باريس عازمة على البقاء عسكرياً في الساحل ولن تتخلى عن محاربة الإرهاب

«الخارجية» الفرنسية تندد بـ«التضليل الإعلامي» للمجلس العسكري في مالي

جنديان فرنسيان في منطقة الساحل وهما يرفعان العَلم الفرنسي مع مغادرة القوات آخر القواعد في مالي (أ.ف.ب)
جنديان فرنسيان في منطقة الساحل وهما يرفعان العَلم الفرنسي مع مغادرة القوات آخر القواعد في مالي (أ.ف.ب)
TT

باريس عازمة على البقاء عسكرياً في الساحل ولن تتخلى عن محاربة الإرهاب

جنديان فرنسيان في منطقة الساحل وهما يرفعان العَلم الفرنسي مع مغادرة القوات آخر القواعد في مالي (أ.ف.ب)
جنديان فرنسيان في منطقة الساحل وهما يرفعان العَلم الفرنسي مع مغادرة القوات آخر القواعد في مالي (أ.ف.ب)

أحرق المجلس العسكري في مالي الذي يدير البلاد منذ أول انقلاب عسكري في شهر أغسطس (آب) 2020 جميع جسور التواصل بين باماكو وباريس. وشكّلت رسالة الشكوى التي رفعها وزير الخارجية عبد الله ديوب، إلى المندوب الصيني لدى مجلس الأمن الدولي الذي تتولى بلاده رئاسته للشهر الجاري، آخر مسمار دُقَّ في نعش العلاقة بين البلدين بعد تسعة أعوام متواصلة من الحضور العسكري الفرنسي في مالي. وعلقت أوساط الإليزيه على رسالة مالي، والاتهامات التي تضمنتها ومنها التجسس ومساعدة الإرهابيين وانتهاك سيادة البلاد بوصفها «مثيرة للسخرية» وأنها «ترمي اتهامات لا أساس لها من الصحة».
من جانبها، ردّت السفارة الفرنسية في باماكو، حيث نفت «قطعياً» أن تكون قوة «برخان» قد ساعدت المجموعات الإرهابية لا مباشرة ولا بشكل غير مباشر. وفي تصريح لإذاعة فرنسا الدولية، أوضح الجنرال برونو باراتز، قائد قوة «برخان»، أن اتهامات مالي «فاجأته» وأنها «مهينة بعض الشيء لذكرى زملائنا الـ59 الذين سقطوا من أجل مالي ولجميع الماليين الذين قاتلوا إلى جانبنا».
وقالت «الخارجية» الفرنسة أمس، في إطار مؤتمرها الصحافي اليومي، إن فرنسا «ستواصل من غير كَلَل الحرب على الإرهاب في الساحل وغرب أفريقيا لدعم الجهود السياسية والمدنية والعسكرية لمجموعة دول غرب أفريقيا وبلدان المنطقة وذلك بالتعاون مع شركائنا الأوروبيين والأميركيين». كذلك نددت «الخارجية» بـ«حملات التضليل الإعلامية»، في إشارة إلى باماكو التي غرضها «صرف الانتباه عن تدهور الأحوال الأمنية والإنسانية والتي يعد المدنيون أولى ضحاياها». ولم يُعرف حتى أمس ما إذا كان مجلس الأمن سيعقد جلسة استجابةً لطلب باماكو التي لا تستطيع مباشرةً تقديم طلب رسمي لذلك بل يفترض أن يمر عبر دولة عضو. وفي أي حال، فإن باريس تتمتع بحق النقض «فيتو» وقادرة بالتالي على إجهاض أي بيان أو قرار يخصها.
بدايةً كان غرض التدخل العسكري الفرنسي في 2013 بناءً على طلب رسمي من سلطاتها منع سقوط مالي في أيدي التنظيمات الجهادية. ولاحقاً، تحول إلى الاستمرار في مكافحة هذه التنظيمات ثم تمكين باماكو من إعادة السيطرة على أراضيها كافة. ورغم التساؤلات في باريس حول مستقبل عملية «برخان» التي كانت تكلف الدولة الفرنسية نحو مليار يورو في العام وتعبئة 5500 جندي منتشرين ميدانياً، إضافةً إلى مالي، في النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، وإلى الدعم الجوي واللوجيستي، كان مقدراً لهذه العملية الأوسع لفرنسا في أفريقيا، أن تتواصل.
