تحديات على أجندة «القمة العربية» في الجزائر

في ظل غياب التوافق حول عودة سوريا

القادة العرب خلال مشاركتهم في قمة تونس 2019 (رئاسة الجمهورية المصرية)
القادة العرب خلال مشاركتهم في قمة تونس 2019 (رئاسة الجمهورية المصرية)
TT

تحديات على أجندة «القمة العربية» في الجزائر

القادة العرب خلال مشاركتهم في قمة تونس 2019 (رئاسة الجمهورية المصرية)
القادة العرب خلال مشاركتهم في قمة تونس 2019 (رئاسة الجمهورية المصرية)

بينما تتواصل الجهود الدبلوماسية لعقد جلسات الدورة 31 لاجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة في الجزائر، مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يبدو أن الوصول إلى توافق عربي حول بعض القضايا الخلافية بات يشكل تحدياً رئيسياً على أجندة القادة العرب، الذين لم يجتمعوا على مستوى القمة في إطار الجامعة العربية منذ 3 سنوات، بسبب تداعيات جائحة «كوفيد - 19»، علماً أن آخر قمة عربية عُقدت في تونس عام 2019.
المسألة لا تتعلق فقط بقضايا من المفترض طرحها على أجندة اجتماعات القمة العربية المقبلة، بل بمسائل ينبغي التوصل لحل بشأنها قبل انعقاد القمة، وأهمها مسألة عودة سوريا إلى الجامعة، حيث تصر الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة على دعوة دمشق، وهو ما أكده عبد الحميد عبداوي، المدير العام للاتصال والإعلام بوزارة الخارجية الجزائرية، في تصريحات صحافية الأحد، بقوله إن «بلاده ستطرح مجدداً دعوة سوريا إلى المشاركة في القمة العربية المقبلة، وذلك خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، المقرر في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل»، في المقابل قال السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، في تصريحات تلفزيونية، إنه «لا يوجد وقت محدد يمكن إعلانه عن عودة سوريا للجامعة العربية، حيث إنه ليس أمراً بعيداً، ولكنه ليس قريباً أيضاً، فالأمر لم يحسم بعد، ولا يمكن تحديد إطار زمني له».
بدوره، أوضح المستشار جمال رشدي، المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تتابع التفاعلات الخاصة بموضوع حضور سوريا للقمة المقبلة، وهو الأمر الذي يتطلب توافقاً عربياً»، مشيراً إلى أنه «حتى الآن لم يتحقق التوافق على الوجه المطلوب، فهناك دول ترحب بعودتها، وأطراف أخرى تحركت مواقفها قليلاً، لكن التوافق الكامل لم يحدث بعد».
وتعتبر «معضلة التوافق حول عودة سوريا إلى الجامعة العربية إحدى أهم القضايا الخلافية الحالية»، بحسب الدكتور محمد عز العرب، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي يوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الشهور الماضية شهدت مشاورات مستمرة في هذا الإطار، وما زال التوافق بعيد المنال بين دول داعمة لعودتها ودول رافضة».
وعلقت الجامعة العربية عضوية سوريا اعتباراً من 16 نوفمبر 2011 «لحين التزام الحكومة السورية بتنفيذ تعهداتها لحل الأزمة في سوريا وفقاً لخطة العمل العربية»، وعلى مدار السنوات الأخيرة أثيرت قضية عودة سوريا لشغل مقعدها في الجامعة، لكن التصريحات الرسمية كانت دائماً تتحدث عن أن «الأمر مرتبط بإعادة النظر في أسباب تجميد عضويتها»، وتجدد الحديث عن الموضوع مع إصرار الجزائر على دعوة سوريا، وحديث بعض المراقبين الجزائريين عن أن «السبب وراء تأجيل القمة العربية وعدم عقدها في موعدها في مارس (آذار) الماضي يرجع إلى محاولة التوافق على عودة سوريا».
لكن رشدي يرفض هذا الطرح، ويقول إن «أسباب التأجيل متعددة، من بينها الظروف المعقدة المرتبطة بالجائحة، وسوريا ليست من بين أسباب التأجيل»، معرباً عن أمله في أن «يتم عقد القمة في موعدها، لأن عدم انعقادها بعد 3 سنوات، سيكون له تأثير سلبي على المصالح العربية بشكل عام»، مشدداً على أن «هناك حماساً وإصراراً على عقد القمة في موعدها، من كل الدول بما في ذلك الجزائر، لأنها تأخرت كثيراً».
بدوره يؤكد محمد آدم المقراني، السياسي والحقوقي الجزائري، أن «سوريا تمثل نقطة محورية في قمة الجزائر، في ظل المساعي الأخيرة لبلاده، للتوصل إلى توافق مع مختلف الدول الفاعلة في الجامعة العربية حول عودتها»، ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «بلاده، التي رفضت منذ البداية إقصاء سوريا، أكدت مؤخراً على أنها تعتبر مشاركة دمشق أحد شروط تنظيم القمة».
