كيف صنعت «مارفل» أزياء فيلم «ثور»؟

كريس هيمسورث وناتالي بورتمان في لقطة من «ثور: لاف آند ثاندر» (أ.ب)
كريس هيمسورث وناتالي بورتمان في لقطة من «ثور: لاف آند ثاندر» (أ.ب)
TT

كيف صنعت «مارفل» أزياء فيلم «ثور»؟

كريس هيمسورث وناتالي بورتمان في لقطة من «ثور: لاف آند ثاندر» (أ.ب)
كريس هيمسورث وناتالي بورتمان في لقطة من «ثور: لاف آند ثاندر» (أ.ب)

في شمال هوليوود يقع مبنى صامت مليء بالبدلات غريبة الشكل وخرق القماش العتيقة. المبنى أشبه بمستودع أزياء تحتفظ فيه استوديوهات تصوير «مارفل ستوديوز» بكل ما ارتداه أبطالها المعروفون على الشاشة خلال العقد ونصف الماضيين.
بالنسبة لمصممة الأزياء مايس روبيو، فإن التجول في المستودع رحلة ممتعة لأسباب ليس أقلها وجود ممر كامل يضم بقايا الملابس التي صممتها للفيلم الشهير «Thor: Ragnarok» (ثور: راغناروك) والذي يضم القسم الأكثر تنوعا في الألوان في المبنى بأكمله.
وتعليقا على غنى أعمالها بالألوان، أشارت روبيو إلى إن «إضافة الألوان إلى عالم ما لأمر بالغ الروعة. فأنا مكسيكية، وأعيش في إيطاليا، لذلك لا أخشى الألوان على الإطلاق.»
ظهرت ألوان روبيو في الجزء الثاني بعنوان «Thor: Love and Thunder» (ثور: لاف آند ثاندر) بصورة أكثر وضوحا. ففي عصر تميل فيه أزياء أبطال الأفلام الخارقين إلى التخفيف مما هي عليه في السيناريو المطبوع حيث تتجنب أفلام مثل «باتمان» اللون والضوء وتميل إلى الظلام، فقد مالت روبيو إلى الألوان البراقة اللامعة. ففي حبكة فيلم «Thor: Love and Thunder»، تقارب ثور (كريس هيمسورث) مع صديقته السابقة، جين (ناتالي بورتمان)، ليمنحها من قواه الخارقة، مما أتاح لروبيو مجالا لتسير عكس التيار وتفعل غير المألوف.
قالت إنه هذا هو تعاونها الثالث مع المخرجة تايكا وايتيتي، التي عملت معها في فيلمي «Thor: Ragnarok» و«Jojo Rabbit» الذي ترشحت من خلاله روبيو لجائزة الأوسكار. وعلقت روبيو قائلة: «لدينا معايير في «استوديوهات مارفل» حيث يأتون إليك بحزمة من التطوير البصري، والتي أحترمها كثيرا. لكن كل هذا يتغير عندما أعمل مع تايكا، في إشارة إلى تغيير نهجها.
تصحبنا روبيو في جولة بين أزياء الفيلم الجريئة. عندما شاهدنا ثورا لأول مرة في فيلم «Love and Thunder»، رأيناه وقد استبدل بدلته التقليدية الفخمة بشيء يشبه أو يزيد قليلا عما نراه في أزياء فريق موسيقى الروك أند رول وهو يقاتل الكائنات الفضائية بينما كان يرتدي سترة جلدية حمراء، وقميصا أبيض ضيقا وبنطالا من الجينز ضيقا للغاية.
في وقت لاحق، بعد مواجهة جين حبيبته السابقة وهي ترتدي بذلة خاصة بها، يستخدم ثور واحدة من قدراته غير المعروفة ولكنها مفيدة - قدرته على تغيير نفسه في الحال - واستدعاء بذلة جديدة ملونة أشبه بالدروع جلبها من الفراغ، بتفاصيل جريئة باللونين الأزرق والذهبي.

