طوني بارود: أمرُّ بدرب العذاب للبقاء على الشاشة

يقول لـ «الشرق الأوسط»: التلفزيون اللبناني يستمر «بالتي هي أحسن»

الإعلامي اللبناني طوني بارود يرفّه عن الناس في «تعا ننسى»
الإعلامي اللبناني طوني بارود يرفّه عن الناس في «تعا ننسى»
TT

طوني بارود: أمرُّ بدرب العذاب للبقاء على الشاشة

الإعلامي اللبناني طوني بارود يرفّه عن الناس في «تعا ننسى»
الإعلامي اللبناني طوني بارود يرفّه عن الناس في «تعا ننسى»

ثلاثون سنة عمِل خلالها طوني بارود مقدّماً للبرامج ومعلّقاً على المباريات الرياضية في محطة «إل بي سي آي»، وحين أتى «التوقيت المناسب»، انتقل إلى «إم تي في». أكثر من برنامج شهد على تنقّل الإعلامي اللبناني داخل البيت الجديد، وإن لم تُحقّق جميعها الأصداء. بعضها مرَّ عابراً، وآخرها، «تعا ننسى»، انطلق هشاً ومن ثَم راح يستعيد قواه. يحاول أن يكون بسمة على وجوه متعبة.
لا يدّعي مسح الأحزان اللبنانية بوَقْع السحر، لكنّ برنامجه استراحة. فاصل مع الترفيه وإعادة الهموم إلى الرفوف. يخبر «الشرق الأوسط» أنّ علاقة اللبناني مع التكيّف سيف من حدّين: «التخدير ليس شطارة، ولا التأقلم مع الانهيار. أحاول أن أكون عَوَضاً ما، فأُخرج الناس من جوّ اليوميات الضاغطة».
دلَّ انطباعٌ إلى حقيقة ساطعة: في إمكان طوني بارود قيادة برامج «أهم». ليس انتقاصاً من الترفيه، ملعبه، بل لأنّ شيئاً يلوح على شكل وهن. لِمَ يبدو كأنه في قالب مُصغَّر؟ يحاول السيطرة على إحساس بالغصة، رامياً الحق على الظرف. يهوى البرامج المباشرة، حيث التفاعل العفوي يُظهر قدرته على ضبط الأجواء وسدّ الثغرات، ويتحدث عن يد الظروف برسم المصائر.
علّمته عقودٌ ثلاثة اقتطفها التلفزيون من العمر، أنّ البرامج قد تبدأ باتجاه وتنتهي بآخر. أسَّس في «تعا ننسى» برنامجاً ترفيهياً يستضيف شخصيات تخفّف بحضورها شعوراً عاماً بالأسى. وهذا ليس سهلاً في رأيه: «لم يعد المُشاهد يُذهل بأي برنامج في عصر مواقع التواصل. الـ(واو) فقدت رونقها. نسعى للتحسين بتكاتف الفريق، فالتلفزيون اللبناني يستمر بالتي هي أحسن».
ينفي انطباعاً آخر مفاده أنه مقيّد الجناحين، لا يملك ضوءاً أخضر لإنجاز البرنامج الحلم. يشكو معاناة تأمين الضيوف: «منهم مَن لديه حساباته، ومنهم ليس متوافراً، والحلقات تستمدّ طاقة من الضيف». للموسم المقبل، هل من تحضيرات أم تغييرات؟ يُذكّر بقرب انطلاق كأس العالم وتخوُّف المحطات: «مَن سيشاهد البرامج والمباريات محتدمة؟ لم يُتخذ القرار، وفي حال العودة سنُدخل تعديلات».

