شكري المبخوت: علينا أن نتحلى بالروح الرياضية في سباق الجوائز الأدبية

الكاتب التونسي لا يرى أن هناك تناقضاً بين انضباطه الأكاديمي ومغامرته الروائية

شكري المبخوت: علينا أن نتحلى بالروح الرياضية في سباق الجوائز الأدبية
TT

شكري المبخوت: علينا أن نتحلى بالروح الرياضية في سباق الجوائز الأدبية

شكري المبخوت: علينا أن نتحلى بالروح الرياضية في سباق الجوائز الأدبية

يعدّ شكري المبخوت أحد أبرز الأسماء في المشهد الثقافي التونسي، سواء في حقل البحث العلمي الأكاديمي أو النقد الأدبي أو الإبداع السردي أو القضايا الفكرية. لفت الانتباه إليه بقوة بعد فوزه بجائزة «البوكر العربية» منذ سنوات. أعاد «اكتشاف» طه حسين قبل ثلاثين عاماً في كتابه «سيرة الغائب - سيرة الآتي»، ثم توالت أعماله الروائية، ومنها «الطلياني» و«مرآة الخاسر» و«باغندا». في هذا الحوار يكشف «المبخوت» كواليس رئاسته لجنة تحكيم جائزة «البوكر» في دورتها الأخيرة، ويعترف بأن علاقته بالقصة القصيرة أقرب ما تكون إلى نزوة، ويأمل أن يستأنف بعضاً من تجاربه السابقة في تأسيس مجلات ثقافية صادفت تعثراً لأنها قامت على الجهود التطوعية.
هنا نص الحوار:

> أصدرت أعمالاً عدة بعد رواية «الطلياني»، لكنها لم تحظَ بالبريق الذي حظيت بها تلك الرواية، ترى ما السبب؟
- السبب واضح نسبيّاً؛ فقد حظيت الرواية باهتمام كبير بسبب حصولها على «البوكر». فمن ميزات هذه الجائزة أنّها توجد حركية إعلاميّة وثقافيّة مهمّة حول الروايات في قائمتيها الطويلة والقصيرة فالرواية المتوّجة تحظى باحتفاء يندر أن نجده في جائزة أخرى حتى إن كانت أرفع منها قيمة ماليّة. ولكن البريق الذي تتحدّثين عنه رافق الرواية حتى قبل حصولها على الجائزة؛ فقد وصلت على ما أذكر إلى طبعتها الرابعة قبل الحصول على البوكر. هناك دوماً للانتشار أسباب. فلئن كان هذا الانتشار بعد الجائزة مرتبطاً بالفضول لمعرفة الرواية وتقييمها سلباً أو إيجاباً على أساس مدى جدارتها بالجائزة، فإنّ تلقّيها قبل الجائزة والمواقف النقديّة وحتى الانطباعيّة منها تدلّ على أنّ في الرواية شيئاً ما شدّ بعض القرّاء إليها. وبحسب متابعتي لما كتب من آراء متناقضة أظنّ أنّ ما شدّ القرّاء هو ما وجدوه فيها من جاذبيّة لشخصيّة «عبد الناصر الطلياني» ورفيقته «زينة»، علاوة على أنّ عالمها كان متنوّعاً؛ إذ بُني على أكثر من محور سرديّ.
> هل تحول النجاح الذي حققه هذا العمل على صعيد الجوائز والترجمة عبئاً على أعمالك التالية، بعبارة أخرى: هل تعاني من «لعنة» الطلياني؟
- لا، فما سبق وذكرتِه لا يعني بالمقابل أنّ ما كُتب عن الروايات الأخرى شهد احتفاءً أقل بها من «الطلياني»، بل إنّ البعض رأى أنّ الجزء الثاني منها المعنون بـ«مرآة الخاسر» أفضل من الجزء الأوّل. ومن القرّاء من اعتبر «باغندا» أكثر نضجاً من «الطلياني»، ووجد آخرون في «السيرة العطرة للزعيم» بأسلوبها الساخر شيئاً مختلفاً. ومن هذه الناحية لم تتحوّل «الطلياني» عبئاً لدى المتابعين المواظبين في عالم القراءة الروائية إلا لدى من يتابعون الجوائز. على كل حال، هي مواقف مختلفة متنوّعة وللقرّاء جميعاً حرّية التقييم والقبول والرفض فلا إجماع في الأدب.


شكري المبخوت

> دخولك حقل السرد الروائي جاء صاخباً من خلال فوزك بجائزة «البوكر العربية» عبر أولى أعمالك، هل كنت تفضل أن يأتي دخولك هادئاً وبسيطاً؟
- لكل كتاب مسار ومصير. ولم تشذ «الطلياني» عن هذه القاعدة. ولكن لم يكن من الثابت أنّ مثل هذا الذي وصفتِه بالدخول الهادئ والبسيط كان سيسمح بتتويج رواية أخرى من رواياتي بـ«البوكر» أو بغيرها. ففي المسألة بعض الصدفة، وأقصد بالصدفة أن «الطلياني» نجحت في حدود ما توفّر لدى لجنة التحكيم من روايات. فقيمتها ليست مطلقة وإنّما هي قيمة بالنسبة إلى مجموع الترشيحات التي كانت بين أيدي أعضاء اللجنة. وشخصياً ليست لي أوهام من هذه الناحية لأنني جرّبت التحكيم وأعرف شيئاً من حيرة لجان الجوائز وصنعهم لمعايير التتويج من خلال النصوص التي تتوفّر لديهم.
> لك مجموعة قصصية وحيدة هي «السيدة الرئيسة»، فهل علاقتك بفن القصة القصيرة «نزوة» عابرة؟
- لك أن تعتبري الأمر كذلك، مجرّد نزوة بما أنني كتبت الرواية قبل القصّة القصيرة. ولكنني شخصياً رغم كل ما يقوله النقاد لا أرى فرقاً بين القصة والرواية إلا من حيث المدى الذي تتيحه العوالم التخييليّة التي يبنيها السارد. فكلها عندي من الفنّ السردي عند الكتابة ولكنّ تدبير العالم السردي يختلف من نوع إلى آخر فقط. أمّا النقد فله أن يحدّد ما يشاء. والواقع أن لي قصصاً أخرى غير منشورة أتكاسل كلّما هممت بجمعها أو أرى أن بعضها يحتاج إلى مزيد التطوير. وأفضل وسط تشتت اهتماماتي الأدبية أن أركز على الرواية لأنها أقدر على التعبير عن القضايا التي أودّ معالجتها.
> على ذِكر البحث العلمي، ألم تتناقض خلفيتك الأكاديمية وما تتسم به من انضباط ومنهجية مع جموح المبدع بداخلك؟
- تأكّدي أنّه لا تناقض في الكتابة بصنفيها الأكاديمي والإبداعي بين الصرامة والجموح. فالرواية التي تعتبر جموحاً تقتضي كثيراً من المنهجيّة والانضباط والبناء، فكل خطأ فيها قد يكون قاتلاً، وتكمن متعتها في هذا التوتّر بين ما أسميته «جموحاً» وما اعتبره بنية وتنظيماً. وأصدقك القول أن الظاهرتين موجودتان في الكتابة الأكاديميّة أيضاً؛ فهي ليست أكثر صرامة من الرواية ولا أقلّ جموحاً من الإبداع. قد أكون مخطئاً في وصفي ولكن هذا ما أشعر به.
> تجمع بين النقد والإبداع، فهل تمنحك تلك الثنائية امتيازاً ما لا يتوافر لمن هم نقاد فقط أو مبدعون فحسب؟
- لا أدري هل المعرفة النقديّة النظريّة مزيّة في الإبداع أم هي معطّلة للاندفاع الإبداعي أو ما سميته أنتِ جموحاً. ما هو ثابت عندي أنّ الرواية تكتب من خلال ما تراكم من تجارب وخبرات ومعارف متنوّعة بالناس والنفسيات والمجتمع ومن معرفة أيضاً باللغة والأساليب ووعي بالأبنية السرديّة والتقنيات وضروب التراكيب في بناء النصوص. إذن، لنعتبر المعرفة النقديّة جزءاً مما ينطلق منه الروائي عن وعي أو دون وعي ومما يحتاج إليه ضمن معارفه الواسعة للدخول إلى عالم الكتابة السرديّة.
لكن لننتبه إلى أمرين. أولهما أن معرفتك بالقواعد في اللغة لا تعني أنك لن تخرج أبداً عن السياق، والآخر أنّ المعرفة النقدية توجد لدى الروائيين ضمنيّاً من خلال ما راكموه من تجارب قرائيّة.
> ترأست لجنة تحكيم «البوكر العربية» في دورتها الأخيرة، فكيف ترى الجدل الذي يرافق تلك الجائزة بشكل عام مع كل دورة لها؟
- في جميع الحالات هو جدل محمود في الأغلب الأعمّ، ويؤكّد الاهتمام المتزايد بالفن الروائي بفضل الديناميكية التي أحدثتها بالخصوص جائزة «البوكر» في المشهد الثقافي والإعلامي العربي. ولكن ما يؤسف له أنّ النقاشات كثيراً ما تذهب مذهباً ذاتياً محضاً ينبني على الانتماء القطري لهذا المشارك أو ذاك مثلاً، أو على ذوق هذا المتدخّل المحتج على النتيجة في حين أن الجائزة تسند بصرف النظر عن أي اعتبار عدا جودة النصّ من ناحية، وما اتفقت عليه أذواق أعضاء لجنة التحكيم ونقاشاتهم من ناحية أخرى. وبطبيعة الحال، رأي اللجنة ليس مقدّساً وهو قابل للنقد، ولكن التفكير بمنطق المؤامرة يفسد قواعد اللعبة كلّها ومن بينها احترام رأي لجنة التحكيم مثلما يحترم رأي الحكم في المباريات الرياضيّة مهما كان حظّه من الصواب والخطأ فما بالك بلجنة من خمسة أعضاء قد لا تجمع على صواب ولكنّها قد تتوافق على عمل لا يرضي بالمقارنة والمقايسة هذا القارئ أو ذاك وهذا المترشّح أو ذاك.
> تمنح الجوائز الأدبية الفائزين بها شعوراً بالسعادة، وعلى الجانب الآخر يشعر من لا يحالفهم الحظ بالمرارة وعدم التحقق، بعدما صارت الجوائز معياراً للقيمة... ما رأيك؟
- أعمال كثيرة قيّمة لا تتحصّل على الجوائز. لذلك؛ لا أرى الجائزة دوماً معياراً مطلقاً للقيمة. علينا أن نكون حذرين في هذه المسألة، وأن نتحلّى بالنزاهة الكافية والموضوعيّة اللازمة. خذي لك مثالاً نتائج «البوكر» لهذه السنة بما أنني أعرف تفاصيلها منذ المرحلة التي سبقت الإعلان عن القائمة الطويلة. فأصدقك القول إن الأعمال القيمة كانت في حدود 30 رواية. وبعد الانتقاء والاستصفاء وصلت إلى القائمة القصيرة ستّ روايات هي عندي قيّمة جدّاً، بل حصلت بالنسبة إلي على الجائزة فعليّاً بما أنّ قوانين الجائزة تمنحها مكافأة ماليّة لتميّزها. أمّا الرواية المتوّجة فهي ما بدا للجنة أنّها أكثر قيمة رغم صعوبة التفضيل أحياناً. وبالمقابل، فإنّني أتفهم حديثك عن الشعور بالمرارة لدى بعض المشاركين، ولكن المسألة عندي بسيطة فقواعد اللعبة تفترض نوعاً من الروح الرياضيّة كما في جميع المسابقات وعلى من لا يتحلّى بهذا الاستعداد أو يرى نفسه أكبر من هذه الجائزة أو تلك وسيخلّف له عدم الفوز مرارة في الحلق ألا يترشّح.
> من مؤلفاتك النقدية المبكرة «سيرة الغائب – سيرة الآتي» التي تتناول السيرة الذاتية في «الأيام» لطه حسين، ترى ما الذي استوقفك في تلك السيرة؟
- هي سيرة استوقفت كل من كتب عن السيرة الذاتية؛ لأنها مَعلم من معالم الأدب الروائي الحديث. فهي نص ولد محمّلاً بأسئلة جماليّة لا تزال قائمة علاوة على ريادته. وما قمت به هو محاولة التحليل النصّي لهذا العمل لبيان ألاعيبه الفنّيّة والبحث في أسراره من داخل النصّ لا انطلاقاً مما حفّ به. وأعتقد أنّ التحليل الذي قدّمته متأثّراً أساساً بنماذج تفسيريّة مختلفة تلتقي في اعتمادها أساساً على النصّ لا على الحواشي يحتاج إلى تطوير وإلى جهود أخرى تبرز أسراراً أخرى في كتاب «الأيّام»، فالعمل قديم نسبياً، ولا بدّ من تجاوزه بمقاربات أخرى ومناهج غير التي اعتمدتها رغم صلاحية بعض نتائجه إلى الآن في الجوانب التقنية التي صنع بها طه حسين سيرته الفذّة.
> أخيراً، قمت بتأسيس وإدارة العديد من المجلات الثقافية الشهرية والفصلية... ماذا عن هذا الجانب في تجربتك؟
- فعلاً، كانت هذه المساعي تندرج ضمن العمل على إبراز كتابات التونسيين المتميّزة فكريّاً ومنهجيّاً ومن باب الإيمان بدور الثقافة في نحت معالم جديدة. وقد وفّر مناخ الحريّات الفرصة لمثل هذه الأعمال التي أردناها طليعيّة. لكن صعوبات النشر والتوزيع المادّيّة وضعف ما باليد حال دون استمرار التجارب المختلفة التي كانت تقوم على التطوّع دون سند ماليّ. لذلك توقّفت وربما يعود بعضها قريبا لما لمسناه من حاجة إلى التفكير الجماعي وتطارح القضايا الحارقة في هدوء واحترام بعيداً عن الشعارات البائسة التي يرفعها السياسيون عندنا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.