بينما يوضح الدكتور سعيد عكاشة، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن «موقف الجزائر من سوريا ليس مصادفة، فالجزائر تشعر بأن الدول العربية لم تنصرها، ومن ثم تستخدم سوريا لعرقلة القمة»، معرباً عن اعتقاده في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «ستتم مراجعة هذا الموقف قبيل القمة».
ويبرز الخلاف بين المغرب والجزائر على السطح، في ظل قطع العلاقات بين البلدين، منذ نهاية العام الماضي، وهو ما يثير التساؤلات حول إمكانية حضور المغرب من عدمه، ومستوى تمثيلها في القمة المقبلة، ويقول رشدي إن «الجامعة العربية تأمل ألا يكون للخلاف المؤسف بين المغرب والجزائر تداعيات سلبية على القمة بأي صورة، وخلال زيارة الأمين العام للجامعة العربية للجزائر الشهر الماضي، حصل على تطمينات من الدولة المضيفة بأن الخلاف لن يؤثر على حضور المغرب للقمة».
وتظل القضية الفلسطينية قضية رئيسية على أجندة القمم العربية المختلفة، إضافة إلى القضايا المتعلقة بالأزمات والصراعات المستمرة دخل الدول العربية، مثل قضايا اليمن وسوريا، وليبيا، والتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية العربي، إضافة إلى القضايا المتعلقة بتأثير الأزمات الدولية مثل الحرب الروسية - الأوكرانية، وتداعياتها على الأمن الغذائي والطاقة، حيث تجري مشاورات داخل أروقة الجامعة لإعداد مشروعات لتحقيق الأمن الغذائي العربي.
ويعتبر المقراني قضية التطبيع مع إسرائيل «إحدى أبرز القضايا المطروحة على أجندة القمة العربية المقبلة، إذ أكدت الجزائر تمسكها بمحور الممانعة ودعمها للفصائل الفلسطينية، في رفض أي شكل من أشكال التطبيع، إضافة إلى قلق بلاده من موجة التطبيع الأخيرة، والتي طالت المغرب، ما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية معها».
لكن عكاشة يرى أن «ملف التطبيع تراجع نسبياً بعد زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة، لتعود القضية إلى نقطة الارتكاز الرئيسية، وهي التطبيع الكامل مقابل السلام الكامل، حتى فكرة السلام الإبراهيمي ما زالت محدودة ولم يشارك فيها إلا عدد محدود من الدول».
ويتفق معه عز العرب مؤكداً أن «ملف التطبيع لم يعد ملفاً حاكماً، ويترك لكل دولة أن تسير فيه وفقاً لإرادتها»، ويقول إن «هذا الموضوع خلافي بطبعه، ولا أعتقد أن الجامعة العربية ستدخل في مناقشة قصية خلافية بهذا الشكل».
بدروه يقول رشدي إن «القمة هي فرصة جيدة لمناقشة مواقف عربية جماعية من القضايا المختلفة كالقضية الفلسطينية، وما يتعلق بالتطبيع الذي يحتاج إلى مناقشة شفافة وصريحة بين القادة العرب يكون هدفها دعم المشروع الوطني الفلسطيني في ظل التطورات الحديثة».
ولدى عكاشة نظرة متشائمة حول فاعلية القمة، ويقول إن «القمم السابقة لم تعط انطباعاً بالفاعلية والتأثير، ومن ثم لن تكون النتيجة مختلفة بحضور سوريا والمغرب أو عدمه»، مشيراً إلى أن «من بين القضايا المطروحة على جدول الأعمال قضية ليبيا، وسوريا، واليمن، وتطورات النظام الدولي في ضوء عروض التعاون من روسيا، والولايات المتحدة الأميركية، لكن القمة ليست المكان المناسب لمناقشة هذه الملفات لفقدانها للفاعلية والتأثير».
لكن عز العرب يؤكد أن «الخلافات قائمة طوال الوقت، والمشكلة تكمن في تحولها إلى صراعات، وفي قدرة الدول العربية على إدارتها لتعزيز العمل البيني، أسوة بالمؤسسات الإقليمية الشبيهة مثل الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، فعلى الدول العربية أن تتعلم من دروسها لبناء مؤسستها للعمل العربي المشترك».
ورغم كل التحديات فإن «قطار القمة قد تحرك» على حد قول رشدي، مشيراً إلى أنه «خلال زيارة الأمين العام للجزائر، الشهر الماضي، تابع التحضيرات التي تشير إلى أن القمة تسير في المسار المضبوط، وهناك استعدادات جيدة للغاية على كل المستويات، ورغبة في أن تكون القمة مختلفة ولها أثر مهم على الصعيد العربي».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.


ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)
أحد الأسواق الشعبية في مدينة تعز (أ.ف.ب)

لم يعد سكان محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) يسألون بعضهم البعض كم يكسبون من الأجور، بل كم يوماً يستطيعون الصمود قبل أن تبتلع الأسعار مداخليهم، حيث الغلاء لم يعد أزمة معيشية عابرة، بل واقع يومي يعيد تشكيل الحياة التي يرسم الحرمان تفاصيلها، خصوصاً في الأعياد.

وشهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في أسعار عدد من السلع والمستلزمات العيدية، ما دفع العديد من العائلات إلى التراجع عن مساعيها لتأمين احتياجات العيد، في حين تؤكد السلطات المحلية أنها عملت على ضبط أسعار السلع الأساسية، وسط تأثيرات الأزمات العالمية والحرب على إيران.

ويشكو سكان تعز من زيادة أسعار الملابس في أسواق المحافظة، سواء في المدينة أو في الأرياف والبلدات المتوزعة على أطرافها المترامية، عن الأسعار في المحافظات المجاورة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

يقول عبد الرحمن القليعة، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة في تعز، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار السلع الضرورية مستقرة نتيجة الرقابة الصارمة على الأسواق والمخزون السلعي، وينفي وجود فارق بينها وبين الأسعار في باقي المحافظات، معتبراً أنها في تعز أفضل، مقارنة بالوضع الخاص التي تعيشه المحافظة جراء الحصار والحرب، إلى جانب وعورة الطرق وارتفاع تكاليف النقل.

الحصار الحوثي على تعز يعقد حركة النقل والتنقل ويضاعف أسعار السلع (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن استمرار تبعات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تسبب في ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والتأمين وندرة تدفق السلع وتوقف الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يؤثر على الأسعار في عموم البلاد.

وعدّ نزوح معظم التجار والمستثمرين من المحافظة، وعودة أعداد كبيرة من السكان إليها، من أسباب تشكل عبء استهلاكي كبير، إلى جانب الكثافة السكانية التي تتميز بها المحافظة، وكل ذلك لم يدخلها في أزمات كغيرها من المحافظات الأخرى.

ولم يؤدِ تحسن العملة المحلية منذ صيف العام الماضي إلى تراجع الأسعار، إلا على نطاق محدود طبقاً لشهادات السكان والباعة.

التسوق من عدن

لم تتراجع أسعار الملابس، خصوصاً ملابس الأطفال كثيراً، برغم التحسن الذي عاشته العملة المحلية منذ نحو العام، وتتزايد الشكاوى في الأوساط التجارية من تكاليف التشغيل والجبايات والطاقة.

الباعة الجوالون في اليمن يوفرون ملابس رخيصة للمستهلكين (الشرق الأوسط)

ولجأت أماني محمد، وهي موظفة عمومية وربة منزل، إلى تحويل 100 ألف ريال يمني (65 دولاراً، حيث سعر الدولار يساوي 1558 ريالاً) إلى شقيقتها المقيمة في العاصمة المؤقتة عدن لشراء ملابس لطفليها، على أن تقوم شقيقتها بإرسالها إليها رفقة سيارات نقل الركاب، بسبب فوارق الأسعار الكبيرة بين المدينتين.