                                          طوني بارود يرى جدوى الحياة في عيون ذوي الحاجات الخاصة
لا يحطّ ندمٌ على عتبات حياته، خصوصاً في المهنة. يشدّد على الوقت: «أؤمن بأحكامه، فهو ضابط إيقاع الفراق والبدايات الجديدة». حين التحق طوني بارود بـ«إم تي في»، اصطحب معه سقف طموحات عالياً. كان تحدّث عن الظرف، من «الكوفيد»، والثورة، ومآسي الإعلانات، حدّ إصابة الإعلام اللبناني بطلقة في الظهر. «نعتمد على أنفسنا للمحافظة على وجودنا».
في «تعا ننسى»، يستعيد نبضاً لم تتحه غير برامج انقضت تقريباً بلا أثر. يتلقّف الأصداء من الناس ويفرح كلما شكره أحد على محاولات البلسمة. مرة أخرى، دوران حول ما نفترضه جرحاً: ألا تطمح للأفضل؟ للترفيه على مساحات عريضة؟
يتكلّم عن الحظ والطبع رداً على السؤال. يبدو أنّ ثمة جرحاً بالفعل، وها إن الإصبع عليه تفعّل الحريق: «التركيبة المثالية هي الحظ مُرفقاً بمقدّم من خبرة ومخرج لامع ومنتج مجتهد، فيكون البرنامج الحلم. يبلغ الحظُ كثيرين ولا يبلغني. علي دائماً المرور بدرب العذاب لأكون موجوداً. لا أدّعي أنّ الفرص ترفض زيارتي. تحضُر لكنها تجافي الحظ. وطبعي ليس ممن يفرضون الشروط وإلا ستكون الاستقالة على الطاولة. لا أتحدث عن محسوبيات، ففي (إم تي في) يكنّون لي التقدير. لكنّ الحظ ليس في الجيب».
ألم تفقد الشغف؟ كأنّ «فلاش باك» الذكريات يمرّ بلمح البصر، فيستعيد بالمخيلة ما كان عزاً وأصبح اليوم اختزالاً لإرادة البقاء: «الشغف هو المحرّك. يمنحني جرأة رهيبة لإدارة الهواء ومنع المُشاهد من ملاحظة الخطأ. لا أخاف من الكاميرا. البعض لا يطلّ إلا بعد التأكد من أنّ كل شيء على ما يرام. خصوصاً صورته. أقود الهواء ولا أكترث». طوني بارود ممن جرفتهم أمواج الحياة فتخطّى صَفْع الجَرْف. «تغيّرتُ حين أدركتُ أن لا شيء يدوم إلا ما يزرعه المرء في مجتمعه. إن سُئلت عن إنجازاتي، فلن أذكر التلفزيون، بل ما استطعتُ تحقيقه مع الأولاد من ذوي الحاجات الخاصة طوال سنوات (يتبنّى هذه القضية). كانوا يخجلون من الاندماج الاجتماعي، فأصبحوا فعّالين بين الناس».
ترسّخت لديه القناعة بعد التجربة: «أكبر حدث تلفزيوني سيُبقيني على الألسن لشهر كأقصى حد. ماذا بعد؟ وسائل التواصل عجّلت موت الأحداث وسرّعت بلوغ حافة النسيان. الأثر الإنساني وحده يبقى».
يرفض ربط مصيره بالبقاء على الشاشة أو الغياب عنها. في رأيه، النهايات آتية، لا مفرّ. واستعداداً لها، تخصّص في فن الخطاب المُحفّز والتدريب على الحياة في لوس أنجليس، والشهادة قريباً. يصقل خبرته وتجاربه. لا يُظهر للآخرين ما تخبّئه الأيام داخله، ويصرّ على إيجابية العيش. «نبذتُ الانتقام والكراهية والصفعات من كل صوب، وصنعتُ مني كائناً يتطلّع نحو الأفضل. للسعادة والعطاء مراتب لا يبلغها جميع البشر، أسعى إليها. أريد أولادي أن يتعلّموا من تصرّفاتي، فالوعظ لا يكفي. الكرم ليس ما يتعلق بالمال فقط. إنه اللطافة والكلمة الحلوة. هذه لا تكلّف شيئاً لكنها تصنع الفرق».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

مقتل قائد الجناح العسكري ﻟ«الجهاد الإسلامي» في لبنان بضربة إسرائيلية

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

مقتل قائد الجناح العسكري ﻟ«الجهاد الإسلامي» في لبنان بضربة إسرائيلية

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية على برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت لبنان 2 مارس 2026 (إ.ب.أ)

أعلنت حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية، الحليفة لحركة «حماس» و«حزب الله»، مقتل أدهم عدنان العثمان، قائد جناحها العسكري «سرايا القدس» في لبنان، بضربة إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية الاثنين.

ونعت الحركة العثمان (41 عاماً) «قائد سرايا القدس في الساحة اللبنانية»، مشيرة إلى أنه «ارتقى شهيداً إثر العدوان الصهيوني الغادر الذي طال ضاحية بيروت الجنوبية، فجر الاثنين»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

بدأت إسرائيل حملة عسكرية مكثفة وغير مسبوقة في مختلف المناطق اللبنانية منذ الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين، رداً على إطلاق «حزب الله» اللبناني «صلية صواريخ» باتجاه حيفا «ثأراً» لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وعلى الرغم من الجهود السياسية والدبلوماسية المكثفة للدولة اللبنانية لاحتواء التصعيد، فإن معظم الخبراء العسكريين يتوقعون أن تكون جولة الحرب الجديدة هي الأعنف، وألا تتوقف حتى القضاء نهائياً على الجناح العسكري لـ«حزب الله».

