«اعترافات بيتهوفن»... للعبقرية أثمان باهظة

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن»  -  بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» - بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
TT

«اعترافات بيتهوفن»... للعبقرية أثمان باهظة

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن»  -  بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» - بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)

تختلط أضواء المسرح ونغم البيانو بالكلام الخارج من حنجرة بديع أبو شقرا وهو يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» على خشبة «مونو». تتكامل المعاناة الصاعدة من الاعترافات مع العزف الناطق بها، بأنامل الفرنسي نيكولا شُفرو، حدّ التصاق النصّ بالنوتة، كأنهما خليطُ الخلود والأسى ولا سبيل لسلخ أحدهما عن الآخر. لنحو الساعة ونصف الساعة، تتجلّى عبقرية لودفيغ فان بيتهوفن بالتحمُّل والألم.
النصّ فرنسي للكاتب اللبناني الفرنكوفوني ألكسندر نجار، نقله الشاعر هنري زغيب إلى العربية بلغة تحذر السقوط في ميكانيكية الترجمة وتأبى تجويف روحها. تمرّ فصول من حياة طافحة بالندوب، عاشها عازف البيانو الألماني بيتهوفن (1770- 1827)، فخلّدته إلى الأبد. بصوت أبو شقرا المتماهي مع المعاناة، تخرج إلى المسرح اللبناني أبرز محطات صاحب السوناتات المذهلة، لتؤكد أنّ للعبقرية أثماناً باهظة.
العرض سبعة فصول، يقرأها الممثل اللبناني بانفعالات تعلو وتهدأ وفق حدّة السطور أمامه. تُعرّي الاعترافات موسيقياً لا يريد أن يكون سوى إنسان عادي. حياة جارفة، مرتطمة بصخور قاسية، مُشلّعة؛ شاء التصدّي لها فتصدّت له. أخرجت منه سلوكيات مُخجلة يعترف أنها لا تصلح للنشر. وهو بهذا النصّ لا يطلب مغفرة وإن أخفى المجد انحرافاته، بل يدلي بمصارحة ليُخفف العبء الأكبر.
إنه عبء الصراع بين التفوّق العبقري والضرر. في حياته، تلازما كأم تمسك بيد ابنها طوال درب طويل لئلا يُباغته طارئ. «سبّبتُ الضرر لأكثر من ضحية وكبش محرقة. ارتكبتُ أخطاء قاتلة»، يصرخ أبو شقرا كمن يُسقط عن صدره أثقاله.
يعود ألكسندر نجار إلى الجذور متسائلاً على لسان قارئ اعترافات بيتهوفن: «هل أنا ضحية طفولتي التعسة؟ هل قدري العذاب لأؤلّف موسيقاي؟». يشعر مؤلّف 16 مقطوعة رباعية وتريّة باقتراب نهايته، فيلاحق الصفح باتجاهين: أولاً تجاه ذاته، وثانياً تجاه مُتحمّلي فداحة ارتكاباته، منهم أرملة أخيه وابنها. «قلبي ليس من صوان»، يقول، مشعلاً رغبةَ أن يغمره السماح ويغسل قلبه الممتلئ بالضربات القاضية.
بين فصل وآخر، يعزف نيكولا شُفرو مقطوعات تجسّد النار في داخل بيتهوفن. عزفٌ ينبثق من المخاض، من الصراخ، من الشقاء والرفض والصفعة والخيبة. لم تربط مَن سُمّي على اسم جدّه، بوالده، علاقةٌ طيّبة، بل ما يطفح بالخشونة في العلاقات، وبالتشرذم والمرض. على عكس أمه «المُسالمة المُحبّة، تحمّلتْ أبي بصبر»، حسد العبقري الألماني عبقريَّ النمسا موزارت على أب بمرتبة «معلّم نموذجي، أتاح له تنمية موهبته». أبوه حفر جراحه العميقة فهوى في قعرها طوال حياته.
