بلاتر.. «ديكتاتور فيفا» والخيار الأخير

الرجل المخضرم أكد أنه لا يخشى المساءلة

بلاتر.. «ديكتاتور فيفا» والخيار الأخير
TT

بلاتر.. «ديكتاتور فيفا» والخيار الأخير

بلاتر.. «ديكتاتور فيفا» والخيار الأخير

لم يلعب كرة القدم، لكنه ظل يسيطر على أكبر مؤسسة تدير اللعبة في العالم لقرابة عقدين، ربما لا يدرك ما هي مهارة كرة القدم، لكنه يملك كل مهارات السياسي القادر على الإطاحة بأقوى الخصوم، إنه السويسري جوزيف بلاتر، الذي قدم استقالته أمس بعد أربعة أيام من إعادة  انتخابه رئيسا للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لولاية خامسة .
لا يعيره وصف الديكتاتور فهو يقود «فيفا» منذ عام 1998، نجح خلالها في فرض سيطرته وسطوته مستعينا بمقدراته الشخصية أحيانا، وجبروت الاتحاد الدولي أحيانا أخرى.

ألقاب عدة تطلق على السويسري ضئيل الحجم، منها «الأخطبوط» و«نابليون» و«الثعلب الصغير»، وجميعها تنطبق عليه، فبلاتر الذي يتحدث الفرنسية والإنجليزية والألمانية بطلاقة يدرك حسابات خطواته، فهو رجل خبير بالاقتصاد، ويعلم معنى الصبر والقتال من تجربته في الجيش السويسري، لذا عرف كيف يكسب معاركه ويفرض سيطرته على مقعد رئاسة جمهورية العالم لكرة القدم حتى ولو كانت كل «أوروبا مهد اللعبة» ضده.
لا يعيره وصف الديكتاتور فهو يقود «فيفا» منذ عام 1998، نجح خلالها في فرض سيطرته وسطوته مستعينا بمقدراته الشخصية أحيانا، وجبروت الاتحاد الدولي أحيانا أخرى، وأكد خلال مسيرته وبما لا يدع مجالا للشك أنه الرجل القادر على تحطيم خصومه حتى وإن كان مطاردا بفضائح فساد.
وما زالت في أذهان المتابعين لكرة القدم العالمية ذكريات المعركة الانتخابية الأولى أمام رئيس اتحاد الكرة الأوروبي آنذاك، السويدي لينارت يوهانسون عام 1998، وكيف استطاع الأخطبوط بلاتر أن يفوز برئاسة «فيفا» خلفا للبرازيلي هافيلانج (الداعم القوي له)، وما تردد بعد ذلك من اتهامات بدفع رشى للكثير من ممثلي الاتحادات لأجل ترجيح كفته.
وتكرر الأمر في عام 2002 بانتصار كاسح على رئيس اتحاد الكرة الأفريقي، عيسى حياتو، في موقعة استطاع فيها بلاتر الاستعانة بأقوياء اللجنة التنفيذية لتحجيم تطلعات المنافس الأفريقي.
وبعد أول معركتين أدرك المنافسون على ما يبدو أنه لا سبيل أمامهم في الفوز على بلاتر، فتم ترشيحه بالتزكية لفترة رئاسية ثالثة عام 2007.
واختلف الحال في عام 2011. فقد بدأ بلاتر الإعداد لحملة ترشحه لولاية رابعة في أعقاب جدل واسع، حول فوز كل من روسيا وقطر بحق تنظيم كأس العالم لعامي 2018 و2022. وانقسم رجال «فيفا» بين معسكر مؤيد وآخر مشكك، قبل أن تطفح على السطح قضايا فساد هزت أرجاء الاتحاد الدولي.
وما زاد من سخونة سباق الترشح لرئاسة «فيفا» عام 2011 هو دخول القطري محمد بن همام، رئيس الاتحاد الآسيوي آنذاك، منافسا لبلاتر، فأصبح صديق الأمس عدوا، وانفتحت الملفات السرية ليفاجأ العالم بانسحاب بن همام ثم باتهامه بقضايا فساد قبل أن تصدر لجنة القيم التابعة لـ«فيفا» قرارها بحرمانه من العمل الرياضي مدى الحياة. وانفتح الطريق أمام بلاتر للفوز بولاية رابعة وتعهد العجوز السويسري أن تكون هي الأخيرة له في رئاسة أكبر منظومة في العالم.
وبعد أن قطع بلاتر عهدا أنه لن يترشح لولاية خامسة عمل خلافا لذلك على إدخال تعديلات على قوانين المنظمة العالمية لا تحدد عمرا معينا للمرشح ولا عدد الولايات المتتالية.
وعلت الأصوات وكان أوضحها للفرنسي ميشال بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي متهما السويسري بـ«الخداع والكذب»، وكثرت الترشيحات في وجه «الأخطبوط» حتى رسا العدد الأخير على ثلاثة منافسين انسحب منهم رئيس الاتحاد الهولندي ميكايل فان براغ والدولي البرتغالي السابق لويس فيغو ليبقى الأمير علي وحيدا في السباق.
