«علم الأنواء»... تراث العرب المجهول في الأمطار والرياح والشعر

باحث يرصد جوانبه العلمية واللغوية والتاريخية

«علم الأنواء»... تراث العرب المجهول في الأمطار والرياح والشعر
TT

«علم الأنواء»... تراث العرب المجهول في الأمطار والرياح والشعر

«علم الأنواء»... تراث العرب المجهول في الأمطار والرياح والشعر

فرضت طبيعة الحياة القائمة على الترحال وتتبع مواطن المطر بحثاً عن العشب والكلأ، أن يتقن العرب قديماً بعض العلوم والمعارف؛ خصوصاً عن الأنواء والطقس؛ حيث كانت شمس النهار الملهبة تضطرهم إلى «السُّرى» وهو الرحيل في الليل، فكانوا يقطعون الفيافي الخالية والصحاري البعيدة في الظلام، مهتدين بالقمر أو بالنجوم اللامعة في قبة السماء، حتى لا تضل قوافلهم وتهلك ثروتهم من الإبل عبر كثبان الرمال المتشابهة المتلاحقة كأمواج البحر، والمترامية على مد البصر.
عن هذه المعرفة الفطرية، يدور كتاب «تاريخ علم الأنواء عند العرب» الصادر حديثاً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»؛ حيث يرصد الباحث الدكتور أحمد عطية الجوانب المختلفة لهذا العلم، متجاوزاً معناه المباشر كأحد العلوم المتفرعة عن علم الفلك، والذي يعنى بالأمطار والرياح في المقام الأول.
وبحسب الباحث، فقد قدمت المعاجم اللغوية تعريفات عدة لمادة «نوأ»، فقد ركز الصاحب بن عباد في كتابه «المحيط في اللغة» على المصطلح، محاولاً تفسير بنيته اللغوية، فقال: «النوء من أنواء النجوم، وهو سقوط نجم بالغداة مع طلوع الفجر وطلوع آخر في حياله في تلك الساعة. وناء الشيء ينوء: أي مال إلى السقوط، ويقال: وما بالبادية أنوأ من فلان: أي أعلم بالأنواء منه». في حين ركز «الجوهري» في تعريفه الوارد بكتاب «الصحاح تاج اللغة» في تعريفه على منازل القمر ومدتها الزمنية، فقال: «والنوء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته». وهو المنحى نفسه تقريباً الذي سلكه الزمخشري في كتابه «أساس البلاغة»، فقال: «وناء النجم: سقط، وناء: طلع».
ويتبين من مطالعة التعريفات السابقة وتأملها، أن أغلب المصادر التي نقلت منها هذه المعاجم اللغوية تعريفاتها لمصطلح «نوء» تدور بين علمي الحديث واللغة، ولم نعرف أن أحداً استمد تعريفه لذلك العلم أو لذلك المصطلح من كتب علم الفلك مثلاً، والذي يعتبر علم الأنواء أحد فروعه لقرون طويلة، ولعل هذا يرجع لتأخر علم الفلك عند المسلمين.
ويكتسب المصطلح بعداً آخر لدى بعض علماء وباحثي الفلك القدامى، مثل أبي إسحاق الفزاري، فلكي الخليفة أبي جعفر المنصور، وأبي معشر البلخي المتوفى 272 هـ، في كتابه «الأمطار والرياح وتغير الأهوية»، بحسب ما ذكره المستشرق كارلو نيللينو، نقلاً عن «الفهرست» للنديم، و«تاريخ الحكماء» للقفطي، مروراً بكوشيار الجيلي، المتوفى 420 هـ، وابن سينا المتوفى 428 هـ، والبيروني المتوفى 440 هـ.
ويخلص المؤلف إلى أن معظم الإنتاج العلمي الذي كتبه هؤلاء الأعلام في مجال علم الفلك والتنجيم لم يصلنا، فالفزاري على سبيل المثال لم يصلنا شيء من كتابيه: «العمل بالإسطرلاب المسطح»، و«العمل بالإسطرلاب». ومن الملاحظ كذلك أن علم الفلك عند المسلمين قد اهتم بالقياس وليس بالرصد، فقد اهتم فلكيو المسلمين بمسألة القياسات المتعددة لحساب المسافة بين الكواكب وحركاتها ومواطن التقائها وطلوعها وغروبها، وما يستتبع ذلك من تغير في الظروف الجوية.
ويذكر المؤلف أن في مخطوط «كتاب السر» لأبي معشر البلخي، نجد حديثاً عن علم الأنواء، فيعقد فصلاً عن تفسير الرياح والأمطار وأسبابهما، وهما لب علم الأنواء، قائلاً: «أما الرياح والأمطار فإنها تكون من البخارين اللطيفين اللذين يرتفعان من البحار والأنهار قبل طلوع الشمس، فقد ترى تلك الساعة والبخار صاعد يشبه الدخان، فأحد البخارين يابس، وصعوده من قطر الأرض تنشأ منه الرياح ذات الرعود والبروق والهبوب والصواعق والشرر، وما يشبه هذا النحو. والبخار الثاني رطب، وصعوده من جوهر الرطوبة، ومنه ينشق الضباب والجليد والثلوج والأمطار».
وهذا التفسير الذي قدمه البلخي قريب جداً من الدائرة التي يهتم بها علم الأنواء عند العرب، فهو يربط حركة الرياح والأمطار بسقوط النجوم وطلوعها، ما يؤكد وجود صدى لعلم الأنواء في تلك المؤلفات التي كتبت في علم الفلك في تلك الفترة المبكرة من تاريخ حضارتنا الإسلامية، وهو الأمر الذي يؤكد أن هذه المؤلفات تعد من المصادر الحقيقية لعلم الأنواء عند العرب.
ويذهب جورجي زيدان في كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية»، إلى أن المراد بالأنواء عندهم ما يقابل علم الظواهر المذكورة إلى طلوع الكواكب أو غروبها، ولذلك كان علم الأنواء فرعاً من علم النجوم، وكانوا يسمون طلوع المنزلة نوءها، أي نهوضها، وسموا تأثير الطلوع بارحاً وتأثير السقوط نوءاً. ومن ذلك قول أحدهم في قصيدة:
«والدهر فاعلم كله أرباعُ
لكل ربع واحدٌ أسباعُ
وكل سبع لطلوع كوكبِ
ونوءُ نجم ساقط في المغرب»
وجاء في كتاب ابن قتيبة «الأنواء في مواسم العرب»: «من خواص الجنوب أنها تثير البحر حتى تسوده، وتظهر كل ندى كامن في بطن الأرض حتى تلين الأرض، وإذا صادفت بناء بُني في الشتاء أظهرت نداه وجعلته يتناثر، كما أنها تطيل الثوب القصير، ويضيق لها الخاتم في الإصبع. تقول العرب إن الجنوب قالت للشمال إن لي عليك فضلاً، أنا أسري، أي أسير بالليل، وأنت لا تسرين، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري».
ويعد كتاب «الأنواء» لأبي يحيى محمد بن عبد الله كناسة الكوفي، المتوفى 207 هـ، من المؤلفات المبكرة التي ألفت حول علم الأنواء عند العرب، والتي لو وصلت إلينا -بحسب المؤلف- لاستطعنا من خلالها أن نرصد طبيعة البدايات الأولى للتأليف في تلك الحقبة المبكرة من تاريخ تراثنا العربي.
وقد أورد ابن قتيبة عن ابن كناسة ثمانية مواضع للقمر والكواكب على علاقة وثيقة بالرياح والأمطار، ولكن هناك أمراً مهماً آخر تشير إليه تلك النقول الموجودة عن ابن قتيبة ونسبها إلى ابن كناسة، وهي أنها مذهب على مذهب العرب في معرفة علم الأنواء، وهي معرفة عملية قائمة على مشاهدة السماء أو على عملية الرصد لا القياس الذي مثل علامة كبرى في علم الفلك عند علماء المسلمين فيما بعد.
ويكاد يكون كتاب «الأنواء في مواسم العرب» لابن قتيبة الدينوري، المتوفى 276 هـ، كتاباً في علم اللغة؛ إلا أن المساحة التي شملها في حديثه من علم الأنواء أوسع بكثير، ما يدل على أن هذا العلم قد شغل مساحة لا بأس بها من العقلية العربية.
يبدأ ابن قتيبة بعد بيان المقدمة التي وضح فيها الغرض من تأليفه هذا، بذكر منازل القمر، وهو أمر مرتبط تمام الارتباط بقضية الأنواء؛ حيث يقول: «ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها، من مهله إلى ثمانٍ وعشرين ليلة، فإن كان الشهر تسعاً وعشرين استسر ليلة ثمانٍ وعشرين ليلة تمضي من الشهر، وفي السِّرار نازل بالمنازل، فإذا بدا من الشهر الثاني هلالاً طلع وقد قطع ليلة السِّرار منزلاً من هذه المنازل». ثم يذكر فقرة مهمة تعكس بحق أن معارف العرب التي اعتمد عليها ابن قتيبة من علم النجوم وما يرتبط بها من أنواء، قد وصلت إلى مرحلة لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بها أو التقليل من شأنها، مع الأخذ بالحسبان أن العرب لم يكن لديهم أجهزة رصد، وإنما كانوا يعتمدون على العين المجردة. يقول ابن قتيبة: «وهذه المنازل الثمانية والعشرون تبدو للناظر منها في السماء أربعة عشر منزلاً، وتخفى عنه أربعة عشر منزلاً، وكذلك البروج وهي اثنا عشر برجاً، كل برج منزلان وثلث من هذه الثمانية والعشرين، وإنما يبدو لك منها ستة بروج، وهذا يدل على أن الظاهر لنا من السماء لأبصارنا نصفها، والله أعلم».
يقع الكتاب في 163 صفحة من القطع الكبير، ورغم طرافة وتشويق الموضوع فإن التزام المؤلف بالمنهج العلمي الأكاديمي جعل لغته جافة أحياناً.


مقالات ذات صلة

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «ساق تُحدِّق» لجمال العتابي... البحث عن معنى

«ساق تُحدِّق» لجمال العتابي... البحث عن معنى

ضمن إصداراته المتواصلة، صدرت حديثاً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتَّاب في العراق، مجموعة قصصية جديدة، للكاتب العراقي جمال العتابي، بعنوان «ساق تُحدِّق»

فاضل النشمي (بغداد)
ثقافة وفنون الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

حسين الحربي

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».