متلازمة الحب والشعر والجنون

«الشعراء الملعونون» مصطلح أطلقه فيرلين في القرن الـ19 وانتشر بعده انتشاراً واسعاً

رامبو - بودلير
رامبو - بودلير
TT

متلازمة الحب والشعر والجنون

رامبو - بودلير
رامبو - بودلير

هذا الحديث مكرس للكتاب المنحوسين أو المفجوعين الذين جنوا أو عانوا أو انتحروا... وكان الشاعر بول فيرلين قد نشر كتاباً عام 1884 بعنوان: «الشعراء الملعونون». وهم ثلاثة بحسب تصنيفه: تريستان كوربيير، وآرثر رامبو، وستيفان مالارميه. ثم طبع الكتاب مرة ثانية عام 1888، حيث أضاف إليهم ثلاثة آخرين منهم هو بالذات. فهو أيضاً يعتبر نفسه شاعراً ملعوناً ومنبوذاً ومسحوقاً. وقد صدق. ثم انتشر هذا المصطلح الذي اخترعه فيرلين انتشاراً واسعاً بعدئذ. ووسعوا من تطبيقه لكي يشمل شعراء آخرين كثيرين لم يشملهم فيرلين بتصنيفاته. نذكر من بينهم: اللورد بايرون، وجون كيتس، وجيرار دو نيرفال، وإدغار آلان بو، وشارل بودلير، وأنطونين آرتو، إلخ... ولكنهم خلفوا وراءهم إبداعاً يخلدهم. لكن ما المقصود بهذا المصطلح الشهير؟ ما معنى الشاعر الملعون أو المنحوس أو المنبوذ؟ معناه ذلك الشخص الغريب الأطوار الذي يعيش على هامش المجتمع. إنه شخص يرفض الامتثالية الاجتماعية، ويتصرف بطريقة استفزازية، بل وخطرة. إنه شخص لا اجتماعي بالمعنى الحرفي للكلمة، شخص مولع بالتدمير الذاتي للذات. بمعنى آخر: فإنه شخص يدمر نفسه بنفسه ويتلذذ بذلك، بل ويجد فيه متعة ما بعدها متعة. وهو شخص يموت عموماً مبكراً قبل أن يكتشف الناس عبقريته لأنه سابق لزمانه.
هذا التعريف ينطبق كل الانطباق على بودلير، الذي حاول الانتحار أكثر من مرة، لكنه جُنّ في نهاية المطاف وهو في السادسة والأربعين فقط. من يستطيع أن يتخيل معاناة شارل بودلير؟ ولكن لولا هذه المعاناة الحارقة هل كان سيتحفنا بأروع قصائد الشعر الفرنسي؟ لا شيء بلا شيء، لا شيء بلا مقابل. وقل الأمر ذاته عن فيرلين، ورامبو، وأنطونين آرتو، ودستوفسكي، وكافكا، وغي دوموباسان، وجيرار دو نيرفال، ونيتشه، وإدغار آلان بو، وفرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، والقائمة طويلة. هذا لا يعني أن جميع الأدباء كانوا فاشلين في الحياة. هذا لا يعني أنهم كانوا جميعاً على حافة الجنون. فهناك أمثلة مضادة يقف على رأسها فيكتور هيغو مثلاً. فقد كان ناجحاً جداً حتى على المستوى المادي، حيث أدرت عليه كتبه الملايين، وعاش حياة من أسعد وأمتع ما يكون، بخاصة مع عشيقاته الكثيرات المتجددات. ولكنه دفع الثمن باهظاً أيضاً. فأخوه الشقيق مات مجنوناً في المصح العقلي، وكذلك ابنته آديل. وأما ابنته الأخرى الغالية جداً على قلبه (ليوبولدين) فقد غرقت في البحر وهي في التاسعة عشرة فقط وبعد عرسها وزواجها بفترة قصيرة. كارثة حقيقية. وغرق معها زوجها المسكين الذي غطس عليها فوراً لكي ينتشلها، لكي ينقذها، ولكنها جرته معها إلى لجج البحار. قصة رهيبة. قصة أكثر من رهيبة. قصة ما إن سمعت بها حتى وقف شعر رأسي. ماذا كنت سأفعل أنا لو حصلت معي هذه الحادثة؟ هل كنت سأغامر بنفسي وأنقض على عروسي الغالية في أعماق البحر لكي أنتشلها؟ أرجو أن أكون عند حسن ظنكم! ولكن للأسف ينبغي الاعتراف بأني جبان وأناني أكثر من اللزوم. على أي حال سوف يكون أسعد يوم في حياتي لو أني أنجح في انتشالها حية لا أن أغرق معها... ولكن حتى لو غرقت معها فسوف أصبح أعظم بطل في التاريخ. كيف يمكن أن أعيش بعدها وقد غرقت أمام عيني؟ تحية خاصة لشارل فاكري (اسم زوجها، صهر فيكتور هيغو). كان سباحاً ماهراً، وكان بإمكانه أن ينجو بجلده بسهولة لو أراد بعد أن انقلب بهما القارب في عرض البحر واقتربا من الشاطئ كثيراً. ولكن بعد أن حاول انتشالها ست مرات متتالية وفشل فضل أن يغرق معها لا أن يتركها تغرق لوحدها. قصة ولا أروع! كان يعشقها منذ فترة طويلة ولكن لم يتزوجها إلا قبل بضعة أشهر فقط. عندما سمع فيكتور هيغو بالقصة جن جنونه، ومادت، من تحت قدميه، الأرض. وظل يرثيها ويبكيها سنوات وسنوات. ولا ننسى أن فيكتور هيغو قبر ولديه الاثنين في حياته: شارل وفرنسوا. وبالتالي فالرجل دفع ثمن الشهرة والمجد غالياً. ولكن لم يبلغ أحد قمة المجد مثلما بلغها فيكتور هيغو، اللهم ما عدا فولتير في القرن الثامن عشر وسارتر في القرن العشرين.
ولكن دعونا من فيكتور هيغو الآن، ولنتحدث عن المنحوسين فعلاً، أولهم بودلير، الذي لم يعرف الشهرة في حياته ولا الأمجاد ولا الأموال ولا أي شيء. لم يعرف إلا الخيبات الكبار. شهرته انفجرت بعد موته كالقنبلة الموقوتة مثل نيتشه. ألم يقل نيتشه: «هناك أناس يولدون بعد موتهم»؟ حتى أمه لم تعرف قيمته إلا بعد رحيله عن هذا العالم فجن جنونها وتحسرت كثيراً لأنها كانت ستعامله بطريقة أخرى لو عرفت أنه شاعر عبقري إلى مثل هذا الحد. حتى أمه لم تعرف من هو بالضبط. فما بالك بالآخرين؟ لم تمنحه الحياة إلا التعاسة، ولكن القصائد العبقرية منحته لحظات مكثفة جداً من السعادة. عندما كانت القصيدة تنجح معه، عندما كانت تجيء، كان يتوهج، يتألق، يرتفع إلى أعلى عليين. كان يعرف أنه انتصر بالضربة القاضية! ولكن مقابل كل قصيدة ناجحة كم دفع الثمن باهظاً من حياته وأعصابه وجنونه؟ عندما نشر ديوانه الشهير «أزهار الشر» هل تعرفون ماذا قالت عنه جريدة «الفيغارو»؟ بالحرف الواحد ما يلي: «هذا الديوان عبارة عن مستشفى مجانين، مستشفى مفتوح على كل عاهات الروح، على كل تعفنات القلب. ويا ليت أن ذلك كان من أجل الشفاء. أبداً لا. فهي علل وعاهات لا علاج لها ولا دواء. بودلير شخص مريض ميؤوس منه. نقطة على السطر»... والغريب العجيب أن هذا الكلام صحيح من حيث التشخيص. ولكن ناقد «الفيغارو» فاته الشيء الأساسي ألا وهو: ذلك الجمال الخارق لهذه القصائد العبقرية حتى ولو كانت تتحدث عن أبشع ما في الوجود، عن تراجيديا الوجود، عن قفا الوجود.
بعد أن حاكموا فلوبير على رائعته «مدام بوفاري» بأشهر معدودات، جاء دور بودلير. فقد حاكموه في باريس وحكموا عليه بغرامة مالية كبيرة. وللأسف فلم يسانده أحد على عكس فلوبير، حيث تدخلت أخت الإمبراطور «ماتيلد» وأعفوه من دفع أي غرامة. ولكن بودلير أجبر على دفع 50000 فرنك فرنسي. من أين يأتي بها وهو المفلس المثقل بالديون؟ لهذا السبب هرب إلى بلجيكا لكي يتحاشى عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر. لقد كشف الكتاب والشعراء الباريسيون بالمناسبة عن جبنهم وخورهم فلم يسانده أحد منهم ما عدا فيكتور هيغو الذي أرسل له من منفاه البعيد كلمات رائعة تبقى على الدهر: «أزهار شرك تخطف الأبصار، أزهار شرك تشع على العالم كالكواكب والنجوم»! هل رأيتم شاعراً كبيراً يمجد شاعراً كبيراً آخر؟ هنا أيضاً تكمن عظمة فيكتور هيغو. لاحظوا معي هذه المفارقة: يحاكمون فلوبير وبودلير على رائعتين من روائع الأدب الفرنسي بدلاً من أن يشكروهما وينحنوا أمامهما؟ ولكن من كان يعرف وقتها أن رواية «مدام بوفاري» وديوان «أزهار الشر» سوف يصبحان من أمجاد الأدب الفرنسي الكبرى؟
يقول الكاتب الفرنسي باتريك بوافر دارفور: السنوات الأخيرة من حياة بودلير كانت عبارة عن كوابيس لا نهاية لها، اللهم ما عدا اللحظات النادرة التي يتوصل فيها إلى كتابة قصائد «مريضة» جديدة. لاحظوا معي هذه الكلمة الرائعة، هذه الكلمة الذهبية: قصائد مريضة! قد تتخيلون أن هذا هجاء لبودلير. العكس تماماً. هذا أكبر مديح. بودلير كان مريضاً بالشعر، والشعر كان مريضاً به. ولولا ذلك لما نتجت «أزهار الشر»: أي أهم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي. ما ذنب بودلير إذا كان العالم ذاته مريضاً أيضاً؟ لماذا تحاسبونه على وصف الجانب المعتم والمظلم من الوجود؟ لماذا تحاسبونه على الاهتمام بقفا الوجود؟ كان بودلير يحبل بالشعر، يعيش مخاضاته العسيرة، قبل أن ينفجر به، أخيراً، كفلق الصبح. هذا هو الشعر. الشعر لا يعطي نفسه بسهولة وإلا لأصبح جميع الناس شعراء.
الشعر نادر جداً على عكس ما نظن. القصيدة لا تعطي نفسها إلا بعد أن تحرق أنفاسك حرقاً. الشعر قد تعطيه كلك لكي يعطيك بعضه وقد لا يعطيك أي شيء. على حطام المعاناة والاحتراق تولد القصائد العبقرية. هذه القصائد المريضة المدعوة بـ«أزهار الشر» هي عبارة عن جواهر لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. لتنزل على رأس بودلير كل مصائب الأرض إذن. لتدمره كل النكبات والفواجع الشخصية تدميراً. لتفتك به الخيبات الكبار. لا يهم! المهم في نهاية المطاف أن تجيء هذه القصائد المريضة، هذه القصائد العبقرية. المهم أن تعطي نفسها بعد تمنع كثير، بعد تلهف وطول انتظار. هذا هو المهم بالنسبة لشارل بودلير. الباقي تفاصيل. الحياة كلها لا تساوي شيئاً أمام قصيدة واحدة لها معنى!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)
لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)

أسدل «مهرجان الجونة السينمائي» الستار على دورته التاسعة (15 - 23 أكتوبر / تشرين الأول 2026)، التي شهدت حضوراً كبيراً من نجوم السينما المصرية والعربية وصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم، فيما لُوحظ غياب نجوم السينما العالمية الذين اعتاد المهرجان استضافتهم وتكريم أحدهم بجائزة «إنجاز العمر»، كما في دوراته السابقة، على غرار فورست ويتكر، وسيلفستر ستالون، إلى جانب الاحتفاء بالممثلة كيت بلانشيت.

وأكّد ذلك مدير المهرجان عمرو منسي، في كلمته خلال حفل الختام، إذ قال: «إننا لن ندفع أموالاً لجلب نجوم من الخارج، لا سيما بعدما رسّخ المهرجان حضوره». وأشار إلى أنه لمس تسابق الجمهور إلى مشاهدة الأفلام، بدلاً من حضور الحفلات، وهو ما يستهدفه المهرجان منذ دورته الأولى، وفق قوله.

وفي دورة غاب عنها مؤسِّس المهرجان رجل الأعمال نجيب ساويرس، تمهيداً للدفع نحو استقلال المهرجان وتولّي جيل جديد من العائلة قيادته بعد دورته العاشرة، قال شقيقه مؤسِّس مدينة الجونة سميح ساويرس، خلال حفل الختام: «إن المهرجان يبدو مثل طفل شبّ ولم يعد بحاجة إلى رعاية أبوية، والعام المقبل سنحتفل بالدورة العاشرة، وهو ما يثبت أنّ أنفاسنا طويلة، ولا نحبّ المشروعات سريعة النجاح».

محمد حماد وفريق «خروج آمن» الفائز بذهبية «الجونة» لأفضل فيلم روائي طويل (إدارة المهرجان)

وإلى جانب احتفائه بالتجارب السينمائية المُلهمة التي ينفرد بعرضها، والفعاليات التي تثير نقاشاً وتفاعلاً بين صنّاع الأفلام العرب والأجانب، يعزّز المهرجان حضوره على مدى دوراته بدعم صنّاع الأفلام العرب عبر منصة «سيني جونة»، التي بلغت قيمة جوائزها لمشروعات الأفلام العربية في مرحلتَي «التطوير وما بعد الإنتاج» نحو 350 ألف دولار أميركي، استفاد منها 16 مشروعاً هذا العام من مختلف الدول العربية.

وشهدت الدورة التاسعة عرض نحو 77 فيلماً من مختلف دول العالم، من بينها 13 فيلماً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و10 أفلام في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، و19 فيلماً في مسابقة الأفلام القصيرة. وكشفت مسابقة الأفلام الروائية عن استقطاب المهرجان أفلاماً تتّسم بتنوّع لافت، تتقاطع فيها أسئلة الحرب والمنفى والعزلة والعنف الاجتماعي.

وتتجاوز مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة تسجيل الوقائع إلى طرح أسئلة عمّن يملك حق رواية الحكاية، وكيف تتحوّل الكاميرا إلى أداة لمواجهة النسيان وتوثيق الوقائع.

المخرج رشيد مشهراوي يتسلّم جائزتَي فيلم «المواطن أسامة» (إدارة المهرجان)

ويصف الناقد العراقي كاظم السلوم، الذي شارك في لجنة تحكيم جائزة «نيتباك» للأفلام الآسيوية، أفلام هذه الدورة بأنها «جيدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه ليس من السهل على أيّ مهرجان أن يُقام بهذه الجودة منذ دورته الأولى عام 2017. وأشار إلى أنّ أفلاماً بعينها لفتت نظره، منها الفيلم اللبناني «البارح العين ما نامت»، الذي يتناول قهر النساء في المجتمعات الذكورية، والفيلم الهندي «دمية العجل»، الذي يتناول معاناة المهمّشين في الهند.

ويلفت السلوم إلى تنوّع الأفلام في المسابقتين الوثائقية والروائية، وعروض الأفلام القصيرة، ومن بينها الفيلم السعودي «ولد الحجية»، الذي يعتمد على فكرة بسيطة تتناول مدى ارتباط الأطفال بجدّاتهم، مشيداً بتركيز المهرجان على الأفلام وحُسن تنظيم عروضه.

وتتجلّى خصوصية مسابقة الأفلام القصيرة في تنوّع جغرافي وفنّي يضع الحكايات المحلّية ضمن أسئلة إنسانية أكثر رحابة. ويلفت الناقد المصري عصام زكريا إلى أنّ «تقييم الأفلام مسألة نسبية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّ «دورة الجونة التاسعة قدَّمت مجموعة من الأفلام الجيدة، من بينها أعمال حازت جوائز دولية كبرى». وأشار إلى أنّ المسابقة شهدت أعمالاً روائية متميّزة، مثل «أرض الآباء» و«روز»، إلى جانب أفلام عربية جديدة، منها «البارح العين ما نامت» و«حليمة» و«خروج آمن»، وكذلك الفيلم الوثائقي الياباني «فجأة»، الذي يمتدّ لساعات من دون أن يثير الملل، وفق قوله.

ويرى زكريا أنه «من ناحية الأضواء والبريق واللوجستيات، قد لا تكون هذه الدورة مثل السابقة، لكن من ناحية الأفلام، هناك مجموعة من الأفلام المتميزة والمهمّة».

وحقّقت السينما العربية حضوراً لافتاً في جوائز مسابقات المهرجان الثلاث. ففي مسابقة الأفلام الروائية، فاز الفيلم المصري «خروج آمن»، للمخرج محمد حماد، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وفازت الفنانة الأردنية ركين سعد بجائزة «أفضل ممثلة» عن فيلم «بومة». وحصد الفيلم اللبناني «البارحة العين ما نامت»، للمخرج ركان مياسي، جائزة أفضل فيلم عربي طويل، فيما حاز فيلم «كلّ العشاق في الليل»، للمخرجة يوكيكو سودي، «نجمة الجونة الفضية».

بينما فاز الفيلم الإيراني «قليل من النور»، للمخرج علي أصغري، بـ«نجمة الجونة البرونزية»، وحاز الممثل جوفان جينيك جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم الصربي «بعد ثلاثة أسابيع»، فيما حصل الفيلم المغربي «حليمة» على تنويه خاص.

الفنانة الأردنية ركين سعد تحصد جائزة «أفضل ممثلة» عن دورها في فيلم «بومة» (إدارة المهرجان)

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، فاز الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، للمخرج أحمد حسونة، بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي، كما حصد جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي. وتسلّم الجائزتين منتج الفيلم، المخرج رشيد مشهراوي، الذي أهداهما إلى الصحافيين الفلسطينيين الذين استهدفتهم قوات الاحتلال، والبالغ عددهم 250 صحافياً. في حين حاز فيلم «همسات في مايو» من هونغ كونغ الجائزة الفضية، والفيلم الإيطالي «حرب على النساء» الجائزة البرونزية.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، حاز فيلم «ذكريات مسروقة»، وهو إنتاج نرويجي سويدي مشترك، جائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، وحصل فيلم «لا أحد يعرف العالم» من بيرو على الجائزة الفضية، فيما حاز الفيلم المصري «الخبيث»، للمخرج جاد شاهين، الجائزة البرونزية. وفاز الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد»، للمخرجة ماري روز أسطا، بجائزة أفضل فيلم عربي قصير، فيما نال فيلم «كنتاكي غزة»، للفلسطيني عمر رمال، تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم.

وإذا كان حفل افتتاح الدورة التاسعة قد غابت عنه البهجة، فقد عوَّضها حفل الختام، الذي قدّم تحية إلى الموسيقار الراحل هاني شنودة، غنَّت خلالها منى عزيز، مطربة فرقة «المصريين»، أغنية «ماشية السنيورة». كما قُدّمت أغنية جماعية مصوّرة بعنوان «سيدي يا سيدي»، بمشاركة المطرب محمد الشرنوبي وياسمين العبد وجميع نجوم الجونة.


موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
TT

موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)

من المقرر أن يشهد الموسم الدرامي الرمضاني المقبل «تجمعات فنية» كانت بعيدة عن توقعات الجمهور الذين عاصروا أحداث «التلاسن والتراشق» الإعلاميين بين أبطال أبرزهم ياسمين صبري ومحمد سامي من ناحية، وباسم سمرة ومحمد رمضان من ناحية أخرى.

ومن عبارة محمد سامي الشهيرة لياسمين صبري «إن شاء الله ما عجبك» بعد انتقادها نهاية مسلسل «الأسطورة»، الذي شهد اجتماعهما قبل 10 سنوات، وإعلانها عدم العمل معه مجدداً مهما كان حجم المشروع الفني وقيمته؛ يبدو أن موسم دراما رمضان المقبل سيكون فرصة لـ«سد الفجوات» وإنهاء الخصام، بعد إعلان مشاركة ياسمين في مسلسل «تمكين» من إخراج محمد سامي.

ومن سخرية لاذعة وسجال على الهواء، بعد انتشار مقطع فيديو للفنان باسم سمرة وهو يدفع محمد رمضان في إحدى المناسبات الشعبية، وتعليق رمضان على الواقعة بأن سمرة «لم يكن في وعيه»، ورد باسم سمرة بدعوة محمد رمضان إلى الوقوف أمامه في فيلم روائي قصير ويكون الحكم للجمهور حينها على أدائهما؛ قلب إعلان مشاركتهما في مسلسل «عشماوي» كل الموازين، وعاد خصما الأمس ليجتمعا في عمل واحد، وتحول الخلاف الذي كان حديث «السوشيال ميديا» إلى تعاون فني مرتقب.

لم تقتصر «القطيعة الفنية» على الممثلين فقط، لكنها طالت التعاون الإنتاجي بعد انتشار أخبار تفيد بوجود مشكلات إنتاجية بين محمد رمضان والمنتج صادق الصباح بعد تقديمهما مسلسل «ابن حلال» قبل 12 عاماً، الذي حقق حينها نجاحاً لافتاً، وكان بداية الانطلاقة والبطولة الدرامية لـرمضان، لكن التعاون لم يتكرر بعكس التوقعات، حتى جاء «عشماوي» ليفتح صفحة إنتاجية جديدة.

محمد رمضان وباسم سمرة في «عشماوي» (حساب باسم سمرة على «فيسبوك«)

وفي السياق، تعود الفنانة غادة عبد الرازق إلى العمل مع المنتج ممدوح شاهين في مسلسلَين خلال رمضان، هما «روح وجسد» و«خيوط من ذهب»، رغم ظهوره الإعلامي أخيراً، ووصفها بأنها «مزعجة».

وتتنوع خلافات الفنانين عادة بين أولوية تصدّر «الملصقات الترويجية»، و«ترتيب الأسماء»، وعدم الالتزام بمواعيد التصوير، و«قيمة الأجر»، و«قص المشاهد»، وغيرها من «المناوشات الفنية».

وأجمع نقاد، خلال حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، على أن تنحية الخلافات جانباً والتعاون الفني مجدداً بعد خصام أمران طبيعيان، ويندرجان تحت بند «المصالح تتصالح»، إذ أكد الناقد الفني عماد يسري أن «الخلافات الفنية موجودة في الوسط منذ سنوات طويلة وبأشكال مختلفة، وتنحيتها جانباً يمكن أن ينتج دراما جماهيرية، وإضافة لأطراف عدة بالعمل، وإعادة اكتشاف لموهبة ربما لن تظهر إلا بوجودهما معاً».

بدوره، يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن «الخلافات جزء حميم من الحياة الفنية، ولا يمكن فصلها في ظل التنافس والدائرة المشتركة التي تؤدي إلى وجود مشكلات وصراعات»، مضيفاً: «لدينا مثل شهير ينطبق على مجالات عدة، وهو أن (المصالح تتصالح)».

ومن أشهر الخلافات الفنية المعلنة في الوسطَين الفني والإعلامي كان خلاف عادل إمام ونور الشريف مع نادية الجندي، فالأول شاركها بطولة فيلم «خمسة باب»، ولم يكرر التعاون مجدداً رغم مشوارهما السينمائي الطويل، بسبب حديث عن خلافات في كواليس التصوير، وتناول أسباب «منع الفيلم» حينها من العرض، أما خلافها مع نور الشريف الذي دفعه إلى عدم التعاون معها مطلقاً طوال مسيرته فكان بسبب استبعاده من المشاركة في أحد أفلامها بعد تحضيراته، بحجة أنه لا يليق بالشخصية، إلى جانب الخلاف الشهير بين عبد الوهاب وأم كلثوم، والعودة إلى العمل معاً.

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية الدكتورة آمال عثمان «أن الوسط الفني شهد خلافات كثيرة وصلت إلى حد التراشق والتلاسن في العلن وفي الكواليس»، مضيفة: «شاهدنا طي صفحات كثيرة من الخصام، فالمبادئ تتغير أحياناً، وهذا لا يعيب ولا يقلل من قدر أحد». وتابعت: «هناك فارق بين الخصومة الشخصية والخصومة الفنية، والأخيرة يمكن إنهاؤها وزوالها سريعاً ما دام العمل الذي يمكن أن يجمعهما موجوداً».


توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون هانكس مع كيلي أوهارا، وهي ممثلة مخضرمة في برودواي، وحائزة على جائزة توني عام 2015 عن إعادة تقديمها لمسرحية «The King and I» في المسرحية التي ستُعرض على مسارح برودواي في خريف عام 2027.

يعود الثنائي إلى المسرح معاً بعد نجاح عرض المسرحية خارج برودواي في مسرح «ذا شيد» بنيويورك عام 2025. شارك هانكس في كتابة المسرحية مع جيمس غلوسمان، وسيتولى الإخراج كيني ليون، الحائز على جائزة توني عن إحياء مسرحية «A Raisin in the Sun» عام 2014.

توم هانكس كيلي أوهارا في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (مسرح شيد)

تدور أحداث «عالم الغد» حول بيرت ألينبيري، رجل يعيش في أواخر القرن الحادي والعشرين، يسافر عبر الزمن ليعود إلى يوم واحد في معرض نيويورك العالمي عام 1939 في كوينز، على أمل تغيير مستقبله. ومن خلال هذه الرحلات المتكررة، يكتشف بيرت كيف يمكن لخيارات الناس في الحب أن تُشكّل حياتهم وتفتح أمامهم أبواباً لفرص جديدة.

تستوحي المسرحية أحداثها من قصص قصيرة من مجموعة هانكس القصصية «Uncommon Type» الصادرة عام 2017. يؤدي هانكس دور بيرت، بينما تجسد أوهارا شخصية كارمن، المرأة التي يلتقيها خلال رحلاته.

وفي بيان له، قال المخرج كيني ليون: «أنا متحمس للغاية لمواصلة العمل على هذه المسرحية الأميركية الجديدة الرائعة. لا يوجد وقت أفضل من الآن لاستكشاف قصة الحب والسفر عبر الزمن هذه من غلوسمان وهانكس. أكثر ما أتطلع إليه هو أن يحظى المزيد من الجمهور بفرصة مشاهدة التناغم الرائع بين كيلي أوهارا وتوم هانكس على خشبة المسرح»، كما رحب المنتج برايان أنتوني مورلاند بانتقال المسرحية إلى برودواي، واصفاً تقديمها لجمهور أوسع بأنه شرف كبير، ومسلطاً الضوء على رسالتها عن الحب عبر الزمن.

وفي حديثه مع مجلة «بلايبيل» خلال عرض المسرحية العام الماضي، ناقش هانكس محاورها الرئيسية عندما سُئل عن معناها قائلاً: «لو لم يذهبا إلى المعرض العالمي عام 1939، لما التقيا بحب حياتهما. وأقول لكم الآن، حتى أنتم تمرون بلحظات كهذه في حياتكم. هذا هو جوهر دراسة التاريخ. لطالما أذهلني ذلك الجانب الغريب من السلوك البشري الذي يقول: لا تحدث الأشياء إلا عندما تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولا تدري إن كنت في المكان المناسب أو إن كان الوقت مناسباً للوجود هناك - فالتاريخ هو الذي يقرر ذلك نيابةً عنك. وأعتقد أن هذا أمرٌ رائع».

كان آخر ظهور لهانكس على مسارح برودواي في مسرحية «Lucky Guy»، حيث رُشِّح لجائزة توني عن أدائه فيها. سيشهد إنتاجه القادم أول ظهور له على مسارح برودواي منذ أكثر من 14 عاماً. كما أنه سيؤدي دور أبراهام لينكولن في مسرحية «لينكولن في الباردو»، وهي عمل يجمع بين التمثيل الحي وتقنية إيقاف الحركة، مقتبس من رواية جورج سوندرز.