متلازمة الحب والشعر والجنون

«الشعراء الملعونون» مصطلح أطلقه فيرلين في القرن الـ19 وانتشر بعده انتشاراً واسعاً

رامبو - بودلير
رامبو - بودلير
TT

متلازمة الحب والشعر والجنون

رامبو - بودلير
رامبو - بودلير

هذا الحديث مكرس للكتاب المنحوسين أو المفجوعين الذين جنوا أو عانوا أو انتحروا... وكان الشاعر بول فيرلين قد نشر كتاباً عام 1884 بعنوان: «الشعراء الملعونون». وهم ثلاثة بحسب تصنيفه: تريستان كوربيير، وآرثر رامبو، وستيفان مالارميه. ثم طبع الكتاب مرة ثانية عام 1888، حيث أضاف إليهم ثلاثة آخرين منهم هو بالذات. فهو أيضاً يعتبر نفسه شاعراً ملعوناً ومنبوذاً ومسحوقاً. وقد صدق. ثم انتشر هذا المصطلح الذي اخترعه فيرلين انتشاراً واسعاً بعدئذ. ووسعوا من تطبيقه لكي يشمل شعراء آخرين كثيرين لم يشملهم فيرلين بتصنيفاته. نذكر من بينهم: اللورد بايرون، وجون كيتس، وجيرار دو نيرفال، وإدغار آلان بو، وشارل بودلير، وأنطونين آرتو، إلخ... ولكنهم خلفوا وراءهم إبداعاً يخلدهم. لكن ما المقصود بهذا المصطلح الشهير؟ ما معنى الشاعر الملعون أو المنحوس أو المنبوذ؟ معناه ذلك الشخص الغريب الأطوار الذي يعيش على هامش المجتمع. إنه شخص يرفض الامتثالية الاجتماعية، ويتصرف بطريقة استفزازية، بل وخطرة. إنه شخص لا اجتماعي بالمعنى الحرفي للكلمة، شخص مولع بالتدمير الذاتي للذات. بمعنى آخر: فإنه شخص يدمر نفسه بنفسه ويتلذذ بذلك، بل ويجد فيه متعة ما بعدها متعة. وهو شخص يموت عموماً مبكراً قبل أن يكتشف الناس عبقريته لأنه سابق لزمانه.
هذا التعريف ينطبق كل الانطباق على بودلير، الذي حاول الانتحار أكثر من مرة، لكنه جُنّ في نهاية المطاف وهو في السادسة والأربعين فقط. من يستطيع أن يتخيل معاناة شارل بودلير؟ ولكن لولا هذه المعاناة الحارقة هل كان سيتحفنا بأروع قصائد الشعر الفرنسي؟ لا شيء بلا شيء، لا شيء بلا مقابل. وقل الأمر ذاته عن فيرلين، ورامبو، وأنطونين آرتو، ودستوفسكي، وكافكا، وغي دوموباسان، وجيرار دو نيرفال، ونيتشه، وإدغار آلان بو، وفرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، والقائمة طويلة. هذا لا يعني أن جميع الأدباء كانوا فاشلين في الحياة. هذا لا يعني أنهم كانوا جميعاً على حافة الجنون. فهناك أمثلة مضادة يقف على رأسها فيكتور هيغو مثلاً. فقد كان ناجحاً جداً حتى على المستوى المادي، حيث أدرت عليه كتبه الملايين، وعاش حياة من أسعد وأمتع ما يكون، بخاصة مع عشيقاته الكثيرات المتجددات. ولكنه دفع الثمن باهظاً أيضاً. فأخوه الشقيق مات مجنوناً في المصح العقلي، وكذلك ابنته آديل. وأما ابنته الأخرى الغالية جداً على قلبه (ليوبولدين) فقد غرقت في البحر وهي في التاسعة عشرة فقط وبعد عرسها وزواجها بفترة قصيرة. كارثة حقيقية. وغرق معها زوجها المسكين الذي غطس عليها فوراً لكي ينتشلها، لكي ينقذها، ولكنها جرته معها إلى لجج البحار. قصة رهيبة. قصة أكثر من رهيبة. قصة ما إن سمعت بها حتى وقف شعر رأسي. ماذا كنت سأفعل أنا لو حصلت معي هذه الحادثة؟ هل كنت سأغامر بنفسي وأنقض على عروسي الغالية في أعماق البحر لكي أنتشلها؟ أرجو أن أكون عند حسن ظنكم! ولكن للأسف ينبغي الاعتراف بأني جبان وأناني أكثر من اللزوم. على أي حال سوف يكون أسعد يوم في حياتي لو أني أنجح في انتشالها حية لا أن أغرق معها... ولكن حتى لو غرقت معها فسوف أصبح أعظم بطل في التاريخ. كيف يمكن أن أعيش بعدها وقد غرقت أمام عيني؟ تحية خاصة لشارل فاكري (اسم زوجها، صهر فيكتور هيغو). كان سباحاً ماهراً، وكان بإمكانه أن ينجو بجلده بسهولة لو أراد بعد أن انقلب بهما القارب في عرض البحر واقتربا من الشاطئ كثيراً. ولكن بعد أن حاول انتشالها ست مرات متتالية وفشل فضل أن يغرق معها لا أن يتركها تغرق لوحدها. قصة ولا أروع! كان يعشقها منذ فترة طويلة ولكن لم يتزوجها إلا قبل بضعة أشهر فقط. عندما سمع فيكتور هيغو بالقصة جن جنونه، ومادت، من تحت قدميه، الأرض. وظل يرثيها ويبكيها سنوات وسنوات. ولا ننسى أن فيكتور هيغو قبر ولديه الاثنين في حياته: شارل وفرنسوا. وبالتالي فالرجل دفع ثمن الشهرة والمجد غالياً. ولكن لم يبلغ أحد قمة المجد مثلما بلغها فيكتور هيغو، اللهم ما عدا فولتير في القرن الثامن عشر وسارتر في القرن العشرين.
ولكن دعونا من فيكتور هيغو الآن، ولنتحدث عن المنحوسين فعلاً، أولهم بودلير، الذي لم يعرف الشهرة في حياته ولا الأمجاد ولا الأموال ولا أي شيء. لم يعرف إلا الخيبات الكبار. شهرته انفجرت بعد موته كالقنبلة الموقوتة مثل نيتشه. ألم يقل نيتشه: «هناك أناس يولدون بعد موتهم»؟ حتى أمه لم تعرف قيمته إلا بعد رحيله عن هذا العالم فجن جنونها وتحسرت كثيراً لأنها كانت ستعامله بطريقة أخرى لو عرفت أنه شاعر عبقري إلى مثل هذا الحد. حتى أمه لم تعرف من هو بالضبط. فما بالك بالآخرين؟ لم تمنحه الحياة إلا التعاسة، ولكن القصائد العبقرية منحته لحظات مكثفة جداً من السعادة. عندما كانت القصيدة تنجح معه، عندما كانت تجيء، كان يتوهج، يتألق، يرتفع إلى أعلى عليين. كان يعرف أنه انتصر بالضربة القاضية! ولكن مقابل كل قصيدة ناجحة كم دفع الثمن باهظاً من حياته وأعصابه وجنونه؟ عندما نشر ديوانه الشهير «أزهار الشر» هل تعرفون ماذا قالت عنه جريدة «الفيغارو»؟ بالحرف الواحد ما يلي: «هذا الديوان عبارة عن مستشفى مجانين، مستشفى مفتوح على كل عاهات الروح، على كل تعفنات القلب. ويا ليت أن ذلك كان من أجل الشفاء. أبداً لا. فهي علل وعاهات لا علاج لها ولا دواء. بودلير شخص مريض ميؤوس منه. نقطة على السطر»... والغريب العجيب أن هذا الكلام صحيح من حيث التشخيص. ولكن ناقد «الفيغارو» فاته الشيء الأساسي ألا وهو: ذلك الجمال الخارق لهذه القصائد العبقرية حتى ولو كانت تتحدث عن أبشع ما في الوجود، عن تراجيديا الوجود، عن قفا الوجود.
بعد أن حاكموا فلوبير على رائعته «مدام بوفاري» بأشهر معدودات، جاء دور بودلير. فقد حاكموه في باريس وحكموا عليه بغرامة مالية كبيرة. وللأسف فلم يسانده أحد على عكس فلوبير، حيث تدخلت أخت الإمبراطور «ماتيلد» وأعفوه من دفع أي غرامة. ولكن بودلير أجبر على دفع 50000 فرنك فرنسي. من أين يأتي بها وهو المفلس المثقل بالديون؟ لهذا السبب هرب إلى بلجيكا لكي يتحاشى عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر. لقد كشف الكتاب والشعراء الباريسيون بالمناسبة عن جبنهم وخورهم فلم يسانده أحد منهم ما عدا فيكتور هيغو الذي أرسل له من منفاه البعيد كلمات رائعة تبقى على الدهر: «أزهار شرك تخطف الأبصار، أزهار شرك تشع على العالم كالكواكب والنجوم»! هل رأيتم شاعراً كبيراً يمجد شاعراً كبيراً آخر؟ هنا أيضاً تكمن عظمة فيكتور هيغو. لاحظوا معي هذه المفارقة: يحاكمون فلوبير وبودلير على رائعتين من روائع الأدب الفرنسي بدلاً من أن يشكروهما وينحنوا أمامهما؟ ولكن من كان يعرف وقتها أن رواية «مدام بوفاري» وديوان «أزهار الشر» سوف يصبحان من أمجاد الأدب الفرنسي الكبرى؟
يقول الكاتب الفرنسي باتريك بوافر دارفور: السنوات الأخيرة من حياة بودلير كانت عبارة عن كوابيس لا نهاية لها، اللهم ما عدا اللحظات النادرة التي يتوصل فيها إلى كتابة قصائد «مريضة» جديدة. لاحظوا معي هذه الكلمة الرائعة، هذه الكلمة الذهبية: قصائد مريضة! قد تتخيلون أن هذا هجاء لبودلير. العكس تماماً. هذا أكبر مديح. بودلير كان مريضاً بالشعر، والشعر كان مريضاً به. ولولا ذلك لما نتجت «أزهار الشر»: أي أهم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي. ما ذنب بودلير إذا كان العالم ذاته مريضاً أيضاً؟ لماذا تحاسبونه على وصف الجانب المعتم والمظلم من الوجود؟ لماذا تحاسبونه على الاهتمام بقفا الوجود؟ كان بودلير يحبل بالشعر، يعيش مخاضاته العسيرة، قبل أن ينفجر به، أخيراً، كفلق الصبح. هذا هو الشعر. الشعر لا يعطي نفسه بسهولة وإلا لأصبح جميع الناس شعراء.
الشعر نادر جداً على عكس ما نظن. القصيدة لا تعطي نفسها إلا بعد أن تحرق أنفاسك حرقاً. الشعر قد تعطيه كلك لكي يعطيك بعضه وقد لا يعطيك أي شيء. على حطام المعاناة والاحتراق تولد القصائد العبقرية. هذه القصائد المريضة المدعوة بـ«أزهار الشر» هي عبارة عن جواهر لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. لتنزل على رأس بودلير كل مصائب الأرض إذن. لتدمره كل النكبات والفواجع الشخصية تدميراً. لتفتك به الخيبات الكبار. لا يهم! المهم في نهاية المطاف أن تجيء هذه القصائد المريضة، هذه القصائد العبقرية. المهم أن تعطي نفسها بعد تمنع كثير، بعد تلهف وطول انتظار. هذا هو المهم بالنسبة لشارل بودلير. الباقي تفاصيل. الحياة كلها لا تساوي شيئاً أمام قصيدة واحدة لها معنى!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)
TT

ديني كوتيه: «عنف لا يخص أحداً» يطرح أسئلة الحياة والموت

بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج  (مهرجان لوكارنو)
بدأت فكرة الفيلم خلال مرض المخرج (مهرجان لوكارنو)

قال المخرج الكندي ديني كوتيه إن نقطة انطلاق فيلمه الجديد «عنف لا يخص أحداً» (Nobody’s Violence) ارتبطت بحالته الشخصية، إذ كان يعاني من قصور في وظائف الكلى منذ 18 عاماً، وكانت حالته الصحية تتدهور تدريجياً عندما بدأ العمل على المشروع، لافتاً إلى أنه كان يعيش آنذاك واحدة من أصعب مراحل حياته، مع تراجع طاقته وشعوره بأن العالم من حوله بات محاطاً بعدم اليقين.

وأضاف كوتيه، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن شخصية «ميرا» خرجت تدريجياً من هذه الحالة، موضحاً أنها «عالقة في عالم موازٍ وغير محتمل، منشغلة بمستقبلها، وتبحث عن الأدوات التي تساعدها على تحديد طريقها».

ويروي الفيلم قصة «ميرا»، وهي امرأة غامضة تعيش حياة على هامش العالم، وتساعد أشخاصاً اختاروا إنهاء حياتهم عبر تزويدهم بمسحوق قاتل يخلطونه بالماء ويتناولونه بأنفسهم. ومع تنقّلها بين حالات مختلفة، تتجاوز علاقتها ببعض هؤلاء الأشخاص حدود المهمة التي تؤديها، فتجد نفسها أمام أسئلة عن معنى الحياة والموت، وما الذي يجعل الاستمرار ممكناً.

عُرض الفيلم في المسابقة الدولية لمهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا، وحصل على تنويه خاص عن أداء الممثل الكندي كزافييه بيرجيرون، في عودة كوتيه إلى المهرجان بعد عقدين من فوزه بـ«الفهد الذهبي».

وعن عودته إلى «لوكارنو»، قال كوتيه إن الحصول على التكريم أمر ممتع، لكنه لا يصنع أفلامه من أجل الجوائز، ولا يبني مشروعاته وفق حسابات الوصول إليها؛ لأن الجوائز بطبيعتها ملتبسة، ونادراً ما تحظى بإجماع، ورأى أن هذه المساحة من الاختلاف جزء مما يحبه فيها.

المخرج الكندي ديني كوتيه (مهرجان لوكارنو)

وأوضح المخرج الكندي أن تجربة كتابة الفيلم كانت مشبعة بحالته الشخصية، لكنها لم تكن واضحة بالنسبة إليه حينها، إذ وجد نفسه أمام عمل غامض لا يعرف تماماً إلى أين يقوده. وقال: «إن عملية زراعة الكلى والحصول على عضو جديد، إلى جانب استعادة قدر أكبر من التوازن في حياتي اليومية، غيّرت علاقتي بالفيلم، فأصبحت أنظر إليه من منظور سينيفيلي يرتبط أكثر بحبي للسينما، بعيداً عن كونه انعكاساً مباشراً لتجربتي».

ولفت كوتيه إلى أن «ميرا» تعيش في حالة من التعليق داخل مساحة بين عالمين، إذ تتقاطع لديها أسئلة الحياة والموت مع بحثها عن موقع خاص بها، مؤكداً أن قسوة الفيلم وعدم يقينه جزء من لغته الجمالية، وأن طبيعته الاستكشافية تمنحه خصوصيته.

وأضاف أن الموت لا يمثّل بالنسبة إليه موضوعاً يحتاج إلى معالجة صريحة أو استفزازية، خصوصاً أنه يعيش في كندا، حيث أصبحت المساعدة الطبية على الموت متاحة ضمن نظام آمن ومدروس وخاضع للرقابة، مشيراً إلى أن وجود هذا الخيار يفتح بطبيعته أسئلة أخلاقية معقدة، من دون حاجة إلى إصدار أحكام أو تبنّي موقف مباشر منها.

وأوضح أن «الكشف التدريجي عن طبيعة عمل (ميرا) كان ضرورياً للحفاظ على المسافة بينها وبين المشاهد، فلم أرغب في تقديمها بوصفها شخصية باردة وروبوتية تنتمي إلى فيلم من أفلام النوع»، لافتاً إلى أن «الأسئلة التي يثيرها الفيلم حول المساعدة على الموت لا تمثّل بالنسبة إليه بياناً اجتماعياً مباشراً؛ لأن عالم الأحداث خيالي وملتوٍ ويميل إلى الديستوبيا».

وأشار إلى أن الأفلام الوثائقية تستطيع معالجة الجوانب الاجتماعية والروحية للقضية بصورة مباشرة، في حين اختار هو الاقتراب منها بطريق أكثر خيالاً والتواءً، يترك الأسئلة مفتوحة أمام المتلقي؛ فـ«ميرا» لا تؤدي وظيفتها فحسب، وإنما تتحرك بين عوالم وطاقات وعلاقات وحالات نفسية مختلفة، بحثاً عن مكانها الصحيح.

وعدّ أن «هذه المشاعر لا تحتاج إلى سرد محكم»، مؤكداً أنه يحب الأفلام التي تجعل المشاهد يشعر بالضياع ويسأل عمّا يشاهده. وأضاف: «لذلك جاء هذا الجزء متعرجاً وعائماً، حتى لو لم ينسجم مع ذائقة الجميع؛ لأن الاغتراب وفقدان الطريق كانا جزءاً من التجربة التي أردت بناءها».

استخدم المخرج رؤية بصرية تتماشى مع رؤيته للحياة خلال مرضه (مهرجان لوكارنو)

وعن التصوير والإضاءة باستخدام شريط 16 مليمتراً، قال كوتيه: «يرتبط هذا الاختيار بالفعل بالطريقة التي كنت أرى بها العالم أثناء مرضي؛ فقد كنت أشعر بنفور متزايد من الجمال المصقول واللامع في المسلسلات والسينما التجارية، إذ أصبح كل شيء مطالباً بأن يبدو مثالياً وجذاباً»، مشيراً إلى رغبته في مقاومة هذا التصور للجمال، إذ يجد جمالاً أكثر تحرراً من القواعد البصرية السائدة.

وفيما يتعلق بتداخل تجربته الصحية مع الفيلم، رفض كوتيه التعامل مع العمل بوصفه سيرة ذاتية مقنّعة، موضحاً أنه لا يريد أن تصبح خلفية المخرج مفتاحاً إلزامياً لفهم الفيلم؛ لأن معرفة ما مرّ به في أثناء الكتابة قد تدفع المشاهد إلى قراءة العمل بطريقة مختلفة، حين يفضّل أن «يُستقبَل الفيلم بوصفه عملاً سينمائياً مستقلاً».


مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تسترد عشرات القطع الأثرية النادرة من أميركا

القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)
القطع المستردَّة تعود لعصور مختلفة (وزارة الخارجية المصرية)

​استردت مصر 48 قطعة أثرية نادرة من الولايات المتحدة، في مراسم رسمية بمدينة لوس أنجليس، بحضور مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي(FBI) وقنصل مصر العام في لوس أنجليس، وذلك في إطار التعاون القائم بين الجانبين في مجال استرداد الآثار المصرية المهرَّبة، والحفاظ على الإرث الحضاري المصري.

ووفق وزارة الخارجية المصرية، قام الدكتور حسام الدين علي، قنصل مصر العام في لوس أنجليس، بتسلُّم الآثار المستردة، وألقى كلمة أعرب خلالها عن تقدير مصر لإعادة هذه القطع الأثرية النادرة إلى أرض الوطن، مشيداً بمستوى التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مختلف المجالات، وخصوصاً في مجال استرداد الآثار المصرية المهرَّبة، والحفاظ على الإرث الحضاري.

وتتضمن القطع المستردَّة من أميركا تمائم وحُلياً وأدوات جنائزية تعود لعصور تاريخية مختلفة، وفق وسائل إعلام محلية.

قنصل مصر بلوس أنجليس يتسلَّم القطع المستردة (وزارة الخارجية المصرية)

وجاءت عملية استرداد القطع الأثرية في إطار اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة تم توقيعها عام 2016، لاسترداد الممتلكات الثقافية، تتيح للولايات المتحدة فرض قيود على استيراد فئات محددة من المواد الأثرية والإثنولوجية القادمة من مصر.

و«تمثل استعادة مصر لقطعها الأثرية من الخارج، في جوهرها، استعادة لشواهد مادية تحمل ذاكرة الإنسان المصري، وتكشف عن منظومة متكاملة من المعتقدات والفنون والعادات التي تشكَّلت عبر آلاف السنين»، وفق الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية المجموعة المستردَّة في تنوعها؛ فوجود التمائم والحُلي والأدوات والعناصر المرتبطة بالممارسات الجنائزية إلى جانب التماثيل وغيرها، يمنح الباحث فرصة لقراءة الحضارة المصرية من زوايا متعددة. فالتميمة -على سبيل المثال- لم تكن مجرد قطعة للزينة، وإنما ارتبطت في الفكر المصري القديم بمفاهيم الحماية والقوة وتجدد الحياة».

وتابعت: «أما العناصر الجنائزية فتكتسب أهمية خاصة؛ لأنها ترتبط مباشرة بتصور المصري القديم للموت والبعث واستمرار الوجود. ومن ثم، فإن عودة هذه القطع إلى مصر تعني عودة أدلة مادية يمكن دراستها في إطارها الحضاري وربطها بمثيلاتها، بما يساعد على إعادة بناء سياقاتها التاريخية والوظيفية بصورة أكثر دقة».

وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، أن نجاح مصر في استرداد هذه القطع يعكس تحول ملف الآثار المهربة من مجرد قضية وطنية إلى قضية تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً؛ وهو ما تؤكده الشراكة والتنسيق مع الجهات الأميركية المختصة في عمليات التتبع والمصادرة وإعادة الممتلكات الثقافية.

وشهدت الفترة الماضية استعادة مصر كثيراً من القطع الأثرية من أميركا، بعضها بمبادرة أسرة أميركية في يونيو (حزيران) الماضي، سلَّمت 4 قطع أثرية إلى مصر. وفي أبريل (نيسان) الماضي، استردت مصر 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «استرداد القطع الأثرية بمنزلة شهادة تعاون دولية مع الحكومة المصرية؛ حيث إن هذه الآثار هي حق أصيل للشعب المصري، فهي تعبر عن أهمية عرض الآثار المصرية في أماكنها». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «استرداد هذه القطع يثري المتاحف المصرية، ويعكس في الوقت ذاته نجاح التعاون الدولي في التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع في الآثار، وحماية الممتلكات الثقافية من الضياع أو التداول خارج الأطر القانونية».

وحسب مدير الإدارة العامة لاسترداد الآثار، شعبان عبد الجواد، استردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية خلال العشر سنوات الأخيرة، بالتعاون بين جهات مختلفة، مثل: وزارة السياحة والآثار، ووزارة الخارجية المصرية، ومكتب النائب العام، مؤكداً أن عمليات الاسترداد تتم على مستويات عدة، وبالتنسيق مع جهات مختلفة؛ مؤكداً في تصريحات متلفزة أن عامَي 2025 و2026 شهدا استرداد أكثر من 71 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية.


«المهرجون» يحطُّون رحالهم داخل الأحياء اللبنانية

الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)
الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)
TT

«المهرجون» يحطُّون رحالهم داخل الأحياء اللبنانية

الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)
الجمهور في طرابلس يستعد لحضور العرض (كلاون مي)

لخامس مرة، ينطلق مهرّجو فرقة «كرفانة» لعروض الشارع، في عمل مسرحي جديد، متنقلين بين المناطق اللبنانية، حيث حطوا رحالهم يوم الجمعة الماضي بساحة التل في طرابلس، ومن ثم في ميناء المدينة، ليتابعوا عروضهم بعد ذلك في بيروت والشوف، على أمل الوصول إلى الجنوب اللبناني. وإذا تعذر الأمر؛ بسبب المخاطر الأمنية، فستكون العروض من نصيب جبل لبنان والبقاع.

هذه المرة، يأتي مهرجو جمعية «كلاون مي»، منظمة الحدث، إلى الناس في أحيائهم وشوارعهم وحواريهم، بعرض جديد يحمل اسم «الكرفانة: وحكاياتنا ترن»، مستوحى من التجارب المعيشية لشباب تتراوح أعمارهم بين 17 و24 عاماً.

الممثلون يستعدون للعرض (كلاون مي)

مسرح متحرك يجوب الشوارع، يتوقف في أماكن مكتظة، حيث لم يعتد الناس رؤية أعمال فنية في مناطقهم من قبل. بمكبر الصوت، ينادي المهرجون معلنين أن مسرحيتهم ستبدأ بعد نصف ساعة. يأخذ الناس في التجمع أمام الكرفانة الجوالة، التي سرعان ما تمتد أمامها منصتان خشبيتان، إحداهما أعلى من الأخرى، كمسرح ثابت وقريب من الجمهور. يعتلي المهرجون المنصة، كلٌّ يروي حكايته على طريقته، بينما يجلس الحضور على الكراسي التي هُيئت لهم. وبين المزاح والجدّ، تطلع الحكايات مؤثرة على ألسن المهرجين. المتفرجون الذين تجمعوا، إمّا كانوا يمرون في المكان بالصدفة، وإما عرفوا بالموعد ولبّوا النداء، لكنهم جميعهم مشدودون إلى مهرج يتحدث عن فقده والده، وعودته إلى منزله ليكتشف الخراب الذي أحدثته الحرب. حكايته تشبه ما عاشه كثر في خضم صراعات متواصلة تعيشها المنطقة. آخر يروي قصة هروبه من الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2024، وها هو يعود إلى وطنه، لكنه لا يزال ضائعاً بين البقاء والهجرة من جديد. آخر يحكي عن معضلة استخدام القاف في أثناء الكلام بالعامية بدلاً من الكاف، ودلالتها الاجتماعية وانعكاساتها على سلوكيات الناس تجاهه وتقديرهم له.

كل الأماكن تصلح لعمل المهرجين على الخشبة وبين الحضور (كلاون مي)

سبع حكايات يتناوب على روايتها ست ممثلات طيلة نصف ساعة. هي تبدو قصصاً فردية لأول وهلة، لكنها تشبه مئات القصص الأخرى التي يتماهى معها الجمهور؛ مما يفتح باب الحوار، بعد انتهاء العرض، بين حضور متأثر قد اندمج في ما رواه لهم المهرجون، وشباب جاءوا يخبرون عن مواجعهم، وهم يعبرون عنها بالفكاهة مرة، وبالغضب أخرى، من دون أن تخلو من الحنين واللامبالاة والعبث الساخر.

المؤديات اختِرن من بين 30 شخصاً شاركوا في ورشة عمل، ورووا قصصهم، وطُورت، ومن ثم سُجلت بأصواتهم، مصحوبة بمؤثرات تجعلها أقرب إلى المذاق العام. اختيرت الحكايات الأعلى جذباً، والأقرب إلى انشغالات الناس. أما الممثلات فلسن بالضرورة صاحبات القصص، لكنهن يقدمنها بأجسادهن وحيويتهن ونبضهن وإيماءاتهن، على منصة رَدمت المسافة بينها وبين الجمهور، لفرط الحميمية والتلقائية في الأداء.

وإن كان مسرح الشارع معروفاً في لبنان وشهده الجمهور، فإن المهرجين الجوالين ليسوا ظاهرة شائعة. والفضل في تشكيل هذا الفريق يعود إلى سابين شقير، التي بدأت عملها منذ عام 2005، وشكلت بعدها بـ3 سنوات مؤسسة «كلاون مي إن» لفن التهريج والمسرح والفنون التشاركية، وبدأت بتنظيم الأنشطة في المناطق المحرومة وبين النازحين، وفي أكثر من بلد وبيئة. ومن خلال ورشات العمل، أُهّل عشرات المهرجين طيلة السنوات الماضية، الذين يرفهون عن المتألمين في المستشفيات والمخيمات وأماكن الإيواء.

تفاعل الجمهور جزء أساسي من العمل (كلاون مي)

أما العروض المسرحية الجوالة، فوُلدت عام 2015 إثر النزوح السوري الكثيف إلى لبنان. يومها نشطت المؤسسة في المخيمات، وسجلت قصص النازحين وقدمت عملها المسرحي الجوال «كرفانة: والعالم يسمع». العرض، الذي يروي فيه النازحون قصصهم، لقي قبولاً وأحدث ضجة، وقُدّم مائة مرة في لبنان. بعد هذا النجاح، قُدّم عمل آخر عن النزوح بعنوان: «كرفانة: هيملاد»، وذهبت به الفرقة إلى تونس، وحاز جائزة تعدّها سابين تتويجاً لجهدها.

وعلى الأثر، صُنعت نسخة أخرى من الفكرة نفسها، عن المهاجرين؛ الفلسطينيين والعراقيين والألمان والدنماركيين والسويديين الذين يعيشون في السويد والولايات المتحدة، في قلب عرض مسرحي بالشارع، من خلال استخدام تسجيلات صوتية لسرد القصص. فسويديون كثر هاجروا إلى أميركا في بداية القرن الـ19؛ بسبب المجاعة والحروب. وجاب هذا العمل السويد التي استقبلت السوريين؛ لتذكير المواطنين هناك بأنهم هم أيضاً كانوا ضحية مثلهم ذات يوم.

على المسرح الحكايات تتوالى (كلاون مي)

واكبت «كلاون مي» الناس في مشاغلهم وهمومهم. فحين طفت مشكلة التسرب المدرسي على السطح عام 2019، جابت القافلةُ المسرحيةُ المناطق وهي تشجع العائلات على إلحاق أولادها بالمدارس الحكومية، من خلال «كرفانة: لنرجع عَالمدرسة»، مُظهرة أن ارتفاع الأقساط المدرسية ليس عائقاً أمام التعليم، بل البدائل متوفرة وبسهولة. ومن بعدها، كان عمل آخر عن حقوق الناس والطفل، كي يتنبه كل فرد إلى حقوقه ويدافع عنها.

هذه المشروعات المسرحية، المستمرة منذ سنوات، بدأتها سابين شقير؛ مؤسسةُ «كلاون مي إن»، التي درست الفنون المسرحية، وتخصصت في المسرح الجسماني، ومثلت مع روجيه عساف وآخرين. خلال مسارها هذا، اكتشفت عالم التهريج، ووجدت فيه ضالتها، فانخرطت في سحره وكرست نفسها له. وحين عادت إلى لبنان من مُغتَرَبها عام 2011، كانت الثورة السورية قد بدأت، والاحتجاجات في لبنان قد اشتعلت، فمارست التهريج مع زملاء لها في المظاهرات والأماكن العامة، ونظمت ورشات عمل لتأهيل مهرجين جدد.

تقول سابين إنها لم تحب يوماً العمل في أماكن مغلقة؛ استهواها دائماً الفضاء المفتوح، والوجود مع الناس، والإصغاء إلى مواجعهم وانشغالاتهم. فمنذ عام 2006، وهي تعمل في الشارع، وإن تغيرت الأدوار والمهام. تعلق سابين: «الشارع مدرسة؛ نتعلم من خلالها، بحكم التجربة والممارسة المتكررة، ما يصلح وما لا يصلح، ونشق طريقنا إلى جمهور أوسع وأرحب».