المغتربون مصدر وحيد للعملات الصعبة إلى لبنان

الرئيس السابق لـ«الرقابة على المصارف» لـ «الشرق الأوسط» : الإنقاذ المالي يبدأ باستعادة الثقة في القطاع المصرفي

رجال أمن يحرسون المقر الرئيسي لمصرف لبنان خلال مظاهرة أمامه الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رجال أمن يحرسون المقر الرئيسي لمصرف لبنان خلال مظاهرة أمامه الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

المغتربون مصدر وحيد للعملات الصعبة إلى لبنان

رجال أمن يحرسون المقر الرئيسي لمصرف لبنان خلال مظاهرة أمامه الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
رجال أمن يحرسون المقر الرئيسي لمصرف لبنان خلال مظاهرة أمامه الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

يصر الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف في لبنان سمير حمود على ضرورة الشروع بالإنقاذ المالي من مدخل استعادة الثقة بالنظام المصرفي، ليتولى مجددا دور القاطرة التي تعيد الانتظام الحقيقي إلى سعر الصرف وتدفع الاقتصاد إلى مسار النمو المستدام، وبالتالي بلوغ مرحلة الهبوط الآمن الذي يكفل حقوق الجميع من مودعين ومستثمرين، ومن دون التخلي عن ضرورات المحاسبة والمساءلة بكل ما يقتضي الأمر من شفافية وعدالة.
ويؤكد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أولوية العودة إلى أصول العمل المصرفي في جانبي إدارة الموجودات والمطلوبات عن طريق تجديد الاستثمار في الميزات الخاصة التي يحوزها البلد، ولا سيما كفاءة العنصر البشري في إدارة المصارف والمهدد بالهجرة القسرية جراء تدني المداخيل، والملاءة المالية العالية لدى الاغتراب اللبناني الذي يتوق إلى إعادة ثقته بقطاع مصرفي يحظى بتصنيف دولي جيد.

