أحمد عبد اللطيف: من وظائف الرواية خلق حلم يتأسس عليه عالم أكثر عدالة

يقول إن الترجمة مهنة ودراسة بينما الكتابة مشروع حياة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف
TT

أحمد عبد اللطيف: من وظائف الرواية خلق حلم يتأسس عليه عالم أكثر عدالة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

يولي الروائي المصري أحمد عبد اللطيف اهتماماً خاصاً بفكرة التعاطف مع أبطاله، ويرى أن في هذا التعاطف يكمن سر إعجابنا بالعمل الأدبي. في روايته «عصور دانيال في مدينة الخيوط» الصادرة أخيراً يشيّد عالماً سردياً لبطله المأزوم، يقوم فيه بتدوير أسئلة الزمن والذاكرة، ويضع الواقع والسوريالية كوجهين للحقيقة. حصل عبد اللطيف على جائزة الدولة التشجيعية في مصر 2011، عن روايته «صانع المفاتيح»  كما حصلت روايته «كتاب النحات» على جائزة ساويرس للأدب 2015. له إنجاز لافت في ترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية لأسماء بارزة مثل جوزيه سارماغو، وجيوكوندا بيلي، وخوان مياس.

هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الترجمة...

> كما يبدو، تطرح روايتك الأخيرة من خلال بطلها «دانيال» الأحلام كسبيل لليوتوبيا وتحقيق العدالة...
- أظن أن وظيفة الرواية، أو من وظائفها الأساسية، خلق حلم ما يتأسس عليه عالم أكثر عدالة، لكنها ليست العدالة المتحققة في النص بقدر التصور الذي يتركه في نفس القارئ. بهذه الطريقة يمكن التعاطف مع بطل «الجريمة والعقاب» حتى لو كنا ضد الجريمة نفسها التي يرتكبها. وهذا التعاطف هو سر إعجابنا بعمل أدبي، إذ بالتعمق في شخصية البطل نتعرف على المنطقة الرمادية في الطبيعة البشرية، والخروج من دائرة الأبيض كخير، والأسود كشر. من ناحية أخرى، اليوتوبيا بمفهومها الأفلاطوني لا تتحقق في «عصور دانيال» على أرض الواقع، إنما المتحقق يوتوبيا مضادة تمتد من الواقع إلى حلم اليقظة وتشغل منطقة خياله.
> كأنك تجمع في «مدينة الخيوط» بين الواقعية والسوريالية معاً.

- سؤال المدينة بتحولاتها شغلني منذ روايتي الأولى «صانع المفاتيح»؛ حيث المدينة الكابوسية التي يغدو سكانها صماً بكماً عمياً، وامتد في «عالم المندل» حين تحولت النساء إلى رجال والعكس، ثم أصابتها لعنة التشابه في «كتاب النحات»، وصارت مدينة حمراء في «إلياس». وفي الرواية الجديدة، تغدو مدينة تسكنها الدمى، وتنقسم إلى مدينة علوية وأخرى سفلية. في كل ذلك، كان الواقع نفسه دافعاً لبناء هذه المدينة الخيالية، والسوريالية هي الأسلوب الفني الذي يلائم هذا النوع من الأفكار، لأنه يحقق ما أسعى إليه من «باراديجم» جمالي. الأهم، وبعيداً عن الفن، وقبل الشروع في كتابة العمل، أرى الأشياء بهذه الطريقة، بمعنى أن الحدث اليومي يتخذ في ذهني صورة سوريالية أعيد إنتاجها مرة أخرى بإعادتها إلى الواقع، وأحياناً تكون الكلمات العامية العابرة ملهمة لي، كأن يقول أحدهم: «عامل ودن من طين وودن من عجين»، هذه صورة سوريالية تماماً تعبر عن هؤلاء الذين لا يريدون الإنصات، صورة مليئة بالفن الساكن في العامية المصرية. وهي بالنسبة لي إعادة للتفكير في الواقع، إذ أراه أكثر في المجرد والسوريالي.
> قسمت السرد بين 4 عصور، تتقاطع فيها النوستالجيا بآلامها مع الجريمة والغرابة، لماذا اخترت هذا البناء المنفصل للفصول، لرواية قصة البطل؟
- العصر مرحلة زمنية مكتملة في ذاتها، طويلة نسبياً، لها آثارها الملحوظة على العصور التالية. فمن ناحية المعنى، فكل عصر من عصور دانيال يسعى للاكتمال في ذاته، ثم مع تقدم الصفحات تكتمل العصور كتكامل قطع البازل أو الكولاج. ومن الناحية الفنية، داخل كل عصر فصول قصيرة، يعمل فيها المقص السينمائي لتقطيع المشاهد في الوقت المناسب، والعودة إلى الأحداث الرئيسية بتكرار لإضافة معلومات جديدة وبناء حقيقة جديدة عليها. هذه البنية، وهذا التكنيك، أكثر ما شغلني أثناء الكتابة، لأنها تمثل البعد الجمالي والفني الذي أسعى إلى تحقيقه داخل العمل، بطموح ألا تشبه بنيتها بنية عمل آخر، وأن يتحرر العمل من التأسيس على نموذج سردي سابق.
> يتقاطع العالم الداخلي للبطل، مع العالم الموازي الذي خلقه. نراه متوحداً مع ذاته وقادراً على التحرر منها أيضاً. كيف تعاملت مع تعقيد شخصية دانيال فنياً؟
- التعقيد لا يحدث عادةً في المضمون، وإنما في الشكل. كل حكاية مهما كان تعقيدها يمكن أن تكون بسيطة لو قررنا روايتها في المستوى الأول. التعقيد بدأ مع سؤالي من سيروي هذه الحكاية عن دانيال، ما موقعه منها ومدى معرفته لتفاصيلها، وهو السؤال الذي فتح أشكالاً متعددة للحكاية، وتطلب بالتالي رواة متعددين. أثناء بناء العمل، كان التماهي بين صوت الراوي المتعدد من ناحية، مع الحكاية المتعددة من ناحية أخرى، يفرض نفسه، كأن لكل صوت صدى، ولكل حكاية أصل وصورة. وكانت اللعبة الفنية أن يختلط الأصل بالصورة، والصوت بالصدى. بهذه الطريقة كل ما يبدو متناً في البداية يغدو هامشاً، فيما الهامش يحتل المساحة الكبرى.
> البطل الفرد يسود أعمالك، كما في «إلياس»، و«كتاب النحات»، وصولاً لـ«عصور دانيال»، هل يمنحك البطل الوحيد فرصة أوسع لتأمل أسئلتك في الكتابة؟
- الكاتب في النهاية فرد يجلس في غرفة يكتب إلى فرد جالس في غرفة عن فرد له حكاية، بهذه الطريقة يمكن فهم الإنسان كفرد وليس كجماعة. هذا المفهوم يتكامل مع العصر الحديث الذي نتحرك فيه جميعاً كأفراد. وفي كتابتي هذا النوع من الفردانية والاستقلال، فهم ليسوا أفراداً فحسب، بل وحيدون أيضاً، خارجون على الجماعة وغير قادرين على الانسجام مع المجتمع. إنها أزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش في فقاعة. ومن الناحية الفنية، أميل لرواية البطل الأوحد والتعمق فيه، حتى في الروايات الملحمية مثل «كتاب النحات»، ورغم تعدد الشخصيات، فإن النحات نفسه كان الشخصية المركزية فلم توزع البطولة بالتساوي.
> في الرواية تحرر مقصود من علامات الترقيم، وكذلك فعلت في «مملكة مارك»، هل ثمة مبرر فني لذلك؟
- تتصل «عصور دانيال» بالقصة الأولى في «مملكة مارك» من حيث اللغة المتحررة من علامات الترقيم، وكلاهما يتصل برواية «إلياس»، في سعي كل منها لخلق لغته الخاصة والتجريب في اللغة، أو بالأحرى، تحقيق إيقاع لغوي جديد يناسب توتر البطل ويتناغم مع سرعة الأحداث. كل هذه الأعمال تطمح إلى تشييد رواية مسموعة بصوت البطل، نبضات قلبه واضطرابه، البطل المأزوم أو البطل التراجيدي، واللغة هنا ليست وسيلة جافة للتوصيل، وإنما عنصر جمالي أساسي، ومشكلة حقيقية، أواجهها في كل عمل. لذلك، فتجربة قراءة «عصور دانيال» بصوت مسموع ستختلف عن قراءتها صامتة.
> تبدو المُصغّرات والمنحوتات البشرية، وأخيراً «الدمى»، من ملامح عوالمك الأدبية. ماذا تعني لك فنياً؟
- إذا كان من الصعب فهم الواقع لأنه كبير ومتسع، فالواقع المصغر يمكن فهمه. العملية تشبه أن نصنع خريطة للكرة الأرضية ونحن نعلم أنها ليست الكرة الأرضية بالطبع، لكن عبر الخريطة نشاهد المرتفعات والأنهار والمحيطات والحدود بين البلدان. الرواية بالنسبة لي تصغير للواقع، من ناحية، ومن ناحية أخرى عملية خلق يشبه فيها الكاتب النحات. لم أنطلق أبداً من شخصية أعرفها وأعيد تشكيلها فنياً، أبني شخصياتي وكأنها تولد للمرة الأولى، أصنع لها شكلاً وأفكاراً وأزمة. هذه الصناعة اليدوية سواء صناعة تمثال صغير من الصلصال أو تشييد بناية بالمكعبات كانت هوايات طفولتي التي تحولت في شكل روائي مكتوب. وفنياً، تعني لي تجنب الواقع المباشر وصنع عالم موازٍ، بتعبير أومبيرتو إيكو.
> تنفتح أعمالك على فنون أخرى كالموسيقى والسينما، كيف ترى الرابط بين الفنون؟
- من مزاياها الكبرى، هذا التحالف بين الفنون. فالموسيقى ساهمت في خلق إيقاع لغوي لـ«عصور دانيال»، ومن قبلها «حصن التراب»، والسينما ساعدت في صنع تكنيك يجيد توزيع المعلومة في «إلياس». من ناحية أخرى، أرى الموسيقى سردية بدون كلمات، والسينما صورة تحتاج إلى تفسير. والرواية هي همزة الوصل بين الفنين، هي لسان هذا الجسد الصامت.
> هناك أيضاً ارتباط وثيق في أعمالك بالتراث والتاريخ...
- ليس فقط الكاتب ابناً لثقافته، بل إن هذه الثقافة يجب أن تظهر في أعماله، فوظيفة الأدب أيضاً أن ينبش في الثقافة ويطرح أسئلتها، ولا يتنافى ذلك مع سؤال الإنسان في أي مكان. أما المعاصرة فتلامس أكثر التكنيك، الأسلوب، البنية، ثم الموضوع الحالي مثل التكنولوجيا الجديدة مثلاً، وهو موضوع يختلف أيضاً في تلقيه من ثقافة لأخرى. أحب أن يعرف القارئ أني كاتب مصري من خلال نصوصي، حتى لو كانت المدينة متخيلة.
> قمت بترجمة أعمال أدبية لأجيال مختلفة في الرواية المكتوبة بالإسبانية، من خوان مياس، لجيوكوندا بيلي، لأندريس باربا، ومن قبلهم جوزيه ساراماغو. برأيك؛ ما الخيط الذي يمنح الرواية المكتوبة بالإسبانية لوناً خاصاً يجذب الناشر والقارئ العربي على السواء؟
- استطاعت الرواية المكتوبة بالإسبانية منذ منتصف الخمسينات أن تفرض نفسها على العالم برؤيتها الجديدة ومنظورها الفني، وجاء تيار الواقعية السحرية لينقذ فن الرواية من الضجر. منذ ذلك الحين، تعهدت هذه الرواية بتطوير فن السرد، وساهم كتّاب من أجيال مختلفة في طرح أسئلة فنية هامة تخص اللحظة الآنية، كما تخص الفن الروائي.
> تجمع بين الترجمة والكتابة الأدبية، هل تتأمل كل منهما كعمل مستقل، أم يصعب عليك الفصل بينهما وجدانياً؟
- أتعامل مع الترجمة كمهنة ودراسة، وهو عمل يستفيد من موهبة الكتابة والعلاقة باللغة، ويتطلب متابعة تطورات اللغة الأجنبية والاطلاع على الأدب الجديد. أما الكتابة فمشروع حياة، بالتالي هي بحر تصب فيه كل الأنهار، سواء نهر الترجمة أو القراءة أو تجاربي الحياتية وتأملاتي.
> ما الذي يمنحه السفر لك والتنقل بين ثقافة مدينتين، القاهرة ومدريد؟
- السفر يمنح الشك في الثوابت، والحيرة واللايقين، ويمنح انفتاح الرؤية على حقائق متعددة وكثير من التواضع.
> أهديت روايتك «للطفل الذي كُنته»... ما الدافع وراء ذلك؟
- لسنوات طويلة كانت مرحلة الطفولة غائبة عن ذاكرتي، كأنها لم تكن، ثم فجأة استردتها ككنز ضائع. وفي «عصور دانيال» أردت استحضار هذا الطفل بقوة واستمعت له، فمنحني أكثر مما أنتظر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».