علماء يجيبون... هل يمكننا القضاء على الإنفلونزا؟

علماء يجيبون... هل يمكننا القضاء على الإنفلونزا؟
TT

علماء يجيبون... هل يمكننا القضاء على الإنفلونزا؟

علماء يجيبون... هل يمكننا القضاء على الإنفلونزا؟

بالنسبة للعديد من الأشخاص، قد لا يبدو أن الإصابة بالإنفلونزا كبيرة جدًا؛ فقد تشعر بالضيق وتفوّت بضعة أيام من العمل أو المدرسة، ثم تعود إلى الحياة اليومية. لكن هذا المرض الشائع يتسبب في عشرات الآلاف من حالات الاستشفاء والوفيات كل عام؛ فبين أعوام 2010 و 2020 توفي ما يصل إلى 342 ألف شخص بسبب الإنفلونزا في الولايات المتحدة، وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC).
وخلال ثلاث من أوبئة الإنفلونزا الأربع في القرنين الماضيين، بما في ذلك جائحة إنفلونزا عام 1918، قفز هذا العدد إلى الملايين بجميع أنحاء العالم، وان القضاء على هذا المرض سيمنع عددا لا يحصى من الوفيات، وذلك وفق ما نشر موقع «لايف ساينس» العلمي المتخصص.

لكن هل من الممكن القضاء على الإنفلونزا؟

يقول اختصاصي المناعة في مركز أوريغون القومي لأبحاث الرئيسيات مارك سليفكا «إن الإجابة المختصرة هي لا. وإن أقرب ما وصلنا إليه من هذه الكأس المقدسة لعلم الأوبئة كان في موسم الأنفلونزا 2020-2021 (أول شتاء كامل لوباء الفيروس التاجي)، عندما كان التقنيع والعزل في المنزل أكثر شيوعًا. في ذلك الموسم، أفاد مركز السيطرة على الأمراض بما يقرب من 150 ألف حالة إصابة مؤكدة بالإنفلونزا (كان الرقم الحقيقي أعلى على الأرجح)، وهو يتضاءل مقارنة بـ 39 مليون شخص أصيبوا بالإنفلونزا خلال موسم 2019-2020». مضيفا «ان أحد أنواع فيروس الإنفلونزا ربما يكون قد انقرض... وانه مع العودة إلى السفر الجوي والمدرسة والعمل والتنشئة الاجتماعية المنتظمة، عادت الإنفلونزا للانتقام». وذلك لأن فيروسات الإنفلونزا، التي تسبب الإنفلونزا تتغير باستمرار مكونة آلاف النسخ من نفسها؛ وتسمى هذه الإصدارات المختلفة من الفيروسات بـ«المتغيرات» أو «السلالات».
ويشرح سليفكا «إذا اختفت إحدى السلالات تملأ سلالات أخرى الفراغ». كل عام يأتي الفيروس بأشكال جديدة من الإنفلونزا؛ الأمر الذي يستلزم لقاحًا جديدًا. وهذا يجعل من الصعب تصنيع لقاح. وانه للاستعداد لموسم الإنفلونزا يتعين على العلماء توقع المتغيرات التي ستكون سائدة في الموسم المقبل، بناءً على المتغيرات التي تنتشر بين البشر في نصف الكرة الأرضية المعاكس.
من جانبه، يقول مارك جنكينز اختصاصي المناعة بكلية الطب بجامعة مينيسوتا «إنه تخمين؛ في بعض الأحيان لا يفهمونه بشكل صحيح».
وحسب جينكينز، في بعض السنوات يتحور فيروس الإنفلونزا بسرعة كبيرة لدرجة أنه يتفوق على مصنعي اللقاحات. فبحلول الوقت الذي يصبح فيه اللقاح جاهزا لإعطائه لعامة السكان، قد لا يكون فعالا جدًا ضد أحدث المتغيرات. وأحيانًا تتغير الفيروسات المستخدمة في لقاح الإنفلونزا أثناء عملية التصنيع؛ وهذا يعني أن الفيروسات لا تتطابق تطابقًا جيدًا وقت قتلها وإضافتها إلى اللقاح. ونتيجة لذلك، تتراوح فعالية لقاح الإنفلونزا من 10 % إلى 60 % من سنة إلى أخرى، وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض؛ بمعنى آخر، إن الشخص الذي يتلقى لقاح الإنفلونزا لديه فرصة أقل بنسبة 10 % إلى 60 % للإصابة بالأنفلونزا من الشخص الذي لم يتلق اللقاح. وتبلغ هذه الفعالية ذروتها بعد شهر واحد من التطعيم ثم تضعف بمرور الوقت وتنخفض بنسبة 10 % تقريبًا كل شهر.
ويوضح جينكينز أنه قد تكون هناك طريقة لمواكبة هذه الطفرات السريعة. إذ يعمل بعض العلماء على إنتاج لقاح عالمي للإنفلونزا - أي لقاح من شأنه أن يعمل ضد العديد من المتغيرات المحتملة للإنفلونزا. إذ تقدم لقاحات الإنفلونزا المتوفرة حاليًا للجهاز المناعي بروتينًا مأخوذًا من سطح فيروس الإنفلونزا يُسمى «Hemagglutinin». واستجابة لذلك ينتج الجهاز المناعي أجسامًا مضادة هي بروتينات تمنع غزو مسببات الأمراض من اختطاف خلايانا، ويتم إنتاجها للتعرف على هذا البروتين المحدد واستهدافه.
إليكم المشكلة: تميل الأجسام المضادة التي ننتجها استجابةً للقاح الإنفلونزا إلى التعرف على جزء واحد فقط من الهيماغلوتينين. ويتشكل هذا البروتين إلى حد كبير مثل قطعة من البروكلي.
ويبين جينكينز «يميل جهاز المناعة إلى إنتاج أجسام مضادة ضد الجزء العلوي (كزهرة البروكلي)». ولسوء الحظ، يميل هذا الجزء العلوي، المسمى أيضًا بالرأس، إلى التحور السريع. وعلى النقيض من ذلك، فإن «ساق» البروتين لا يتغير كثيرًا - لكن الجهاز المناعي لا يهتم به كثيرًا وينتج كمية صغيرة فقط من الأجسام المضادة للساق.
ومن شأن لقاح الإنفلونزا الشامل أن يعلم الجهاز المناعي التعرف على ساق الهيماغلوتينين، بدلاً من رأسه. وفي الآونة الأخيرة، فعل العلماء ذلك بالضبط؛ فقد صمموا نسخًا حية ضعيفة من الإنفلونزا للحصول على ما أطلقوا عليه اسم هيماغلوتينين «خيمري». وهذه النسخة من البروتين لها رؤوس غير عادية لا تحفز جهاز المناعة فلا يشتت الرأس بعد الآن، فيما يقوم الجهاز المناعي بإنتاج المزيد من الأجسام المضادة استجابةً للساق.
واختتمت التجارب السريرية للمرحلة الأولى لهذا اللقاح الشامل في عام 2020. وشملت النتائج المنشورة في مجلة «Nature Medicine» وكان عدد المشاركين 51 مشاركًا ووجدت أن اللقاح بشكل عام كان آمنًا وأن الأفراد الذين تم تطعيمهم أنتجوا أجسامًا مضادة للساق. ومع ذلك، كانت هذه التجربة صغيرة جدًا ولم تقس معدلات الإصابة بين السكان؛ لذلك من السابق لأوانه تحديد ما إذا كانت هذه الأجسام المضادة ستوفر حماية فعلية ضد الإنفلونزا، وفق جينكينز الذي يؤكد «يمكنك بالتأكيد الحصول على أجسام مضادة لكن ليس حماية جيدة».
لنفترض أننا في النهاية نعتمد لقاحًا عالميًا. ففي أحد السيناريوهات الافتراضية غير المحتملة للغاية، يكون اللقاح فعالًا بنسبة 100 % تقريبًا ويتلقاه جميع البشر. وحتى هذا لن يكون كافيًا للقضاء على الإنفلونزا؛ ذلك لأن الإنفلونزا تصيب أنواعًا كثيرة من الحيوانات، ومن وقت لآخر تقفز من نوع مختلف إلى البشر أو العكس؛ وتسمى هذه العدوى بالتهابات حيوانية المنشأ. فمنذ أول اندلاع لإنفلونزا حيوانية المنشأ تم تسجيله عام 1958 حدد العلماء 16 نوعًا من أنواع الأنفلونزا الحيوانية المنشأ لدى البشر.
لذلك يذهب سليفكا الى ان تفشي إنفلونزا الخنازير عام 2009 كان سببه سلالة من فيروس H1N1، والتي بدت «بشكل مريب» مثل إنفلونزا 1918 القاتلة. وفي مرحلة ما قفز هذا البديل إلى الخنازير متحدًا مع فيروس إنفلونزا مختلف، ثم قفز مرة أخرى إلى البشر.
ويخلص سليفكا الى انه «لوقف انتقال العدوى، علينا تطعيم كل بطة وخنزير في وقت واحد». وخلافًا لذلك من الممكن أن تستمر الإنفلونزا وتتحول في نوع حيواني مختلف إلى أن يتعذر على جهاز المناعة البشري التعرف عليها مرة أخرى.


مقالات ذات صلة

هل يمكن تخفيض الكولسترول المرتفع دون أدوية؟

صحتك هل يمكن تخفيض الكولسترول المرتفع دون أدوية؟

هل يمكن تخفيض الكولسترول المرتفع دون أدوية؟

يعدّ الكولسترول جزءاً أساسياً من وظائف الجسم، لكنه يصبح خطيراً عند ارتفاعه عن المستوى الطبيعي؛ مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك  شعور النساء بالبرد مقارنةً بالرجال يرتبط باختلافات في تكوين الجسم ومعدل الأيض (رويترز)

لماذا تشعر النساء بالبرد أكثر من الرجال؟

كشفت دراسة علمية عن أن شعور النساء بالبرد مقارنةً بالرجال يرتبط باختلافات فسيولوجية في تكوين الجسم ومعدل الأيض.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تناول البصل مفيد لصحة القلب لأنه يسهم في خفض ضغط الدم وتقليل الكوليسترول الضار (بيكساباي)

تأثير تناول البصل على صحة القلب

تناول البصل مفيد لصحة القلب لأنه يسهم في خفض ضغط الدم، وتقليل الكوليسترول الضار، ويمتلك خصائص مضادة للالتهابات، ويحسن مرونة الأوعية الدموية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك عمى الألوان قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة (رويترز)

مشكلة بصرية شائعة قد تؤخر اكتشاف سرطان المثانة

حذّرت دراسة علمية حديثة من أن عمى الألوان، وهو اضطراب بصري شائع يصيب الرجال في الأغلب، قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة، ما يرفع خطر الوفاة المرتبطة بالمرض.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تُسوَّق مشروبات البروتين على أنها بدائل سهلة وسريعة للوجبات (بكسلز)

هل يمكن استبدال الوجبات بمشروبات البروتين ؟

استبدال مشروبات البروتين بالوجبات قد يؤثر في الجسم بطرق مختلفة، وذلك بحسب مكونات المشروب الغذائية، ومدى اختلافه عن نمطك الغذائي المعتاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.


الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
TT

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي، وفقاً لشهادة الوفاة الصادرة عن إدارة الصحة العامة في مقاطعة لوس أنجليس، والتي نشرها موقع «TMZ» أمس الاثنين.

وذكرت شهادة الوفاة أن سرطان المستقيم كان من الأسباب الكامنة للوفاة، وأن جثمانها أُحرق. وتوفيت أوهارا عن عمر 71 عاماً في 30 يناير (كانون الثاني) في منزلها بلوس أنجليس «بعد مرض لفترة قصيرة».

وفي عام 2020 فازت بجائزة «إيمي» لأفضل ممثلة كوميدية عن دورها «مويرا روز» في «شيتس كريك». كما أدّت دور والدة شخصية كولكين في فيلم «وحدي في المنزل» عام 1990، وشخصية «ديليا ديتز» في جزأين من فيلم «بيتل جوس».

وانضمت أوهارا إلى طاقم مسلسل السخرية الهوليوودي «ذا ستوديو» الذي أطلقه عام 2025 الممثل سيث روغن، مجسّدة شخصية «باتي لي»، المديرة المقالة لاستوديو أفلام في هوليوود.