لكن لا العاصفة الهوجاء التي طالت 14 مسؤولا في الفيفا بقضايا فساد، ولا الاصطفاف الذي تشكل، أثرا على انتخاب بلاتر من الجولة الثانية، وهو الذي قال في كلمة قبل التصويت «حملوني مسؤولية العاصفة، لكنني أعد بفيفا قوي»، مضيفا: «أنا معكم وببساطة أريد أن أبقى معكم أنا ربان لسفينة تترنح لكن سأقودها إلى بر الأمان».
وأوضح «أن الفيفا يحتاج إلى قائد قوي ومحنك لديه تجربة ويعرف الخفايا.. كل ما قمنا به ونقوم به وسنقوم به مبني على الثقة والمبادئ والروح الرياضية، ولكن سوف نقوم بتغيير بعض الأشياء».
كان بلاتر حتى قبل الانتخابات الأخيرة بيومين يعتقد بأن انتخابه لولاية خامسة سيكون مسألة روتينية كما جرت العادة خلال الانتخابات الأربعة السابقة رغم وجود الأمير علي في وجهه، لكنه صدم بالزلزال القضائي الذي وضع كثير من رجاله المقربين في دائرة الشبهات.
يحسب لبلاتر أنه جلب الكثير من الأموال للاتحاد الدولي ومساهمته في الارتقاء باللعبة في البلدان الفقيرة، لكن الرجل «الثعلب» هو من تبنى فكرة عدوه بن همام، لتنفيذ مشروع الهدف، ببناء مراكز للاتحادات وملاعب في البلدان التي تعاني ماليا لينال دعم القارات المستضعفة كرويا أمام سطوة أوروبا، وهو الأمر الذي كان له تأثير كبير في التصويت الأخير حيث رجحت أصوات أفريقيا وآسيا أسهمه أمام الأمير علي.
ديكتاتور الفيفا المنتخب، صرح بعد لحظات من فوزه بأنه يسامح الجميع لكنه لن ينسى، في تلميح ضد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي شنت الحرب ضده. وأوضح بلاتر أن الأحداث التي سبقت إعادة انتخابه للفيفا «تنبعث منها رائحة كريهة» وأنه كان ضحية للكراهية. ولمح بلاتر إلى أنها لم تكن مجرد مصادفة أن تلقي الشرطة السويسرية القبض على سبعة مسؤولين كبار في كرة القدم بينهم نائب رئيس الفيفا جيفري ويب قبل يومين من المؤتمر السنوي للاتحاد الدولي وانتخابات الرئاسة التي تتهمهم الولايات المتحدة بالفساد.
والاعتقالات متصلة بفضيحة رشوة تحقق فيها الولايات المتحدة وسويسرا ووكالات أخرى لإنفاذ القانون ووضعت الفيفا في خضم أسوأ أزمة في تاريخه الممتد منذ 111 عاما.
وقال بلاتر: «لن يستطيع أحد أن يقنعني بأنها كانت مجرد مصادفة أن يحدث الهجوم الأميركي قبل يومين من انتخابات الفيفا وبعد ذلك رد فعل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ورئيس الاتحاد الأوروبي ميشال بلاتيني. لا يستطيع أحد أن يقنعني... لست متأكدا لكنه ليس أمرا جيدا». وتابع: «لماذا لم تفعل الشرطة ذلك في مارس (آذار) الذي شهد الاجتماع نفسه. في هذا الوقت كان هناك عدد أقل من الصحافيين».
وقال بلاتر: «إنها كراهية ليست فقط من شخص واحد في الاتحاد الأوروبي لكن من منظمة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم التي لم تفهم أنني الرئيس منذ 1998».
ظهر رئيس الاتحاد الدولي  السابق لكرة القدم أشبه برجل أعزل دخل عرين الأسد عندما واجه ممثلي وسائل الإعلام في أول مؤتمر صحافي عقب انتخابه، ورغم الخبرة والجرأة التي يتمتع بها في التعامل مع مثل هذه المواقف، وجد صعوبة في إيجاد الردود المثالية وظهرت عليه العصبية لدى تلقيه بعض الأسئلة.
وتعددت أسئلة لم يألفها من قبل، ما بين «هل أنت خائف من الاعتقال؟» و«لماذا لم تتنح عن الرئاسة؟»، فوقف بلاتر البالغ من العمر 79 عاما مكتوف الأيدي وبذل قصارى جهده من أجل تصوير نفسه بأنه الرجل الوحيد القادر على إصلاح المنظمة ووجد مخرجا له بالهجوم على أعدائه الرئيسيين في أوروبا.