ملابس شخصيات فيلم «ثور: لاف آند ثاندر» صممت بحيث تخفي أنظمة للتبريد لتحمي الممثلين (أ.ب)

وصفتها روبيو بأنها «لامعة للغاية، ولا توجد كلمة أخرى لوصفه يرتديها. فهو أشبه بسيارة براقة للغاية تسير أمامك».
أحكمت قبضتها على مطرقة ثور الغامضة، وتحولت جين إلى هيئة الإلهة نورس. وبورتمان - بعد فيلمي «ثور» السابقين، لعبت فيهما دور مخلوق بشري ضعيف - سترتدي هنا بدلة سوبر دراماتيكية فضية وسروالا جلديا، صممت لتظهر عضلاتها المكتشفة حديثا.
قالت روبيو إنه مظهر رومانسي للغاية، على الرغم من أن عناصره أثبتت صعوبة تصميمها، خاصة الخوذة المجنحة. قالت روبيو: «بالنسبة لي، كان من المهم جدا ألا تختفي عيناها. كان من الممكن أن تكون الخوذة أقل حجما، لكننا صنعناها بطريقة لا نفتقد فيها رؤية ناتالي». ونظرا لأنه سيكون من الصعب ارتداء الخوذة أثناء مشاهد الحركة، فعادة ما يتم إضافة تأثير الصور المصنعة بالكمبيوتر في مرحلة ما بعد الإنتاج، على الرغم من أن روبيو صنعت خوذات حقيقية لبورتمان لارتدائها في تجهيزات خزانة الملابس وفي الصور الثابتة.
استطردت روبيو قائلة، بالنسبة للبدلة نفسها، «كان يجب أن تكون خفيفة الوزن. لم تمر ناتالي أبدا بتجربة ارتداء بدلة ثقيلة فاخرة، فأنت بحاجة إلى تدريب مناسب لذلك - إنه شيء يجب أن تعتاد عليه». حتى الرداء الأحمر المتدفق كان لا بد من تعديله ليناسب إطار بورتمان الذي يبلغ ارتفاعه 5 أقدام و3 أقدام: على الرغم من أن بدلة عباءة ثور مصنوعة من نفس قماش دوركستر الثقيل المستخدم للسترات الحمراء التي شاهدناها في فيم «Queen›s Guards»، فقد ابتكر روبيو المزيد من الديناميكية، وجلب القماش من اسبانيا لبدلة بورتمان.

كريس هيمسورث في لقطة من الفيلم (أ.ب)

النتيجة النهائية أعجبت ليس فقط بورتمان ولكن أيضا أطفال الممثلة الصغار، حيث قالت روبيو: «لقد كانوا مهووسين تماما بالزي، وأرادوا ارتداءه».
على الرغم من أن الأبطال ينبضون بالحياة داخل بذاتهم المعدنية، فقد بدا غور الشرير أكثر اعتدالا: فهو يرتدي رداء أبيض فقط، وتتلاشى كل الألوان في عالم الظل الذي يسكن فيه. وأردفت روبيو: «أردنا أن تكون هذه الشخصية واحدة من تلك التماثيل المعذبة للغاية التي تراها في متحف الأثار في نابولي. أردنا أن نعطيها ذلك الشعور الدائم الأبدي».
على الرغم من أن زي جور يبدو بسيطا، فقد كان تجميعه غير ذلك. فقد أمرت روبيو بتغطية 50 ياردة في الخلفية بالكتان، وقامت بتنسيقها بخبرة لإخفاء الجوانب السرية مثل نظام التبريد الذي من شأنه أن يحمي الممثل من ارتفاع درجة الحرارة.
اختتمت روبيو قائلة إنه لتصل ملابس وأزياء الفيلم إلى ما وصلت إليه، كان عليها المرور بسلسلة بدءا من شخصية غراند ماستر التي أداها جيف جولد بلوم في فيلم «Thor: Ragnarok» حيث كان رداء كاندينسكي الرائع.
لكنها شعرت بسعادة غامرة من رحلة منتصف الفيلم حيث لعبت راسل كرو دور «زيوس» واتصلت بصانعي ومصممي الجلود الرومانية الشهيرين أوغستو، وجيامباولو غراسي، اللذين قام والدهما في وقت سابق بتجهيز ريتشارد بيرتون في فيلم «كليوباترا»، لتصميم صدرية رائعة بالرقائق الذهبية ليلعب دور «المصارع»، مضيفة «نحن نتحدث عن شخص يعرف بالفعل كيف يصنع ويرتدي الدرع».
- خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