بيد أن نقطة التحول جاءت مع الانقلاب العسكري الأول ثم الثاني -في مايو (أيار) من العام 2021- الذي أطاح بالسلطات الشرعية. ولأن القادة العسكريين وعلى رأسهم الكولونيل غايتا، وعدوا، بضغط من دول مجموعة غرب أفريقيا وفرنسا والأسرة الدولية بشكل عام، بانتخابات تشريعية ورئاسية سريعة تعيد السلطة إلى المدنيين، كان ممكناً أن تغضّ فرنسا النظر وتنتظر التحولات الموعودة. إلا أن المجلس العسكري حنث بوعوده. والأسوأ من ذلك أنه أخذ بالتواصل مع ميليشيا «فاغنر» الروسية سيئة السمعة في أفريقيا خصوصاً في جمهورية وسط أفريقيا.
وكانت نتيجة ذلك بداية الافتراق بين فرنسا ومستعمرتها السابقة. وأخذ التراشق بالاتهامات يحل محل التواصل السياسي والدبلوماسي. وبالتوازي، ساءت العلاقة بين باماكو وقوة الكوماندوس الأوروبية «تاكوبا» التي كان باريس وراء إطلاقها من أجل انخراط شركاء فرنسا الأوروبيين في الحرب على الإرهاب من خلال مواكبة الجيش المالي في عملياته ضد التنظيمات الإرهابية. ولأن الأمور تدهورت إلى حد بعيد، فقد عمد المجلس العسكري بداية شهر مايو الماضي إلى نقض الاتفاقات الدفاعية الثلاث التي تربط باريس وباماكو وإحداها تتناول قوة «تاكوبا». وكانت النتيجة أن المجلس العسكري الحاكم أخذ يرى أن القوة الفرنسية والأوروبية افتقدت أي أساس شرعي يسمح لها بالعمل والبقاء على الأراضي المالية. وسبق ذلك قرار للرئيس إيمانويل ماكرون أعطى فيه قيادة أركان القوات الفرنسية مهلة ستة أشهر للخروج من مالي فيما «تاكوبا» كانت الأسرع في الرحيل.
ورغم الرحيل عن مالي فإن باريس لن تتخلى عن محاربة الإرهاب ليس فقط في دول منطقة الساحل التي تضم، إلى جانب مالي، موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد بل أيضاً في دول خليج غينيا والأخرى المطلة على بحيرة تشاد.
وبشكل عام، فإن انخراط فرنسا يشمل منطقة غرب أفريقيا. وحرص ماكرون، خلال جولته في ثلاثة بلدان أفريقية مطلة على خليج غينيا (بنين والكاميرون وغينيا بيساو) نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي على أن يكرر التزام بلاده بمواصلة محاربة التنظيمات الجهادية وأن يُطمئن قادتها لأن باريس لن تتخلى عن أفريقيا وأنها جاهزة للاستجابة لكل الطلبات التي تتلقاها من هذه الدول، ووفق أشكال المساعدة التي ترتئيها. وإذ حرص ماكرون على الإشارة إلى أن بلاده «لن تكرر الأخطاء المرتكبة» في مالي، فقد لمح إلى أن القوة الفرنسية ستكون أقل عدداً، وأقل تعرضاً بمعنى أنها لن تكون في المقدمة حتى لا تثير المشاعر المعادية لفرنسا، والتي تعمل جهات منافسة على إثارتها. وترى باريس أن روسيا تعمل في هذا الاتجاه وتستخدم جميع أنواع الحملات الشعبوية ووسائل التواصل الاجتماعي المتاحة لبلوغ هذا الهدف. وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة مالي، فإن موسكو تلعب على حبل التواصل الرسمي مع سلطات باماكو (اتصال هاتفي بين الكولونيل غايتا والرئيس بوتين، وزيارة وزير الخارجية ديوب لموسكو في مايو الماضي، ولقاؤه الوزير لافروف الذي قام مؤخراً بجولة واسعة في أفريقيا).