                                                  سمير حمود (الشرق الأوسط)
وتمثل تدفقات العاملين في الخارج والمغتربين، المصدر شبه الوحيد حاليا للعملات الصعبة الوافدة إلى لبنان، إذ هي تحافظ، وفق تقديرات حمود، على مستويات موثقة تتعدى 7 مليارات دولار سنويا، أي ما يماثل نحو ثلث الناتج المحلي الذي تقلص إلى أقل من 22 مليار دولار. ومن المرجح أن يقفز الرقم إلى 10 مليارات دولار في حال احتساب المبالغ النقدية التي يحملها لبنانيو الخارج إلى أهاليهم أو مصروفاتهم في قضاء الإجازات داخل البلد. وذلك على منوال الموسم الصيفي الحالي الذي يتوقع أن يبلغ حصيلة 4 مليارات دولار سينفقها نحو 1.5 مليون من المغتربين الذين يفدون إلى لبنان.
وضمن لائحة أولويات الخيارات المتاحة لتحديد معالم خريطة الطريق للخروج من دوامة الانهيارات المالية والنقدية، يصنف الرئيس السابق للرقابة على المصارف «استعادة الثقة بالقطاع المصرفي» كركيزة حيوية لا يمكن القفز مطلقا فوق ضروراتها للانخراط السليم في عملية إصلاحية شاملة تكفل تصويب الانحرافات الحادة التي شهدها الاقتصاد وقطاعاته الناشطة. فهذا هو الخيار الوحيد الذي يكفل استرجاع الودائع والحقوق واستقرار سعر الصرف، إلى جانب وجوب الالتزام بهوية لبنان التاريخية، فلا مصادرة للملكية الخاصة ولا أسواق موازية ملاحقة بوليسيا بل حرية في التحويلات.
كل ذلك لا يعني عدم التدقيق بالعمليات المصرفية المشبوهة ولا في ملاحقة الثروات غير المشروعة، كما يؤكد حمود، إنما من دون أن يكون ذلك على حساب هدم الهيكل وتدوين سرقة أموال الناس بحجة التعافي ومحاربة الفساد. لذلك «نحن نعمل مع المرجعيات المسؤولة حكوميا وتشريعيا وقطاعيا على تظهير اقتراحات عملية وموضوعية تحقق هدف حفظ المدخرات وسداد الحقوق تدريجياً إلى أصحابها، بالتوازي مع رفع المعوقات التي تواجه إعادة الزخم إلى الأنشطة المصرفية التقليدية والرقمية». ويقول إن «التعقل يفرض في خضم الأزمات البحث عن الحلول وليس رمي المسؤوليات من جانب إلى آخر». وفي نهاية المطاف «لا حلول ناجعة ومستدامة المفاعيل إذا لم تبلغ حدود محاسبة أيادي الفساد».
وعن ماهية الاقتراحات التي استخلصها، يؤكد رئيس الرقابة المصرفية السابق: «حكما، لا نستطيع التسليم أن المصرف الذي لا يقوم بأعمال التسليف ولا يسدد للمودع أمواله ولا يلتزم بالنسب المالية والمعايير الدولية هو مصرف قابل للاستمرار محليا ودوليا. ولذا فإن التصويب ينطلق من وجوب التزام أصول العمل المصرفي من ربحية وسيولة وملاءة ورافعة وحوكمة. ولكي ندفع بالمصارف إلى الالتزام الكلي بالمعايير من خلال السلطة الناظمة، أي مصرف لبنان المركزي، يجب بداية تصحيح وضعية البنك المركزي كسلطة نقدية وسلطة ناظمة وفقا للمهام وللصلاحيات المنوطة بها بمندرجات قانون النقد والتسليف، وبما يشمل مسؤولية الالتزام بالمعايير الدولية دون إعفاءات أو مرونة».
ويملك البنك المركزي، وفق تصورات حمود، «سلطة تحرير البنوك من الأعباء التراكمية للأزمات المستفحلة على مدار 3 سنوات متتالية، وبالتالي درء مخاطر التوقف التام عن الدفع الذي سيصيب أصحاب الحقوق من مودعين ومستثمرين بخسائر جسيمة لا يمكن تعويضها، ويرفع منسوب المخاطر على الاقتصاد والمداخيل إلى مستويات حرجة لا يمكن للبلد الصغير استيعاب تداعياتها على الأصعدة كافة».
ويؤكد أن «التحرير من الأعباء لا يعني نقلها من القطاع المصرفي إلى البنك المركزي». أما الآلية المقترحة «فتفرض على المصارف عينها تحمل الوزر الأكبر من التكلفة المترتبة». وفي تبسيط ما يقترحه، يدعو لأن يبادر مصرف لبنان إلى «تأسيس مصرف محلي أو مؤسسة مالية يتم عن طريقهما تجميع ودائع الأفراد والمؤسسات والشركات غير المالية من المصارف بالعملة الأجنبية مع سجل حركتها منذ انفجار الأزمة. وفي مقابل هذه المطلوبات، يتم تكوين أصول (موجودات) تشاركية من المصارف والمركزي والقطاع العام».
وتشمل قائمة مصادر الدخل والأصول التي سيحوزها المصرف أو الصندوق الاستثماري المقترح، إيداعات المصارف لدى المراسلين باستثناء صافي الودائع الجديدة، وسندات الدين الدولية (اليوروبوندز) المحمولة من البنوك وفقا للقيمة الدفترية، وصافي الودائع لدى مصرف لبنان بالعملة الأجنبية على أساس القيمة الحالية بما فيها التوظيفات الإلزامية، والأصول العقارية لدى القطاع والعقارات بالتخصيص بالسعر العادل أو الدفتري. وبالتوازي، يحافظ مصرف لبنان على الاحتياطي بالأجنبي ومخزون الذهب لغاية سداد الودائع ويمكن استعمال العقارات العائدة له لتخفيض حساب البنك الجديد في دفاتره.
وفي المقابل، يحتفظ كل مصرف تم تحريره من الأعباء، بمحفظة القروض بكافة العملات والودائع بالليرة، مع تكوين وحدات تتولى متابعة عمليات التصفية والسداد للودائع المنقولة. ثم يلتزم ضمن مهلة لا تتعدى السنة، باعتماد مقتضيات الحوكمة التي تفصل مهام مجلس الإدارة عن الإدارة التنفيذية، وبضخ رساميل جديدة لا تقل عن نسبة 10 في المائة من أصوله أو 100 مليون دولار بالحد الأدنى، والالتزام بنسب ملاءة تبلغ 18 في المائة، وسيولة تبلغ 150 في المائة، ورافعة مالية بحدود 10 في المائة. إضافة إلى عدم السماح بتكوين مركز قطع مدين أو تجاوز المركز الدائن الموقوف بتاريخ التحويل.
ومن شأن هذا الخيار المبني على الوقائع والبيانات المالية للبنوك والبنك المركزي، حفظ الحقوق لأصحابها في الجهاز المصرفي. فالاقتراح يفضي إلى نقل الوديعة من مصرف مرهق إلى «مصرف» خاضع فقط لتصفية ذاتية مدروسة ومعززة بموجودات ومصادر مضمونة للسيولة إلى جانب محفظة قيمة من العقارات. وبالتالي سيتم حفظ سجلات المودعين لدى مصرف لبنان مع إمكانية استبدالها جزئيا من خلال عقارات وتحديد آجالها بحيث يمكن سحبها تدريجياً وبالعملة ذاتها، ومع إمكانية إجراء سحوبات إضافية محددة إذا أراد سحبها بالليرة اللبنانية اختياريا ووفقا لسعر صرف الدولار في السوق.
هذا الاقتراح، كما يراه حمود، يعيد المصارف إلى حقيقتها وتستمر بأموالها الخاصة الإضافية وفقا للمعايير الدولية، وإلا فهي مهددة بالخروج من السوق خلال سنة. كما يعيد مصرف لبنان إلى دوره الصحيح كسلطة نقدية وسلطة ناظمة لا حماية ولا رعاية ولا تغطية لمصارف عجز، الأمر الذي يحتم على وكالات التصنيف تجاوز القاعدة وتصنيف المصارف بدرجات أعلى من التصنيف السيادي.
ويستخلص حمود «لقد غرق لبنان في مشاكله نتيجة غياب الدولة وسيادة مفهوم الطائفة باستقواء الخارج ولا يمكن لأي فئة رمي الحجر لأنهم جميعا في الخطيئة». ويضيف «نحن الآن نواجه خمسة أنواع من الأزمات هي: نقدية، ومصرفية، ومالية، واقتصادية وسياسية. والأزمات الثلاث الأخيرة هي الأهم وحلولها مرهونة بالتوافق على بناء دولة بالمعنى الصحيح والتي بصراحة لا أراها قائمة». لذلك «ينبغي التركيز على الأزمة النقدية المصرفية مع اقتناعي أنه يمكن إحداث اختراق يخفف من حدة الأزمة الحياتية مع ترابط تدريجي للحل النهائي مع مشروع بناء الدولة لاحقا».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

