العنف السياسي يحاصر لبنان... واستيعابه بانتخاب رئيس وسطي

البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)
البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)
TT

العنف السياسي يحاصر لبنان... واستيعابه بانتخاب رئيس وسطي

البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)
البطريرك الراعي مستقبلاً المطران الحاج بعد حادثة توقيفه (البطريركية المارونية)

يدخل لبنان في مرحلة جديدة من العنف السياسي مع توقيف النائب البطريركي مطران القدس والأراضي الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية، موسى الحاج، والتحقيق معه، وتكاد تكون الأعنف منذ سنوات، وتتلازم هذه المرة مع اقتراب المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جمهورية جديد في ظروف محلية وخارجية تختلف عن الظروف التي كانت وراء انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في ضوء إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن بعدم إخلاء منطقة الشرق الأوسط لروسيا والصين وإيران؛ ما يعني أنه يوجّه رسالة لمحور الممانعة بأن الطريق ليست معبّدة أمامه لإطباق سيطرته على عدد من الدول، ومن بينها لبنان.
فدخول لبنان في مرحلة أكثر عنفاً بالمفهوم السياسي للكلمة غير المرحلة التي سبقت توقيف المطران الماروني والتحقيق معه، يعني حكماً أن هذه المرحلة ستكون حاضرة بامتياز في معركة انتخاب رئيس جمهورية جديد، ويمكن أن تدفع باتجاه البحث عن رئيس تسوية يتموضع خارج الاصطفاف السياسي ولا ينتمي إلى أي محور سياسي له امتداداته الخارجية، ويكون مقبولاً عربياً ولا ينجرّ إلى صدام مع المجتمع الدولي.
وبكلام آخر، فإن الوضع اللبناني لم يعد يحتمل المجيء برئيس خلفاً للرئيس ميشال عون يمكن أن يشكّل، كما يقول مصدر سياسي بارز لـ«الشرق الأوسط»، تهديداً لهذا الفريق أو ذاك ويستحضر مجدداً حالة الانزلاق التي أدّت إلى تدحرج البلد نحو الانهيار الشامل بسبب انحياز عون إلى محور سياسي معين كان من نتائجه تصدّع العلاقات اللبنانية - العربية واختفاء لبنان من على شاشة رادار الاهتمام الدولي بعد أن تخلى عن دوره الحيادي وتحوّل إلى منصة لإطلاق الرسائل السياسية لمصلحة محور الممانعة الذي يتصدّره حالياً «حزب الله» بالنيابة عن إيران.
ويلفت المصدر السياسي إلى أنه من المبالغة تكبير دور النظام السوري في لبنان وتقديمه على أنه في أحسن حالاته، ويقول بأن «حزب الله» هو من تولى ملء الفراغ فور خروج الجيش السوري من لبنان في أبريل (نيسان) 2005، أي بعد أقل من شهرين على اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.
ويؤكد بأن النظام السوري لم يعد في عداد اللاعبين الكبار في لبنان بعد أن تحولت سوريا إلى ملعب للقوى الكبرى والإقليمية، وإلا هل يعقل تغييبه عن القمة الثلاثية التي شاركت فيها روسيا وتركيا وإيران وأُدرج على جدول أعمالها بحث الوضع في سوريا بغياب صاحب الأرض؟
ويرى بأن الظروف السياسية والأمنية التي كانت وراء انتخاب عون رئيساً للجمهورية لم تعد قائمة، ولا يمكن أن تنسحب على انتخاب رئيس الجمهورية العتيد، ويعزو السبب إلى جملة من الاعتبارات والمعطيات، أبرزها أن «حزب الله» الحليف لعون يفتقد إلى القدرات الذاتية التي أتاحت له في السابق تعطيل جلسات انتخاب الرئيس لأكثر من عامين ونصف العام، ولم يفرج عنها إلا بعدما تأكد أن البرلمان سينتخبه رئيساً.
كما أن الظروف المعيشية والاقتصادية، بحسب المصدر نفسه، التي رافقت انتخاب عون كانت مواتية بخلاف ما هو حاصل اليوم، في الوقت الذي يمر فيه البلد في تأزّم غير مسبوق مع تدهور سعر صرف العملة الوطنية وبدء نفاد الاحتياطي بالعملة الصعبة لدى مصرف لبنان في موازاة الكوارث التي أصابت القطاع المصرفي.
