شركات الطاقة المتجددة تنافس على مشروعات بمليارات الدولارات في مصر وتعيد الثقة للسوق

رئيس «ليكيلا باور» : القاهرة تشهد تقدمًا إيجابيًا في السياسة والاقتصاد

ألواح لتوليد الطاقة الشمسية في مصر («الشرق الأوسط»)
ألواح لتوليد الطاقة الشمسية في مصر («الشرق الأوسط»)
TT

شركات الطاقة المتجددة تنافس على مشروعات بمليارات الدولارات في مصر وتعيد الثقة للسوق

ألواح لتوليد الطاقة الشمسية في مصر («الشرق الأوسط»)
ألواح لتوليد الطاقة الشمسية في مصر («الشرق الأوسط»)

حول كؤوس الصودا وعصير البرتقال في ردهة الاستقبال بمقر السفارة الإنجليزية على نيل القاهرة، يؤكد كريس إنطونوبولوس، الرئيس التنفيذي لشركة «ليكيلا باور» للطاقة المتجددة في أفريقيا، لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن «مصر تشهد تقدمًا إيجابيًا على الصعيد السياسي والاقتصادي. والطموحات كبيرة. وللشركة مشروعات من هذا النوع المخصص لإنتاج الطاقة في جنوب أفريقيا وغانا، لكنها أصبحت أخيرًا تعول على الاستثمار بمصر».
كثيرٌ هُم الذين يعقدون لقاءات مع مسؤولين حكوميين هذه الأيام من أجل العمل في مجال توليد الكهرباء من طاقة الشمس والرياح. يبدو التنافس المحموم بين شركات الطاقة المتجددة في مقدمة السباق لاقتناص أكبر قدر من المشروعات بمصر التي تقدر قيمتها بنحو 6 مليارات دولار، لإنتاج نحو 4 آلاف ميغاواط. ويتزايد رهان شركات دولية على المستقبل في هذا البلد الأفريقي الذي تحاول بعض وسائل الإعلام تصويره على أنه مضطرب سياسيًا منذ الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013.
مثل هذه القرارات الاستثمارية الجريئة ليست وليدة اليوم. فقد غيَّر مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي انعقد منتصف مارس (آذار) الماضي، نظرة الكثير من رجال المال والأعمال والشركات إلى مصر. وعلى الأرض يمكن أن تلمس زخمًا شعبيًا يثير الاهتمام حول أهمية الشمس والريح لتعويض النقص في الطاقة التقليدية. في الكثير من المواقع الصغيرة بالقرى تجد مجموعة من المصريين تقوم بتركيب خلايا شمسية لتشغيل موتور رفع مياه أو إدارة آلات لطحن الحبوب. ومن السهل أن تلاحظ وجود مثل هذه الخلايا فوق أسطح بعض المنازل. وفي شرق القاهرة أصبحت هناك صفوف طويلة من طواحين الهواء لتوليد الطاقة.
يقول عمرو فركاش، المسؤول عن قطاع المشروعات الصغرى والمتوسطة بمصر في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاستقرار السياسي يجذب الاستثمار. وفي الوقت الحالي نستطيع أن نقول إن هناك تحسنًا ملحوظًا بمصر، خاصة عقب مؤتمر شرم الشيخ حيث عادت البلاد لتكون أكبر سوق في منطقة الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن «الطاقة البديلة» تحظى بمشاريع ضخمة جدًا، وتستحوذ على الاهتمام الشعبي بشكل عام.
وتقدر قيمة ما وقعته مصر من اتفاقات استثمارية ومنح ومساعدات في مؤتمر شرم الشيخ بنحو 38 مليار دولار، لكن في هذه الأيام أصبح من السهل أن ترى انعكاس ما جرى توقيعه على الورق، وهو يتحرك من خلال معاينة لأراضي تخص مشروعات جديدة، ولقاءات استكشافية مع بعض المسؤولين المحليين وممثلي دول عربية وأجنبية. ويقول فركاش: «مصر سوق كبير. الوضع في تحسن مقارنة بالشهور الأربعة الماضية».
وبين حين وآخر، يستقبل كبار المسؤولين المصريين مستثمرين دوليين كان آخرهم رئيس شركة هيونداي، سو هيونج جونج، الذي يسعى للانخراط في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية ومشروعات النقل والطاقة والغاز. ويأتي هذا بينما يجري الإعداد لاستقبال معارض كثيرة في مجالات مختلفة منها العقارات وصناعة السيارات، لكن هذا لا يقارن بالتنافس الحالي حاليًا بين شركات الطاقة المتجددة، بسبب حاجة البلاد لسد العجز في الكهرباء.
وتمتلك مصر حظًا كبيرًا من الإشعاع الشمسي. ويبلغ متوسط سطوع الشمس هنا من 2000 إلى 3000 كيلوواط في الساعة للمتر المربع في السنة، وهي ميزة كبيرة لإنتاج الطاقة من الخلايا الشمسية، مثل ميزة الرياح. وتقول الجمعية المصرية لصناعات الطاقة الشمسية، إن «التزام البلاد بتنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية يظهر من خلال الكثير من الإجراءات، ومنها رغبة الحكومة في توليد 20 في المائة من الطاقة عبر مصادر متجددة بحلول عام 2020. وقبل عام من الآن كان من الصعب الحديث عن قدرة الدولة على تطبيق هذه النظريات على أرض الواقع بسبب الاضطرابات التي كانت تعصف بالبلاد».
اليوم الوضع تغير، رغم ما تبثه بعض وسائل الإعلام عن تفجيرات وأعمال إرهابية. ويضيف السيد أنطونوبولوس قائلاً إنه «من الواضح تحسن المناخ السياسي في مصر، الذي يتزامن مع الاهتمام المتزايد بالاستثمار في هذا البلد من قبل مستثمرين أجانب.. الحكومة مهتمة بالتركيز على توفير البيئة المستقرة والآمنة لجذب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات ذات الأولوية، مثل البنية التحتية، والطاقة وقطاعات اقتصادية أخرى. كما أن تقدم المناخ السياسي والاقتصادي في مصر دفع وكالات التصنيف الدولية مؤخرًا إلى ترقية التصنيف الائتماني لمصر؛ مما سيساهم بدوره في خلق مناخ أفضل للاستثمار».
وتستعد مؤسسات دولية مقرضة لتقديم الكثير من القروض سواء للمشاريع الحكومية أو المشاريع ذات الأهمية القومية التي يمولها القطاع الخاص؛ مما ينعكس إيجابًا على خطة مصر التنموية في العموم، وفي القلب منها الطاقة المتجددة التي أصبحت محل اهتمام دول أخرى في القارة السمراء ومنطقة الشرق الأوسط، ومنها السعودية والأردن والمغرب. وتضع تقديرات اقتصادية مصر في المرتبة الأولى في القارة الأفريقية من حيث الاستثمارات الأجنبية المباشرة بما قيمته 18 مليار جنيه إسترليني، وبزيادة نسبتها تبلغ نحو 42 في المائة من عدد المشاريع داخليًا في عام 2014، أي بعد انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يحظى بشعبية كبيرة.
ويزيد السيد إنطونوبولوس في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» قائلاً إن «تركيز الحكومة المصرية على إصلاح المنظومة التشريعية وقوانين الاستثمار يعد من الإيجابيات الهامة لجذب الاستثمارات، وإن من بين هذه التشريعات قانون الاستثمار الجديد، وتبسيط وخفض الضرائب عن طريق ضريبة القيمة المضافة، وتبسيط إجراءات الاستثمار وإجراءات أخرى».
ومنذ انتهاء فعاليات مؤتمر شرم الشيخ، لم تتوقف أبواب السفارات الأجنبية في القاهرة عن استقبال المستثمرين الكبار الذين يفتشون عن الفرص الجديدة وعن الطمأنينة أيضًا. وفي الأسبوع الأخير، قال أحد كبار رجال الأعمال الأوروبيين في مجال الطاقة: «كنت أعتقد أن شركتي لن تجد منافسين بسبب الظروف الأمنية، بينما الآن أمامي مستثمرون لديهم رغبة في ضخ مليارات الدولارات في السوق المصرية».
مما لا شك فيه أن المستثمر يريد الشعور بالأمان قبل أن يغامر بأمواله. لذلك كان عدد منهم لا يكتفي بالجلسات الرسمية مع مسؤولي الحكومة في شارع القصر العيني، بل يفضل عقد لقاءات مسائية تحت رعاية دبلوماسيين في هذه السفارة أو تلك. السفير أو القنصل أو مستشاروهم لا يتدخلون بطبيعة الحال في جوهر نشاط رجال الأعمال، لكن مجرد وجودهم وتجاذب أطراف الحديث معهم، يمكن أن يعكس الانطباع عن حال هذا البلد ومستقبله.
وفي رده على سؤال بشأن نوع المشروع الذي يعتزم تنفيذه بمصر وقيمته المالية، يكشف رئيس شركة «ليكيلا باور» للطاقة المتجددة في أفريقيا، عن تقديم شركته: «العرض الأكثر تنافسيًا وهو توفير 250 ميغاواط في المناقصة الخاصة بمشروع طاقة الرياح بجبل الزيت في خليج السويس»، شرق العاصمة. ويضيف: «إذا ربحنا المناقصة، فإن إجمالي استثمارات المشروع ستكون نحو 400 مليون دولار».
وبالإضافة إلى ذلك، فقد تأهلت الشركة نفسها، بمصر، «ليكيلا باور»، لتنفيذ وإدارة محطة رياح بطاقة 50 ميغاواط، ومحطة طاقة شمسية بطاقة 50 ميغاواط، وفقًا لقانون تعريفة التغذية الجمركية الخاصة بالطاقة. ويقول إنطونوبولوس: «فور الانتهاء من تنفيذ هذه المشروعات ستكون إجمالي هذه الاستثمارات 180 مليون دولار، علاوة على ذلك، نحن مهتمون بتطوير، وتمويل، وتنفيذ مشاريع أكثر للطاقة في مصر، حيث إنه ليس لدينا حد أقصى للاستثمار هنا».
السفير البريطاني بالقاهرة، جون كاسن، يبدو متحمسًا وهو يرحب بعدد من رجال الأعمال الذين يرغبون في العمل في الطاقة المتجددة. وفي كلمته في حفل استقبال «ليكيلا باور»، قال إن بلاده تعد من أكبر المستثمرين الأجانب هنا، مشيرًا إلى أن شركة «بي بي» البريطانية، وقّعت أثناء انعقاد مؤتمر شرم الشيخ، أكبر صفقة استثمارية في تاريخ مصر بقيمة 12 مليار دولار.
السفير كاسن تحدث أيضًا عن مستقبل الطاقة المتجددة في هذا البلد، مشيرًا إلى ما سبق وأعلنه الرئيس السيسي بنفسه وقوله إن «دعم مصادر إمداد الطاقة بمصر يعد واحدًا من أهم أولويات الحكومة». وأضاف السفير كاسن أنه، في هذا الصدد، يمكن للمملكة المتحدة، من خلال مشاركة مجموعة من الشركات الاستثمارية البريطانية الجديرة بالثقة، مساعدة المصريين في بناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا وديمقراطية لبلادهم.
ويقول مسؤولون بالحكومة المصرية إن «فرص الاستثمار في توليد الطاقة المتجددة، من الشمس والرياح، مفتوحة أمام أكثر من 130 شركة مصرية وعربية وأجنبية لإنتاج 4300 ميغاواط خلال العامين المقبلين. ويؤكد الدكتور محمد شاكر، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بمصر، أن «القيادة السياسية تدرك أهمية ملف الطاقة، ولذلك فإن الأولوية في هذه المرحلة موجهة لمشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بمشاركة القطاع الخاص».
وبعد مداخلات مع عدد من المطلعين على خفايا الأمور، يقول أحد المسؤولين في شركة مصرية حديثة متخصصة في تصنيع الخلايا الشمسية مع شركاء أجانب، ويُدعى محمد حسين، أثناء حضوره حفل استقبال آخر في بهو السفارة الفرنسية، إنه «رغم اندفاع بعض برامج الدردشة التلفزيونية وزوايا الصحف المحلية، في تصوير وقائع محدودة التأثير لبعض منتقدي نظام الحكم المصري على أنها من معالم عدم الاستقرار، فإن الرد العملي على نجاح سياسيات الرئيس السيسي، يأتي، على ما يبدو، من أصحاب الأموال المتنافسين على فرص في المشروعات المتوقعة، والرغبة في استيراد المعدات من أجل تنفيذ الكثير من الأعمال».
وتبث وسائل إعلام بين حين وآخر تهديدات لمنظمات إرهابية مجهولة تتوعد بالتفجير والتخريب والقتل. ويضيف حسين أنه «أصبح معلومًا لكثير من المتابعين، أن الإعلام لا يعكس الواقع بدقة في مصر ويجنح إلى التضخيم، خاصة القنوات التي يديرها معارضون للرئيس، ويبثون مثل هذه الأخبار من خارج البلاد»، مشيرًا إلى أن مصر تعاني من نقص كبير في الطاقة، لكن الحلول التي تلجأ إليها الحكومة ينتقدها البعض أيضًا ويزيد في تصوير ما فيها من مساوئ حتى يتحول الموضوع من قضية اقتصادية إلى موضوع للصراع السياسي وإلقاء التهم في وجه الحكومة.
مستثمر آخر ليبي الجنسية ومتخصص مع شركاء مصريين في صناعة كابلات الكهرباء، يُدعى رشوان حمود، يضيف، في السياق نفسه، قائلاً إنه «على سبيل المثال، حين قررت الحكومة المصرية اللجوء للفحم في تشغيل بعض محطات الكهرباء والمصانع، قبل أشهر، ارتفعت الأصوات عن التلوث المحتمل حتى خيل لنا أن مصر ستغطيها سحابة سوداء جراء دخان الفحم. وحين فتحت الحكومة أبواب التعاقد على توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، قال المعارضون: وما الحاجة إليها إذا كنا سنبني محطة نووية لتوليد الكهرباء، رغم أن كل هذا الكلام مجرد حشو لا يستند إلى حقيقة أو علم».
ويبدو أن رجال أعمال وأصحاب أموال ومصرفيين أيضًا لا يأخذون «التهويل الإعلامي» مأخذ الجد. ويرى المسؤول عن قطاع المشروعات الصغرى والمتوسطة في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، السيد فركاش، أن ما ينشر عن الوضع الأمني مثل وقوع تفجيرات وإرهاب، يؤثر فقط على قطاع السياحة.. «هذه الأخبار تؤثر على الاستثمار في السياحة، لكنها لا تؤثر على مشروعات أخرى مثل الطعام والأدوية والتصنيع والطاقة.. اليوم لديك مشاريع مفتوحة بالمليارات».
وفي سؤال للسيد إنطونوبولوس عما إذا كان لديه مخاوف من ضخ شركته لملايين الدولارات على الطاقة المتجددة، بينما الدولة مقبلة على توليد الطاقة من المحطة النووية بعد بنائها، يجيب قائلاً: «لا توجد مخاوف على الإطلاق، ولكل تقنية مزاياها».
ويضيف أن «شبكة الكهرباء المتطورة تتكون من مزيج صحي من مصادر متعددة لتوليد الطاقة ولكل منها مزاياها الخاصة. ويشمل هذا المزيج محطات طاقة الحمل الأساسي مثل محطات الطاقة النووية، ومحطات تعمل بالفحم، والأحمال المتوسطة التي توفرها الطاقة المتجددة، وأحمال الذروة التي يوفرها الغاز أو الديزل. وهذا معمول به في كثير من الدول المتقدمة مثل أوروبا، وأميركا، واليابان؛ حيث محطات الطاقة المتجددة تعمل بالتوازي مع محطات الطاقة النووية».
ويزيد قائلاً إن «الطاقة المتجددة التي تولدها الرياح ومحطات الطاقة الشمسية أصبحت تنافسية للغاية من حيث التكلفة كما تجلى في مناقصة مشروع طاقة الرياح في منطقة جبل الزيت التي تقدمنا بها، حيث تقدمنا بتعريفة كهرباء أقل من 4 سنتات للكيلواط في الساعة، وهى واحدة من أدنى تعريفات طاقة الرياح على مستوى العالم لهذه التكنولوجيا. كما أن أحد مزايا الطاقة المتجددة أنه بالإمكان بناؤها بسرعة من سنة إلى سنتين، وهو وقت قياسي مقارنة بالطاقة النووية أو التقليدية».



الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.


«مطار الملك سلمان الدولي» يوقع مذكرات تفاهم لتطوير مشروعات عقارية

توقيع «مطار الملك سلمان» مع شركة «رتال» ضمن مذكرات التفاهم التي وُقّعت على هامش «منتدى القطاع الخاص 2026» (رتال)
توقيع «مطار الملك سلمان» مع شركة «رتال» ضمن مذكرات التفاهم التي وُقّعت على هامش «منتدى القطاع الخاص 2026» (رتال)
TT

«مطار الملك سلمان الدولي» يوقع مذكرات تفاهم لتطوير مشروعات عقارية

توقيع «مطار الملك سلمان» مع شركة «رتال» ضمن مذكرات التفاهم التي وُقّعت على هامش «منتدى القطاع الخاص 2026» (رتال)
توقيع «مطار الملك سلمان» مع شركة «رتال» ضمن مذكرات التفاهم التي وُقّعت على هامش «منتدى القطاع الخاص 2026» (رتال)

في خطوة نوعية لتعزيز الاستثمار الوطني والابتكار العقاري، أعلن «مطار الملك سلمان الدولي»؛ إحدى شركات «صندوق الاستثمارات العامة»، عن توقيع 7 مذكرات تفاهم مع نخبة من كبار المطورين العقاريين الوطنيين، وذلك على هامش مشاركته في «منتدى القطاع الخاص 2026»، ضمن جهود المطار لتطوير مشروعات عقارية متعددة الاستخدامات داخل نطاقه، بما يعكس التزامه رفع مستوى الاستثمار في هذا المجال النوعي بالمملكة.

وشملت المذكرات التي وقّعها المطار، شركات: «سمو القابضة»، و«محمد الحبيب للاستثمار»، و«كنان»، و«أجدان»، و«رتال»، و«أرجوان»، و«أسُس»، وتأتي هذه الخطوة ضمن مشروع المطار الذي يمتد على مساحة إجمالية تبلغ نحو 57 كيلومتراً مربعاً، خُصص منها نحو 12 كيلومتراً مربعاً للتطوير العقاري، بما يوفّر نطاقاً واسعاً لتنفيذ مشروعات حضرية متعددة الاستخدامات، تشمل المجتمعات السكنية، والمراكز التجارية والترفيهية، والمرافق المكتبية والضيافة، وفق أعلى معايير الجودة، مع استثمار الفرص العقارية داخل المطار لتعزيز التنمية المستدامة والبنية التحتية المتكاملة، بالشراكة مع القطاع الخاص.

وتستهدف هذه الشراكات تطوير بيئة عمرانية متكاملة داخل نطاق المطار، ترتكز على أعلى معايير الجودة والتخطيط الحضري، وتُسهم في تعزيز التكامل بين أنشطة الطيران والتطوير العقاري ونمط الحياة، بما يدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تنويع الاقتصاد وتحفيز الاستثمار النوعي.

وقال الرئيس التنفيذي المكلّف «مطار الملك سلمان الدولي»، ماركو ميهيا: «تعكس هذه الشراكات السبع رؤيتنا الطموح لتحويل المطار منظومةً حضرية واقتصادية متكاملة، تتجاوز المفهوم التقليدي للمطارات. نفخر بالتعاون مع نخبة من أبرز المطورين العقاريين الوطنيين، لما يمتلكونه من خبرات عميقة وسجلّ حافل في تنفيذ مشروعات نوعية تسهم في خلق قيمة اقتصادية مستدامة وتعزز مكانة المطار بوصفه مركزاً استثمارياً رائداً».

ويشمل نطاق المطار كذلك مناطق اقتصادية ولوجيستية متكاملة تمتدّ على مساحة نحو 3 ملايين متر مربع، بما يعزز تكامل التطوير العقاري مع الأنشطة الاقتصادية والخدمات الداعمة، ويسهم في ترسيخ مكانة المطار منصةً متقدمةً للاستثمار متعدد القطاعات.

وتضم قائمة الشركاء شركات تطوير عقاري رائدة تتمتع بخبرات متنوعة ومحافظ مشروعات كبرى في مختلف مناطق المملكة، وتسهم خبراتها المتنوعة في تطوير المجتمعات المخططة، وتطوير المجتمعات السكنية والمراكز التجارية والمشروعات المختلطة، إلى جانب دورها في المشروعات السكنية والتجارية والترفيهية، وتطوير مشروعات متكاملة؛ سكنية وتجارية وضيافة، بما يدعم تنويع المنتج العقاري داخل نطاق المطار.

من خلال هذه الشراكات، يؤكد «مطار الملك سلمان الدولي» التزامه قيادة التطوير العقاري الوطني، وتعظيم الاستفادة من أصوله، وترسيخ مكانته مركز جذب للاستثمارات النوعية ومحركاً رئيسياً للنمو العقاري والاقتصادي في المملكة.

يُعد «مطار الملك سلمان الدولي» مشروعاً وطنياً استراتيجياً تحولياً يجسّد طموح المملكة إلى تعزيز مكانة الرياض عاصمةً عالميةً ومركزاً رئيسياً للطيران. ويقع المطار في الموقع نفسه لـ«مطار الملك خالد الدولي» بمدينة الرياض، وسيتضمن صالات «الملك خالد»؛ إضافة إلى 3 صالات جديدة، بجانب الأصول السكنية والترفيهية، و6 مدارج طيران، ومرافق لوجيستية. ويمتد المطار على مساحة 57 كيلومتراً مربعاً، بطاقة استيعابية تصل إلى 100 مليون مسافر سنوياً، مع قدرة شحن تتجاوز مليوني طن سنوياً بحلول عام 2030.


«توتال» ترفض دعوات ترمب للعودة إلى فنزويلا: استثمار مكلف

شعار «توتال إنرجيز» عشية افتتاح معرض باريس الدولي للزراعة (رويترز)
شعار «توتال إنرجيز» عشية افتتاح معرض باريس الدولي للزراعة (رويترز)
TT

«توتال» ترفض دعوات ترمب للعودة إلى فنزويلا: استثمار مكلف

شعار «توتال إنرجيز» عشية افتتاح معرض باريس الدولي للزراعة (رويترز)
شعار «توتال إنرجيز» عشية افتتاح معرض باريس الدولي للزراعة (رويترز)

قال الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز» الفرنسية العملاقة للطاقة، باتريك بويان، إن العودة إلى فنزويلا «مكلفة للغاية وملوثة للبيئة بشكل كبير»، وذلك على الرغم من دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشركات النفط الكبرى لاستثمار مليارات الدولارات في البلاد.

وكانت الشركة قد انسحبت من فنزويلا عام 2022؛ لكن إدارة ترمب حثت شركات النفط الكبرى على العودة منذ العملية العسكرية الأميركية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في 3 يناير (كانون الثاني).

وفي تصريح أدلى به يوم الأربعاء، قال بويان للصحافيين، إن الشركة انسحبت من البلاد «لأن ذلك يتعارض مع استراتيجيتنا. فقد كانت مكلفة للغاية وملوثة للبيئة بشكل كبير، ولا تزال هذه هي الحال». ونقلت وكالة «رويترز» هذه التصريحات.

ودعت إدارة ترمب شركات الطاقة الأميركية العملاقة إلى استثمار مائة مليار دولار لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي.

وتعهد ترمب بدعم شركات النفط الأميركية المستثمرة في فنزويلا، من خلال تقديم مساعدات أمنية حكومية، مصرحاً الشهر الماضي بأن شركات الطاقة واجهت سابقاً مشكلات؛ لأنها لم تكن تحت قيادته.

وتفتخر فنزويلا بامتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في العالم، ولكن بعض شركات النفط الأميركية، بما فيها «إكسون موبيل»، أعربت عن حذرها من التسرع في العودة إلى السوق الفنزويلية.

وتصدَّر الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون»، دارين وودز، عناوين الأخبار مؤخراً، لتصريحه خلال اجتماع مع ترمب في البيت الأبيض، بأن السوق الفنزويلية «غير قابلة للاستثمار» في وضعها الحالي. وشن ترمب هجوماً لاذعاً على وودز، مهدداً بتهميش عملاق النفط، ومتهماً الشركة بـ«التلاعب بالأمور».

معوقات البنية التحتية

بدأت شركة «توتال» عملياتها في فنزويلا في التسعينات. وجاء انسحابها في أعقاب تحول استراتيجي بعيداً عن النفط الخام الثقيل والعالي الكبريت، وسط مخاوف تتعلق بالسلامة. وكان بويان قد صرح سابقاً بأن فنزويلا ليست من أولويات شركته.

وكانت الشركة الفرنسية قد أعلنت عن انخفاض طفيف في أرباح الربع الرابع، وتقليص عمليات إعادة شراء الأسهم، وسط تراجع أسعار النفط الخام.

وارتفعت أسهم الشركة المدرجة في بورصة باريس بنحو 2 في المائة خلال تعاملات الصباح، مسجلة أعلى مستوى لها في 52 أسبوعاً.