بالشتيمة والصفع على أقل خطأ في النوتة، تغذّى الشرخ بين أب قرّر ألا فائدة من ارتياد ابنه المدرسة، وابن لوّعته معاملة أبٍ أخَّر تاريخ ميلاده سنتين ليوهم الناس زوراً أنّ لديه ولداً متفرّداً. موته بنوبة قلبية، لم يُنجّه من تهكّم حاضري الدفن، وردّاً عليهم يعتزم المواجهة: «لأنّ اسم أبي يثير التهكّم، سأنتقم برفع اسم بيتهوفن إلى الصف الأول في تاريخ الموسيقى».
يُبدّل بديع أبو شقرا كرسيّه، وأنامل العازف الفرنسي تُطرب على البيانو. إنه أقسى الفصول؛ مأساة بيتهوفن مع الصمّ! سنة بعد سنة، يئس من تحسّن سمعه، ليميل إلى العزلة والانطواء. كان في السابعة والعشرين حين فقد السمع، فتعكّر مزاجه وزاد سلوكه حدّة. صممُه فجيعتُه، فشعر الموسيقي الذي يصفّق له الجمهور من وراء ظهره ولا يسمعه، بأنّ حاسة السمع تسلّلت منه وخنقته، لتتقهقر حياته على نحو دراماتيكي.
مرّة أخرى، يُعاند: «سأواصل التأليف طالما أسمعه في داخلي. سأجعل الموسيقى أفقي اللامحدود»، ويُضاعف مؤلّفاته، «فقد كان عليَّ أن أجني حصاداً معنوياً من عاهتي لأكون جديراً بمغفرة الله».
في الحب، ليست الأمور أفضل حالاً! عاش بيتهوفن حياة عاطفية هدّدتها الخلافات، وبكل بساطة يعترف: «مغامراتي كلها انتهت بالفشل». كان ردّد أنّ الحب يمنح السعادة وتضرّع ليجد حبيبة. مراراً، أخذ عليه أصدقاؤه التورّط بعلاقات صعبة لتجنُّب الارتباط. «مخطئون!». حاول فعلاً الزواج، فنال رفضاً بحجّة أنه بشع ونصف مجنون، أو لفوارق الطبقات الاجتماعية ومزاجه الصعب. إخفاق وخيبات، «وكما استقلتُ من صحتي، كذلك استقلتُ من الحب».
بيتهوفن تحت مجهر ألكسندر نجار بالفرنسية ومواطنه هنري زغيب بالعربية، يتوصّل إلى عبرة: «لا عزاء سوى الموسيقى، وحده الفن خلاصي». أنقذته من الانتحار لتصبح أصدق رفيقاته والأسمى على الإطلاق.
يتابع أبو شقرا قراءة الفصول، فيحطّ عند «بيتهوفن والسياسة». أيضاً، القاعدة واحدة: التقلُّب. اعترف بأنّ نابليون بونابرت أبهره حين لمح فيه رمز عصر الأنوار والثورة الفرنسية، ثم خذله لتسبّبه بموت مئات الآلاف وهو ينصّب نفسه إمبراطوراً. «أحسستُني مغشوشاً (...)، هو ليس سوى رجل عادي كسواه، يحرّكه التكبّر، قادر على قمع الحرّيات والتحوّل طاغية».
تُكمل الأمسية استخراج الجروح البليغة في اعترافات مَن رأى أنّ «نغماً من آلة موسيقية يرتفع، يرفعنا معه أعلى بكثير من حماقات البشر». محطة أبو شقرا قبل الختام في الفصل المضطرب عاطفياً بين بيتهوفن وابن أخيه. «مارستُ معه امتلاكية مرضية ضاغطة»، يعترف. أراده مبدعاً موسيقياً بالقوة وحرمه من أمه بعد محاكمة فَبْرك أدلّتها امتدّت لسنوات، إلى أن هرب من بيته وحاول الانتحار.
اسمه كارل، «قليل التهذيب، كثير المعاشرة السيئة»، يرفض السير بجانب عمه بذريعة مظهره المجنون. «أمسيتُ أسوأ لكثرة ما أرادني أفضل»، يقول. محاولة انتحاره وصمة على ضمير بيتهوفن، فحرّره. لم يعد يريده مبدعاً يرفض أن يكونه.
ليس ثمة سوى بيتهوفن واحد ترك موسيقى للخلود. لم يتزوّج، فكانت مؤلّفاته أولاده. لم يفهمه والده وهجرته نساؤه؛ وعزاؤه أنّ هذه المؤلّفات منحته حباً. يقف بديع أبو شقرا بعدما قرأ كل الاعترافات جالساً: «لست إنساناً متفوّقاً بل عادي، وحده تسامحكم يكفيني». تصفيق حارّ لصلابة المواجهة.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تدعو لتخليد سيرته على غرار مايكل جاكسون

عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)
عبد الحليم حافظ (صفحة باسم منزله على فيسبوك)

دعت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ إلى تخليد سيرته في عمل فني، على غرار فيلم «مايكل» الذي يُعرض حالياً في دور السينما، ويتناول سيرة النجم الأميركي مايكل جاكسون، الملقب بـ«ملك البوب»، الذي رحل قبل 17 عاماً بعد أن حظي بشعبية عالمية استمرت لسنوات.

وأبدت أسرة عبد الحليم حافظ، الملقب بـ«العندليب»، إعجابها بتوثيق حياة جاكسون في عمل فني مبهر، إذ نشر حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك» منشوراً عبّرت من خلاله الأسرة عن رغبتها في إنتاج فيلم عنه، بمواصفات خاصة، على غرار فيلم «مايكل»، مؤكِّدة استعدادها لتقديم الدعم الكامل، بما في ذلك المعلومات والتفاصيل والأسرار الفنية، لضمان تقديم عمل مختلف عما سبق.

الملصق الترويجي لفيلم «مايكل» (إنستغرام)

كما أبدت الأسرة موافقتها على تصوير الفيلم داخل منزل عبد الحليم، ليعكس الواقع بدقة، مشيرة إلى أن حياته الفنية والشخصية ثرية وتستحق أكثر من عمل فني يتناول مختلف مراحلها منذ البدايات وحتى الرحيل.

في السياق نفسه، عبّر الفنان المصري محمود العزازي عن إعجابه بفيلم «مايكل»، مشيراً إلى شعوره بـ«غيرة فنية» بعد مشاهدته، لما يتميز به من إيقاع سريع وسرد جذاب للأحداث، ومؤكداً شغفه بأعمال السيرة الذاتية.

وكشف العزازي عن حلمه القديم بتجسيد شخصية «حليم» بأسلوب حديث وتقنيات متطورة، وهو ما حظي بدعم أسرة عبد الحليم التي اعتبرته الأنسب لتقديم الدور. وأوضح أن هذا الحلم تجدد بعد مشاهدة فيلم «مايكل»، لافتاً إلى تجربته السابقة في تجسيد الشخصية ضمن فيلم «سمير وشهير وبهير»، التي لاقت تفاعلاً إيجابياً.

وتابع العزازي: «حكاية صعود (حليم) وحتى انتهاء مشواره، حدوتة ثرية ومليئة بالأحداث، لأنه جزء من تاريخ مصر الحديث، وتوهجها السياسي والإنساني، وكيف عبر عنها في أعماله، وتأثر الناس بها محلياً ودولياً من خلال موسيقاه، وأغنياته في حياته وبعد رحيله».

وأضاف أن قصة صعود عبد الحليم حتى نهاية مشواره الفني تمثل مادة ثرية، كونه جزءاً من تاريخ مصر الحديث، وما شهده من تحولات سياسية وإنسانية انعكست في أعماله، التي أثرت في الجمهور محلياً وعالمياً.

وأشار إلى أن الأعمال السابقة لم تُبرز جميع جوانب حياة «العندليب»، مؤكداً أن المشروع الجديد يهدف إلى تقديم رؤية مختلفة تعتمد على التقنيات الحديثة وتطور صناعة السينما.

