القهوة السعودية تخطو بتاريخها وفرادتها نحو العالمية

يتضمن مكتبة إعلامية وتصميم مسارات سياحية حول مزارع البن

رجا الحربي وميادة بنت منصور بدر يوقعان الاتفاق (الشرق الأوسط)
رجا الحربي وميادة بنت منصور بدر يوقعان الاتفاق (الشرق الأوسط)
TT

القهوة السعودية تخطو بتاريخها وفرادتها نحو العالمية

رجا الحربي وميادة بنت منصور بدر يوقعان الاتفاق (الشرق الأوسط)
رجا الحربي وميادة بنت منصور بدر يوقعان الاتفاق (الشرق الأوسط)

تزدهر الفرص الواعدة للقهوة السعودية، في العام الذي يحمل اسمها، شعاراً لمرحلة جديدة من إعادة الاستثمار في الإمكانيات المحلية، وتطويرها كمنتجات وطنية قابلة للتصدير إلى العالم، والاحتفاء بالقيم والمنظومات الثقافية المرتبطة بها.
وفي إطار المساعي الهادفة إلى الاحتفاء بالتاريخ العريق للقهوة في المملكة، أطلقت «الشركة السعودية للقهوة» تعاوناً مع «هيئة فنون الطهي»؛ لتطوير جهود التسويق لمنتجات القهوة السعودية، كمنتجات تعكس أصالة ماضي المجتمع السعودي وحاضره ومستقبله، وللاحتفاء بالتاريخ العريق للقهوة السعودية ودعم الجهود الهادفة إلى تطوير صناعتها وتمكين المواهب المحلية والارتقاء بمهاراتها.
وأعلنت الشركة التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي تهدف إلى تحويل «بن الأرابيكا» السعودي إلى منتج عالمي بامتياز، عن توقيعها أمس (الخميس)، اتفاقية تعاون مع «هيئة فنون الطهي» التي تسعى بدورها إلى الحفاظ على فنّ الطهي السعودي والترويج للمنتجات المحلية الفريدة والمتنوعة في المملكة. وقال رجا الحربي، الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للقهوة، إن الاتفاقية خطوة رئيسية لرفع وعي أفراد المجتمع برسالة «الشركة السعودية للقهوة»، وجهودها في تطوير صناعة القهوة والاحتفاء بتاريخها العريق في المملكة.
من جانبها، قالت ميادة بنت منصور بدر، الرئيسة التنفيذية لـ«هيئة فنون الطهي»، إن الاتفاقية تنسجم مع مهمة إلقاء الضوء على فنون الطهي في المجتمع السعودي وتقاليده وعاداته المتميّزة والغنية بالتنوّع، ومن شأن هذه الاتفاقية أن تعزّز تاريخنا العريق لزراعة البنّ في المملكة وترفع الوعي في منتجاتنا المحلية المتميزة على مستوى العالم.
وتركز الاتفاقية على التعاون والعمل المشتركين عبر منصّات متعددة لإعداد المحتوى، وتوثيق العادات والتقاليد المرتبطة بالقهوة في المملكة، وتطوير المكتبة الإعلامية، بما في ذلك مشاريع لإعداد الكتب والأفلام الداعمة، وتبادل المعرفة لتمكين مزارعي البنّ والخبراء من تصنيع منتجات تمتاز بمواصفات عالمية، والبحث عن جهات راعية ووضع خطط التسويق والترويج الفعلي للبنّ السعودي على نطاق واسع ورفع الوعي بـ«بُنّ الأرابيكا» كمنتج سعودي بامتياز، وتصميم مسارات سياحية حول مزارع القهوة والترويج لها، ومنح رخصة «خبير القهوة السعودية».
وتمثل «القهوة السعودية»، ملمحاً عن مشروع وطني لاستثمار اقتصادي وثقافي للقدرات المحلية، باستثمار بلغ 1.2 مليار ريال على مدى السنوات العشر المقبلة، ورفع القدرة الإنتاجية السعودية من 300 إلى 2500 طن سنوياً.
وتعتزم «الشركة السعودية للقهوة»، إبراز المملكة باعتبارها موطناً رئيسياً لـ«قهوة أرابيكا» الأشهر عالمياً، وتُزرع في المنطقة الجنوبية بالمملكة؛ إذ تشير أحدث الإحصائيات إلى أن الناتج المحلي من محصول البُنّ السعودي يتوزع في المحافظات الجبلية بمناطق جازان والباحة وعسير، بواقع نصف مليون شجرة.
ومن المتوقع أن ينمو استهلاك «قهوة أرابيكا» بنسبة 5 في المائة في السنوات المقبلة، ليصل إلى 28700 طن بحلول نهاية عام 2026؛ مما يتيح فرصاً استثمارية جاذبة يوفرها القطاع.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أرباح «تي إس إم سي» تقفز 77 % إلى مستوى قياسي بدعم طلب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة «تي إس إم سي» (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» (رويترز)
TT

