهيسا ساتو، وزير الدولة في وزارة الخارجية اليابانية، لوسائل الإعلام بأن «عمليات إطلاق الصواريخ جاءت كجزء من تدريبات تحاكي حصار لتايوان، وإدراج أهداف بالقرب من اليابان أرسل بالتأكيد رسالة لا لبس فيها». وأردف «إذا كنت تتحدث عن محاصرة تايوان أو فرض حصار عليها، فهذا يعني بالطبع في هذه الحالة أنك تدفع اليابان للدخول في الأمر... وصواريخ الصين أوضحت للعيان أن جزرنا النائية وتايوان تقع في منطقة الحرب نفسها».
من ناحيته، ذكر غورميت سينغ، السفير الهندي السابق، أنه «حتى وقت قريب، كانت فكرة نضال الولايات المتحدة واليابان معاً لمساعدة تايوان على صد الغزو الصيني مجرد فكرة نظرية، وكانت اليابان في كثير من الأحيان تبذل قصارى جهدها لتجنب إثارة غضب الصين، أكبر شريك تجاري لها. إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير العام الماضي؛ لأن العديد من القادة اليابانيين، بينهم رئيس الوزراء السابق شينزو آبي، صاروا مُقرّين بأنه في حال اندلاع صراع حول مضيق تايوان ربما يؤدي إلى غزو من قبل الصين، فإن اليابان ستنجر إلى القتال نظراً لقربها الجغرافي ووجود القواعد العسكرية الأميركية في أوكيناوا وأجزاء أخرى من اليابان». وطبعاُ، سيكون نحو 50.000 جندي أميركي متمركزين في اليابان وأوكيناوا لاعبين أساسيين حال حدوث أي اشتباك بين الصين والولايات المتحدة بشأن تايوان، كما أن اليابان عملت في السنوات الأخيرة بهدوء على بناء قدراتها العسكرية.
في سياق متصل، من المفارقات أن هذا العام يصادف الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية بين بكين وطوكيو. وفي تطور حديث، تباحث مسؤول ياباني رفيع بمجال لأمن الوطني مع نظير صيني لمدة سبع ساعات في مدينة تيانجين الصينية. ويبدو أن هذا الاجتماع كان مبادرة دبلوماسية لنزع فتيل التوتر بين الجانبين.
من جهة أخرى، ثارت مزاعم بأن بيلوسي تعرضت أثناء سفرها مباشرة من تايبيه إلى سيول، «للتجاهل» في المطار عندما لم يصل أي وفد رسمي كوري جنوبي لاستقبالها. وعلى عكس ما حدث مع رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، رفض رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول مقابلة بيلوسي، وأبلغ المكتب الرئاسي بيلوسي أن يون «في إجازة» ولن يكون قادراً على عقد اجتماع شخصي معها (مع أنه أجرى مكالمة هاتفية معها لمدة 40 دقيقة). وبعد أيام قليلة، سافر وزير خارجية كوريا الجنوبية بارك جين إلى بكين للقاء نظيره الصيني؛ ما أثار تكهنات بأن سيول تحاول إرضاء الصين لتجنب الدخول في مواجهة معها. ولا يرى مراقبون مفاجأة في ذلك؛ لأن كوريا الجنوبية حساسة للغاية تجاه الثقل السياسي والاقتصادي للصين، وتدعم سياسة بكين «صين واحدة»، وتحتفل سيول وبكين هذا العام بالذكرى الثلاثين لتأسيس العلاقات الثنائية.
مقابل ذلك، لا يمكن وصف العلاقة بين سيول وتايبيه بأنها متينة. بل تسبب قطع سيول المفاجئ العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1992 لصالح الاعتراف الدبلوماسي بالصين إلى خلق مرارة لدى تايبيه طالت لسنوات. وبالنظر إلى موقع كوريا الجنوبية الجغرافي الاستراتيجي في شمال شرقي آسيا، فهي ستبقى عرضة للضغوط وستجد نفسها محصورة بين بكين وواشنطن، بغض النظر عما إذا كانت الحكومة القائمة في السلطة محافظة أو تقدمية. ومع هذا على الرغم من السعي نحو العودة إلى نهج «متوازن» تجاه بكين وواشنطن، من المرجح أن تظل حكومة يون على المسار الصحيح لتعزيز تعاونها مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في منطقة المحيطين الهندي والهادي.
- الهند تخرج عن صمتها... بنقدٍ حذر للصين
> حافظت الهند على صمت مدروس على امتداد أسابيع بعد زيارة نانسي بيلوسي لتايوان، لكنها كسرت هذا الصمت عندما أدلى الناطق باسم وزارة الخارجية في نيودلهي بتصريح قصير ومحسوب. وفيه وجّهت الهند نقداً حذراً للصين من خلال حثها على «تجنب الإجراءات الأحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن». أيضاً تجنبت الهند أي ذكر لسياسة «صين واحدة»؛ لأنها عارضت الإجراءات الأحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن في مضيق تايوان في أول رد رسمي لها على التوترات الناجمة عن التمارين العسكرية الصينية في أعقاب زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي.
الجانب الهندي، الذي يخوض مواجهة عسكرية مع الصين في قطاع لاداخ من خط السيطرة على مدار أكثر عن سنتين، حافظ حتى الآن على صمت مدروس بشأن زيارة بيلوسي. وبالتأكيد، لاحظت الصين الأمر. وبعد وقت قصير من نشر البيان الأخير، دعا السفير الصيني في نيودلهي الحكومة إلى إعادة تأكيد دعمها لمبدأ «صين واحدة».
في الواقع، ليس للهند علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان حتى الآن، لكنها في السنوات الأخيرة حاولت الهند تعزيز علاقتها مع تايوان بالتواري مع توترها بالصين. وعام 2020، بعد اشتباكات غالوان، اختارت نيودلهي الدبلوماسي غورانجالال داس ليصبح مبعوثاً لها لدى تايبيه، كما فوضت الحكومة اثنين من أعضاء البرلمان لحضور مراسم أداء اليمين لرئيسة تايوان تساي إنغ ون على نحو افتراضي.
وهنا يقول الكاتب الصحافي شوباجيت روي «إن إغفال مبدأ (صين واحدة) له علاقة أكبر بموقف الهند الذي أوضحه عام 2014 وزير الخارجية الهندي آنذاك سوشما سواراج، حول أن بكين لا يمكن أن تنتظر من نيودلهي أن تعبّر عن دعمها الشفهي لها في حين تتجاهل بكين المخاوف الهندية إزاء سيادتها في كشمير وأروناتشال براديش».


مقالات ذات صلة

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم لندن تحذّر من عواقب مدمّرة لحرب في مضيق تايوان

لندن تحذّر من عواقب مدمّرة لحرب في مضيق تايوان

دافع وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي عن الوضع القائم في تايوان، محذرا من عواقب اقتصادية مدمرة لحرب، في خطاب تبنى فيه أيضًا نبرة أكثر تصالحا حيال بكين. وقال كليفرلي في خطاب ألقاه مساء الثلاثاء «لن تكون حرب عبر المضيق مأساة إنسانية فحسب بل ستدمر 2,6 تريليون دولار في التجارة العالمية حسب مؤشر نيكاي آسيا». وأضاف «لن تنجو أي دولة من التداعيات»، مشيرا إلى أن موقعها البعيد لا يؤمن أي حماية مما سيشكل ضربة «كارثية» للاقتصاد العالمي والصين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الصين تحقق مع ناشر تايواني في جرائم متعلقة بالأمن القومي

الصين تحقق مع ناشر تايواني في جرائم متعلقة بالأمن القومي

أعلنت السلطات الصينية، الأربعاء، أن ناشراً تايوانياً، أُبلغ عن اختفائه، خلال زيارة قام بها إلى شنغهاي، يخضع لتحقيق في جرائم متعلقة بالأمن القومي. وقالت تشو فنغ ليان، المتحدثة باسم «المكتب الصيني للشؤون التايوانية»، إن لي يانهي، الذي يدير دار النشر «غوسا»، «يخضع للتحقيق من قِبل وكالات الأمن القومي، لشبهات الانخراط بأنشطة تعرِّض الأمن القومي للخطر». وأضافت: «الأطراف المعنية ستقوم بحماية حقوقه المشروعة ومصالحه، وفقاً للقانون». وكان ناشطون وصحافيون في تايوان قد أبلغوا عن اختفاء لي، الذي ذهب لزيارة عائلته في شنغهاي، الشهر الماضي. وكتب الشاعر الصيني المعارض باي لينغ، الأسبوع الماضي، عبر صفحته على «ف

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم رئيس غواتيمالا يبدأ زيارة لتايوان

رئيس غواتيمالا يبدأ زيارة لتايوان

وصل رئيس غواتيمالا أليخاندرو جاماتي الاثنين إلى تايوان في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع هذه الجزيرة التي تعتبر بلاده من الدول القليلة التي تعترف بها دبلوماسياً. وسيلقي جاماتي كلمة أمام البرلمان التايواني خلال الزيارة التي تستمر أربعة أيام.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
العالم بكين تحتج لدى سيول إثر «تصريحات خاطئة» حول تايوان

بكين تحتج لدى سيول إثر «تصريحات خاطئة» حول تايوان

أعلنت الصين أمس (الأحد)، أنها قدمت شكوى لدى سيول على خلفية تصريحات «خاطئة» للرئيس يون سوك يول، حول تايوان، في وقت يشتدّ فيه الخلاف الدبلوماسي بين الجارين الآسيويين. وتبادلت بكين وسيول انتقادات في أعقاب مقابلة أجرتها وكالة «رويترز» مع يون في وقت سابق الشهر الحالي، اعتبر فيها التوتر بين الصين وتايوان «مسألة دولية» على غرار كوريا الشمالية، ملقياً مسؤولية التوتر المتصاعد على «محاولات تغيير الوضع القائم بالقوة».

«الشرق الأوسط» (بكين)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».