الفنان محمود العزازي في دور «حليم» بأحد الأفلام (صفحته على فيسبوك)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن أعمال السيرة الذاتية تتطلب إعداداً دقيقاً والاعتماد على معلومات موثوقة، نظراً لأهميتها في توثيق الشخصيات وتعريف الأجيال بمسيرتها. وأبدت تشككها في جدوى تقديم سيرة عبد الحليم حالياً، معتبرة أن جمهوره على دراية واسعة بأعماله وأرشيفه الفني.

وأوضحت أن فيلم «مايكل» استغرق سنوات من التحضير والتدريب المكثف لاختيار وتجسيد الشخصية بدقة، وهو ما يصعب تحقيقه بالآليات المتبعة في السينما العربية، التي تواجه تحديات تتعلق بانتقادات الجمهور، وعدم تطابق الشكل، والتحفظ في تناول بعض الجوانب الشخصية، مما قد يؤثر على موضوعية العمل.

يُذكر أن عبد الحليم حافظ (1929–1977) بدأ مسيرته في خمسينات القرن الماضي، وقدّم مجموعة كبيرة من الأغنيات العاطفية والوطنية والدينية، من أبرزها «توبة» و«موعود» و«قارئة الفنجان» و«عدى النهار» و«صورة»، إلى جانب أفلام سينمائية بارزة مثل «معبودة الجماهير» و«الوسادة الخالية» و«شارع الحب» و«أبي فوق الشجرة» و«الخطايا».


حين «تغنِّي» أزياء الأوبرا... قصة ستيفن رودويل منذ 1983

ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
TT

حين «تغنِّي» أزياء الأوبرا... قصة ستيفن رودويل منذ 1983

ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)
ستيفن رودويل يعمل في «أوبرا نورث» منذ عام 1983 (أوبرا نورث)

بعد مسيرة امتدت أكثر من 4 عقود، يستعد ستيفن رودويل، أحد أبرز الأسماء في تصميم وتنفيذ الأزياء على خشبة المسرح في شمال إنجلترا، لتوديع هذا العالم.

عندما وقَّع رودويل -الذي شغل منصب رئيس قسم الملابس والأزياء في شركة «أوبرا نورث»- عام 1983، عقداً للعمل مدة 6 أشهر مسؤولاً عن الملابس في شركة إنتاج مقرها مدينة ليدز، لم يكن يتوقع أن تكون تلك هي الخطوة الأولى في مسيرة مهنية حافلة بالنجاحات والجوائز استمرت 43 عاماً.

وخلال عمله مع شركة «أوبرا نورث»، أشرف على تنفيذ وتصميم أزياء عدد كبير من الأعمال الفنية، من بينها أعمال كلاسيكية بارزة، مثل: «الأرملة المرحة»، و«قبِّليني يا كيت»، و«توسكا»، و«لا ترافياتا».

ويقول رودويل (64 عاماً): «أستطيع أن أرحل وأنا على يقين بأنني أديت عملي على أكمل وجه، وأشعر برضا تام». وفق ما ذكرت «بي بي سي».

بدأ شغف رودويل بالفنون في سن مبكرة؛ إذ درس الدراما في جامعة مانشستر، قبل أن يلتحق بـ«أوبرا نورث» في وظيفة مؤقتة لتغطية إجازة أبوة، ليتدرج بعدها في المناصب حتى تولَّى رئاسة قسم الأزياء عام 2001.

ويؤكد أنه ظل مرتبطاً بعمله على المستوى الشخصي طوال هذه السنوات، قائلاً: «كل ما أحمله هو ذكريات سعيدة».

ورغم استمرار المسرح في تقديم العروض الحية دون تأثر كبير بالتحولات التكنولوجية، فإن رودويل شهد تطورات ملحوظة في هذا الفن على مدى عقود. وأوضح قائلاً: «مع تطور تقنيات الإضاءة اليوم، بات كل ما نراه على خشبة المسرح أكثر وضوحاً، مما فرض توجهاً نحو تصميم أزياء أكثر دقة، تشبه ما يُعرض في السينما من حيث التفاصيل».

عمل ستيفن على عروض كلاسيكية على المسرح مثل «الأرملة المرِحة» (أوبرا نورث)

وأشار إلى أن بعض الأزياء القديمة لم تعد تتوافق مع معايير الصحة والسلامة الحديثة لعام 2026، نظراً لثقلها الذي قد يعيق حركة المؤدين.

وفي عام 2024، حصد رودويل جائزة رابطة فنيي المسرح البريطانيين في تصميم الأزياء، ليصبح أول من ينال هذا التكريم، تقديراً لدوره في تنفيذ الأزياء، إلى جانب تنسيق عمل الحرفيين، وشراء الأقمشة، والإشراف على القياسات، وتجهيز الأزياء للعرض على المسرح بما يحقق إبهار الجمهور.

من جانبها، أكدت سيان غيلروي، وهي مسؤولة إنتاج بارزة في شركة «أوبرا نورث»: «عندما تشاهد عرضاً، فإنك ترى حصيلة ساعات طويلة من العمل الذي بذله المسؤولون والعمال في تنفيذ الملابس والأزياء».

وقال رودويل، متأملاً مسيرة مهنية امتدت 43 عاماً في خدمة الأوبرا في شمال إنجلترا: «لقد كان مكاناً مميزاً للغاية للعمل، وتجربة استثنائية حقيقية كنت جزءاً منها».


بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
TT

بعد 68 عاماً... فندق «زهرة الشرق» يغادر المشهد العمراني لمدينة الرياض

تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)
تم الانتهاء من بنائه وافتتح أبوابه للزوار وكبار الضيوف عام 1958 ميلادياً (أمانة منطقة الرياض)

بينما تتسارع خطى الرياض نحو مستقبل ومشهد عمراني متطور، يُسدل طريق الملك عبد العزيز ستارة الفصل الأخير على أحد أهم شواهده التاريخية، فندق «زهرة الشرق»، الذي شُيّد في قلب حي الملز عام 1958، بوصفه أولى بوادر العمارة الحداثية، ويستعد الآن للرحيل والإزالة، مخلفاً وراءه قصصاً سكنت شرفاته، وصوراً خلدها المصور كيث ويلر، وذاكرة عصية على الهدم.

ويُعد فندق «زهرة الشرق» من أوائل المباني الحديثة في مدينة الرياض، وصُمّم بشكل يعكس التطور الذي ظهر في مدينة الرياض آنذاك، ومحاولة عكس صور التحديث في شتى المجالات. وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» أن الفندق، الذي أُقيم على طريق الملك عبد العزيز، بحي الملز في الرياض، من تصميم المعماري المصري سيد كريم، وتنفيذ مؤسسة محمد بن لادن، وهو من الفنادق التي أنشأتها الدولة في الخمسينات، وتم الانتهاء من بنائه في 1958، بالتزامن مع فندق «اليمامة» وتسلمه محمد بن لادن بوصفه مستخلصاً مالياً، وانتقلت ملكية الفندق إليه، واستمر على هذا الحال حتى تاريخ إزالته.

الفندق كان يمثل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية في عصره وتتوافر فيه مساحات وملاعب وفق القياسات العالمية (أمانة منطقة الرياض)

سبعة عقود من التاريخ

قال الكاتب والباحث منصور العساف إن عمر الفندق قارب على السبعين سنة، مضيفاً: «كانت ملكيته في أول الأمر لعيد بن سالم، وهو أحد الوجهاء والمسؤولين في بلاط الملك سعود، ثم آلت ملكيته إلى رجل الأعمال محمد بن لادن، بالإضافة إلى فندق (اليمامة) وأصبحا ملكاً له، منذ افتتاحهما».

وأضاف العساف: «يُعدّ (زهرة الشرق) من الفنادق الأولى في مدينة الرياض، وسبقه عدد من الفنادق، وسكن في الفندق خلال تاريخه عدد من المسؤولين والكثير من ضيوف المملكة، وكان مقراً لإقامة عدد من منتخبات وأندية كرة القدم المشاركة في مسابقات رياضية متعددة أُقيمت في الرياض».