وجاء إعلان الجيش الفرنسي أول من أمس، عن إبقاء ثلاثة آلاف عسكري في منطقة الساحل ترجمة للوعود الرئاسية واستمراراً لسياسة باريس في محاربة التنظيمات الإرهابية، وأهمها اثنان: «القاعدة» في بلاد المغرب و«داعش» في بلدان الصحراء. وأعلن المتحدّث باسم رئاسة الأركان الفرنسية العقيد بيار غوديير، أنه «في إطار إعادة تنظيم (برخان) خارج مالي، سيبقى نحو ثلاثة آلاف جندي في منطقة الساحل، وسيؤدّون مهامهم من قواعد موجودة في النيجر وتشاد، إلى جانب شركائنا الأفارقة».
ووصف المسؤول العسكري هذه الشراكة بأنها «شراكة عسكرية قتالية وشراكة عسكرية تشغيلية وعمليات لوجيستية»، مؤكداً أنّ «هذا الأمر يندرج في إطار نهج جديد للشراكة مع الدول الأفريقية التي طلبت ذلك». وذكر مثالاً على ذلك النيجر حيث يسيّر الجيشان الفرنسي والنيجري «دوريات مشتركة ويقومان بتدريبات مشتركة». بيد أن كلام العقيد بيار غوديير لا يخرج عن نطاق منطقة الساحل فيما الطموح الفرنسي أوسع من ذلك بكثير. وتجدر الإشارة إلى أن جولة ماكرون الأخيرة كشفت عن رغبة بنين والكاميرون في تعزيز العلاقة العسكرية مع باريس. وتجدر الإشارة إلى أن لفرنسا قواعد عسكرية إضافية في الغابون وساحل العاج والسنغال وجيبوتي إضافةً إلى القواعد التي ذكرها العقيد غوديير في النيجر وتشاد. وثمة قاعدة لا يجري الحديث عنها كثيراً ومقرها بوركينا فاسو. و
السبب في ذلك أنها تستضيف قوة كوماندوس فرنسية. ويمنع القانون الفرنسي تناول أنشطتها ولذا فإنها تبقى خارج الرادار الإعلامي. وحسب رئاسة الأركان الفرنسية، فإنّ باريس لديها حالياً بالإضافة إلى قوة «برخان»، 900 جندي منتشرين في ساحل العاج و350 في السنغال و400 في الغابون. وكانت قوة «برخان» تضم ما يصل إلى 5500 عسكري في ذروة انتشارها في الساحل.
حقيقة الأمر، وفق مصادر سياسية في باريس، أن اهتمام فرنسا بمنع التنظيمات الإرهابية من التجذر في منطقة الساحل بدايةً ونزولاً إلى دول خليج غينيا حيث بدأ بالقيام بعدد من العمليات في شمالي هذه البلدان، مردُّه بدايةً إلى أنها تريد الدفاع عن مصالحها حيث لها مصالح سياسية واقتصادية وتجارية وجيوسياسية باعتبار أنها تقليدياً منطقة نفوذ فرنسي. يضاف إلى ذلك أن فرنسا التي عانت الكثير من العمليات الإرهابية التي ضربت التراب الفرنسي خصوصاً منذ عام 2015 تريد تجنب هذه التجربة مرة أخرى.
ويقول مسؤولوها إن محاربة الإرهاب في أفريقيا يعني حماية التراب الفرنسي منه. وثالث الأمور أن غياب الاستقرار وعجز الدول عن توفير الخدمات الضرورية إضافة إلى العنف وانعدام الأمن، كلها عناصر تدفع السكان إلى الهجرة، أي إلى محاولة الوصول إلى الفضاء الأوروبي. وثمة وعي بأن استقواء تيار الهجرات غير الشرعية ستكون له انعكاسات سياسية واجتماعية في أوروبا وسيوفر دفعة لليمين المتطرف. وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات الرئاسية في العامين 2017 و2022 في فرنسا شهدت وصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لو بن إلى الجولة الثانية وأن حزبها حصل على 89 مقعداً في البرلمان المنتخب في يونيو (حزيران) ما يشكّل سابقة في تاريخ البلاد. يبقى أن طموحات فرنسا واسعة ولا تتلاءم مع القوة «المتواضعة» التي تريد الإبقاء عليها في الساحل وأبعد.
ورغم تأكيد سلطاتها أنها «تعلمت الدرس» مما حصل في مالي، فإن الكثيرين في باريس يرون أنه سيكون عليها أن تضاعف عديد قواتها في المنطقة لتتواءم مع أهدافها.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.