وتصف مصادر أمنية الوضع الحالي بـ«السيئ جداً»، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط» أن عملية إطلاق الصواريخ من عناصر «الحزب» جرت من موقع شمال الليطاني، بعدما كان الجيش اللبناني أكد في وقت سابق بسط سيطرته على معظم المنطقة الواقعة جنوب النهر.


«تمرد» في جناح «حزب الله» العسكري… يطلق شرارة الحرب؟

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه خلال تجمع في ذكرى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه خلال تجمع في ذكرى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

«تمرد» في جناح «حزب الله» العسكري… يطلق شرارة الحرب؟

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه خلال تجمع في ذكرى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه خلال تجمع في ذكرى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

كشف إطلاق «حزب الله» صواريخ باتجاه إسرائيل فجر الاثنين حصول تمرد داخلي قام به الجناح العسكري في الحزب ضد قيادته السياسية التي كانت تعهدت للدولة اللبنانية بعدم الانخراط في حرب إسناد لإيران، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة لنشاط «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط».

وخلافاً للتعهدات والتطمينات التي بعث بها الحزب عبر رئيس البرلمان نبيه بري للرئاسة، والحكومة اللبنانيتين، أطلقت مجموعة عسكرية من «حزب الله» صواريخ فجر الاثنين باتجاه إسرائيل، ما دفع تل أبيب للرد بعنف، وتنفيذ مجموعة اغتيالات في الضاحية، والجنوب، وتهديد عشرات القرى، ودفعها للإخلاء.

 

استثناء الجناح السياسي

قال مصدر مواكب لحركة «حزب الله» السياسية في لبنان، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجناح السياسي في الحزب «لم يكن بتاتاً مطلعاً على العملية العسكرية»، لافتاً إلى أن ذلك «ظهر في التسريبات الأولى لوسائل إعلام محلية بأن الحزب ليس مسؤولاً عن إطلاق الصواريخ»، وأضاف المصدر: «شكّل تبني الحزب للعملية مفاجأة لكثير من القيادات فيه، وكشف إرباكاً داخل الحزب في التعامل مع حدث خطير».

مناصرات لـ«حزب الله» يشاركن في فعالية تنديد باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

ولم يُبثّ بيان تبني إطلاق الصواريخ، في المعرّفات الإعلامية التي يفترض أن تتولى الإعلان عن المواقف الرسمية للحزب، إذ لم تصدر «العلاقات الإعلامية» أي بيان، بل صدر البيان في معرفات «الإعلام الحربي» على «تلغرام». وتعامل الإعلاميون في لبنان، بداية، مع البيان بحذر، قبل أن تنشره شخصيات مقربة من الحزب، ما أثبت صحته.

وقال المصدر نفسه إن خطورة إطلاق الصواريخ من دون علم القيادة السياسية «تعود إلى أن هذا الفعل أنتج خسائر كبيرة على المستوى السياسي، خصوصاً لجهة العلاقة مع الدولة اللبنانية، ومع الحليف الأبرز للحزب، رئيس مجلس النواب نبيه بري».

وظهر هذا التباين في جلسة الحكومة، حيث صوت الوزراء المحسوبون على «حركة أمل» التي يترأسها بري لصالح قرار حظر الجناح العسكري والأمني في «حزب الله»، وتجريم نشاطه.

 

صواريخ بلا تنسيق

على ضفة خصوم الحزب والمطلعين على أدبياته، تتعزز فرضية التمرّد الداخلي التي «أعطت إسرائيل ذريعة لبدء هجوم على لبنان، وتنفيذ اغتيالات، وإطلاق يد إسرائيل من دون رادع».

وقال مصدر مطلع على أدبيات الحزب إن الرد على اغتيال المرشد الإيراني «هزيل من الناحية العسكرية، واقتصر خلال 18 ساعة على إطلاق دفعة واحدة من الصواريخ، وهذا الأمر يخالف تجربة الحزب الذي كانت تتخذ قيادته العسكرية قراراً يحظى بتغطية القيادة بما فيها الجناح السياسي، بما يتيح له الطلب من مسؤولي جميع المحاور الاستعداد والمشاركة في إطلاق النار»، وأضاف المصدر: «يستحيل أن تمر 18 ساعة دون إطلاق رشقات أخرى، لو كان هناك قرار يحظى فعلاً بموافقة سياسية»، ما يعزز، بحسب اعتقاده، «أن إطلاق الصواريخ جاء نتيجة تمرد قسم من الجناح العسكري في الحزب».

الدمار في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في منطقة حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية ويبدو الشارع مقفراً (رويترز)

وتوقف المصدر نفسه عند المعلومات غير المؤكدة عن اغتيال مسؤولين في «حزب الله»، بينهم مسؤولون سياسيون. وقال المصدر: «لو كانت القيادة السياسية على علم بالأمر لكانت على الأقل اتخذت احتياطات، وأخلت منازلها، أو كانت القيادة العسكرية طلبت منها اتخاذ إجراءات أمنية، لكن الواضح أنه لم يحصل أي من هذا، وهو ما يعزز فرضية المبادرة الخاصة التي اتخذها جناح متمرد في الجناح العسكري على القيادة السياسية».

 

أجنحة موالية لإيران

لا تنفي مصادر معارضة للحزب هذه المعلومات، لأنه «لم تظهر أي جهوزية للحزب، مثل عمليات إخلاء أبنية، أو تعميمات داخلية». وأشارت المصادر إلى أن المسؤولين «يحتاطون عادة بإجراءات أمنية، وتزيد تلك التدابير في أوقات الحروب، وهو ما لم يُرصد».

ووضع مصدر معارض للحزب عملية إطلاق الصواريخ اليتيمة في إطار «أسلوب إيراني في التعامل مع الحركات والمنظمات التابعة له». ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن الطرف الإيراني «يقوم بفتح قنوات وأجنحة متعددة داخل الجسم الواحد، وهو ما قام به في غزة، وفعله في العراق، وكان سبق أن طبق هذا النموذج في لبنان في الثمانينات، في فترة نشوء «حزب الله»، حيث كانت هناك عدة حركات ومجموعات لم تجتمع تحت مظلة الحزب إلا في مطلع التسعينات».

وقال المصدر: «هذه مؤشرات إضافية تؤكد حالة التمرد القائمة في الحزب، من غير أن نستبعد فكرة أن يكون هذا التمرد يقوده الحرس الثوري نفسه داخل جسم (حزب الله)».

 

 


هاجس الحرب يسكن أربيل: أزيز مسيّرات وأصوات انفجارات

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة الأحد (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة الأحد (د.ب.أ)
TT

هاجس الحرب يسكن أربيل: أزيز مسيّرات وأصوات انفجارات

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة الأحد (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة الأحد (د.ب.أ)

في سماء أربيل بكردستان العراق، أزيز مسيّرات وأصوات دفاعات جوية تنطلق لإسقاطها، فيما السكان يراقبون متوجّسين أن تصل النيران إليهم في خضم حرب تشعل الشرق الأوسط.

ويستضيف إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، قوات من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتضمّ عاصمته أربيل مجمّعاً كبيراً للقنصلية الأميركية، ما يجعلها هدفاً في خضمّ الحرب الدائرة في الشرق الأوسط التي اندلعت إثر الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران السبت.

ومنذ أيام، يتردّد في أربيل دويّ انفجارات قوية، مع تكرار تصدّي أنظمة الدفاع الجوي الأميركية لطائرات مسيّرة. وكان آخرها الاثنين، إذ أفاد مصوّر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بإسقاط الدفاعات الجوية مسيرتين على الأقل قرب مطار أربيل الذي يضمّ قاعدة لقوات التحالف.

دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيّرة استهدفت قوات أميركية قرب مطار أربيل أمس (إ.ب.أ)

ويقول العامل المياوم كاروان سليم (35 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أحسنت الولايات المتحدة وحلفاؤها باستخدام هذا النظام الفعّال للدفاع الجوي. لولاه لكان الوضع في أربيل كارثياً». ويضيف: «نسأل الله أن يوفقهم وأن يستمروا».

وبدأت إيران تستهدف مواقع يمكن أن يوجد فيها أميركيون في العراق، كما في دول أخرى بالخليج وفي الأردن، ردّاً على الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها. في المقابل تستهدف مواقع لفصائل موالية لإيران في العراق بضربات تنسب إلى الأميركيين والإسرائيليين الذين لم يتبنوها حتى الآن.

والعراقيون منقسمون بين موال لإيران ومناهض لها.

وفي خضمّ الهجوم على إيران والردّ الإيراني العنيف الذي يستهدف إسرائيل ودولا خليجية عدّة والأردن بحجة استضافتها لقواعد أميركية، أعلنت فصائل مسلحة عراقية أنها لن تبقى على الحياد. وتبنّت تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أميركية داخل العراق.

وقال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الاثنين، إن «إيران تواصل قصف عدد من المناطق في إقليم كردستان، لا سيما مدينة أربيل، في حين تستهدف الجهة الأخرى في النزاع مواقع في جنوب العراق وغربه».

وعدّ أن هذه الضربات «تضع البلاد أمام تحديات أمنية كبيرة».

ويتساءل سليم: «كيف وصلت حرب مع الولايات المتحدة إلى أربيل ودبي؟»، مضيفاً: «نقول للنظام الإيراني: استسلموا وأنهوا هذا الأمر».

وأصدرت مديرية الدفاع المدني في أربيل إرشادات سلامة للمواطنين تحسباً لسقوط شظايا صواريخ أو ذخائر مشتعلة قرب منازلهم.

ويقول صاحب متجر يدعى عبد الرحمن إسماعيل (72 عاماً): «الناس يخافون الخروج من منازلهم نهاراً، ويزداد الخوف ليلاً». ويضيف: «إيران ومن يدعمونها يقفون وراء كل هذا».

أما الممرّض سالار برهان (27 عاماً) فيقول: «يهاجموننا يومياً بالطائرات المسيّرة. لا نعرف لماذا يجرّوننا إلى هذه الحرب».

وحذّرت فصائل موالية لإيران من حرب استنزاف طويلة الأمد، فيما توعّدت كتائب «حزب الله» النافذة بأنها لن تسمح «بأي وجود أميركي في المنطقة، لا سيما في العراق».

ووجّه الفصيل تحذيراً صريحاً لإقليم كردستان من «مغبة التواطؤ مع القوات الأجنبية المعادية».

عمود من الدخان بالقرب من مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)

وتقيم سلطات الإقليم ذي الأغلبية الكردية علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة التي قادت غزو عام 2003، وأسقطت حكم الرئيس الراحل صدام حسين الذي كان يضطهد الأكراد.

وبقيت قوات التحالف بقيادة واشنطن في إقليم كردستان بعد انسحابها في ديسمبر (كانون الأول) من الأراضي الاتحادية العراقية.

وبعيداً عن خطر الطائرات المسيّرة، يساور القلق سكان أربيل أيضاً بشأن انقطاع الكهرباء.

فقد بدأت المدينة مؤخراً التمتّع بإمدادات كهرباء متواصلة على مدار الساعة، متجاوزة أخيراً الاعتماد على المولدات الخاصة الذي انتشر بعد سنوات النزاعات والأزمات الطويلة في العراق.

غير أن الحرب أعادت المدينة إلى الوراء. وعاد انقطاع التيار الكهربائي بعدما أوقف حقل غاز كبير إمداداته إلى محطات توليد الكهرباء في الإقليم في إجراء احترازي.

وكان حقل خور مور، ويطلق عليه أيضاً اسم كورمو، الذي يزوّد معظم محطات كهرباء كردستان، وتديره شركة «دانا غاز» الإماراتية، قد تعرّض مرّات عدّة خلال السنوات الأخيرة لهجمات نُسبت إلى فصائل عراقية موالية لإيران.

ويقول التاجر خالد أحمد (70 عاماً): «من دون كهرباء، لا توجد تجارة. عندما تنطفئ الأنوار، اضطر للاعتماد على مصباح صغير يعمل بالبطارية لإبقاء المتجر مفتوحاً».

ويضيف أن المتاجر مليئة بالبضائع، لكن «الناس مذعورون... ويشترون كل شيء بدافع الذعر».

ويتابع: «الحرب حقاً مأساة على الجميع».

وتقول ميديا عزيز (37 عاماً) بينما تتسوّق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «اشترينا منتجات الألبان واللحوم، لكننا قلقون من أن تفسد في الثلاجة بسبب انقطاع الكهرباء». وتضيف: «يمكننا التكيّف مع كلّ شيء، لكن من دون كهرباء تصبح الحياة صعبة».

عاجل الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف قيادي كبير في «حزب الله» في بيروت