فرنسا تؤكد عزمها على مواصلة محاربة التنظيمات الإرهابية غرب أفريقيا

مزيد من التدهور في علاقاتها بمالي... وباماكو تطلب اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن

تغيير العَلم خلال تسليم القاعدة العسكرية لقوة «بورخان» إلى الجيش المالي في 14 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
تغيير العَلم خلال تسليم القاعدة العسكرية لقوة «بورخان» إلى الجيش المالي في 14 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تؤكد عزمها على مواصلة محاربة التنظيمات الإرهابية غرب أفريقيا

تغيير العَلم خلال تسليم القاعدة العسكرية لقوة «بورخان» إلى الجيش المالي في 14 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
تغيير العَلم خلال تسليم القاعدة العسكرية لقوة «بورخان» إلى الجيش المالي في 14 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

لم تنته متاعب فرنسا في بلدان الساحل وتلك المطلة على خليج غينيا وفي غرب أفريقيا بشكل عام مع انسحاب آخر جندي من قوة «برخان» من مالي بعد تسع سنوات من التواجد المتواصل لمحاربة التنظيمات الإرهابية، ولتمكين السلطات المحلية من استعادة السيطرة على أراضيها وإعادة الإدارة والخدمات والأمن إليها.
والحال أن نشر ما لا يقل عن 5500 جندي بشكل أساسي في بلدان الساحل الثلاثة (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، وثلاثتها مستعمرات فرنسية سابقة، لم يحقق الهدف المنشود على الرغم من النجاحات التكتيكية التي حققتها القوة الفرنسية لجهة القضاء على عدد من كبار قيادات التنظيمين الجهاديين الرئيسيين، وهما «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» والدولة الإسلامية (داعش) في الصحراء الكبرى. ولا شك أن الخروج الفرنسي العسكري الذي يتسبب بفراغ حقيقي، سيشد عضد هذين التنظيمين. إذ تفيد المصادر العسكرية الفرنسية بأنهما بصدد توسيع مسرح عملياتهما وسط وشمال مالي.
ويراهن المجلس العسكري الذي يمسك بتلابيب السلطة في مالي بعد الانقلابين العسكريين اللذين حصلا في أغسطس (آب) عام 2020 ومايو (أيار) عام 2021 على تواجد ميليشيا «فاغنر» الروسية للحلول محل القوة الفرنسية المنسحبة.
بيد أن لا شيء يؤكد أن «فاغنر» التي تساند الجيش الوطني المالي قادرة على منع تمدد الجهاديين. ففي نهاية الأسبوع الماضي، خسرت الميليشيا الروسية التي يقدّر عددها بألف مقاتل، أربعة من أفرادها. ومنذ بداية أغسطس، خسر الجيش المالي 42 من أفراده في عمليات قتالية وهجمات إرهابية قامت بها مجموعة تابعة لـ«داعش» قريبة من مدينة تيسيت (وسط البلاد). وتؤكد المصادر الفرنسية، أن هذه المنطقة كانت آمنة قبل خروج القوة الفرنسية منها؛ ما يدل على سرعة تمدد التنظيمين الإرهابيين.
وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولند أرسل الفرقة الأجنبية إلى مالي بداية العام 2013 لمنع التنظيمات الجهادية وقتها من النزول من الشمال إلى العاصمة باماكو.
المفارقة، أن باريس لم تعد قادرة على التدخل في مالي، حيث لم تعد لديها قوات هناك. كما أن الحكومة المالية لن تسمح لها بالتدخل من الخارج في حال ارتأت باريس ذلك؛ نظراً لتدهور العلاقات بين العاصمتين. وفي أي حال، فإن المجلس العسكري يسعى لتعزيز علاقاته مع روسيا، ليس فقط من خلال «فاغنر»، ولكن على مستوى الدولة. إذ حصل اتصال هاتفي بداية الشهر الحالي بين رئيسه الكولونيل غايتا والرئيس الروسي. وتريد باماكو الحصول على أسلحة روسية من مختلف الأنواع، بما فيها المسيّرات والطائرات الخفيفة، ما يبين الاستدارة الحادة التي قامت بها باماكو باتجاه موسكو وابتعادها عن باريس.
ويوماً بعد يوم، تتسع الهوة التي تفصل بين فرنسا ومالي. وآخر ما تفتقت عنه الدبلوماسية المالية تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، طالبة انعقاد جلسة طارئة للنظر في «الأعمال العدوانية» التي ترتكبها فرنسا بحق مالي، ومنها انتهاك سيادته ودعم جماعات جهادية والتجسس على بلاده.