وفاة الممثل البريطاني راي ستيفنسون نجم «ثور» و«ستار وورز»

يوميات الشرق الممثل البريطاني راي ستيفنسون (أ.ب)

وفاة الممثل البريطاني راي ستيفنسون نجم «ثور» و«ستار وورز»

توفي الممثل البريطاني راي ستيفنسون الذي شارك في أفلام كبرى  مثل «ثور» و«ستار وورز» عن عمر يناهز 58 عامًا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «إسماعيلية رايح جاي» يشعل «الغيرة الفنية» بين محمد فؤاد وهنيدي

«إسماعيلية رايح جاي» يشعل «الغيرة الفنية» بين محمد فؤاد وهنيدي

أثارت تصريحات الفنان المصري محمد فؤاد في برنامج «العرافة» الذي تقدمه الإعلامية بسمة وهبة، اهتمام الجمهور المصري، خلال الساعات الماضية، وتصدرت التصريحات محرك البحث «غوغل» بسبب رده على زميله الفنان محمد هنيدي الذي قدم رفقته منذ أكثر من 25 عاماً فيلم «إسماعيلية رايح جاي». كشف فؤاد خلال الحلقة أنه كان يكتب إفيهات محمد هنيدي لكي يضحك المشاهدين، قائلاً: «أنا كنت بكتب الإفيهات الخاصة بمحمد هنيدي بإيدي عشان يضحّك الناس، أنا مش بغير من حد، ولا يوجد ما أغير منه، واللي يغير من صحابه عنده نقص، والموضوع كرهني في (إسماعيلية رايح جاي) لأنه خلق حالة من الكراهية». واستكمل فؤاد هجومه قائلاً: «كنت أوقظه من النوم

محمود الرفاعي (القاهرة)
سينما جاك ليمون (يسار) ومارشيللو ماستروياني في «ماكاروني»

سنوات السينما

Macaroni ضحك رقيق وحزن عميق جيد ★★★ هذا الفيلم الذي حققه الإيطالي إيتوري سكولا سنة 1985 نموذج من الكوميديات الناضجة التي اشتهرت بها السينما الإيطالية طويلاً. سكولا كان واحداً من أهم مخرجي الأفلام الكوميدية ذات المواضيع الإنسانية، لجانب أمثال بيترو جيرمي وستينو وألبرتو لاتوادا. يبدأ الفيلم بكاميرا تتبع شخصاً وصل إلى مطار نابولي صباح أحد الأيام. تبدو المدينة بليدة والسماء فوقها ملبّدة. لا شيء يغري، ولا روبرت القادم من الولايات المتحدة (جاك ليمون في واحد من أفضل أدواره) من النوع الذي يكترث للأماكن التي تطأها قدماه.

يوميات الشرق الممثل أليك بالدوين يظهر بعد الحادثة في نيو مكسيكو (أ.ف.ب)

توجيه تهمة القتل غير العمد لبالدوين ومسؤولة الأسلحة بفيلم «راست»

أفادت وثائق قضائية بأن الممثل أليك بالدوين والمسؤولة عن الأسلحة في فيلم «راست» هانا جوتيريز ريد اتُهما، أمس (الثلاثاء)، بالقتل غير العمد، على خلفية إطلاق الرصاص الذي راحت ضحيته المصورة السينمائية هالينا هتشينز، أثناء تصوير الفيلم بنيو مكسيكو في 2021، وفقاً لوكالة «رويترز». كانت ماري كارماك ألتوايز قد وجهت التهم بعد شهور من التكهنات حول ما إن كانت ستجد دليلاً على أن بالدوين أبدى تجاهلاً جنائياً للسلامة عندما أطلق من مسدس كان يتدرب عليه رصاصة حية قتلت هتشينز. واتهم كل من بالدوين وجوتيريز ريد بتهمتين بالقتل غير العمد. والتهمة الأخطر، التي قد تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات، تتطلب من المدعين إقناع

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
سينما سينما رغم الأزمة‬

سينما رغم الأزمة‬

> أن يُقام مهرجان سينمائي في بيروت رغم الوضع الصعب الذي نعرفه جميعاً، فهذا دليل على رفض الإذعان للظروف الاقتصادية القاسية التي يمر بها البلد. هو أيضاً فعل ثقافي يقوم به جزء من المجتمع غير الراضخ للأحوال السياسية التي تعصف بالبلد. > المهرجان هو «اللقاء الثاني»، الذي يختص بعرض أفلام كلاسيكية قديمة يجمعها من سينمات العالم العربي من دون تحديد تواريخ معيّنة.


لاعبو فرنسا: لا نخشى إسبانيا

لاعبو فرنسا يتحدون إسبانيا (د.ب.أ)
لاعبو فرنسا يتحدون إسبانيا (د.ب.أ)
TT

لاعبو فرنسا: لا نخشى إسبانيا

لاعبو فرنسا يتحدون إسبانيا (د.ب.أ)
لاعبو فرنسا يتحدون إسبانيا (د.ب.أ)

قال المدافع إبراهيما كوناتي، الأحد، إن المنتخب الفرنسي لا يخشى مواجهة إسبانيا في مباراة قبل نهائي كأس العالم لكرة القدم المقررة يوم الثلاثاء المقبل، لكنه يدرك جودة منافسه وخط دفاعه شبه المثالي.

واهتزت شباك إسبانيا مرة واحدة طوال البطولة لتصل إلى الدور قبل النهائي سعياً وراء لقبها الثاني في كأس العالم.

وتعرف فرنسا، الفائزة باللقب عام 2018 والوصيفة قبل أربع سنوات، إسبانيا، جيداً، بعد أن خسرت أمامها في قبل نهائي بطولة أوروبا 2024 وكذلك في قبل نهائي دوري الأمم العام الماضي.

وقال كوناتي قلب دفاع المنتخب الفرنسي في مؤتمر صحافي: «لا يمكن أن تخاف من أي أحد. سنستعد الآن بأفضل ما يمكن، ونأمل أن تكون النتيجة في النهاية في صالحنا».

وأضاف كوناتي، الذي شارك لفترة وجيزة بديلاً في الفوز على النرويج في المباراة الأخيرة لفرنسا بدور المجموعات: «إسبانيا تشكيلة استثنائية، تتمتع بقدرات فردية عالية، لذا لن نركز على لاعب واحد فقط، على الرغم من أن لامين (يامال) لاعب رائع».

وشكل دايو أوباميكانو ووليام صاليبا ثنائي قلب الدفاع الأساسي للمنتخب الفرنسي، الذي يعتبر المرشح الأوفر حظاً لبلوغ نهائي كأس العالم للمرة الخامسة في تاريخ مشاركاته.

ووصل المنتخب الفرنسي لنهائي كأس العالم في أربع من بين آخر سبع نسخ. وإذا شارك في المباراة النهائية التي ستقام في 19 يوليو (تموز) الحالي في نيويورك، فسيحافظ على مقارنته بألمانيا الغربية، التي يمكن القول إنها أقوى دولة شاركت في البطولة على الإطلاق، بعد وصولها إلى أربع مباريات نهائية بين عامي 1974 و1990.

لكن كوناتي قال إن الفرنسيين لا يضيعون وقتهم في التفكير فيما قد يحدث.

وقال: «نحافظ على تواضعنا، ولن نقع في هذا الفخ».

وسيتعين إيجاد طريقة لاختراق خط الدفاع الأكثر فاعلية في كأس العالم هذه، بالاضافة إلى احتواء انطلاقات جمال من على الأجنحة قدر الإمكان.

وقال زميله في قلب الدفاع الفرنسي ماكسنس لاكروا: «لن اقول (خوف)، لكننا ندرك مدى جودة الأداء لديهم. فازوا بجميع مبارياتهم (باستثناء التعادل السلبي أمام الرأس الأخضر في دور المجموعات)، لذا نحن نحترمهم. لديهم لاعبون أصحاب مستويات عالية، لكننا نريد الفوز».

ويتصدر القائمة الجناح الإسباني يامال، الذي نال ثناء مدربه لقدرته على إشغال مدافعي المنافس بينما يستغل زملاؤه المساحات التي يصنعها.

وقال لاكروا: «سندافع جيداً، بأفضل ما لدينا. جمال لاعب ممتاز وقد أظهر قدرته على إلحاق الضرر بالفرق في كأس العالم هذه. سنقوم بما يتطلبه الأمر».


ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب
TT

ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب

كثيراً ما تبدأ كتابات أدب الرحلة من لحظات السفر الأولى، أما كتاب «رحلة في ذاكرة الحرب» فإنَّ صاحبته، الكاتبة المصرية حنان سليمان، تبدأه منذ كانت طفلةً في التاسعة من عمرها تجلس أمام شاشة التلفزيون، تتابع أخبار حرب لا تعرف عنها شيئاً، لكنها تشعر بأنَّها تخصها على نحو ما، تقول: «هناك، في البوسنة، شاهدتُ أولى مآسي العالم تتسلل إلى طفولتي عبر الشاشة. وجوههم لم تُشبه وجوهنا؛ بشرة وعيون أفتح، وألسنة لا نفهمها إلا عبر الترجمة. كان البعد مضاعفاً: جغرافيا، ولغوياً، وشعورياً».

تحمل الكاتبة تلك الحرب معها في جعبة طفولتها، ليتصاعد شغفها باستكشاف تلك الآصرة بعد أن أصبحت صحافية وروائية، لتبدو الرحلة إلى «البوسنة» وكأنها امتداد طبيعي لفضول مبكر قادها لإعداد حقيبتها للانضمام إلى جامعة سريبرينيتسا الصيفية، التي تأخذها في رحلة مكثَّفة عبر تاريخ البوسنة وحاضرها، وتضم جولات ميدانية في المواقع التاريخية والمتاحف، ولقاءات مع نشطاء وأهالٍ.

ما بعد الإبادة

يبدو الكتاب، الصادر عن دار «كتوبيا» للنشر بالقاهرة، قراءةً في آثار الحرب، وما أنتجته من ثقافة تحفظ الذاكرة عبر المتاحف، والرموز والطقوس، والأدب. تصل الكاتبة إلى سريبرينيتسا بعد عقود من ذكرى الإبادة الجماعية التي شهدتها. وترصد، عبر محطات سيرها وتجوالها اليومي، ومشاهداتها وملاحظاتها البسيطة، ما يربط الحاضر بماضي الحرب، بينما تصنع مفارقات واسعة بين طبيعة المكان الجمالية، وبين المجزرة التي شهدتها: «على أرض البوسنة شواطئ وشلالات وجبال وأنهار وألوان من الجمال شتى تأسر العين، ويقوم عليها قطاع ترفيهي وسياحي نشط. هي أيضاً مقصد عالمي لهواة التزلج. لكن يظل المعلم السياحي الأول الراسخ لها في الأذهان هو ذاكرة الحرب، أو بالأحرى ذاكرة الإبادة».

تظل حساسية الملاحظة إحدى أدوات الكاتبة لتسجيل آثار حرب البوسنة على حاضرها، وهي الحرب التي اندلعت مع تفكك يوغوسلافيا، وخلّفت واحدة من أبشع مآسي أوروبا الحديثة، بما شهدته من سياسات التطهير العرقي، و«مجزرة سريبرينيتسا» التي أصبحت لاحقاً رمزاً للإبادة الجماعية في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

تتوقف الكاتبة عند تجربة الجامعة الصيفية التي التحقت بها، كانت توفِّر في سنواتها الأولى الإقامة والرعاية الكاملة للدارسين من أنحاء العالم، أخذت تفقد تدريجياً دعم المانحين، خاصة بعد جائحة «كورونا»، حتى تقلصت إمكاناتها بصورة لافتة، ولا يبدو هذا التفصيل عابراً في الكتاب، بل يتحوَّل إلى سؤال عن مصير المؤسسات الثقافية التي تحفظ الذاكرة.

فلا يقتصر دور تلك الجامعة على تدريس تاريخ البوسنة، إنما تؤدي دوراً سنوياً في إحياء ذكرى «مجزرة سريبرينيتسا»، إذ تختتم برامجها بالمشاركة في مسيرة السلام، التي يسير خلالها المشاركون على خطى آلاف الفارين من الموت عام 1995، الأمر الذي يجعل تراجع دعمها خسارةً تتجاوز التعليم والمعرفة إلى الذاكرة التاريخية نفسها.

رموز بصرية

لعل أحد أبرز ملامح الكتاب أنَّه لا يقف عند توثيق الحرب، بل ينصرف إلى ما فعلته البوسنة بذاكرتها بعد الحرب، فبدلاً من إزالة آثار المأساة، اختارت أن تجعلها جزءاً من حياتها اليومية، فترصد الكاتبة مثلاً «زهور سراييفو»؛ تلك الحفر التي خلفتها القذائف في الشوارع، لتبدو كأنَّها زهور نبتت في قلب الإسفلت.

تنظر الكاتبة إليها بوصفها فلسفةً كاملةً في مقاومة النسيان؛ فالمدينة لم تُخفِ جراحها، إنما أبقتها مرئيةً، لتتحوَّل الشوارع نفسها إلى سجل تاريخي مفتوح، ومن الفكرة نفسها تنتقل إلى «وردة سريبرينيتسا» التي نسجتها أمهات الضحايا لتصبح أحد أشهر رموز الإبادة الجماعية؛ 11 بتلة تشير إلى الـ11 من يوليو (تموز)، واللون الأبيض يرمز إلى براءة الضحايا، بينما يتوسَّطها قلب أخضر يستدعي استمرار الحياة، ليلفت الكتاب الانتباه إلى قدرة الثقافة على تحويل الحداد إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة جماعية، بما يجعل الفن نفسه امتداداً لفعل المقاومة. لا تكتفي سليمان بتأمل تلك الرموز البصرية، التي شملت التماثيل والجداريات والمتاحف، بل أيضاً البنية السياسية والاجتماعية للدولة، متأملة فلسفة الانتماء نفسها، فتقول: «تتسع الأرض للجميع، ولا يُمنح الانتماء لها بسهولة»، وذلك في سياق حديثها عن قانون الجنسية في البوسنة والهرسك، الذي لا يمنح الجنسية لمجرد الميلاد على أرض البلاد، إنما يشترط أن يكون أحد الأبوين مواطناً بوسنياً.

ومن خلال هذا التفصيل القانوني تفتح الكاتبة باباً للتأمل في مجتمع ما زال يسعى، بعد الحرب، إلى حماية توازنه الديموغرافي والديني شديد الحساسية، حيث تتجاور الهويات الإسلامية والمسيحية واليهودية داخل دولة لا تزال آثار الصراع ماثلةً في بنيتها السياسية، وهو مفتاح لفهم علاقة البوسنيِّين بالأرض، وبالهوية، وبالذاكرة التي ما زالت تحدد كثيراً من اختياراتهم.

تقتفي الكاتبة أيضاً ذاكرة الإبادة في الأدب، لذلك تحرص على اقتناء الروايات البوسنية، وتسجيل ملاحظتها حول قلة ترجمتها إلى الإنجليزية، وأيضاً حضورها الضعيف في الثقافة العربية، وتُخصِّص مساحةً لمقاربات أدبية بين تلك الأعمال، وبين أعمال أخرى مثل رواية «حطب سراييفو» للروائي الجزائري سعيد خطيبي، التي تستدعي بدورها ذاكرة الحرب في البلقان، وتكشف كيف يمكن للرواية أن تعبر الحدود الجغرافية لتلتقي الذاكرة الإنسانية نفسها.

من خلال هذه القراءات يعزِّز الكتاب فكرة أنَّ الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب؛ فإذا كانت المتاحف تحفظ الوقائع، فإنَّ الروايات تحفظ ما هو أكثر هشاشة؛ الخوف، والحنين، والخيبة، والأسئلة التي يتركها العنف في النفوس، ومن هنا تبدو قراءات الكاتبة الأدبية جزءاً أصيلاً من الرحلة، لا استراحة بينها، وكأنَّها تؤمن بأنَّ الطريق إلى البوسنة يمرُّ أيضاً عبر الكتب.

ومن ثم، تطرح الكاتبة تساؤلات عن غياب الاستثمار العربي في المبادرات الثقافية التي تحفظ ذاكرة الإبادة، ودعم المؤسسات المعنية بها، التي تعاني اليوم من تراجع التمويل. ويأتي هذا الطرح متناغماً مع الفكرة المركزية للكتاب؛ وهي مقاومة البوسنيِّين للنسيان، عبر تحويل آثار مأساتهم التاريخية إلى لغة بصرية وأدبية وإنسانية حيّة.

الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب


هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟
TT

هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً: لم يعد أحد يقرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، على شيوعها، تخفي مفارقة تستحق التأمل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعلانات، والتعليمات، والإشعارات، كلها تجعل القراءة النشاط الأكثر حضوراً في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟

لقد تغيرت القراءة أكثر مما تراجعت. ففي الماضي كانت القراءة حدثاً استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تياراً متصلاً لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائماً فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفاً كافياً يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة.

ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاءً بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل.

لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعاراً جديداً أو رابطاً آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة في الوصول إلى النصوص هي إحدى أعظم منجزات العصر، لكنها في الوقت نفسه جعلت المحافظة على الانتباه تحدياً ثقافياً غير مسبوق.

ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعاً في الاطلاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها.

ولعل أهم ما تمنحه القراءة العميقة أنها تعيد إلى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمة الثقافية اليوم أقل ارتباطاً بندرة الكتب منها بندرة الانتباه.

فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووسائل الإعلام على الاستحواذ على أعيننا وعقولنا، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ولهذا تغدو القراءة، في أعمق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تدريب يومي على استعادة السيادة على الذهن، وعلى تحريره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات.

ولعل هذا يفسر ظاهرة لافتة في حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكاراً كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشاراً من الحجة الطويلة، والعنوان أكثر تأثيراً من الكتاب، والملخص أكثر رواجاً من النص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي تدريب على الإصغاء، وعلى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي.

ولهذا؛ فإن مستقبل القراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلاً من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه من كلمات، وإنما بما تتركه تلك الكلمات فينا من أثر. قد نقرأ كثيراً ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره.

لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا.

* كاتب سعودي