«الصحة العالمية» تخشى تكرار أزمة «الإيدز» مع طارئة «جدري القردة»

اعتمدت لقاحاً جديداً لـ«كوفيد - 19» يناسب الحوامل

الدكتورة جومانة هيرمز ود. ريشتارد بيرنان خلال المؤتمر الصحافي
الدكتورة جومانة هيرمز ود. ريشتارد بيرنان خلال المؤتمر الصحافي
TT

«الصحة العالمية» تخشى تكرار أزمة «الإيدز» مع طارئة «جدري القردة»

الدكتورة جومانة هيرمز ود. ريشتارد بيرنان خلال المؤتمر الصحافي
الدكتورة جومانة هيرمز ود. ريشتارد بيرنان خلال المؤتمر الصحافي

كان غريباً أن تحلّ جومانة هيرمز، المستشارة الإقليمية لـ«الإيدز» بمكتب شرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، ضيفاً على المؤتمر الصحافي الذي نظّمه المكتب الإقليمي (الثلاثاء)، لاستعراض تطوّرات جائحة «كوفيد - 19»، وطارئة «جدري القردة» في بلدان الإقليم، لكنّ الرسالة التي وجّهتها هيرمز خلال المؤتمر، كشفت بوضوح مبرّر مشاركتها.
هيرمز التي عبّرت عن أسفها من أنّ «الاستجابة لفيروس نقص المناعة البشرية، المسبب لمرض الإيدز، لا تزال في إقليم شرق المتوسط في أدنى مستوى مطلوب»، قالت إنّ «السّبب في ذلك، يعود إلى الخوف من الوصم والتمييز، لارتباط الإصابة في الأذهان بالعلاقات الجنسية بين الرجال».
وأوضحت: «يجب ألا نغضّ الطّرف عن أنّ هذه الفئة موجودة في مجتمعنا، لأنّ ذلك حرمنا من تطوير استجابة صحية مناسبة لفيروس نقص المناعة، وأخشى تكرار الأمر ذاته مع فيروس جدري القردة، للسّبب نفسه، مما يؤدّي لانتشار المرض بين تلك الفئة وغيرها من فئات المجتمع».
وحتى الآن، أبلغت سبعة بلدان في إقليم شرق المتوسط المنظمة رسمياً عن 35 حالة إصابة بجدري القردة مؤكّدة مختبرياً، ولم تُسجّل أي وفيات، بينما بلغت الأعداد على الصعيد العالمي، حوالي 40 ألف حالة إصابة مؤكّدة مختبرياً، منها 12 حالة وفاة.
وأضافت هيرمز: «إذا لم نطوّر استجابة مناسبة توازن بين المعطيات الاجتماعية والاشتراطات الصحية، فقد ندفع بعض المرضى إلى عدم طلب العلاج، خشية الوصم والتمييز».
وشدّد أحمد المنظري، المدير الإقليمي للمنظمة على الأمر ذاته، وقال إنّ «المرض يصيب في الغالب الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال، ولكن يظلّ الجميع عرضة للخطر، وقد تلقّينا تقارير عن حالات عدوى بين الأطفال والنساء في إقليمنا وفي أنحاء عدّة من العالم».
ولفت إلى أنّ إعلان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في 23 يوليو (تموز) الماضي، جُدري القردة طارئة صحية عامة تسبب قلقاً دولياً، كان بهدف أن يدرك الجميع الخطر ويتّخذوا جميع التدابير الوقائية الممكنة، مشيراً إلى أنّ «الوصم والتمييز السلبي لن يفضيا إلّا لتأخير جهود التصدّي وتشتيت انتباهنا عما ينبغي عمله». وأضاف أنّه «علينا بالمقابل أن نصبّ تركيزنا الجماعي على الخروج باستجابة صحية عامة فعالة وبتصد مؤثر، من شأنه وقف سريان الفاشية واحتواؤها».
من جانبه، قال ريتشارد بيرنان، مدير الطوارئ الصحية الإقليمي، إنّ الدراسات الجارية حالياً حول النسخة الحالية من فيروس جدري القردة، كشفت وجود تغيّر جيني بالفيروس، مقارنة بالنسخة السابقة، لكن لم تتمّ الإجابة إلى الآن على أسئلة تتعلّق بمدى تأثير هذا الاختلاف على درجة شدّة الفيروس ومقاومته للعلاج ومعدّل انتشاره. وأضاف أنّ «الإجابة على هذه الأسئلة لن تغيّر كثيراً من نصائحنا المتعلقة بإجراءات الوقاية العامة من حيث العزل المنزلي للمصابين، وتتبّع المخالطين لهم، والاهتمام بالنظافة الشخصية».
وشدّد على أهمية الاهتمام بوجه خاص بالفئات الضعيفة والمعرّضة للخطر، مضيفاً أنّه «إذا كان معظم المصابين بجدري القردة يمكن علاجهم بأمان في المنزل، فإنّ المرض قد يُسبب مضاعفات خطيرة قد تؤدّي إلى الوفاة لدى تلك الفئات».
وحول اللقاحات المتاحة للمرض، قال إيفان هيوتن، مدير قسم الأمراض السارية بالمكتب الإقليمي، إنّ اللقاح المتاح حالياً لجدري القردة، كان معداً من أجل مرض الجدري التقليدي، وجرت هندسته من أجل أن يكون ملائماً لجدري القردة، وهو غير متوفّر بالقدر الكافي حتّى الآن.
واستعاد هيوتن ما أشار إليه بيرنان حول إجراءات الوقاية العامة، وقال: «الأدوات المتوافرة بين أيدينا الآن هي الالتزام بتلك الإجراءات لمنع انتشار المرض وانتقاله».
وأشار إلى أنّ إرشادات المنظمة بشأن لقاح جدري القردة في حال توفّره لم تتغير، إذ توصي المنظمة بالتطعيمِ الموجّه لمن يتعرّضون أو يخالطون شخصاً مصاباً بجدري القردة، ومن يواجهون مخاطر تعرّض مرتفعة، كالعاملين الصحيين والعاملين في المختبرات.
من ناحية أخرى، وعلى صعيد جائحة «كوفيد - 19»، أعلن المنظري اعتماد المنظمة مؤخراً لقاحاً جديداً، وهو لقاح (ڤالنيڤا VLA2001)، مشيراً إلى أنّ هناك توصية جديدة محدّدة تمنح الأولوية لهذا اللقاح في حالة الحوامل، نظراً للتّبعات السلبية لمرض كوفيد - 19 في أثناء الحمل من جهة، وما يمتاز به لقاح (ڤالنيڤا) على صعيد السلامة والأمان من جهة أخرى.
وشدّد المنظري على أنّ جائحة (كوفيد - 19) لم تضع أوزارها بعد، والفيروس ليس في طريقه إلى الزوال، مؤكّداً أنّه «سيتعيّن علينا أن نتعلم كيفية التعايش مع الفيروس، ولكنّ ذلك لا يعني تجاهل تدابير الحماية».
ولفت هيوتن، إلى أنّه من الأخبار السارة عام 2022 أنّ دول الإقليم لديها من اللقاحات ما يكفي لتحقيق الهدف الذي أعلنته المنظمة بتطعيم 70 في المائة من السكان، لكنّ الخبر السيئ، هو أنّه لا يوجد إقبال كاف من المواطنين على التطعيم.
وحصل حتّى الوقت الراهن ما يقرب من 46 في المائة من الأشخاص في إقليم شرق المتوسط على التطعيم كاملاً، بإجمالي جرعات وصل إلى 790 مليون جرعة، ولا يزال الكثير من الناس لم يتلقّوا اللقاح حتى الآن، وما زالوا معرّضين لخطر المرض الشديد أو الوفاة، حيث لا تقدّم لقاحات «كوفيد - 19» حماية كاملة من الإصابة، لكنّها فعّالة في الوقاية من التعرّض للمضاعفات الشديدة والوخيمة والوفيات.
وأبلغ إقليم شرق المتوسط عن أكثر من 23 مليون حالة إصابة منذ بداية الجائحة، وما يقرب من 350 ألف حالة وفاة.
وشهد الأسبوع الماضي وحده، إصابة أكثر من 80 ألف شخص بالعدوى، ووفاة ما يزيد على 600 شخص، فيما أُبلغ عن أكثر من 5.4 مليون حالة جديدة، و15000 وفاة على مستوى العالم.
ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول دور العدوى البكتيرية المصاحبة لكوفيد - 19 في هذا العدد من الوفيات، لم ينكر بيرنان تسجيل عدوى بكتيريّة مصاحبة للفيروس في الحالات الشديدة من الإصابة، لكنّه شدّد على أنّ ذلك ليس الأساس، وقال: «الإصابات معظمها بسبب الفيروس وحده، لذلك ليس هناك مبرّر لوصف المضادات الحيوية ضمن بروتكولات العلاج».
وأشار بيرنان إلى أنّ المنظّمة رصدت إسرافاً في استخدام المضادات الحيوية خلال جائحة «كوفيد - 19»، وهذا من شأنه أن يزيد من وباء مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، ويُضعف من كفاءتها في مواجهة الأمراض التي تستدعي بالفعل استخدامها.


مقالات ذات صلة

تورينو يهزم مونزا بثلاثية في الدوري الإيطالي

رياضة عالمية فرحة لاعبي تورينو بالهدف الثالث (إ.ب.أ)

تورينو يهزم مونزا بثلاثية في الدوري الإيطالي

فاز تورينو على ضيفه مونزا 3/2، الجمعة، ضمن منافسات الجولة الثامنة من الدوري الإيطالي.

«الشرق الأوسط» (روما)
رياضة عالمية كيميتش (د.ب.أ)

حالة وفاة تغيب كيميتش عن البايرن أمام فرايبورغ

قالت قناة "سكاي تي في" إن جوشوا كيميتش، لاعب وسط بايرن ميونخ، سيغيب عن مواجهة فريقه مع فرايبورغ ببطولة الدوري الألماني بسبب وجود حالة وفاة في عائلته.

«الشرق الأوسط» (ميونخ)
رياضة عالمية لاعبو مونشنغلادباخ يحتفلون بالهدف الثالث (د.ب.أ)

الدوري الألماني: مونشنغلادباخ يوقف معاناته بفوز مثير على شتوتغارت

كسب بوروسيا مونشنغلادباخ أولى نقاطه في الدوري الألماني، بعدما انتزع فوزا مثيرا في عقر دار شتوتغارت المشارك في دوري أبطال أوروبا 3-2 الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
Türkiye İstanbul’da R4 ve E3 gruplarının katılımıyla düzenlenen sekizli toplantıdan bir kare (Türkiye Dışişleri Bakanlığı)

İstanbul’da sekizli zirve: Hürmüz ve Yemen için diplomasi arayışı

İstanbul’da cuma günü bir araya gelen Orta Doğu, Avrupa ve Asya’dan sekiz ülkenin dışişleri bakanları, Hürmüz Boğazı’nda seyrüsefer özgürlüğünün güvence altına…

Said Abdurrazık (Ankara)
رياضة سعودية البرتغالي فرانشيسكو ترينكاو، لاعب الأهلي (تصوير: محمد المانع)

ترينكاو: سنمضي معاً حتى النهاية

أكد البرتغالي فرانشيسكو ترينكاو، لاعب الأهلي، سعادته بالفوز الذي حققه فريقه أمام الخليج، مشيراً إلى صعوبة المواجهة، ومشدداً على أهمية مواصلة العمل لتحسين الأداء

فيصل المفضلي (جدة )

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».