أعمق نظرة للكون... لماذا تمثل صور «جيمس ويب» إنجازاً هائلاً للبشرية؟

الرئيس الأميركي جو بايدن يستمع خلال كشف النقاب عن أعمق صورة للكون على الإطلاق يتم التقاطها بالأشعة تحت الحمراء (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يستمع خلال كشف النقاب عن أعمق صورة للكون على الإطلاق يتم التقاطها بالأشعة تحت الحمراء (أ.ب)
TT

أعمق نظرة للكون... لماذا تمثل صور «جيمس ويب» إنجازاً هائلاً للبشرية؟

الرئيس الأميركي جو بايدن يستمع خلال كشف النقاب عن أعمق صورة للكون على الإطلاق يتم التقاطها بالأشعة تحت الحمراء (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يستمع خلال كشف النقاب عن أعمق صورة للكون على الإطلاق يتم التقاطها بالأشعة تحت الحمراء (أ.ب)

كُشف النقاب عن أول صورة يلتقطها تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي منذ إطلاقه في ديسمبر (كانون الثاني) الماضي. والصورة الفريدة للفضاء السحيق التي أعلن عنها الرئيس الأميركي جو بايدن فجر اليوم الثلاثاء، هي أبعد ما شاهدته البشرية على الإطلاق في تجاويف الكون، كما أنها أعمق نظرة لأي شخص إلى الوراء في الوقت أيضاً، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».
ومن المقرر أن تكشف وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن المزيد من صور «ويب» بدءاً من الساعة 10:30 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (14.30 بتوقيت غرينيتش) على موقع وكالة الفضاء.

الصور مذهلة وجميلة وتمثل إنجازاً تقنياً لا يصدق. لكنها تمثل أيضاً إنجازاً بشرياً مذهلاً - تتويجاً لعقود من العمل من قبل العلماء والمهندسين والفنيين، وعائد استثمار مليارات الدولارات، وفقاً للعالمة متعددة التخصصات في مشروع تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي هايدي هاميل.
تمثل الصور بداية عقود من المزيد من العلوم المقبلة، التي ستخبرنا أكثر من أي وقت مضى عن بداية البشرية وإلى أين نحن ذاهبون.
قالت الدكتورة هاميل لصحيفة «إندبندنت» في مقابلة، «يعد (ويب) مثالاً إيجابياً لما يمكننا فعله عندما يعمل الأشخاص ذوو النيات الحسنة عبر الحدود الوطنية لمشاركة حلم ويتجرأون على القيام بأشياء مذهلة».

* ما هو «جيمس ويب»؟
بدأ العمل المفاهيمي على تلسكوب «ويب» في عام 1996، ثم أطلق عليه اسم تلسكوب الفضاء من الجيل التالي، وهو الخلف المخطط له لتلسكوب «هابل» الفضائي، الذي تم إطلاقه في عام 1990.
لكن «ويب» كان يهدف دائماً إلى تجاوز قدرات «هابل»، بدءاً بمرآة أكبر بكثير، مما يسمح له بجمع المزيد من الضوء لرؤية المزيد من الأشياء البعيدة والخافتة. يبلغ قطر مرآة «ويب» الأساسية 6.5 متر، مقارنة بمرآة «هابل» التي يبلغ قطرها 2.4 متر فقط، وفقاً لعالم الكونيات بجامعة شيكاغو مايكل غلاديرز.
https://twitter.com/NASAWebb/status/1546629482420834313?s=20&t=tvxLPOtFkIIU1z5bjEjQRA
* ما أهمية الصور؟
يعني ذلك أنه يمكن أن يقدم صوراً أكثر وضوحاً من تلسكوب «هابل»، ويجلب أدوات للبحث عن إجابات للأسئلة الأساسية حول الحياة والكون بتفاصيل أكبر من أي وقت مضى.
قال غلاديرز، «سوف يُحدث التلسكوب ثورة في فهمنا للكون عبر نطاق هائل من المقاييس، من خصائص الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى قريبة، إلى النجوم الأولى التي تشكلت من الغاز البدائي في العصور المظلمة للكون، بعد فترة وجيزة من الانفجار الكبير».
يبلغ عمر أبعد المجرات في صورة المجال العميق لـ«ويب» التي تم إصدارها أمس (الاثنين) حوالي 13 مليار سنة، لكن «ويب» سيذهب إلى أبعد من ذلك. قام «هابل» بتصوير المجرات التي تشكلت حوالي 480 مليون سنة بعد الانفجار العظيم، سيقوم «ويب» في النهاية بتصوير المجرات التي تشكلت في غضون 200 مليون سنة من ذلك.
وتعد صورة يوم الاثنين مهمة للأمور المقبلة، وهذا يشير إلى كيف يمكن لـ«ويب» تغيير فهمنا لطريقة نشوء الحياة - كيف أصبح كل شيء ما هو عليه الآن، وفقاً للتقرير.
https://twitter.com/NASA/status/1546621144358391808?s=20&t=tvxLPOtFkIIU1z5bjEjQRA
قال جون ماثر، عالم الفيزياء الفلكية الحائز على جائزة «نوبل»، وكبير علماء مشروع «ويب» في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا في بيان، «ماذا حدث بعد الانفجار الكبير؟... كيف تبرد الكون المتسع وتسبب بظهور الثقوب السوداء والمجرات والنجوم والكواكب والأشخاص؟».
ستقدم المجموعة الكاملة من صور «ويب» الأولى التي سيتم إصدارها اليوم (الثلاثاء) أيضاً تلميحات حول كيفية قيام الأداة بتغيير فهم الإنسان لمكاننا في الكون.
https://twitter.com/NASAWebb/status/1546621167427092480?s=20&t=tvxLPOtFkIIU1z5bjEjQRA
بالإضافة إلى الصور الأكثر وضوحاً وتفصيلاً للأهداف التي صورها «هابل» سابقاً، مثل «كارينا» وSouthern Wheel Nebulae»»، ستشمل الصور طيف الضوء من كوكب خارج المجموعة الشمسية (WASP - 96 b)، وهو عملاق غازي يبلغ حجمه حوالي نصف حجم كوكب المشتري، ويبعد حوالي 1150 سنة ضوئية من الأرض.
وبتطبيقه على أكثر من 5 آلاف كوكب خارج المجموعة الشمسية تم اكتشافها حتى الآن، سيكون لدى «ويب» أفضل فرصة لاكتشاف البصمات الحيوية للغلاف الجوي للكائنات الفضائية، حيث تغير الكائنات الحية الغلاف الجوي لعالم آخر بالطريقة التي غيرت بها الميكروبات المبكرة الغلاف الجوي للأرض عن طريق إنتاج الأكسجين.

* «يوم تاريخي»
نشرت «ناسا» أمس أعمق صورة للكون على الإطلاق يتم التقاطها بالأشعة تحت الحمراء، ظهرت فيها بعدسة التلسكوب الفضائي «جيمس ويب» آلاف المجرات التي تشكلت بعيد الانفجار العظيم قبل أكثر من 13 مليار سنة.
وقال بايدن في حفل أقيم بالبيت الأبيض، ونشرت خلاله باكورة حصاد التلسكوب الفضائي، إن هذه الصورة العلمية والملونة، التي التقطت بالأشعة تحت الحمراء هي الأولى من نوعها، وتمثل يوماً «تاريخياً».
https://twitter.com/WhiteHouse/status/1546618541436182528?s=20&t=tvxLPOtFkIIU1z5bjEjQRA
ونشرت هذه الصورة بعد ستة أشهر من إطلاق «جيمس ويب»، أقوى تلسكوب فضائي على الإطلاق. وأشارت «ناسا» إلى أن هذه الصورة هي «الأكثر عمقاً والأكثر وضوحاً التي تُلتقط للكون حتى اليوم».
ولا تستطيع العين البشرية رؤية الأشعة تحت الحمراء، لكن التلسكوب «جيمس ويب» مجهز بتقنيات تمكنه من ذلك. وتظهر في الصورة التي نشرتها «ناسا» آلاف المجرات التي تشكلت بعيد الانفجار العظيم وولادة الكون.
ومن المقرر أن تنشر «ناسا» اليوم صوراً أخرى التقطها التلسكوب نفسه، وذلك خلال حفل ينتظره بفارغ الصبر عشاق الفضاء حول العالم.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

لقي مسلح أطلق النار على عناصر من الخدمة السرية قرب البيت الأبيض مصرعه، مساء السبت، بعد إصابته بالرصاص، وفق ما أفاد الجهاز في بيان نشرته وسائل إعلام أميركية.

وأشار جهاز الخدمة السرية في البيان إلى أن أحد المارة أصيب أيضاً بالرصاص خلال تبادل إطلاق النار، دون أن يقدم معلومات عن حالته.

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)

وأوضح جهاز الخدمة السرية، أنه بعدما فتح المسلح النار على عناصر أمنية عند نقطة تفتيش قرب البيت الأبيض، «رد عملاء الخدمة السرية بإطلاق النار، ما أسفر عن إصابة المشتبه به الذي نقل إلى مستشفى في المنطقة حيث توفي لاحقا».

وانتشرت الشرطة وقوات الأمن بكثافة في المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجوداً في البيت الأبيض في ذلك الوقت حيث كان يعمل على التفاوض بشأن اتفاق مع إيران.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (إ.ب.أ)

وطوّقت الشرطة مداخل البيت الأبيض، وقال جهاز الخدمة ​السرية الأميركي إنه على علم بالتقارير التي ‌تفيد ‌بوقوع ​إطلاق ‌نار ⁠في واشنطن ​العاصمة، عند ⁠تقاطع شارع 17 وشارع بنسلفانيا شمال غرب بالقرب ⁠من البيت ‌الأبيض.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».