الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي تعالج مرارة الأحلام بالسخرية

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
TT

الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف

تبدو رواية ميرال الطحاوي «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة مؤخراً عن دار «العين» بالقاهرة، مناسبة لتأمل علاقة الكاتب المهاجر بالمكان؛ فهو من حيث الواقع غادر عالماً كان يعرفه ولم يعد فيه، وانتقل إلى عالم هو طارئ عليه، خصوصاً من يهاجر بعد الطفولة والصبا.
بعض الكُتاب مثل أمين معلوف الذي انتقل في عمر الأربعين تقريباً إلى باريس وفيها بدأ الكتابة الأدبية، حل المعضلة باللجوء إلى التاريخ والبحث عن اللحظات التي تجمع العالمين، وكأنها محاولة ذاتية لرتق تمزقات الذات التي لم تعد في أي منهما، قبل أن تكون خياراً فنياً ومعرفياً. والبعض لجأ إلى الرواية الذهنية مثل ميلان كونديرا، حيث نلحظ اتكاءه على المعرفة في رواياته التالية لانتقاله إلى باريس، أكثر مما نلمس العوالم الصاخبة بالحياة التي ظهرت في «كتاب الضحك والنسيان» و«غراميات مرحة» اللذين كتبهما في تشيكوسلوفاكيا قبل أن ينتقل هو الآخر إلى باريس.
ورأينا بين الكتاب العرب من لم يجد وسيلة للتفاهم مع الحاضنة الجديدة ويواصل تدوير ذكرياته، مثلما فعل الكاتب المصري الراحل جميل عطية إبراهيم رغم طول إقامته في سويسرا، ورأينا من استطاع حمل البطيختين في يد واحدة، مثل هدى بركات وإنعام كجه جي، فيستجيب لعوالم الحاضنة الجديدة وللعالم الأم، ويجد ما يرويه عنهما معاً.

وتبدو ميرال الطحاوي؛ التي تُدرس اللغة والأدب العربيين في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2007، قد أضافت في روايتها الجديدة، وهي الثانية للكاتبة التي تجري أحداثها في العالم الجديد بعد «بروكلين هايتس - 2010»، أثر العالم الجديد إلى عالمها الأول الذي عُرفت به قبل الهجرة؛ عالم البدو على أطراف حياة الفلاحين في صحراء محافظة الشرقية بمصر، وإن ظلت على إخلاصها لعالمها الأول في كتب بحثية، بعد أن هجنته في عالمها السردي، حيث أصدرت بين الروايتين ثلاثة كتب تنفتح على البحث التاريخي الأدبي والسيرة الذاتية «الأنثى المقدسة أساطير المرأة في الصحراء - دار بتانة 2019»، و«بنت شيخ العربان - العين 2020» و«بعيدة برقة عن المرسال... أشعار الحب عند نساء البدو - دار المحروسة 2021».
ورغم أن «بروكلين هايتس» و«أيام الشمس المشرقة» تدوران في عالم المهاجرين، إلا أن «أيام الشمس المشرقة» تبدو مختلفة تماماً؛ حيث ينفتح السرد على اللاجئين من كل الجنسيات، وليس عالم المهاجرين في ظروف أقل قسوة. معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعيشون في مستوى من الفقر والعنف وانعدام الأمان إلى الحد الذي تسميه دراسات الاجتماع «الحياة العارية»، لكن الرواية تتسع كذلك لتشمل نماذج من أساتذة الجامعة، وليس هناك من فرق بينهم وبين العمال البسطاء؛ حيث لا تفتح الجنة الأميركية أبوابها مجاناً للغرباء والغريبات اللائي يتعرضن للانتهاك قسراً أو طوعاً من أجل البقاء.
وفي حين طالعنا في «بروكلين هايتس» عالماً من الأسى، لكن بعنف أقل، تهيمن عليه شخصيته المركزية وهي أستاذة جامعية تحاول تثبيت أقدامها في العالم الجديد، تحتل شخصيات «أيام الشمس المشرقة» مساحات شبه متساوية في السرد، وكلها مرسومة بعناية، في ملامحها الجسدية والنفسية، يلاحقها السرد إلى ماضيها في بلادها الأصلية عبر موجات من الاستعادات.
يكاد القارئ لا يلحظ وجود الكاتبة بنفسها داخل الرواية، وهذا اختلاف آخر بين «أيام الشمس المشرقة» وبين كل رواياتها ابتداءً من روايتها الأولى «الخباء - 1996»، وتختلف كذلك من حيث اللغة التي تتميز بمستوى عالٍ من الجرأة، مفعمة بالحيوية من خلال المهارة في الانتقال بين لغة الراوي الخفي التي تقوم على المجاز والصور الشعرية، وبين لغات الشخصيات الخشنة بما يتناسب وتكوينها النفسي والثقافي. تنزل هذه اللغة إلى مستويات من الجرأة لا نلمسها في أي من روايات ميرال الطحاوي الأخرى.
تبدأ الرواية بمشهد رؤية «نِعَم الخباز» لابنها ممداً في دمائه، بينما يبدو على الحائط أثر الرصاصة التي اخترقت دماغه. بعد ذلك سنعرف أن إطلاق النار يتم في هذه المدينة بسبب وبدون سبب وفي أي مكان.
«الشمس المشرقة» مدينة حدودية شبه ساحلية مهجورة، كانت في السابق مقراً لعمال مناجم نحاس نضبت فتركها العمال مخلفين وراءهم بيوتاً بسيطة. يصلها المهاجرون الذين لم يبتلعهم البحر أو تبتلعهم الصحراء، وفي نية كل منهم أنها محطة للاستراحة قبل أن ينطلقوا منها إلى مدن أحلامهم، لكن كثيرين منهم مصيرهم بهذه المدينة التي تمنحهم بؤساً يضاهي بؤسهم في بلادهم التي فروا منها. لا شيء مشرق في هذه المدينة سوى الأسماء الفخمة التي لا تُكلف مالاً.
مدينة بهذا البؤس تحمل اسماً بهذا الإشراق، فلا بد أن تحمل ضاحيتها الغنية اسم «الجنة الأبدية» والمرأة التي تقود ثلاث أو أربع عاملات لتنظيف البيوت أو قتل الحشرات تسمي مجموعتها «شركة» تحمل اسماً طويلاً فخماً، يبدو في تضاد ساخر مع الحقيقة. حتى الموت في تلك المدينة لم يفلت من استراتيجية التسمية الساخرة، فقد حملت المقبرة اسماً يزين الموت «حديقة الأرواح»! وهي في الحقيقة شواهد قبور مغمورة بشواهد صغيرة تكاد لا تلحظها العين على ربوة عشبية بلا سياج، يتساوى فيها الموتى ولا يكترثون لأصولهم المختلفة.
وكما تكذب المدينة في أسمائها؛ فكل سكانها يكذبون فيها بشأن ماضيهم الذي هربوا منه، ويرسلون إلى أوطانهم بكذب آخر بشأن حاضرهم!
يدعي الكثير منهم أنهم حصلوا على الشهادات العليا في بلادهم، ثم ينسون تلك الأكاذيب الصغيرة بعد أن يكتشفوا أنها لا تقدم ولا تؤخر في تحديد هوياتهم المحتملة. أبو عبد القادر أحد هؤلاء. له سمت وقور، ويدعي أنه يحمل درجة الدكتوراه في الفقه والدراسات القرآنية، وأنه ذات يوم كان أستاذاً للشريعة في جامعة إسلامية، لكنه ليس بحاجة إلى كل هذا الادعاء؛ فهو مجرد إمام لمسجد صغير ملحق بالمقابر، ومهمته الأساسية تغسيل الموتى المسلمين وإقامة صلاة الجنازة على أرواحهم. لكن لديه عمل آخر يبدو أكثر نفعاً للأحياء حيث يمارس التصوير ويتقن العمل على برامج تركيب الصور.
يطلب خدمات «أبو عبد القادر» أولئك الذين يريدون إرسال صور إلى ذويهم في البلاد الأم بخلفيات تؤكد ثراءهم وتحققهم جالسين خلف مكاتب فخمة أو داخل فيلا أنيقة أو واقفين في حدائق وارفة.
يمارس «أبو عبد القادر» مهمته في تزييف الحاضر بسرية وتفهم مثلما يُكفن الموتى، فيظهر البؤساء من خدم البيوت ومزاولي الأعمال الهامشية في صور أطباء ناجحين ورجال أعمال وأزواج سعداء، يستخدم في ذلك خلفيات من مكاتب وبنايات فخمة، كما يستدعي المقابر للشهادة الزور؛ حيث تصلح التدرجات اللونية لأحراشها دليلاً على الطبيعة السخية لعالم الأحلام الأميركي، وهو خبير في تصوير رابية الموت من بعيد وبزوايا محددة تضمن عدم انكشاف حقيقتها كمقبرة.
ورغم كل الأسى؛ فالحلم الأميركي لم يتحول إلى كذبة مطلقة. يظل الثراء ممكناً لقلة دفعت الثمن أو رفعها الحظ، تسكن ضواحي غنية نشأت على التلال حول «الشمس المشرقة»، وأصبح بوسع سكان المدينة البائسة أن ينظروا إلى السماء ليتأملوا الفروق المعمارية بين منتجعات بالغ كل منها في اسمه: يتأملون الحافة الشرقية التي تطل منها «جنة عدن» و«تلال الجنة»، ثم يتحولون إلى الحافة الغربية، حيث يطل منتجع «وادي الجنة الأبدية»، وبالقرب منه منتجع «نسمات الجنة».
تنتهي الرواية بمركب مهاجرين جدد يحمل بدوره اسماً ساخراً (عين الحياة) يجبره حرس الحدود على العودة بحمولته من البشر، ويستدير المركب تاركاً فرق الإنقاذ أمام مشهد لم يتوقعه أحد: سبعة أجساد صغيرة تطفو في سترات النجاة الصفراء وقد بدت مثل بالونات يتقاذفها المد والجزر، وصار الأطفال السبعة مادة لانقسام الإعلام خارج «الشمس المحرقة»؛ البعض منه يدين حرس الحدود أخلاقياً لأنه مارس العنف ضد «عين الحياة»، وأعاد أبرياء إلى بيئات خطرة فروا منها، والبعض أدان الأمهات اللائي تخلين عن أطفالهن، بينما كان شعب «الشمس المشرقة» يركض لملاحقة الكوارث الموسمية المتلاحقة.
وإذا كانت الرواية قد بدأت بجثة طازجة، فقد انتهت بالعثور على أخرى لامرأة مختفية؛ إذ ظهرت جثة «ميمي دوج» إلى جانب جثث كلاب بحر نافقة على الشاطئ، لكن لا يبدو أن «الشمس المشرقة» ستتوقف عن النمو أو استقبال المزيد من المتطلعين لفرصة عمل في الجنات المتناثرة فوق التلال على مشارفها.

 

 

مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«المواطن أسامة»... الحرب بعين مَن يعيشها

«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)
«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)
TT

«المواطن أسامة»... الحرب بعين مَن يعيشها

«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)
«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)

في قلب الحرب، حين تتحوَّل المدن إلى خرائط للدمار، وتُختزل حياة البشر في أرقام الضحايا وصور القصف والنزوح، يختار المخرج الفلسطيني أحمد حسونة، في فيلمه الوثائقي «المواطن أسامة»، الذي رشَّحته فلسطين لتمثيلها في «الأوسكار»، الاقتراب من غزة من زاوية أكثر حميمية، عبر إنسان يعيش الحرب ويوثِّقها في الوقت نفسه.

«أسامة» ليس صحافياً يقف خارج الحدث ليرصده، وإنما أب وزوج ومواطن وجد نفسه مضطراً إلى إدارة حياته اليومية وسط الخوف والجوع والنزوح والدمار، بالتوازي مع محاولته أداء مهمّته في تسجيل ما يحدث. ومن خلال هذا القرب، يحوِّل الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «فينيسيا السينمائي»، الحرب من مشهد واسع إلى تجربة شخصية، فيصبح البحث عن الحليب والطعام والدواء، والخوف على طفل حديث الولادة، ومحاولة حماية الأسرة، وجوهاً أخرى لمعنى البقاء.

ولا يتعامل «المواطن أسامة» مع الحرب على أنها حدث عسكري فقط، وإنما يبحث في الطريقة التي تدخل بها إلى التفاصيل الأكثر عادية في حياة الإنسان، فتغيّر علاقته بأسرته وجسده والمكان والمستقبل. ولأن «أسامة» صحافي يحمل كاميرا، يضع الفيلم المشاهد أمام مفارقة أساسية؛ فالرجل الذي يسجّل معاناة الآخرين يعيش المعاناة نفسها، والذي يُفترَض أن يكون شاهداً على الحرب يصبح أحد موضوعاتها. وفي لحظة أخرى، تصبح الكاميرا نفسها موضوعاً للتصوير، حين يصوِّر حسونة «أسامة» بينما يصوِّر «أسامة» الحرب، فتلتقي شهادتان بصريتان من داخل التجربة نفسها.

المخرج الفلسطيني أحمد حسونة يصوّر الأب والصحافي في مواجهة الحرب (الشرق الأوسط)

ويقول المخرج الفلسطيني أحمد حسونة، الموجود في قطاع غزة، في مقابلة هاتفية مع «الشرق الأوسط»، إن اختياره «أسامة» لم يكن قائماً على كونه صحافياً فحسب، وإنما لأنه يمثّل نموذجاً للإنسان الفلسطيني الذي يعيش الحرب من داخلها. فهو يؤدّي عمله الصحافي، وفي الوقت نفسه أب وزوج ومواطن يواجه الأسئلة نفسها التي تواجهها آلاف العائلات: كيف يجد الطعام؟ كيف يحمي أسرته؟ ماذا يفعل عندما يحتاج طفله إلى شيء لا يستطيع الوصول إليه؟ وكيف يستمرّ في حياته عندما يصبح المكان نفسه مهدداً؟

ومن خلال هذه التركيبة، أراد حسونة الانتقال من الصورة التقليدية التي تقدِّم الفلسطيني ضحيةً في خبر عاجل، إلى صورة أكثر تركيباً لإنسان له مسؤوليات ومشاعر وأحلام، يجد نفسه مضطراً إلى ممارسة حياته الطبيعية في ظروف غير طبيعية.

وكانت ولادة طفل «أسامة» خلال الحرب نقطة التحوّل الأساسية في رؤية حسونة للفيلم، «لأنها جعلت الحرب أكثر قرباً من الجسد والعائلة، ولم يعد الأمر متعلّقاً فقط بتوثيق القصف أو الدمار، وإنما أصبح مرتبطاً بأسئلة يومية شديدة البساطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل في زمن الحرب إلى أسئلة وجودية. الطعام يصبح قضية، والحليب يصبح معركة، والمرض يصبح تهديداً، وحماية طفل صغير تصبح مسؤولية تفوق قدرة الأب»، وفق تعبيره.

ومن هنا اختار المخرج الفلسطيني أن تصبح الأبوّة مدخلاً لفهم الحرب نفسها، لأنّ ما يفعله العنف في حياة الناس لا يظهر فقط في الأبنية المُدمَّرة، وإنما أيضاً في الطريقة التي يعيد بها تشكيل علاقتهم بأطفالهم وأُسرهم ومستقبلهم. ولهذا يتراجع الصحافي في شخصية «أسامة» أحياناً أمام الأب. فالمخرج، كما يؤكد، كان مهتمّاً برصد الصراع بين واجبين متناقضين: واجب الرجل الذي يعرف أن عليه البقاء في الميدان ليصوّر ويوثّق، وواجبه تجاه أسرته التي تحتاج إلى وجوده وحمايته.

ولم تكن صناعة الفيلم نفسها منفصلةً عن هذا الواقع. ويوضح حسونة أن «الفكرة بدأت في مرحلة متقدِّمة من الحرب، في الوقت الذي كان فيه هو و(أسامة) من بين القلائل الذين استمرّوا في العمل الصحافي والتوثيقي. ومع ازدياد المخاطر التي تحيط بالصحافيين، بدأ التصوير يتّجه نحو الحياة الخاصة لـ(أسامة)، خصوصاً بعد أن أصبح أباً».

ووفق قوله: «لم يكن هناك سيناريو محدّد يمكن تنفيذه وفق خطّة مسبقة، لأن الحرب كانت أسرع من أيّ تصور درامي، وكانت الوقائع اليومية تعيد تشكيل الفيلم باستمرار. لذلك أصبحت الحياة نفسها هي التي تحدّد مسار العمل، وكلّ مرحلة جديدة من الحرب كانت تفرض على الفيلم سؤالاً جديداً وشكلاً جديداً للنظر إلى الشخصية».

ويؤكد حسونة أن «المواطن أسامة» فيلم وثائقي بالكامل، وأن الاختلاف البصري فيه لم يكن محاولة لمنحه شكلاً روائياً، وإنما نتيجة مباشرة لطريقة التصوير وسط أحداث الحرب. وعندما لم يكن المخرج موجوداً، كان «أسامة» يصوّر نفسه وحياته اليومية، وأصبحت هذه المواد جزءاً من البناء النهائي للفيلم. لذلك، لا ينفصل الشكل المتغيّر للصورة عن مضمون العمل، لأنّ الحرب نفسها لم تكن تجربة مستقرّة أو ذات شكل واحد، وإنما كانت واقعاً متقطعاً تتغير فيه الظروف من يوم إلى آخر.

«المواطن أسامة» خلال عرضه في «فينيسيا السينمائي» (إدارة المهرجان)

وتكتسب مسألة التصوير بُعداً أخلاقياً بالغ التعقيد، إذ لم يكن حسونة يصوّر حرباً بعيدة عنه، وإنما يعيشها في المكان نفسه. لذلك كان عليه أن يضع حدوداً واضحة لما يمكن تصويره، لا سيما ما يتعلّق بأسرة «أسامة» والأشخاص الذين يعيشون لحظات شديدة القسوة.

ويكشف المخرج عن أنّ الكاميرا أصبحت، في مرحلة ما، عبئاً ثقيلاً عليه شخصياً، خصوصاً بعد مقتل شقيقه خلال الحرب، ممّا دفعه إلى الابتعاد عن التصوير لمدة شهرين. لكنه عاد بعد ذلك إلى الكاميرا، لأنه رأى أن ما يحدث يجب ألا يختفي من الذاكرة. وهنا يتجاوز التوثيق حدود الممارسة المهنية، ليصبح محاولة لمقاومة النسيان ورصد خرائط الدمار.

وفي هذا السياق، يرفض حسونة الفصل بين المعاناة الإنسانية والسياق السياسي والعسكري للحرب. فبالنسبة إليه، لا يمكن النظر إلى الجوع والنزوح والدمار والقتل على أنها أحداث منفصلة عن الواقع الذي أنتجها. فالسياسة تُحرّك الجانب العسكري، والجانب العسكري يُغيّر حياة الإنسان، ولذلك يحمل كلّ تفصيل يومي في الفيلم آثار واقع أكبر منه.


«القصص» يحمل حكاية مصر إلى سباق «الأوسكار»

أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
TT

«القصص» يحمل حكاية مصر إلى سباق «الأوسكار»

أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)

أعلنت نقابة المهن السينمائية اختيار فيلم «القصص» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في منافسات الدورة الـ99 من جوائز «الأوسكار» لعام 2027، ضمن فئة أفضل فيلم دولي غير ناطق بالإنجليزية، وذلك عبر تصويت جرى الخميس بين أعضاء اللجنة التي تضم صنّاع أفلام ونقاداً برئاسة نقيب المهن السينمائية مسعد فودة.

وجاء اختيار «القصص» من بين 37 فيلماً عُرضت في دُور السينما المصرية من أول أكتوبر (تشرين الأول) 2025 حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2026.

ومرَّ التصويت على مرحلتين؛ إذ تصدَّر «القصص» الاختيارات في المرحلة الأولى، وحصل على 22 صوتاً من بين 9 أفلام. كما فاز في المرحلة الثانية التي ضمّت قائمة قصيرة من 4 أفلام، بعدما حصد 14 صوتاً، ليحسم النتيجة لمصلحته، فيما حصل «دخل الربيع يضحك» على 9 أصوات، و«كولونيا» على 4 أصوات، و«المستعمرة» على صوتَين.

ويُعدّ «القصص» ثاني فيلم يُختار للمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي والمنتج محمد حفظي، بعد فيلمهما الأول «يوم الدين»، الذي مثَّل مصر في سباق «الأوسكار» عام 2018.

وبدأ «القصص» رحلته في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، خلال دورته الخامسة، ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ولاقى عرضه اهتماماً لافتاً بحضور أبطاله. وحاز الفيلم جوائز مهمّة، من بينها «التانيت الذهبي» لأفضل فيلم في مهرجان «قرطاج السينمائي».

الفيلم من بطولة أمير المصري، ونيللي كريم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، إلى جانب كريم قاسم، وأحمد كمال، وشريف الدسوقي، وخالد مختار، وأحمد الأزعر. وصُوّرت مشاهده بين مصر والنمسا.

أبطال الفيلم في لقطة بالأبيض والأسود (الشركة المنتجة)

واستلهم مخرجه أبو بكر شوقي الفيلم من قصة الحبّ التي جمعت والده المصري ووالدته النمساوية، لينطلق منها إلى حكايات عائلة مصرية عاشت زمن التحوّلات الكبرى، من هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973، وصولاً إلى ثمانينات القرن الماضي. وكان العنوان الأول للفيلم «صيف 67»، قبل أن يستقر المخرج على «القصص»، إذ يروي من خلاله حكايات عائلة تتقاطع مع أحداث تاريخية واجتماعية شهدتها مصر.

الفيلم من إنتاج «فيلم كلينك» لمحمد حفظي، و«سينينوفو»، و«لاجون»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها»، وقد حاز دعم «صندوق البحر الأحمر»، و«المعهد السينمائي النمساوي»، و«صندوق فيينا السينمائي».

وعبَّر المنتج محمد حفظي عن سعادته باختيار الفيلم لتمثيل مصر في منافسات «الأوسكار» المقبلة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «جذبني بشدة منذ كان مشروعاً يكتبه أبو بكر شوقي، الذي أحب التعامل معه. وهذه هي المرة الثانية التي نصل فيها إلى منافسات (الأوسكار) بعد فيلمنا الأول (يوم الدين). وقد سعدت بهذا التتويج للفيلم الذي بذل فيه فريق العمل، من فنانين وفنيين، جهداً كبيراً، وهو إنتاج مشترك يمثّل دولاً عدّة، وأسعدني أن مصر هي التي اختارته لتمثيلها»، مؤكداً أن مشوار «الأوسكار» صعب وطويل، ومتمنّياً أن يحظى فيلم مصري بالوصول إلى القائمة القصيرة أو الترشيحات الرسمية.

وتدور أحداث «القصص» حول عائلة تضم الأب، أحمد كمال، والأم، نيللي كريم، و3 أولاد. ويتعلّق الابن الأكبر «أحمد»، الذي يؤدي دوره أمير المصري، بالموسيقى ويهوى العزف على البيانو. ويستعيد الفيلم زمن الخطابات البريدية، إذ يتراسل أحمد مع فتاة نمساوية تُدعى إليزابيث، ويسافر إليها لدراسة الموسيقى، ويرتبط بها بعلاقة حبّ. لكنه يعود إلى مصر مع استشهاد شقيقه التوأم في «حرب 67»، فتلحق به إليزابيث إلى بلده ويتزوّجان، في ظل أحداث سياسية واجتماعية عدّة شهدتها مصر. ويمزج بين لقطات أرشيفية لأحداث سياسية، كما يقدّم عرضاً متشابكاً للأغنيات المصرية في مرحلة الحرب وحتى زمن الانفتاح الاقتصادي.

فيلم «القصص» يتناول حكايات عائلية (الملصق الدعائي)

ووفق الناقد أحمد سعد الدين، عضو لجنة اختيار فيلم «الأوسكار»، فإن «القصص» تصدّر الاختيارات في المرّتَين. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الفيلم يلامس قضايا عدّة، مثل الهجرة وتأثير الحرب والهزيمة على المجتمع المصري، مقدّماً تشريحاً إنسانياً لعائلة مصرية وكيف واجهت تلك السنوات الصعبة من تاريخ مصر». كما يلفت سعد الدين إلى أن «أغلب الأفلام التي أُنتجت خلال العام يغلب عليها الطابع التجاري، وهي لا تصلح لمنافسات عالمية مثل (الأوسكار)»، وفق تعبيره.

وكان الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح قد اختير ضمن القائمة الأولية، وحاز بعض الأصوات، لكن استُبعِد من القائمة القصيرة بعدما تبيَّن أنه إنتاج فرنسي وليس مصرياً. وكشف بيان نقابة المهن السينمائية أن عبد المسيح أرسل رسالة صوتية إلى اللجنة يدعم فيها اختيار فيلم «القصص»، مشيراً إلى أنه سيسعى إلى تقديم فيلم مصري ليكون ضمن الأفلام المرشحة لـ«الأوسكار» في المرات المقبلة.

وكان رئيس مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» وأحد أعضاء اللجنة، المخرج سيد فؤاد، قد لفت في كلمته خلال الاجتماع إلى أن السينما المصرية تمرّ بمرحلة عصيبة، وقال: «لقد كشف عنها عدد الأفلام القليل ومستواها الذي ينم عن تراجع لم تشهده صناعة السينما في جميع سنواتها باستثناء مرحلة (كوفيد-19)»، مطالباً بأن تُراعى في الإنتاج المقبل أهمية دعم الصناعة، لأنها تعكس صورة السينما المصرية في الداخل والخارج.


إيرل سبنسر يكشف... هذا ما عرضته الملكة إليزابيث يوم جنازة الأميرة ديانا

ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن -  4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)
ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن - 4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)
TT

إيرل سبنسر يكشف... هذا ما عرضته الملكة إليزابيث يوم جنازة الأميرة ديانا

ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن -  4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)
ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن - 4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)

كشف إيرل سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، أن الملكة الراحلة إليزابيث عرضت إعادة لقب «صاحبة السمو الملكي» (HRH) إلى شقيقته في يوم جنازتها، وفق ما نشرت صحيفة «إندبندنت».

وكتب إيرل سبنسر في مذكراته التي أثارت ضجة، أنه بعد ساعات قليلة فقط من إلقائه تأبين شقيقته ديانا خلال جنازتها، أشار إليه روبرت فيلوز، السكرتير الخاص للملكة إليزابيث، وطلب منه الاقتراب، ثم عرض إعادة ألقاب «صاحبة السمو الملكي» إلى أميرة ويلز الراحلة.

وفي وقت لاحق، تساءل الإيرل عما إذا كان محقاً في رفض العرض، لكنه قال إنه شعر بأن «اللقب ما كان ينبغي أن يُسحب منها خلال حياتها، وفي هذه الحالة لم يكن من الضروري عرضه عليها بعد وفاتها».

وهذا هو أحدث إعلان يكشف عنه في مذكراته «Swan Song: Diary, My Sister»، التي نشرتها صحيفة «ديلي ميل» على شكل حلقات.

وفي ردّه على التصريحات الأخيرة، قال قصر باكنغهام إن الملك يدرك أن «الحزن يمكن أن يحجب المنطق»، فيما التزم أفراد العائلة المالكة الصمت حيال التصريحات الواردة في كتاب إيرل سبنسر.

ولم يعلّق الملك تشارلز، والأمير ويليام، والأميرة كاثرين على هذه الادعاءات أثناء قيامهم بارتباطات ملكية يوم الخميس.

كما لم يدلِ الأمير هاري بأي تعليق على كتاب خاله، وما يتضمَّنه من تأملات بشأن موقف والده من وفاة والدته، عندما سأله صحافيون عن الكتاب أثناء حضوره حفل توزيع جوائز «إنفيكتوس سبيريت» الافتتاحية في لندن.