الرجل الذي استطاع من قبل التغلب على كل منافسيه من يوهانسون رئيس الاتحاد الأوروبي القوي إلى تدمير بن همام والقضاء على التريندادي جاك وارنر (رغم أن الأخيرين كانا من أبرز مسانديه وهما نائبان للفيفا)، يعلم أن غالبية دول العالم غير مقتنعة بفوزه بولاية خامسة وأن دائرة التربيطات والمصالح هي التي رجحت كفته.
ومع اعتقال سبعة أشخاص في سويسرا وشخص آخر في ترينداد وتوباغو، بالإضافة إلى أربعة أشخاص آخرين اعترفوا بتهم فساد تتعلق بالفيفا في التحقيقات الأميركية، لا تزال الكثير من التساؤلات تحيط بمدى قدرة الفيفا على إصلاح نفسه.
وكان خصوم بلاتر في السابق أغلبهم منافسين في حقل كرة القدم، لكن الدائرة اتسعت الآن لتضم رعاة وسياسيين وخصوما من أوروبا ينادون بضرورة تغيير كامل في ثقافة الفيفا.
ودخل الأمير البريطاني ويليام دائرة النقاش بشأن الفيفا باعتباره رئيسا للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، على هامش نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي يوم السبت الماضي بقوله: «من يدعمون الفيفا، مثل الرعاة والاتحادات القارية، يجب أن يؤدوا واجبهم بالضغط من أجل هذه الإصلاحات، إننا نعمل لمصلحة كرة القدم ولن يرضى مشجعوها إلا بذلك».
لقد أعلن الإنجليز الحرب على الرجل المخضرم منذ ما يزيد عن 10 سنوات لأنهم يرون أن بلاتر وحاشيته من الفاسدين كانوا وراء إقصائهم من سباق الفوز بتنظيم كأس العالم مرتين، الأولى عام 2006 لصالح ألمانيا، والثانية لعام 2018 لصالح روسيا، رغم أن ملفهم كان الأقوى بشهادة الخبراء في المرتين.
ووسط سحب الدخان التي تحيط بالـ«فيفا» ورجاله، قدم الأخطبوط بلاتر استقالته لأنه أدرك بنفسه أنه لم يمر بلحظات مريرة كهذه من قبل، فإن رأب الصدع في أكبر منظمة تدير كرة القدم قد يستدعي هذه المرة التضحيات.
إن بلاتر الذي سبق أن عمل في شبابه مديرا للعلاقات العامة في شركة «لونجين» السويسرية لصناعة الساعات، يراعي الدقة في خطواته، كما عقارب الساعة، وهو يحمل تجربة تراكمية في مؤسسات مختلفة جعلت منه خبيرا في التعامل مع كافة القضايا.
لقد عمل بلاتر رئيسا لشؤون الأفراد بهيئة «واليس» للنقل، ثم سكرتيرا عاما للاتحاد السويسري لهوكي الجليد، ثم خبيرا تسويقيا، قبل أن يفوز برئاسة الجمعية السويسرية للصحافة الرياضية، وهو المنصب الذي دفعه للانضمام لعائلة: «فيفا» عام 1975.
وقام الرئيس السابق للفيفا، جواو هافيلانج، بترقية بلاتر لمنصب السكرتير العام للاتحاد عام 1981، حيث تولى هذا المنصب خلفا لهيلموت كايزر الذي أصبح والد زوجة بلاتر بعدها بوقت قصير، قبل الخلاف والقطيعة. وفي عام 1998، أي بعد 17 عاما أخرى، تولى بلاتر رئاسة الفيفا خلفا لهافيلانج.
مسيرة بلاتر، الذي يشهد له الجميع بالدهاء، حافلة بالإنجازات كما هي حافلة بالصراعات والشبهات، ويحسب لرئيس «فيفا» رؤيته الاقتصادية التي جعلت من الاتحاد الدولي لكرة القدم أغنى منظمة رياضية وغير رياضية، فهو صاحب فكرة التسويق الإعلاني طويل الأجل لبطولاته، التي كانت وراء ضخ المليارات لـ«فيفا»، والإيمان بدور كرة القدم كمركز جذب للتنمية البشرية صحيا وتعليميا.
يحسب أيضا لبلاتر الوفاء بتعهده بأن كرة القدم للجميع، والجميع لا بد من العمل لأجل كرة القدم، فوضع بصمته في ملاعب أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا والدول الفقيرة. وهو من ساند التنظيم المشترك لمونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، وقاتل من أجل تنظيم أفريقيا مونديال 2010.
لكن على الوجه الآخر، كان توزيع ثروات الفيفا محل ارتياب مؤسسات الرقابة المالية وزيادة رقعة الفساد في المنظمة الكبرى، خاصة أن اللجنة التنفيذية بأعضائها العشرين كانت هي المتحكمة في كل الأمور في السابق قبل أن تتحول السلطات لأعضاء الكونغرس العام (209 أعضاء).
 

.. في سطور

* ولد في العاشر من مارس 1936 في مدينة فيسب السويسرية.
* تخرج في جامعتي سيون وسان موريتس في سويسرا ثم حصل على شهادة في إدارة الأعمال والاقتصاد من كلية الحقوق في جامعة لوزان.
* أصبح عضوا في مجلس إدارة نادي نيوشاتل من 1970 إلى 1975.
* عمل رئيسا للعلاقات العامة لإدارة السياحة في منطقة فاليه السويسرية ثم أصبح عام 1964 أمينا عاما للاتحاد السويسري لهوكي الجليد.
* عمل مديرا لإدارة مستلزمات التوقيت الرياضي والعلاقات العامة في شركة لونجين للساعات وشارك في تنظيم دورة الألعاب الأولمبية عامي 1972 و1976 ليتعامل لأول مرة مع الساحة الرياضية العالمية.
* أصبح بلاتر أمينا عاما للفيفا في 1981 وبعد 17 عاما من الخدمة تحت قيادة الرئيس السابق جواو هافيلانج حل بلاتر محل سلفه البرازيلي رئيسا للاتحاد الدولي في 1998.
* واجه بلاتر المتاعب في 2002 عندما زعم الأمين العام للفيفا في ذلك الوقت ميشال زين روفينن أن فوز بلاتر في الانتخابات التي جرت عام 1998 كان عن طريق الرشوة والفساد وأن الفيفا يعاني من سوء إدارة مالية وعلى أعلى المستويات.
* فاز على الكاميروني عيسى حياتو رئيس الاتحاد الأفريقي في انتخابات رئاسة الفيفا عام 2002 قبل أن ينتخب بالتزكية رئيسا للفيفا لفترة ثالثة عام 2007.
* فاز بفترة رئاسة رابعة في عام 2011 عندما تم استبعاد منافسه القطري محمد بن همام من الفيفا بسبب اتهامات بالرشوة.
* تجاوز بلاتر سلسلة من الفضائح خلال فترة رئاسته الأخيرة والتي شملت اتهامات واسعة النطاق بأن قطر اشترت حق استضافة كأس العالم 2022 ونفت قطر دوما ارتكاب أي مخالفات.
* مثل أمام لجنة القيم بالفيفا في عام 2011 في أعقاب فضيحة الرشى التي أدت لإيقاف بن همام مدى الحياة، ولم يتم اتهام بلاتر على الإطلاق بالحصول على رشى إلا أن هناك مزاعم عن علمه بوجود تلك الظاهرة وعدم تحركه للتصدي لها ولم تثبت كافة الاتهامات الموجهة إليه.
* تعهد بلاتر في عام 2011 بعدم الترشح مجددا في 2015 إلا أنه أعلن لاحقا أنه سيسعى لفترة ولاية خامسة في منصبه لمواصلة مهمته.
* أعيد انتخابه لولاية خامسة الجمعة الماضية بعدما أقر منافسه الوحيد الأمير علي بن الحسين بالهزيمة قبل خوض جولة ثانية من التصويت بعد حصول بلاتر على 133 صوتا وحصول الأمير الأردني على 73 صوتا.
* قدم استقالته من رئاسة الفيفا أمس.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.