وفي رسالة صادرة يوم 15 الحالي عن وزير الخارجية عبد الله ديوب وموجهة إلى رئيس مجلس الأمن الحالي صيني الجنسية، ثبت بالاتهامات الموجهة لفرنسا وهي عديدة، منها «الانتهاكات المتكررة وكثيرة الحدوث» للمجال الجوي المالي وقيام الطائرات الفرنسية بـ«أنشطة تعدّ بمثابة عمليات تجسس» وجمع معلومات استخبارية لصالح مجموعات إرهابية وإلقاء الأسلحة والذخيرة إليها. وتصف الرسالة هذه الأعمال بأنها محاولات «ترهيب». وفي الرسالة أيضاً، أن باماكو «تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس» في حال تواصل الانتهاكات الفرنسية ودعوة لمجلس الأمن لأن تضع فرنسا حداً لـ«أعمالها العدوانية فوراً».
لا شك أن فرنسا ستخلص العبر من فشلها في مالي. وبداية هذا الصيف، طلب الرئيس ماكرون من قيادة الأركان مده بخطة جديدة لانتشار القوات الفرنسية في أفريقيا في الخريف المقبل من شأنها الاستجابة للرغبة الرسمية في الاستمرار بمحاربة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، ولكن أيضاً في بلدان خليج غينيا وتلك المطلة على بحيرة تشاد وغرب أفريقيا بشكل عام. وتبين المعلومات المتوافرة من قيادة القوات الفرنسية أن لباريس قواعد عسكرية في الغابون وساحل العاج والسنغال وجيبوتي، إضافة إلى قواعد في النيجر وتشاد وبوركينا فاسو. وخلال الزيارة المثلثة التي قام بها الرئيس ماكرون إلى بينين والكاميرون وغينيا بيساو، استغل المناسبات كافة لتأكيد أن باريس ما زالت ملتزمة بمحاربة الإرهاب، وأنها تقف إلى جانب حلفائها وأصدقائها. لكن فرنسا لا تريد تكرار الأخطاء التي ارتُكبت في مالي وفي أماكن أخرى، وهي حالياً بصدد إجراء مناقشات للنظر في مطالب شركائها.
ففي منطقة الساحل، وافقت النيجر على الإبقاء على قاعدة جوية فرنسية في نيامي ونشر 250 جندياً لتوفير الدعم لعملياتها العسكرية على الحدود مع مالي. وستواصل تشاد استضافة قوة فرنسية في نجامينا، بينما يأمل الفرنسيون في الإبقاء على كتيبة من القوات الخاصة في واغادوغو ببوركينا فاسو. وفي خليج غينيا يمكن للقوات الفرنسية في ساحل العاج حيث تتعاون مع الجيش، أن تؤمّن وسائل للمراقبة في شمال البلاد بطلب من أبيدجان. أما بالنسبة لبينين وتوغو «فهناك طلب لتقديم دعم فرنسي على شكل مساندة جوية وفي الاستخبارات والتجهيزات»، بحسب الإليزيه. وما زالت غينيا تدرس احتياجاتها لتأمين حدودها مع مالي. وتكفي نظرة سريعة إلى خريطة غرب أفريقيا لفهم التحديات الأمنية. ففي دول خليج غينيا الخمس الممتدة من ساحل العاج شمالاً إلى الكاميرون جنوباً، مروراً بـغانا وبينين ونيجيريا، تعاني هذه الجدول من عمليات إرهابية على حدودها الشمالية التي تتشاك بها مع مالي وبروكينا فاسو والنجير وتشاد.
من هنا، الخطر الذي تستشعره فرنسا من «نزول» التنظيمات الجهادية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو باتجاه الجنوب. وفي أي حال، فإن الأحداث الأمنية في أكثريتها الساحقة تقع في شمال بلدان الخليج. وتبدو بينين الأكثر هشاشة؛ إذ إنها الأكثر تعرضاً لعمليات إرهابية، في مناطقها الشمالية، لأعمال إرهابية بلغ عددها منذ نهاية العام الماضي عشرين هجوماً. ويتزامن ذلك مع دعوات موجهة للشباب للالتحاق بصفوف المجموعات الجهادية. وخلال زيارة ماكرون إلى كوتونو، عاصمة بينين، طلب منه رئيسها مساعدته على تزويد بلاده بالأسلحة، ذاكراً منها المسيّرات. وما يحصل في بينين يتكرر في توغو وغانا وساحل العاج، وكلها دول قريبة للغاية من باريس التي تريد مساعدتها ضمن إمكاناتها، ولكن ضمن «فلسفة جديدة». وبحسب الرئيس الفرنسي، فإنه يتعين على باريس أن «تعمل على نحو أفضل وأكثر فاعلية» في أفريقيا بمعنى أن تتحاشى باريس أن تكون قواتها في المقدمة مخافة استثارة شعور المواطنين وتذكيرهم بمرحلة الاستعمار، خصوصاً أن الجانب الفرنسي يستشعر دوراً لروسيا في تعبئة الرأي العام الأفريقي ضد الحضور الفرنسي. وفي أي حال، ثمة منافسة استراتيجية قد انطلقت في أفريقيا ولا تريد باريس الخسارة فيها. وليست روسيا المنافس الأوحد؛ إذ هناك أيضاً الصين وتركيا وإسرائيل كما لا يمكن تناسي التنافس الفرنسي - الأميركي في بعض بلدان القارة.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.