ميراث الأسد بعد هروبه... عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو

مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)
مقاتل سوري في معركة «ردع العدوان» يطلق النار على صورة ضخمة للرئيس بشار الأسد عند دخول حماة 7 ديسمبر (أ.ف.ب)

كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل نادرة عن كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد في الفترة التي سبقت سقوط نظامه.

وقالت في مقدمة التقرير، الذي تحدث فيه كاتبه إلى مصادر من داخل النظام السوري السابق ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، إن «بعض الطغاة يموتون وهم يقاتلون، بعضهم يُشنقون، وبعضهم يموتون في فراشهم. لكن تصرف الأسد كان اللجوء إلى الخداع بطريقة صدمت حتى المقربين منه، فقد طمأن مساعديه وكبار الضباط بأن «النصر قريب»، وبأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم.

كان ذلك مع اقتراب فصائل المعارضة من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، اليوم السابق لسقوط النظام، كانت الفصائل قد وصلت إلى حمص بعد أن دخلت حلب وحماة.

فرّ بشار ليلاً على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحداً تقريباً. في حين أعلن البيان المراوغ الذي صدر في تلك الليلة أن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».

فرار الأسد فجّر غضباً بين من كانوا يعلنون الولاء له، وشهادات المقربين منه، تظهر أن الغضب انطلق من شعورهم بأنهم تعرضوا للخيانة، فبعضهم كان مستعداً للقتال أو على الأقل للانسحاب المنظم، لو واجههم بالحقيقة، لكن الأسد استخدمهم واجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره التي تركت خلفها فوضى واجهها المؤيدون له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد السريع، لا الموساد ولا الاستخبارات الأميركية، لكن التفسيرات التي تلت انهيار نظامه أن داعمي الأسد، روسيا وإيران و«حزب الله»، تورطوا في صراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا والمواجهة مع إسرائيل على التوالي، ولم يعودوا قادرين على حمايته. وكشف انشغالهم بملفات أخرى ما كان خفياً لسنوات؛ جيش منهك يحكمه الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من أميركا في أفغانستان، الذي سقط عام 2021، «كانت سلالة الأسد في مواجهة إعادة تشكيلات جيوسياسية أوسع في المنطقة والعالم، وبدا سقوطها حتمياً»، يقول التقرير.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان»

كان بشار الأسد، في ذروة المعارك وتدهور الوضع الميداني، منفصلاً إلى حد كبير عن الأحداث، ونقل مصدر سابق في «حزب الله»، أنه أمضى أوقات طويلة في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، أبرزها لعبة «كاندي كراش».

في السابع من ديسمبر 2024، قبل يوم من انهيار النظام، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل والدفع نحو انتقال سياسي تدريجي، إلا أن الجهود فشلت، بعدما تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.

ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين دمشق، الذين قدّموا رواية مغايرة تعتبر أن سقوط النظام لم يكن حتمياً بفعل الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مرتبطاً بشخصية الأسد نفسه، إذ وصفوه بالمنفصل عن الواقع، والمهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان قادراً على إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيداً ومغروراً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

وأضاف تقرير الصحيفة أن عدة دول في المنطقة لم تكن تريد سقوط الأسد وقدمت له سابقاً شرايين إنقاذ، وأن وزراء خارجية اتصلوا به حتى في أيامه الأخيرة عارضين عليه الصفقات، لكنه لم يجب، وبدا أنه يتعامل مع أي طرح بوصفه إهانةً شخصية.

أما الإسرائيليون قد نظروا طويلاً إلى الأسد بوصفه «عدواً يمكن التعايش معه»، فهو شخص يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني، لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين، ونقل عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحاً لبقائه هناك، ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد».

حتى الحلفاء الذين أنقذوه سابقاً من نهاية محتومة لم يسلموا من عنجهيته، بمن فيهم إيران، في حين اقتنعت روسيا بأنه عبء ولا يستحق الدفاع عنه.

ديبرا تايس أمام صورة لابنها أوستن في واشنطن 2023 الذي اختُطف أثناء تغطيته الأحداث بسوريا عام 2012 (رويترز)

وفي مثال على عناد الأسد، أوردت «ذا أتلانتيك» مثالاً لرفض الأسد حبل نجاة مُدَّ إليه من الأميركيين، مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ 2012، إذ أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، واصطحبهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد أعلى مسؤولي الأمن في النظام، وطرح الأميركيون ملف تايس غير أن ردّ مملوك بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، وأبدت الحكومة الأميركية استعدادها لصفقة مقابل إثبات أن تايس حي. لكن الأسد رفض الاتفاق وقطع الحوار، ونقل عباس إبراهيم للصحيفة أن تبرير مملوك للرفض «لأن ترمب وصف الأسد» بالحيوان قبل سنوات.

ونقلت «ذا أتلانتيك» عن عباس إبراهيم أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات ما داموا عرفوا مصيره، وأن عباس إبراهيم قال إنه تلقى اتصالاً من مايك بومبيو أبدى فيه استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، وأن رفض الأسد يعد جنوناً.

وحاولت إدارة الرئيس جو بايدن عام 2023 تجديد العرض عبر وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، لكن الأسد تصرف، وفق رواية عباس إبراهيم، بأسلوب شبه مهين حين رفض إرسال مسؤول رفيع وأوفد بدلاً منه سفيراً سابقاً لم يُسمح له حتى بالحديث عن تايس.


مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
TT

مقتل 5 أشخاص بانهيار مبنى في طرابلس شمال لبنان

عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)
عمال إنقاذ يبحثون عن ناجين بين أنقاض مبنى انهار في مدينة طرابلس شمال لبنان (أ.ب)

قُتل خمسة أشخاص على الأقل، اليوم الأحد، بمدينة طرابلس في شمال لبنان إثر انهيار مبنى، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين، في ثاني حادثة من نوعها خلال أسبوعين.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بـ«سقوط مبنى قديم» في حي باب التبانة، أحد أفقر أحياء طرابلس، مؤكدة «إنقاذ 8 أشخاص» فيما «تم سحب 5 ضحايا، بينهم طفل وامرأة مسنّة».

وعملت السلطات على إخلاء المباني السكنية المجاورة «خوفاً من انهيارها».

وعرضت وسائل الإعلام المحلية صوراً لسكان وعمال إنقاذ يحاولون إزالة الأنقاض بعد الانهيار بمعدات متواضعة، وباستخدام أيديهم لإزاحة الركام.

وجاءت هذه الحادثة بعد انهيار مبنى آخر في طرابلس أواخر الشهر الماضي.

وأمر رئيس الجمهورية جوزيف عون أجهزة الإسعاف بـ«الاستنفار للمساعدة في عمليات الإنقاذ»، وتأمين مأوى لـ«سكان المبنى (المنهار) والمباني المجاورة التي أخليت تحسباً لأي طارئ»، وفق بيان للرئاسة.

وينتشر في لبنان العديد من المباني المأهولة بالسكان رغم أنها متداعية أو آيلة للسقوط.

وقد بُني العديد منها بشكل غير قانوني، لا سيما خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بينما أضاف بعض المالكين طوابق جديدة إلى مبانٍ سكنية قائمة دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وسجلت انهيارات مبانٍ في طرابلس ومناطق أخرى في بلد لا يتم الالتزام فيه، في أحيان كثيرة، بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية المأهولة التي شُيِّد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراضٍ مشاع.

ويعاني لبنان من انهيار اقتصادي منذ أكثر من ست سنوات بات معه الكثير من سكانه تحت خط الفقر.

وانعكست تبعات الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة على قطاعات مختلفة بما في ذلك البناء، فيما تردى وضع الكثير من البنى التحتية.

وحثّت منظمة العفو الدولية عام 2024 السلطات اللبنانية على إجراء مسح ميداني شامل «على وجه السرعة لتقييم سلامة المباني في جميع أنحاء البلاد»، ونشر نتائجه.

وحذّرت المنظمة حينها خصوصاً من الوضع في طرابلس، كبرى مدن الشمال اللبناني، حيث يقطن «آلاف الأشخاص... في أبنية غير آمنة» عقب وقوع زلزال مدمر في تركيا وسوريا في فبراير (شباط) 2023، ألحق أضراراً بأبنية في لبنان.

وأضافت أنه «حتى قبل وقوع الزلازل، كان السكان في طرابلس قد دقوا ناقوس الخطر بشأن حالة مساكنهم المروّعة والناجمة عن عقود من الإهمال».


«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

«الخارجية» الفلسطينية تدين قرارات إسرائيل وتؤكد عدم شرعيتها على الأراضي المحتلة

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

أكدت وزارة الخارجية الفلسطينية، اليوم (الأحد)، أنه «لا سيادة لإسرائيل على أي من مدن أو أراضي دولة فلسطين المحتلة»، مشددة على رفضها وإدانتها لقرارات الحكومة الإسرائيلية.

ونددت الوزارة، في بيان، بما وصفتها بـ«المحاولات الإسرائيلية المستميتة لفرض أمر واقع؛ من خلال الاستيطان الاستعماري وتغيير الواقع القانوني ومكانة الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس».

وأشارت «الخارجية» الفلسطينية إلى أن هذه القرارات بمثابة ضم فعلي للأراضي الفلسطينية، وهو ما يخالف رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وحثته على التدخل والضغط على إسرائيل للتراجع عن هذه القرارات التي تزعزع الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.

وأفاد موقع «واي نت» الإخباري اليوم، بأن مجلس الوزراء الإسرائيلي أقر تغييرات جوهرية في إجراءات تسجيل الأراضي وحيازتها في الضفة الغربية، ما يسمح بهدم منازل يملكها فلسطينيون.

وأكد الموقع أن القرارات الجديدة ستتيح لإسرائيل هدم مبانٍ مملوكة لفلسطينيين في المنطقة (أ) بالضفة الغربية المحتلة، كما ستُحدث توسعاً كبيراً في عمليات الاستيطان بجميع أنحاء الضفة الغربية.

وأكد الموقع أن القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء الإسرائيلي تتناقض مع مبادئ «اتفاق الخليل» الموقع عام 1997، الذي كان الهدف منه أن يكون مرحلة مؤقتة نحو حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في الخليل، وهي المدينة الوحيدة التي لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي خلال الموجة الأولى من سحب القوات ضمن اتفاق أوسلو للسلام.