أرباح «تي إس إم سي» تقفز 77 % إلى مستوى قياسي بدعم طلب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة «تي إس إم سي» (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» (رويترز)

سجلت شركة «تي إس إم سي» التايوانية، أكبر شركة في العالم لتصنيع أشباه الموصلات للغير، قفزة بلغت 77 في المائة في صافي أرباحها خلال الربع الثاني من العام، متجاوزة توقعات الأسواق، لتسجل مستوى قياسياً جديداً بدعم الطلب العالمي المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي.

وأعلنت شركة «تايوان سيميكوندكتور مانوفاكتشورينغ»، التي تضم بين عملائها شركتي «إنفيديا» و«أبل»، أن صافي أرباحها خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) ارتفع إلى 706.6 مليار دولار تايواني (نحو 21.99 مليار دولار).

وجاءت النتائج أعلى بكثير من متوسط توقعات المحللين البالغ 632.6 مليار دولار تايواني، وفق تقديرات مؤسسة «إل إس إي جي»، التي تستند إلى توقعات المحللين الأعلى دقة.

وتؤكد النتائج استمرار استفادة «تي إس إم سي» من الطفرة العالمية في الطلب على معالجات الذكاء الاصطناعي، التي عززت الإنفاق على الرقائق المتقدمة خلال العام الحالي.


«أديس» السعودية تقتنص عقداً للحفر البحري في بريطانيا بـ129 مليون دولار

رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)
رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)
TT

«أديس» السعودية تقتنص عقداً للحفر البحري في بريطانيا بـ129 مليون دولار

رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)
رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)

فازت شركة «أديس القابضة» السعودية بعقد جديد لتقديم خدمات الحفر البحري في القطاع البريطاني من منطقة بحر الشمال، بقيمة إجمالية تصل إلى نحو 129 مليون دولار (ما يعادل 483 مليون ريال).

وأوضحت الشركة، في بيان لها، اليوم، أن العقد جرى توقيعه مع شركة «نيو نيكست إنرجي» البريطانية لإنتاج واستكشاف النفط والغاز، لتشغيل منصة الحفر البحرية المرفوعة «شيلف دريلينغ فورترس».

ويتضمن العقد الجديد برنامجاً مؤكداً لحفر بئرين بمدة زمنية لا تقل عن 550 يوماً. كما يمنح الاتفاق الشركة البريطانية خياراً لتمديد العقد لفترتين إضافيتين، تغطي كل فترة منهما حفر بئر واحدة لـ275 يوماً على حدة.

ومن المتوقع أن تبدأ الأعمال التشغيلية للمنصة البحرية في بحر الشمال خلال الربع الأخير من العام الحالي؛ حيث تشمل القيمة الإجمالية للصفقة جميع رسوم التجهيز والترحيل وبدء الأعمال إلى جانب فترات التشغيل المؤكدة والاختيارية.

توسع مستمر في القارة الأوروبية

وقالت «أديس القابضة» إن الفوز بهذا العقد يعكس بوضوح معدلات الطلب القوية التي تشهدها منطقة بحر الشمال في الوقت الراهن.

ويأتي هذا الإعلان بعد فترة وجيزة من نجاح الشركة في تمديد عقد منصة أخرى تابعة لها وهي «شيلف دريلينغ وينر» العاملة في هولندا، وهو ما يدعم خطط المجموعة الاستراتيجية الرامية لتأمين عقود تشغيلية طويلة الأجل، ورفع معدلات استغلال أسطولها النفطي بما يعزز عوائد المساهمين.

وتعد «أديس القابضة» التي تتخذ من مدينة الخُبر شرق السعودية مقراً رئيسياً لها، أحد أكبر مقدمي خدمات الحفر لقطاع الطاقة دولياً؛ حيث تدير أسطولاً ضخماً يضم 81 منصة حفر بحرية مرفوعة، وتنتشر أعمالها في نحو 20 دولة حول العالم.


فيلمان لبنانيان يعودان من برلين و«كان» إلى بيروت

ماري روز أسطا تمنح الخيال مكاناً وسط الخراب (متروبوليس)
ماري روز أسطا تمنح الخيال مكاناً وسط الخراب (متروبوليس)
TT

فيلمان لبنانيان يعودان من برلين و«كان» إلى بيروت

ماري روز أسطا تمنح الخيال مكاناً وسط الخراب (متروبوليس)
ماري روز أسطا تمنح الخيال مكاناً وسط الخراب (متروبوليس)

تحمل ماري روز أسطا «الدبّ الذهبي» لأفضل فيلم قصير من مهرجان برلين السينمائي، بعد رحلة بدأت بفيلم صغير في مدّته وواسع في صداه. بهذا الإنجاز، يكتب «يوماً ما، ولد» اسمه بين أبرز الأفلام اللبنانية القصيرة التي وصلت إلى إحدى أعلى المنصات السينمائية في العالم.

وبعد أشهر على تتويجه في ألمانيا، عاد الفيلم إلى المدينة التي خرج منها. في اليوم الأخير من احتفالية «20 عاماً معاً» التي نظَّمتها سينما «متروبوليس»، احتشد الجمهور في أول عرض له في بيروت، حتى امتلأت الصالة. بدت مُخرجته مُتأثّرة وهي تلتقي جمهورها للمرّة الأولى في مدينتها. اعترفت بأنها لم تتوقَّع الإقبال، ولا أن يجد الفيلم هذا الاحتضان منذ عرضه البيروتي الأول. حملت اللحظة عودته إلى بيئته الطبيعية التي وُلدت فيها فكرته، قبل أن تعبُر الحدود وتحصد أرفع الجوائز.

فريق آمن بالحكاية قبل أن يراها العالم (متروبوليس)

وخلال مشاهدة «يوماً ما، ولد»، تحضُر عبارة كتبها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز عن السينما حين قال إنها لا تُفكر في الأشياء، وإنما تجعلها تُفكر داخلنا. تتراجع الحرب إلى الخلفيّة، رغم أنها لا تغادر الكادر، فيفتّش الفيلم في الأثر الأبطأ للعنف، حين يتوقّف الإنسان عن العيش وفق ما يرغب، ويبدأ بالعيش وفق ما يتوقّعه من الخطر.

يكتب العمل جزءاً كبيراً من مَشاهده بالصوت. فالانتظار هو أول ما تنقله الحرب إلى الناس، قبل أن تنقل إليهم خرابها. وبينما يُمهّد هدير الطائرات الطريق لِما سيحدث، يزرع داخل الزمن فجوةً يعيش الإنسان فيها مُعلّقاً بين الآن وبعد لحظات. لهذا يظلُّ الصوت آخر ما يغادر الفيلم.

تختار ماري روز أسطا الواقعية السحرية في محاولة للإمساك بعالم اختلَّت معاييره. يزداد العنف تشبُّهاً بالحياة اليومية حتى يتوقَّف الناس عن مُساءلته. يجد الخيال طريقه إلى الفيلم من هذا المدخل، فيُحرّر الواقع من اعتياده. عندها، يصبح الفتى (خالد حسن) صاحب القدرة الخارقة، الشخصية الأكثر واقعية؛ لأنه الوحيد الذي لا يزال يرى ما عجز الآخرون عن رؤيته. وحده يعلم أن ما يحدث لا يمكن أن يصبح عادياً مهما طال بقاؤه.

يلمع الفيلم حين يضع ثقله في جوزة وبيضة، كأنّ العالم يُقرَأ من خلال أصغر وحداته. حبّة الجوز تكشف تصوُّرين متناقضين للعلاقة مع الأشياء: اليد التي ترى الكِسْر طريقاً إلى الداخل، واليد التي تصل إليه من دون أن تترك ندبة. أما البيضة النيئة، فتستعيد حقّ الأشياء في ألا تكون قابلة للتوقُّع. المعنى الأبعد يبقى فيما يمتنع الفيلم عن قوله.

غير أنه يخطو أحياناً خطوة إضافية نحو التفسير. يقترب من الرمز بعدما يكون قد قال كفايته، فيخسر شيئاً من اتّساعه. الصورة حين تُترك وحدها تستمرّ في التفكير بعد انقضائها. أما حين تكشف أوراقها كاملة، فإنها تُنهي عملها عند حدود اللقطة.

ليست المشكلة في وضوح الفكرة، فالأفكار الواضحة قد تصنع سينما عظيمة. المفارقة تبدأ عندما تعرف الصورة مُسبقاً ما الذي ينبغي أن نقوله عنها. عندها، ينتقل المُتفرِّج من البحث إلى الاستقبال، بعدما يكون المعنى قد حَسَم وجهته. فيصل إلى الفكرة من دون أن يعبُر متاهتها.

ومع ذلك، يبقى الفيلم مؤمناً بأنّ السينما تملك ما تعجز عنه الحروب، أيّ إعادة الإنسانية إلى عين أنهكها الاعتياد. وحين يعود الخراب غريباً من جديد، يستعيد الإنسان شيئاً فقده منذ زمن.

العبور الأخير

وشهدت ليلة احتفالية «متروبوليس» عرض فيلم لبناني آخر عاد من مهرجان «كان». في «La Sentinelle» (الحارس)، الذي اختير ضمن «أسبوع النقاد»، يبني المخرج علي شرّي عالماً سينمائياً يتعامل مع المادة كما يتعامل مع الإنسان. فلا فرق كبيراً بين جدار يحمل آثار الزمن، وتمثال فقد جزءاً من ملامحه، وجسد أمضى سنوات وهو يتعلَّم كيف يطيع.

ينقل الفيلم مركز الثقل من الحرب إلى ما تتركه وراءها. الرقيب «لافلور» (الممثل الأرجنتيني ناهويل بيريز بيسكايارت) يحمل آثار المؤسّسة العسكرية أكثر مما يحمل بزّته. سنوات الانضباط تظهر في جسده، وفي الحركة التي فقدت عفويتها، والتعب الذي يبدو أقدم من الشخصية. يصل الفيلم إلى لحظة تصبح فيها السُّلطة أقل حضوراً في الخارج وأكثر رسوخاً في الداخل.

تخرج الثكنة مع الحارس «لافلور». لا تبقى خلفه ولا تكتفي بأن تكون مكاناً غادره. المدينة أوسع من أن تحتويه، فتتغيَّر فكرة الحرّية. والمسافة بين الإنسان وخروجه من المؤسّسة ليست دائماً المسافة نفسها بينه وبين التحرّر منها.

يمتدّ هذا التفكير إلى الجسد. علي شرّي القادم من النحت، يُصوّره كتلة تحمل آثار ما مرَّ عليها. الكتف مُنهكة والرقبة مشدودة والتعب يكتسب قيمة مختلفة. إنه الأثر الوحيد الذي تعجز المؤسّسة عن محوه؛ لأنه يكشف الإنسان المُختبئ خلف الصورة التي يُطلَب منه أن يُجسّدها.

ليس كل سجنٍ له جدران (متروبوليس)

ويبلغ الفيلم إحدى أكثر طبقاته ثراءً حين يضع هذا الجسد أمام أجساد اختارت طرائق أخرى للوجود. عندها، يتبيَّن أن صورة الرجولة التي صنعتها المؤسّسة العسكرية ليست الحقيقة الوحيدة، فتستعيد الهوية سيولتها بعد سنوات من القوالب الصلبة.

وحين يبلغ الفيلم صورته الأخيرة، تبدو المدينة كأنها تحتفل بشيء لم يعد يعني بطلها. في الأعلى، تستعرض الدولة صورتها التي صنعتها، وفي الأسفل، يمضي إنسانٌ خرج من كلّ الصور التي صِيغت له. يترك علي شرّي هذين العالمين يعبُران الشاشة بالتوازي، حتى يصبح الانفصال بينهما كاملاً. لا يبحث عن الصدمة في مشهده الأخير؛ لأنه كان يبنيه منذ البداية. كلّ ما سبقها يقود إليها. اللقطة الأخيرة ليست نهاية حكاية. إنها النهاية المنطقية لمسار طويل من الاستنزاف البطيء، حين يغدو الخروج من الدور هو الخروج الأخير الممكن.