متلازمة الحب والشعر والجنون

«الشعراء الملعونون» مصطلح أطلقه فيرلين في القرن الـ19 وانتشر بعده انتشاراً واسعاً

رامبو - بودلير
رامبو - بودلير
TT

متلازمة الحب والشعر والجنون

رامبو - بودلير
رامبو - بودلير

هذا الحديث مكرس للكتاب المنحوسين أو المفجوعين الذين جنوا أو عانوا أو انتحروا... وكان الشاعر بول فيرلين قد نشر كتاباً عام 1884 بعنوان: «الشعراء الملعونون». وهم ثلاثة بحسب تصنيفه: تريستان كوربيير، وآرثر رامبو، وستيفان مالارميه. ثم طبع الكتاب مرة ثانية عام 1888، حيث أضاف إليهم ثلاثة آخرين منهم هو بالذات. فهو أيضاً يعتبر نفسه شاعراً ملعوناً ومنبوذاً ومسحوقاً. وقد صدق. ثم انتشر هذا المصطلح الذي اخترعه فيرلين انتشاراً واسعاً بعدئذ. ووسعوا من تطبيقه لكي يشمل شعراء آخرين كثيرين لم يشملهم فيرلين بتصنيفاته. نذكر من بينهم: اللورد بايرون، وجون كيتس، وجيرار دو نيرفال، وإدغار آلان بو، وشارل بودلير، وأنطونين آرتو، إلخ... ولكنهم خلفوا وراءهم إبداعاً يخلدهم. لكن ما المقصود بهذا المصطلح الشهير؟ ما معنى الشاعر الملعون أو المنحوس أو المنبوذ؟ معناه ذلك الشخص الغريب الأطوار الذي يعيش على هامش المجتمع. إنه شخص يرفض الامتثالية الاجتماعية، ويتصرف بطريقة استفزازية، بل وخطرة. إنه شخص لا اجتماعي بالمعنى الحرفي للكلمة، شخص مولع بالتدمير الذاتي للذات. بمعنى آخر: فإنه شخص يدمر نفسه بنفسه ويتلذذ بذلك، بل ويجد فيه متعة ما بعدها متعة. وهو شخص يموت عموماً مبكراً قبل أن يكتشف الناس عبقريته لأنه سابق لزمانه.
هذا التعريف ينطبق كل الانطباق على بودلير، الذي حاول الانتحار أكثر من مرة، لكنه جُنّ في نهاية المطاف وهو في السادسة والأربعين فقط. من يستطيع أن يتخيل معاناة شارل بودلير؟ ولكن لولا هذه المعاناة الحارقة هل كان سيتحفنا بأروع قصائد الشعر الفرنسي؟ لا شيء بلا شيء، لا شيء بلا مقابل. وقل الأمر ذاته عن فيرلين، ورامبو، وأنطونين آرتو، ودستوفسكي، وكافكا، وغي دوموباسان، وجيرار دو نيرفال، ونيتشه، وإدغار آلان بو، وفرجينيا وولف، وستيفان زفايغ، والقائمة طويلة. هذا لا يعني أن جميع الأدباء كانوا فاشلين في الحياة. هذا لا يعني أنهم كانوا جميعاً على حافة الجنون. فهناك أمثلة مضادة يقف على رأسها فيكتور هيغو مثلاً. فقد كان ناجحاً جداً حتى على المستوى المادي، حيث أدرت عليه كتبه الملايين، وعاش حياة من أسعد وأمتع ما يكون، بخاصة مع عشيقاته الكثيرات المتجددات. ولكنه دفع الثمن باهظاً أيضاً. فأخوه الشقيق مات مجنوناً في المصح العقلي، وكذلك ابنته آديل. وأما ابنته الأخرى الغالية جداً على قلبه (ليوبولدين) فقد غرقت في البحر وهي في التاسعة عشرة فقط وبعد عرسها وزواجها بفترة قصيرة. كارثة حقيقية. وغرق معها زوجها المسكين الذي غطس عليها فوراً لكي ينتشلها، لكي ينقذها، ولكنها جرته معها إلى لجج البحار. قصة رهيبة. قصة أكثر من رهيبة. قصة ما إن سمعت بها حتى وقف شعر رأسي. ماذا كنت سأفعل أنا لو حصلت معي هذه الحادثة؟ هل كنت سأغامر بنفسي وأنقض على عروسي الغالية في أعماق البحر لكي أنتشلها؟ أرجو أن أكون عند حسن ظنكم! ولكن للأسف ينبغي الاعتراف بأني جبان وأناني أكثر من اللزوم. على أي حال سوف يكون أسعد يوم في حياتي لو أني أنجح في انتشالها حية لا أن أغرق معها... ولكن حتى لو غرقت معها فسوف أصبح أعظم بطل في التاريخ. كيف يمكن أن أعيش بعدها وقد غرقت أمام عيني؟ تحية خاصة لشارل فاكري (اسم زوجها، صهر فيكتور هيغو). كان سباحاً ماهراً، وكان بإمكانه أن ينجو بجلده بسهولة لو أراد بعد أن انقلب بهما القارب في عرض البحر واقتربا من الشاطئ كثيراً. ولكن بعد أن حاول انتشالها ست مرات متتالية وفشل فضل أن يغرق معها لا أن يتركها تغرق لوحدها. قصة ولا أروع! كان يعشقها منذ فترة طويلة ولكن لم يتزوجها إلا قبل بضعة أشهر فقط. عندما سمع فيكتور هيغو بالقصة جن جنونه، ومادت، من تحت قدميه، الأرض. وظل يرثيها ويبكيها سنوات وسنوات. ولا ننسى أن فيكتور هيغو قبر ولديه الاثنين في حياته: شارل وفرنسوا. وبالتالي فالرجل دفع ثمن الشهرة والمجد غالياً. ولكن لم يبلغ أحد قمة المجد مثلما بلغها فيكتور هيغو، اللهم ما عدا فولتير في القرن الثامن عشر وسارتر في القرن العشرين.
ولكن دعونا من فيكتور هيغو الآن، ولنتحدث عن المنحوسين فعلاً، أولهم بودلير، الذي لم يعرف الشهرة في حياته ولا الأمجاد ولا الأموال ولا أي شيء. لم يعرف إلا الخيبات الكبار. شهرته انفجرت بعد موته كالقنبلة الموقوتة مثل نيتشه. ألم يقل نيتشه: «هناك أناس يولدون بعد موتهم»؟ حتى أمه لم تعرف قيمته إلا بعد رحيله عن هذا العالم فجن جنونها وتحسرت كثيراً لأنها كانت ستعامله بطريقة أخرى لو عرفت أنه شاعر عبقري إلى مثل هذا الحد. حتى أمه لم تعرف من هو بالضبط. فما بالك بالآخرين؟ لم تمنحه الحياة إلا التعاسة، ولكن القصائد العبقرية منحته لحظات مكثفة جداً من السعادة. عندما كانت القصيدة تنجح معه، عندما كانت تجيء، كان يتوهج، يتألق، يرتفع إلى أعلى عليين. كان يعرف أنه انتصر بالضربة القاضية! ولكن مقابل كل قصيدة ناجحة كم دفع الثمن باهظاً من حياته وأعصابه وجنونه؟ عندما نشر ديوانه الشهير «أزهار الشر» هل تعرفون ماذا قالت عنه جريدة «الفيغارو»؟ بالحرف الواحد ما يلي: «هذا الديوان عبارة عن مستشفى مجانين، مستشفى مفتوح على كل عاهات الروح، على كل تعفنات القلب. ويا ليت أن ذلك كان من أجل الشفاء. أبداً لا. فهي علل وعاهات لا علاج لها ولا دواء. بودلير شخص مريض ميؤوس منه. نقطة على السطر»... والغريب العجيب أن هذا الكلام صحيح من حيث التشخيص. ولكن ناقد «الفيغارو» فاته الشيء الأساسي ألا وهو: ذلك الجمال الخارق لهذه القصائد العبقرية حتى ولو كانت تتحدث عن أبشع ما في الوجود، عن تراجيديا الوجود، عن قفا الوجود.
بعد أن حاكموا فلوبير على رائعته «مدام بوفاري» بأشهر معدودات، جاء دور بودلير. فقد حاكموه في باريس وحكموا عليه بغرامة مالية كبيرة. وللأسف فلم يسانده أحد على عكس فلوبير، حيث تدخلت أخت الإمبراطور «ماتيلد» وأعفوه من دفع أي غرامة. ولكن بودلير أجبر على دفع 50000 فرنك فرنسي. من أين يأتي بها وهو المفلس المثقل بالديون؟ لهذا السبب هرب إلى بلجيكا لكي يتحاشى عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر. لقد كشف الكتاب والشعراء الباريسيون بالمناسبة عن جبنهم وخورهم فلم يسانده أحد منهم ما عدا فيكتور هيغو الذي أرسل له من منفاه البعيد كلمات رائعة تبقى على الدهر: «أزهار شرك تخطف الأبصار، أزهار شرك تشع على العالم كالكواكب والنجوم»! هل رأيتم شاعراً كبيراً يمجد شاعراً كبيراً آخر؟ هنا أيضاً تكمن عظمة فيكتور هيغو. لاحظوا معي هذه المفارقة: يحاكمون فلوبير وبودلير على رائعتين من روائع الأدب الفرنسي بدلاً من أن يشكروهما وينحنوا أمامهما؟ ولكن من كان يعرف وقتها أن رواية «مدام بوفاري» وديوان «أزهار الشر» سوف يصبحان من أمجاد الأدب الفرنسي الكبرى؟
يقول الكاتب الفرنسي باتريك بوافر دارفور: السنوات الأخيرة من حياة بودلير كانت عبارة عن كوابيس لا نهاية لها، اللهم ما عدا اللحظات النادرة التي يتوصل فيها إلى كتابة قصائد «مريضة» جديدة. لاحظوا معي هذه الكلمة الرائعة، هذه الكلمة الذهبية: قصائد مريضة! قد تتخيلون أن هذا هجاء لبودلير. العكس تماماً. هذا أكبر مديح. بودلير كان مريضاً بالشعر، والشعر كان مريضاً به. ولولا ذلك لما نتجت «أزهار الشر»: أي أهم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي. ما ذنب بودلير إذا كان العالم ذاته مريضاً أيضاً؟ لماذا تحاسبونه على وصف الجانب المعتم والمظلم من الوجود؟ لماذا تحاسبونه على الاهتمام بقفا الوجود؟ كان بودلير يحبل بالشعر، يعيش مخاضاته العسيرة، قبل أن ينفجر به، أخيراً، كفلق الصبح. هذا هو الشعر. الشعر لا يعطي نفسه بسهولة وإلا لأصبح جميع الناس شعراء.
الشعر نادر جداً على عكس ما نظن. القصيدة لا تعطي نفسها إلا بعد أن تحرق أنفاسك حرقاً. الشعر قد تعطيه كلك لكي يعطيك بعضه وقد لا يعطيك أي شيء. على حطام المعاناة والاحتراق تولد القصائد العبقرية. هذه القصائد المريضة المدعوة بـ«أزهار الشر» هي عبارة عن جواهر لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. لتنزل على رأس بودلير كل مصائب الأرض إذن. لتدمره كل النكبات والفواجع الشخصية تدميراً. لتفتك به الخيبات الكبار. لا يهم! المهم في نهاية المطاف أن تجيء هذه القصائد المريضة، هذه القصائد العبقرية. المهم أن تعطي نفسها بعد تمنع كثير، بعد تلهف وطول انتظار. هذا هو المهم بالنسبة لشارل بودلير. الباقي تفاصيل. الحياة كلها لا تساوي شيئاً أمام قصيدة واحدة لها معنى!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.