ناهيك عن أن «حزب الله» يفتقد حالياً وحلفاؤه إلى الأكثرية النيابية التي أتاحت له في السابق التحكم بأصول اللعبة التي تلازمت مع توصّل عون قبل انتخابه إلى تسوية مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري من جهة وإلى اتفاق معراب مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، على رغم أن هذين الاتفاقين لم يعمّرا طويلاً وتساقط الواحد منهما تلو الآخر؛ ما أدى إلى ارتفاع منسوب التأزّم السياسي والاقتصادي.
لذلك؛ فإن «حزب الله» ليس في وارد أن يقحم نفسه في مغامرة سياسية دونها صعوبات وعواقب وخيمة إذا ما أراد أن يعيد الكرّة هذه المرة بفرض رئيس جديد في ظل تبدّل موازين القوى بداخل البرلمان، خصوصاً في حال أنه انطلق في حساباته من أن الأكثرية النيابية التي انتخبت نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي لولاية سابعة وتعامل معها على أنها تتيح له فرض مرشحه للرئاسة مع أنها جاءت متواضعة وبقيت تحت سقف نصف عدد النواب زائداً واحداً.
وفي هذا السياق، يستبعد مصدر شيعي يواكب عن كثب الأجواء السائدة بداخل «حزب الله» إصرار أمينه العام حسن نصر الله على تكرار السيناريو الذي كان وراء انتخاب عون رئيساً، ويقول بأن الحزب لن يغامر برصيده في الداخل ويدخل في مواجهة مع المجتمع الدولي في حال خوضه المعركة الرئاسية بحسابات أصبحت من الماضي، إضافة إلى أنه لا يحتمل ما يترتب عليها من تكلفة اقتصادية ومالية في حين البلد يقف على مشارف الانهيار الشامل.
ويقول المصدر الشيعي لـ«الشرق الأوسط»، إن «حزب الله» لا يزال حالياً في طور مقاربته للملف الرئاسي، وهذا ما ينطبق أيضاً على الرئيس بري، ويؤكد بأن نصر الله يدير هذا الملف شخصياً بالتشاور مع رئيس البرلمان، ولم ينتهِ حتى الساعة من مقاربته له لينتقل لاحقاً لغربلة أسماء المرشحين.
ويجزم بأن رعاية نصر الله للقاء غسل القلوب بين رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل وبين زعيم تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية بقي في حدود تنقية الأجواء بين الحليفين اللدودين، ولم يتطرق لا من قريب أو بعيد للملف الرئاسي، ويكشف عن أن فرنجية كان صريحاً للغاية في عرضه بالتفصيل أبرز المحطات السياسية التي كانت وراء تدهور علاقته بعون وباسيل من دون أن يعفي الأخير من مسؤوليته المباشرة حيال رعايته حملات التحريض على «المردة» من ناحية ومسؤوليته في إخفاق عون عن تحقيق ما تعهد به.
ويتعامل المصدر نفسه مع المواقف النارية التي صدرت أخيراً عن باسيل بأنها تأتي في إطار استعداده للقاء آخر يجمعه بفرنجية برعاية نصر الله يفترض أن يخصص للبحث في الانتخابات الرئاسية، وإن كان لن يعقد على عجل، ويتوقف توقيت انعقاده على جلاء الصورة النهائية للحراك الجاري على المستويين الإقليمي والدولي لارتباطهما بالوضع الداخلي، ويؤكد بأنه وضع دفتر شروطه على فرنجية في حال تقرر دعم ترشيحه للرئاسة.
لكنه يستبعد تجاوب فرنجية مع شروطه التي يتوخى من خلالها لعب دور أساسي في المرحلة السياسية المقبلة إذا ما انتخب فرنجية على غرار الدور الذي يلعبه حالياً بموافقة عون.
وعليه، فإن الانتخابات الرئاسية تتصل مباشرة بالحراك الدائر في المنطقة، ولا يمكن عزلها عن التأثيرات الدولية والإقليمية التي تحبّذ التفاهم بين القوى السياسية للمجيء برئيس لا يشكّل تحدّياً لأحد، خصوصاً أن تنفيس مرحلة العنف السياسي واستيعابها لن يسلك طريقه إلا بانتخاب رئيس وسطي، وإلا فإن البلد ذاهب إلى مزيد من الاحتقان.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«خطة إسرائيلية» تعزز المخاوف من حرب جديدة في لبنان

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان في شهر سبتمبر الماضي (رويترز)
آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان في شهر سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

«خطة إسرائيلية» تعزز المخاوف من حرب جديدة في لبنان

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان في شهر سبتمبر الماضي (رويترز)
آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان في شهر سبتمبر الماضي (رويترز)

تتصاعد المخاوف في لبنان من اندلاع حرب جديدة، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوتر الإقليمي، بعدما كشفت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وانخراط «حزب الله» في المواجهة.

وحسب الصحيفة، تأخذ إسرائيل احتمال مشاركة الحزب في أي مواجهة مقبلة على محمل الجد، رغم تقديرها أن وضعه العسكري ليس جيداً، ولذلك تستعد لاستخدام «قوة نارية كثيفة للغاية».

في موازاة ذلك، بدأت مخاوف الحرب تنعكس على حياة سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يبحث عدد من الأهالي عن مساكن بديلة. ويأتي ذلك في إطار التحسب لنزوح محتمل في ظل مخاوف التصعيد.


الفلول و«داعش» ودول مارقة... من المستفيد من استهداف مصفاة حمص؟

الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يتفقد مصفاة حمص سبتمبر الماضي (موقع المصفاة)
الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يتفقد مصفاة حمص سبتمبر الماضي (موقع المصفاة)
TT

الفلول و«داعش» ودول مارقة... من المستفيد من استهداف مصفاة حمص؟

الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يتفقد مصفاة حمص سبتمبر الماضي (موقع المصفاة)
الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يتفقد مصفاة حمص سبتمبر الماضي (موقع المصفاة)

بينما أعلنت مصادر في جهاز الاستخبارات العامة السورية إحباط مخطط إرهابي كان يستهدف مصفاة حمص النفطية وسط البلاد، قال خبير أمني لـ«الشرق الأوسط» إن محاولة استهداف منشأة حيوية تهدف إلى إضعاف أي سلطة قائمة، والاحتمالات الأقوى تشير إلى تنظيم «داعش»،

ولم تكشف الأجهزة الأمنية السورية بعد عن التفاصيل المتعلقة بطبيعة الهجوم المخطط له، أو الجهات أو التنظيمات التي تقف وراء هذه المحاولة.

وكانت وزارة الطاقة السورية قد حذرت، السبت، من الاعتداءات التي تطول قطاع الطاقة، لافتة إلى أهمية حماية خطوط النفط والغاز لتأمين استمرارية إمدادات الكهرباء، وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد، وفق ما نقلته وكالة الأنباء «سانا».

وتُعد مصفاة حمص التي أنشئت عام 1959 عصب الاقتصاد السوري؛ لدورها الأساسي في تأمين احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية.

مدخل الشركة العامة لمصفاة حمص (موقع المصفاة)

لكن من المستفيد من استهداف محطة تكرير توفر مشتقات النفط للمواطن السوري خصوصاً في مقتبل موسم الشتاء تحديداً؟ يرى الباحث السياسي عباس شريفة أن هناك أطرافاً، أولها فلول نظام الأسد، تحاول خلق أزمة طاقة في سوريا من خلال استهداف المصافي والأنابيب والآبار؛ لما لذلك من انعكاس على أزمة الطاقة في سوريا في ظل عدم انتظام سلاسل التوريد، وهو ما يعني دفع الناس إلى الاحتجاج والتأثير في شرعية الحكومة السورية.

شريفة أشار أيضاً إلى أطراف إقليمية على رأسها أذرع إيران منزعجة من طرح سوريا كبديل لمضيق هرمز، خصوصاً بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي لسوريا قبل أيام والاتفاق على زيادة حجم التصدير عبر الأراضي السورية ليصل إلى 2 مليون برميل عبر ميناء بانياس.

وتعد البنية التحتية النفطية جزء من حرب اقتصادية تهدف إلى إضعاف أي سلطة قائمة وحرمانها من الإيرادات، وفق ما قاله الخبير الأمني ضياء قدور في إفادته لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن لتنظيم «داعش» سجلاً طويلاً في استهداف البنية التحتية النفطية، وقد وثقت تقارير عدة خلال العام الحالي هجمات وخلايا نشطة للتنظيم في مناطق مختلفة من سوريا، بما في ذلك استهداف خطوط نفط وغاز وحراس منشآت.

وبحسب أرقام وزارة الطاقة، تعرضت خطوط النفط في سوريا إلى 22 اعتداءً إثر حوادث تخريب وسرقة، منذ بداية العام الحالي.

ويرى الخبير الأمني ضياء قدور أنه «بعد سقوط النظام السابق، يبدو أن «داعش» يحاول استغلال الفترة الحالية ليضرب الدولة الجديدة في مفاصلها الاقتصادية والأمنية، وهذا يتسق مع نمط عملياته السابقة والحالية»، مضيفاً أن «داعش» يسعى إلى «جعل دمشق تجثو على ركبتيها دون أن يطلق رصاصة واحدة من خلال شن حرب اقتصادية متصاعدة».

لقاء الشرع - الزيدي بحضور وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية السوريين ومن الجانب العراقي نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصاد ووزراء الخارجية والمالية والنفط والعدل وعدد من المسؤولين (الرئاسة السورية)

ورغم قوة هذا الاحتمال، فإن هناك احتمالات أخرى مطروحة في ظل التوتر الحاصل في المنطقة، وأزمة مضيق هرمز، حيث تتجه الاحتمالات أيضاً إلى مصلحة إيرانية في ضرب مساعي دمشق لتحويل سوريا إلى ممر بديل.

يقول الخبير قدور إن هذه الفرضية واردة؛ لأن «طهران لا ترغب في وجود بدائل فعالة لمضيق هرمز تقلل من نفوذها في التحكم بمسارات الطاقة، وأي مشروع يجعل سوريا والعراق أقل اعتماداً على المضيق قد يُنظر إليه كتهديد لمصالحها».

غير أن الإعلان الرسمي يتحدث عن «مخطط إرهابي»، وهو وصف يُستخدم عادة مع الجماعات المتطرفة مثل «داعش» أكثر مما يُستخدم مع عمليات دولة مارقة كإيران، كما أن عدم الكشف عن تفاصيل يجعل من الصعب الجزم، وفق قدور الذي لم يستبعد احتمال لجوء إيران الى «أساليب غير مباشرة عبر وكلاء أو خلايا، لكن الدليل العلني حالياً يميل أكثر نحو الفاعل الإرهابي المحلي أو العابر للحدود الذي ينشط داخل سوريا».

مصفاة حمص (سانا)

الاحتمالات الأخرى موجودة أيضاً، مثل بقايا فلول أو جماعات محلية متضررة من الترتيبات الجديدة، أو حتى محاولات تخريب مرتبطة بالفساد أو السرقة.

لكن يبقى الترجيح الأقوى في هذه المرحلة هو أن «المخطط يندرج ضمن سلسلة محاولات (داعش) لضرب الاقتصاد السوري الجديد، وإفشال جهود الاستقرار، وإعادة الإعمار».

أما الرسالة الأوسع، إن وُجدت، «فقد تكون مزدوجة وهي تحذير من أن المنشآت الحيوية لا تزال عرضة للخطر رغم التقدم الأمني السوري، وفي الوقت نفسه تأكيد على قدرة الأجهزة الجديدة على الإحباط المسبق، وهو ما يعزز صورة الدولة في مرحلة بناء الثقة»، وفق قدور الذي أشار إلى أن الوضع الأمني في سوريا «عموماً» لم يصل الى «مرحلة الاستقرار التام في بعض المناطق، وأي استهداف ناجح لمصفاة نفطية سيترك أثراً كبيراً في إمدادات الوقود المحلية وفي الطموحات الإقليمية المتعلقة بالممرات البديلة».

ويختتم كلامه بالتأكيد على أن «الإحباط» في حد ذاته إيجابي، لكنه يذكر بأن التهديدات مستمرة، وتحتاج إلى يقظة دائمة، خصوصاً مع ارتباط المصفاة بمشاريع عابرة للحدود قد تثير حساسيات إقليمية.

وتخضع مصفاة حمص منذ الشهر الماضي إلى عملية إعادة تأهيل وصيانة لوحدة التقطير الجوي «10»، بطاقة تصميمية تصل إلى مليون طن من النفط الخام سنوياً. وتهدف أعمال الصيانة إلى رفع قدرة مصفاة حمص على إنتاج وتأمين المشتقات النفطية الأساسية كـ المازوت، والفيول، والكيروسين للسوق المحلية؛ ما يجعل المنشأة مركزاً حيوياً لمواجهة الأزمات التي يتعرض لها قطاع المحروقات المحلي.


سوريا تعلن تفكيك خلية لـ«داعش» نفّذت عمليات اغتيال

انضمت سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في العام الماضي (رويترز)
انضمت سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في العام الماضي (رويترز)
TT

سوريا تعلن تفكيك خلية لـ«داعش» نفّذت عمليات اغتيال

انضمت سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في العام الماضي (رويترز)
انضمت سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في العام الماضي (رويترز)

أعلنت قوى الأمن الداخلي في سوريا، اليوم الأحد، توقيف شخصين في شرق البلاد ينتميان إلى تنظيم «داعش»، قائلة إنهما متهمان بتنفيذ عمليات اغتيال آخرها بحقّ عنصر في وزارة الدفاع.

وذكرت قوى الأمن الداخلي، في بيان، أن جهاز الاستخبارات العامة بالتعاون معها ألقى القبض في دير الزور على «خلية تابعة لتنظيم (داعش) الإرهابي مؤلفة من شخصين إثر متابعة استخباراتية دقيقة».

وأوضحت أن التحقيقات بينت تورّط الموقوفين «بتنفيذ سلسلة عمليات اغتيال في المحافظة كان آخرها استهداف العنصر في وزارة الدفاع إبراهيم الجاسم بطلق ناري بالقرب من جامع الرشيد في مدينة الميادين».

وقالت إنها صادرت أسلحة وذخائر كانت بحوزة الرجلين.

ومنذ وصولها إلى الحكم، تعلن السلطات السورية التي أطاحت بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بصورة متكرّرة توقيف قياديين أو عناصر في تنظيم «داعش».

في العام الماضي، انضمت سوريا إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش».

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عن توقيف قيادي في التنظيم اتهمته بالمسؤولية عن تفجير مسجد في حي ذي غالبية علوية في مدينة حمص في ديسمبر الماضي.

وفي سبتمبر (أيلول)، أعلنت سوريا تفكيك خلية تابعة للتنظيم كانت تخطط لهجمات.

وبعد سيطرته عام 2014 على مساحات شاسعة في سوريا والعراق، مُني تنظيم «داعش» بهزيمة ميدانية في سوريا عام 2019، لكن خلايا تابعة له لا تزال تنشط فيها، ولا سيما في البادية.

ولا يزال التنظيم يتبنّى بين الحين والآخر هجمات تستهدف بشكل خاص قوات الأمن السورية.

وبحسب تقرير رفعه الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026، احتفظ التنظيم «بما يصل إلى 3000 مقاتل» في 2026.

وأورد التقرير أن التنظيم أعطى أولوية «لعمليات الكر والفر ضد مواقع دينية وسياسية وعسكرية» في سوريا، مشيراً إلى إحباط عدة «مؤامرات» استهدفت رئيس البلاد أحمد الشرع ومسؤولين، بينها «مؤامرة» استهدفت الرئيس مطلع عام 2026.