وتبين محمد لـ«الشرق الأوسط» أن ذلك المبلغ لم يكن يكفي لشراء ملابس العيد للطفلين، وهما ولد وبنت، حيث وجدت، بعد عدة جولات في أسواق المدينة، أنها ستحتاج إلى ما يوازي 100 دولار أو أكثر.

وتصل غالبية السلع المستوردة، بما فيها الملابس، عبر ميناء عدن، ويجري نقلها إلى باقي المحافظات في طرق طويلة، تمتد على جغرافيا معقدة، وتزيد ظروف الحرب والحصار الذي تفرضه الجماعة الحوثية من صعوبات النقل وتكلفته.

امرأة تتجول في أحد أسواق مدينة تعز حيث الغلاء يخنق القدرة الشرائية للسكان (أ.ف.ب)

ومنذ أشهر بدأت عدد من العائلات العودة إلى الوسيلة نفسها، حيث ينتقل العديد من أرباب وربات البيوت، خصوصاً في المناطق الجنوبية من المحافظة، إلى عدن للتسوق والعودة في اليوم نفسه أو اليوم التالي.

ويلقي غالبية التجار والباعة في تعز، وإلى جانبهم مسؤولون محليون، باللائمة على عدد من العوامل والظروف المحلية والإقليمية والدولية التي يرون أنها تسببت في رفع تكلفة وصول مختلف السلع.

واشتكى عدد من التجار في مركز المحافظة من استمرار الجبايات غير القانونية في نقاط التفتيش المنتشرة على طول الطريق بين عدن وتعز، التي لم تفلح الأوامر والتوجيهات الرسمية في إيقافها سوى على نطاق محدود.

الجبايات غير القانونية تضاعف من تكلفة السلع وتزيد الأعباء على السكان في تعز (فيسبوك)

وأقر معاذ محمد، وهو تاجر ملابس يملك محلات في عدد من محافظات البلاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بوجود فوارق كبيرة في الأسعار بين مدينتي عدن وتعز بسبب تلك الجبايات، حيث يفرض أفراد تلك النقاط مبالغ متفاوتة على كل حمولة، وهو ما يجري تحميله لاحقاً على أسعار السلع في نقاط البيع الأخيرة.

جبايات بلا رقابة

لم تجد التوجيهات الرئاسية والحكومية بإيقاف الجبايات غير القانونية في نقاط التفتيش على الطرق المؤدية من وإلى العاصمة المؤقتة عدن، طريقها للنفاذ في محافظة تعز، بعد أن تمكنت السلطات في عدد من المحافظات المجاورة من تنفيذها خلال الأسابيع الماضية.

وأقرّ مصدر أمني في مدينة التربة، الواقعة جنوب المحافظة على الطريق بين عدن وتعز، لـ«الشرق الأوسط»، باستمرار الجبايات غير القانونية برغم كل التوجيهات بإيقافها، ملمحاً إلى وجود تعقيدات كثيرة تقف أمام تنفيذ تلك التوجيهات.

مسؤولون محليون في تعز خلال جولة لتفقد إجراءات الرقابة على الأسعار (إعلام حكومي)

وطبقاً للمصدر الذي رفض الكشف عن هويته، فإن إيقاف تلك الجبايات يقتضي تعاوناً بين مختلف السلطات الأمنية والتنفيذية، مع تحسين وانتظام رواتب أفراد الأمن، إلى جانب توحيد القرار الأمني في مختلف المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية.

بالعودة إلى عبد الرحمن القليعة، المسؤول التمويني في تعز، فإن التنسيق بين مكتب الصناعة والتجارة والجهات الأمنية والعسكرية في نقاط التفتيش «ينحصر فقط في دعم وتمكين مندوبي المكتب من تفتيش البضاعة في المنافذ»، والحصول على نسخ من فواتير ملاك البضائع، حيث لا سلطة للمكتب على نقاط التفتيش.

وبعد دخول ناقلات البضائع محافظة تعز، تمر عبر أكثر من خمس نقاط تفتيش قبل وصولها إلى المدينة، وتتفاوت الجبايات المفروضة فيها بحسب حجم المركبة وحمولتها، ويقول بعض السائقين إن مزاج أفراد النقطة وأعدادهم يحدد أيضاً المبلغ الذي يفرضونه عليهم.


هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً