العنف السياسي يحاصر لبنان... واستيعابه بانتخاب رئيس وسطي

البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)
البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)
TT

العنف السياسي يحاصر لبنان... واستيعابه بانتخاب رئيس وسطي

البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)
البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)

يدخل لبنان في مرحلة جديدة من العنف السياسي مع توقيف النائب البطريركي مطران القدس والأراضي الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية، موسى الحاج، والتحقيق معه، وتكاد تكون الأعنف منذ سنوات، وتتلازم هذه المرة مع اقتراب المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جمهورية جديد في ظروف محلية وخارجية تختلف عن الظروف التي كانت وراء انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في ضوء إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن بعدم إخلاء منطقة الشرق الأوسط لروسيا والصين وإيران؛ ما يعني أنه يوجّه رسالة لمحور الممانعة بأن الطريق ليست معبّدة أمامه لإطباق سيطرته على عدد من الدول، ومن بينها لبنان.
فدخول لبنان في مرحلة أكثر عنفاً بالمفهوم السياسي للكلمة غير المرحلة التي سبقت توقيف المطران الماروني والتحقيق معه، يعني حكماً أن هذه المرحلة ستكون حاضرة بامتياز في معركة انتخاب رئيس جمهورية جديد، ويمكن أن تدفع باتجاه البحث عن رئيس تسوية يتموضع خارج الاصطفاف السياسي ولا ينتمي إلى أي محور سياسي له امتداداته الخارجية، ويكون مقبولاً عربياً ولا ينجرّ إلى صدام مع المجتمع الدولي.
وبكلام آخر، فإن الوضع اللبناني لم يعد يحتمل المجيء برئيس خلفاً للرئيس ميشال عون يمكن أن يشكّل، كما يقول مصدر سياسي بارز لـ«الشرق الأوسط»، تهديداً لهذا الفريق أو ذاك ويستحضر مجدداً حالة الانزلاق التي أدّت إلى تدحرج البلد نحو الانهيار الشامل بسبب انحياز عون إلى محور سياسي معين كان من نتائجه تصدّع العلاقات اللبنانية - العربية واختفاء لبنان من على شاشة رادار الاهتمام الدولي بعد أن تخلى عن دوره الحيادي وتحوّل إلى منصة لإطلاق الرسائل السياسية لمصلحة محور الممانعة الذي يتصدّره حالياً «حزب الله» بالنيابة عن إيران.
ويلفت المصدر السياسي إلى أنه من المبالغة تكبير دور النظام السوري في لبنان وتقديمه على أنه في أحسن حالاته، ويقول بأن «حزب الله» هو من تولى ملء الفراغ فور خروج الجيش السوري من لبنان في أبريل (نيسان) 2005، أي بعد أقل من شهرين على اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.
ويؤكد بأن النظام السوري لم يعد في عداد اللاعبين الكبار في لبنان بعد أن تحولت سوريا إلى ملعب للقوى الكبرى والإقليمية، وإلا هل يعقل تغييبه عن القمة الثلاثية التي شاركت فيها روسيا وتركيا وإيران وأُدرج على جدول أعمالها بحث الوضع في سوريا بغياب صاحب الأرض؟
ويرى بأن الظروف السياسية والأمنية التي كانت وراء انتخاب عون رئيساً للجمهورية لم تعد قائمة، ولا يمكن أن تنسحب على انتخاب رئيس الجمهورية العتيد، ويعزو السبب إلى جملة من الاعتبارات والمعطيات، أبرزها أن «حزب الله» الحليف لعون يفتقد إلى القدرات الذاتية التي أتاحت له في السابق تعطيل جلسات انتخاب الرئيس لأكثر من عامين ونصف العام، ولم يفرج عنها إلا بعدما تأكد أن البرلمان سينتخبه رئيساً.
كما أن الظروف المعيشية والاقتصادية، بحسب المصدر نفسه، التي رافقت انتخاب عون كانت مواتية بخلاف ما هو حاصل اليوم، في الوقت الذي يمر فيه البلد في تأزّم غير مسبوق مع تدهور سعر صرف العملة الوطنية وبدء نفاد الاحتياطي بالعملة الصعبة لدى مصرف لبنان في موازاة الكوارث التي أصابت القطاع المصرفي.
ناهيك عن أن «حزب الله» يفتقد حالياً وحلفاؤه إلى الأكثرية النيابية التي أتاحت له في السابق التحكم بأصول اللعبة التي تلازمت مع توصّل عون قبل انتخابه إلى تسوية مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري من جهة وإلى اتفاق معراب مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، على رغم أن هذين الاتفاقين لم يعمّرا طويلاً وتساقط الواحد منهما تلو الآخر؛ ما أدى إلى ارتفاع منسوب التأزّم السياسي والاقتصادي.
لذلك؛ فإن «حزب الله» ليس في وارد أن يقحم نفسه في مغامرة سياسية دونها صعوبات وعواقب وخيمة إذا ما أراد أن يعيد الكرّة هذه المرة بفرض رئيس جديد في ظل تبدّل موازين القوى بداخل البرلمان، خصوصاً في حال أنه انطلق في حساباته من أن الأكثرية النيابية التي انتخبت نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي لولاية سابعة وتعامل معها على أنها تتيح له فرض مرشحه للرئاسة مع أنها جاءت متواضعة وبقيت تحت سقف نصف عدد النواب زائداً واحداً.
وفي هذا السياق، يستبعد مصدر شيعي يواكب عن كثب الأجواء السائدة بداخل «حزب الله» إصرار أمينه العام حسن نصر الله على تكرار السيناريو الذي كان وراء انتخاب عون رئيساً، ويقول بأن الحزب لن يغامر برصيده في الداخل ويدخل في مواجهة مع المجتمع الدولي في حال خوضه المعركة الرئاسية بحسابات أصبحت من الماضي، إضافة إلى أنه لا يحتمل ما يترتب عليها من تكلفة اقتصادية ومالية في حين البلد يقف على مشارف الانهيار الشامل.
ويقول المصدر الشيعي لـ«الشرق الأوسط»، إن «حزب الله» لا يزال حالياً في طور مقاربته للملف الرئاسي، وهذا ما ينطبق أيضاً على الرئيس بري، ويؤكد بأن نصر الله يدير هذا الملف شخصياً بالتشاور مع رئيس البرلمان، ولم ينتهِ حتى الساعة من مقاربته له لينتقل لاحقاً لغربلة أسماء المرشحين.
ويجزم بأن رعاية نصر الله للقاء غسل القلوب بين رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل وبين زعيم تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية بقي في حدود تنقية الأجواء بين الحليفين اللدودين، ولم يتطرق لا من قريب أو بعيد للملف الرئاسي، ويكشف عن أن فرنجية كان صريحاً للغاية في عرضه بالتفصيل أبرز المحطات السياسية التي كانت وراء تدهور علاقته بعون وباسيل من دون أن يعفي الأخير من مسؤوليته المباشرة حيال رعايته حملات التحريض على «المردة» من ناحية ومسؤوليته في إخفاق عون عن تحقيق ما تعهد به.
ويتعامل المصدر نفسه مع المواقف النارية التي صدرت أخيراً عن باسيل بأنها تأتي في إطار استعداده للقاء آخر يجمعه بفرنجية برعاية نصر الله يفترض أن يخصص للبحث في الانتخابات الرئاسية، وإن كان لن يعقد على عجل، ويتوقف توقيت انعقاده على جلاء الصورة النهائية للحراك الجاري على المستويين الإقليمي والدولي لارتباطهما بالوضع الداخلي، ويؤكد بأنه وضع دفتر شروطه على فرنجية في حال تقرر دعم ترشيحه للرئاسة.
لكنه يستبعد تجاوب فرنجية مع شروطه التي يتوخى من خلالها لعب دور أساسي في المرحلة السياسية المقبلة إذا ما انتخب فرنجية على غرار الدور الذي يلعبه حالياً بموافقة عون.
وعليه، فإن الانتخابات الرئاسية تتصل مباشرة بالحراك الدائر في المنطقة، ولا يمكن عزلها عن التأثيرات الدولية والإقليمية التي تحبّذ التفاهم بين القوى السياسية للمجيء برئيس لا يشكّل تحدّياً لأحد، خصوصاً أن تنفيس مرحلة العنف السياسي واستيعابها لن يسلك طريقه إلا بانتخاب رئيس وسطي، وإلا فإن البلد ذاهب إلى مزيد من الاحتقان.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

إسرائيل تتشدد ميدانياً في لبنان... وتبادر تفاوضياً

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تتشدد ميدانياً في لبنان... وتبادر تفاوضياً

دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر غارات إسرائيلية على منطقة المنصوري في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تشددت إسرائيل ميدانياً في جنوب لبنان، وبادرت تفاوضياً عبر إعلانها الإفراج عن 5 أسرى لبنانيين مدنيين، في خطوة من شأنها أن تمهد لتحديد موعد لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية وعودة بيروت إلى طاولة التفاوض في روما. وبدأت عملية الإفراج بتسليم الشاب مالك كمال غازي (20 عاماً)، أمس (الخميس)، على أن تستكمل اليوم (الجمعة)، في وقت تتواصل فيه الاتصالات الأميركية ـ الإسرائيلية تمهيداً للجولة المقبلة، وسط مساعٍ لإبقاء المسار التفاوضي قائماً.

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن «عودة أي لبناني محرر إلى وطنه تشكّل خطوة مهمة لمعالجة هذا الملف»، فيما قالت مصادر وزارية إن الإفراج عن الأسرى جاء نتيجة ضغط أميركي، لا سيما الحثّ على تقديم خطوة إيجابية قبل موعد المفاوضات.

في موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي مجدداً تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفعات «علي الطاهر» فوق الأرض وتحتها. وقال إن قواته طهّرت المنطقة من عناصر «حزب الله»، حيث قُتل بعضهم، فيما فرّ آخرون.

وصرحت المتحدثة باسم الجيش إيلا واوية أن قوات الفرقة 36 «عملت خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر الواقعة ضمن المنطقة الأمنية».


الكونغو الديمقراطية ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
TT

الكونغو الديمقراطية ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي (مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي)

أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، أنها ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس، لتنضم إلى دول منها الولايات المتحدة، اتخذت هذه الخطوة الرمزية الداعمة للسيادة الإسرائيلية على المدينة المتنازع عليها.

وعقب زيارة قام بها الرئيس فيليكس-أنطوان تشيسيكيدي، أعلن الجانبان في بيان أنهما سيتخذان خطوات من أجل «نقل سفارة جمهورية الكونغو الديمقراطية من تل أبيب إلى القدس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

دخلت إسرائيل في أزمة مياه متفاقمة، نتيجة للتلوث، وقد ظهرت هذه الأزمة قبل أسبوعين، عندما كُشف عن أن مدينة عسقلان (أشكلون) الجنوبية ومنطقتها تشرب مياهاً ملوثة بمجاري قطاع غزة، من جراء تدمير البنى التحتية.

وتسبب قصف الجيش الإسرائيلي على الشوارع والمرافق الحيوية والبنى التحتية بغزة في خلق فوضى جعلت مياه المجاري تتدفق من القطاع بلا انضباط نحو البحر الأبيض المتوسط، ومن هناك نقلتها الأمواج شمالاً، وتسربت إلى محطات تحلية المياه الإسرائيلية.

لكن تحقيقات إسرائيلية أظهرت، قبل أيام، أن عسقلان ليس الوحيدة التي تشرب مياهاً ملوثة، بل إن نصف سكان إسرائيل تعرضوا للأمر نفسه.

ووفق إفادات محلية إسرائيلية، أدى التلوث البحري الاستثنائي إلى تعطيل شبه كامل لمنظومة تحلية المياه في إسرائيل، بعد ارتفاع حاد في عكارة مياه البحر. وتوقفت خمس محطات تحلية مياه ممتدة على طول ساحل البحر المتوسط عن العمل؛ أسدود، وشورك أ، وشورك بـوبلماحيم، وعسقلان، فيما واصلت محطة التحلية في الخضيرة وفي الجليل الغربي وفي إيلات عملها بصورة طبيعية، وفق المعطيات الواردة.

نازحون فلسطينيون يرفعون حاويات فارغة للتعبير عن النقص الحاد في المياه خلال مظاهرة بخان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وأدى توقف معظم منشآت التحلية إلى نقص في كميات المياه المحلاة، التي يشربها 88 في المائة من سكان إسرائيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات في إمدادات المياه في مناطق مختلفة من البلاد، وإلى شح شديد في مياه الري.

وتبين أن نحو نصف السكان في إسرائيل الذين يعتمدون على تحلية المياه في المحطات الجنوبية يعانون من تلوث، وربما وصل الأمر إلى مواقع في الضفة الغربية والأردن، تشرب مياهاً محلاة من إسرائيل.

وأعلنت بلديات الجنوب في بئر السبع، وعسقلان وأسدود وغيرها عن أعطال في إمدادات المياه وانخفاض في ضغط المياه في عدد من الأحياء، ودعت السلطات السكان إلى التعامل مع الوضع وفق التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، في وقت تعمل فيه الجهات المسؤولة على ضمان استمرار إمدادات المياه للمنازل.

تداعيات كبيرة في الزراعة

وبموجب تعليمات إدارة المياه في حالات الطوارئ، بدأت السلطات المحلية بتقليص كبير في ري المساحات الخضراء العامة والاستخدامات البلدية للمياه. وتتركز التداعيات الكبرى في القطاع الزراعي؛ إذ تلقى مزارعون في أنحاء البلاد، للمرة الأولى منذ سنوات، إخطاراً بشأن تقليص شامل في حصص المياه أو وقف الإمدادات بصورة كاملة. ومن المتوقع أن يؤدي تقليص المياه المخصصة للزراعة إلى أضرار كبيرة بالمحاصيل، في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة.

وأكدت سلطة المياه أن الأولوية الأساسية في هذه المرحلة تتمثل في ضمان إمدادات المياه للمنازل، موضحة أن المشكلات الموضعية التي قد تظهر في مناطق مختلفة ستخضع لمعالجة سريعة بهدف إعادة الإمدادات إلى انتظامها.

وفي أعقاب المطالبة بإقالته، قال وزير الطاقة والبنية التحتية، إيلي كوهين، المسؤول عن سلطة المياه وكل شؤون الطاقة، إن ما يحدث «ظاهرة طبيعية لم نشهد مثلها خلال السنوات العشرين الماضية». وأضاف أن السلطات تعمل على زيادة وتيرة ضخ المياه من الآبار ومن بحيرة طبريا، كما صودق على تشغيل محطتي تحلية إضافيتين تحت مراقبة دقيقة.

وأوضح كوهين أن «أولوية الدرجة الأولى هي توفير المياه للسكان»، مشيراً إلى أن الجهات المختصة تدرس حلولاً تتيح إعادة إمدادات المياه إلى المزارعين في أقرب وقت ممكن.

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

وفي موازاة جهود معالجة الأزمة، حذرت منظمة «آدم طيفع ودين» من أن الوضع الحالي يكشف، بحسب رأيها، عن إخفاقات استراتيجية في التخطيط لإدارة مصادر المياه. وقال خبراء في المنظمة إن السياسة التي تعتمد بصورة شبه حصرية على تحلية مياه البحر «خطيرة وخاطئة»؛ لأنها لا تأخذ في الاعتبار مخاطر محتملة، من بينها تلوث مياه البحر وتعطل منشآت التحلية.

وأضافت المنظمة أن «مرونة منظومة المياه في إسرائيل هي أمنها»، مؤكدة أنه لا يمكن الاعتماد على مصدر واحد للمياه. وانتقدت ما وصفته بإهمال مخزونات الطوارئ الطبيعية، مشيرة إلى إغلاق آبار لمياه الشرب بسبب التلوث من دون إعادة تأهيلها.

وكانت وسائل الإعلام قد وضعت هذا الموضوع على رأس اهتماماتها، طيلة يومي الثلاثاء والأربعاء، فكشف عدة خبراء عن أن هناك غطرسة إسرائيلية تقليدية قادت إلى هذه الأزمة. فمنذ أن بدأت إسرائيل مشاريع تحلية مياه البحر وهي تعاني من ظاهرة تدفق الطحالب من مياه النيل في مصر، ولذلك لا يجوز لها أن تفشل في معالجة مياه المجاري من غزة.