ووصف العساف الفندق بأنه كان يمثّل وجهاً حضارياً للعاصمة السعودية، وكان يضم مساحات وملاعب على أعلى طراز وحسب القياسات العالمية، بالإضافة إلى صالة للأفراح ‏بقسمَين للرجال والنساء.

وقال العساف: «كانت قاعة أفراح الفندق، زاخرة بالمناسبات الاجتماعية لا سيما للطبقة المخملية في فترة ‏الستينات والسبعينات، وانحسر وهجه في الثمانينات، عندما بدأ بناء الفنادق الجديدة وبدأت الطفرة العمرانية والاقتصادية في المملكة التي بدأت معها حقبة جديدة من إنشاء الفنادق وقاعات المناسبات الكبيرة التي أُقيمت تلبية للاحتياجات والظروف الاجتماعية المعاصرة».

اشتهر المصور كيث ويلر أحد نزلائه بصوره لتوثيق مدينة الرياض وتفاصيل الفندق مطلع الستينات الميلادية (أمانة منطقة الرياض)

وأورد إصدار «ذاكرة الرياض» الذي أصدرته أمانة منطقة الرياض لتوثيق التطور العمراني للعاصمة السعودية، أنه ومع بداية الطفرة في منتصف السبعينات كانت صالة الأفراح في الدور الأرضي للفندق تُحجز مسبقاً بما لا يقل عن شهرَين بسبب كثرة المناسبات التي كانت تُقام في الفندق، وتم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات.

وعن تفاصيل البناء، ورد في إصدار الذاكرة أن المبنى صُمّم مستخدماً مفردات بصرية حداثية غير مألوفة في عمارة الرياض آنذاك، أفقية المبنى متعدد الأدوار، تتقاطع مع رأسية عناصر الحركة العمودية للمبنى، واستخدام لون مختلف لتمييز الكتل البنائية، وكذلك أضاف نوعاً من التفرد لواجهة المبنى، وهناك عنصر آخر يتميز به تصميم المبنى، وهو انسيابية الخطوط في العنصر الرأسي الأبرز في المبنى الذي يحدد مدخل الفندق الرئيسي.

وكانت الفكرة التصميمية للفندق عبارة عن كتلة رئيسية مستطيلة تحتوي على غرف الإقامة للنزلاء، وكانت غرف النزلاء عبارة عن صفين يفصلهما ممر في المنتصف على طول محور هذا المبنى، ومعظم الغرف تحتوي على شرفات خارجية، ويحتوي الفندق على مطعم، وملاعب لكرة القدم والتنس، وقاعات للمناسبات.

تم تشغيل مرافق الفندق بطاقتها القصوى خلال فترة السبعينات وبداية الثمانينات (أمانة منطقة الرياض)

كيث ويلر... ذاكرة مدينة

قال الباحث منصور العساف إن «من بين من سكن في الفندق المصور كيث ويلر الذي صور معظم معالم مدينة الرياض في مطلع الستينات الميلادية، وهو الذي زوّد المكتبة المحلية السعودية بعمل توثيقي مهم لمدينة الرياض وكذلك مدينة الخرج».

واشتهر المصور كيث ويلر بصوره لتوثيق مدينة الرياض، وقد التقط صوراً للفندق في مطلع الستينات الميلادية، وهو أفضل من وثّق الرياض في ستينات القرن الماضي، ولذلك تُعد صوره من أفضل الشواهد والوثائق في كثير من الكتب التي تتحدث عن الرياض في مرحلة الستينات.

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور للفندق في أثناء هدمه، وتشاركوا ذكريات ومواقف ربطت أجيالاً من السعوديين وسكان مدينة الرياض وزوارها مع الفندق الذي بقي لنحو 7 عقود واحداً من معالم العاصمة السعودية.

وعلق بعض المشاركين من الباحثين والمهتمين بتراث المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أهمية حفظ معالم وتراث المدينة الماثل في أحيائها، لا سيما في ظل وجود سجل وطني للتراث العمراني يسهم في صون التراث والمحافظة عليه، وضم في قوائمه آلاف المباني ذات الصبغتَين الحضرية والتاريخية.

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended