وثيقة أطلسية تاريخية تحدد أولويات الحلف في ضوء حرب أوكرانيا

البلدان الأعضاء ترى عدم استبعاد وقوع اعتداء آخر على إحدى الدول الحليفة

وثيقة أطلسية تاريخية تحدد أولويات الحلف في ضوء حرب أوكرانيا
TT

وثيقة أطلسية تاريخية تحدد أولويات الحلف في ضوء حرب أوكرانيا

وثيقة أطلسية تاريخية تحدد أولويات الحلف في ضوء حرب أوكرانيا

اعتمدت القمة التي عقدها قادة حلف شمال الأطلسي «ناتو» أواخر الأسبوع الفائت، في العاصمة الإسبانية مدريد، «المبدأ الاستراتيجي» الذي يحدد إطار أنشطة الحلف والخطوط التوجيهية لعملياته في مواجهة التحديات التي تواجه الدول الأعضاء والتهديدات التي يحتمل أن تتعرض لها خلال السنوات العشر المقبلة. هذا المبدأ الاستراتيجي الجديد، وهو التاسع منذ تأسيس الحلف عام 1949 في واشنطن، يهدف إلى التكيف مع التغيير العميق الذي طرأ على المشهد الجيوسياسي الدولي بعد دخول الجيش الروسي إلى أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. وكان هذا التطور قد أنهى ربع قرن من التعايش السلمي بين «ناتو» والاتحاد الروسي بعدما تعرض لاهتزاز قوي عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في العام 2014. أما أبرز ما في العناوين الرئيسية لاستراتيجية الدفاع الأطلسية الجديدة فهو تحديدها روسيا مصدراً لـ«التهديد المباشر الأكثر خطورة» على أمن الدول الأعضاء، ولأول مرة في تاريخ الحلف وضعت «العملاق الصيني» في مرتبة «التحدي المنهجي الأول» على امتداد القرن الـ21، غير أن هذه ليست وحدها المستجدات التي تتضمنها هذه الوثيقة الأساسية التي ستكون «خريطة الطريق» الغربية في الصراع الذي سيحدد معالم المعادلات الأمنية الدولية في العقود المقبلة. وهي التي تشكل إشارة الانطلاق نحو مرحلة جديدة بالنسبة لهذا الحلف الذي كان دخل في حالة «موت سريري» منذ أشهر ليصبح اليوم الأداة الأساسية في مواجهة «مرحلة حرجة بالنسبة للاستقرار والسلم في العالم»، كما جاء في نص الوثيقة.
«نحن رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في حلف الدفاع الأطلسي، المجتمعين في مدريد إبان مرحلة حرجة بالنسبة لأمننا وللسلم والاستقرار في العالم، قررنا اعتماد المبدأ الاستراتيجي الجديد الذي يضمن جهوزية الحلف (ناتو) والموارد التي تمكنه من التصدي لتحديات المستقبل».
بهذه الفقرة الاستهلالية يحدد قادة الحلف المسافة البعيدة الفاصلة بين السياسة الدفاعية الجديدة، وتلك التي كانت المنظمة الأطلسية وضعتها في «قمة لشبونة» عام 2010، وكانت يومها اكتفت بالإشارة إلى استعداد الحلف لمواصلة دوره في الدفاع عن الأمن المشترك للدول الأعضاء. وبذلك تكون «قمة مدريد» قد أعلنت نهاية مرحلة الانفراج الذي ساد العلاقات بين الغرب وموسكو منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية «الحرب الباردة».
- تعهد صريح
أيضاً، يتعهد قادة «ناتو» في الوثيقة الدفاعية الجديدة «القيام بما يلزم لحماية المليار مواطن في الدول الأعضاء، والدفاع عن أمنهم وديمقراطيتهم وسلامة أراضيهم»، ويعقدون العزم على «التصدي متحدين لكل التهديدات بغض النظر عن مصدرها».
هذا التعهد الصريح يؤسس لما يعتبره الحلف حقه في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد والقوانين، والذي انتهكه فلاديمير بوتين بشكل مفضوح ويتعرض للتهديد غير المباشر من الصين. وهو مفهوم يتجاوز بوضوح الاعتبارات الجغرافية التقليدية للدفاع، انطلاقاً من التشخيص الأطلسي الذي مفاده أن موسكو وبكين كانتا قد اتفقتا، قبيل بداية غزو أوكرانيا، على رص الصفوف لإنشاء نظام بديل عن النظام الديمقراطي الليبرالي الذي تعتبره روسيا والصين أداة بيد الغرب للهيمنة على العالم.
من ناحية ثانية، رغم إعلان القادة الأطلسيين عن استعدادهم للتعاون الوثيق مع البلدان الأخرى والمنظمات الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، للمساهمة في توطيد السلم والأمن الدوليين، فإنهم يعتبرون «أن العدوان الذي شنه الاتحاد الروسي ضد أوكرانيا دمر السلم وأحدث تغييراً خطيراً في المشهد الأمني، بعد الانتهاكات المتكررة للقانون الإنساني الدولي والدمار الهائل الذي أوقعه. الأمر الذي يجعل من المستحيل التنبؤ بما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة من تطورات، ويستدعي تعزيز الجهوزية لمواجهتها». غير أن «خريطة الطريق» الجديدة للحلف لا تقف فحسب عند «الأعمال العدوانية التي تقوم بها روسيا ضد جيرانها ولمنطقة المحيط الأطلسي عموماً»، بل تضيف إليها تهديدات الإرهاب واتساع دائرة الاضطرابات في معظم المناطق، والمنافسة الاستراتيجية المتنامية، وصعود الأنظمة الاستبدادية التي تشكل هي أيضا تهديداً لمصالح حلف شمال الأطلسي وقيم أعضائه.
- توسيع دائرة المواجهة
هذه المقاربة الجغرافية الجديدة التي توسع دائرة المواجهات المحتملة لتشمل جهات العالم الأربع، تولي أيضا اهتماماً خاصاً بالتهديدات التي تواجه «بلدان الجنوب» مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، وتدعو إلى تعزيز قدرات الردع والدفاع عن طريق زيادة ملحوظة في موازنات الإنفاق العسكري. إذ تشدد الوثيقة الاستراتيجية الأطلسية على أهمية القدرات الوطنية والمشتركة والاستثمار في مجال الابتكار التكنولوجي ومواجهة تداعيات التغير المناخي وتدفقات الهجرة من البلدان المجاورة. وكذلك تفرد الوثيقة باباً خاصاً لضرورة تأمين جميع سلاسل الإمدادات الحيوية، بعد الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها أسواق الحبوب والطاقة وأظهرت كيف أن الترابط العالمي بينها من شأنه أن يتحول إلى سلاح فاعل جداً. وهو ما يقضي بزيادة القدرات على الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية والاستراتيجية، أو الاعتماد على مصادر توريد صديقة.
ومن جهة أخرى، تدعو الوثيقة إلى توطيد العلاقات مع الدول التي تتبنى مبادئ احترام السيادة الوطنية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والقانون الدولي، والتي وإن كانت تقع خارج الإطار الجغرافي التقليدي للحلف فإنها تندرج ضمن دائرة مواجهة دولية على أسس آيديولوجية، وبالأخص، تلك الواقعة في الشرق الآسيوي مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا... التي دعيت للمرة الأولى للمشاركة في قمة أطلسية.
وللمرة الأولى أيضا، يشير المبدأ الاستراتيجي إلى أن الحلف هو «المنظمة الوحيدة، والأساسية، والتي لا غنى عنها» لتنسيق السياسات الدفاعية بين الدول الأعضاء. وهو ما يمكن تفسيره بأنه إشارة إلى المسارات الأخرى للاندماج العسكري، كالذي تدعو إليه بعض الدول داخل الاتحاد الأوروبي، التي بات من الواضح أنها لا بد أن تبقى تحت المظلة الأطلسية بعدما عززت الحرب في أوكرانيا الدور المحوري للحلف.
- احتمالات عدوان آخر
ولكن لعل التطور الأهم في المبدأ الاستراتيجي الجديد، الذي تمخضت عنه قمة مدريد، هو إعلان البلدان الأطلسية اقتناعها بأن انتهاك الاتحاد الروسي للقواعد والمبادئ التي يقوم عليها الأمن الأوروبي يفرض عليها عدم استبعاد وقوع اعتداء آخر على أحد الدول الحليفة ووحدة أراضيها، فضلاً عن اعتبار التهديدات التي تواجه الحلف أصبحت «عالمية» و«مترابطة».
هذا الموقف لا يرقى إلى «إعلان حرب» - يردد «ناتو» على الدوام منذ بداية غزو أوكرانيا - أنه يريد أن يتحاشاها، إلا أنه اتهام صريح ومباشر لروسيا بأنها المسؤولة عن انتهاك القواعد التي كانت تضمن السلم والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية. ويجدر التذكير أنه في حين كان المبدأ الاستراتيجي الأخير الذي اعتمده الحلف في «قمة لشبونة» يعرب عن الارتياح لكون «المنطقة الأوروبية الأطلسية تنعم بالسلم، ويتدنى خطر تعرض البلدان الأعضاء لهجوم بالأسلحة التقليدية»، يشير المبدأ الجديد إلى «تهديدات عالمية ومترابطة». كما يوجه الحلف اتهامات ضد «الجهات المستبدة التي تهدد مصالحنا وقيَمنا وأسلوب العيش الديمقراطي» باستثماراتها المتنامية في الأجهزة الحربية التقليدية والنووية والصاروخية المتطورة من غير شفافية أو احترام للقواعد والتعهدات الدولية المرعية، واستغلالها للترابط الرقمي المفتوح في البلدان الغربية.
لا تسمي الوثيقة الجهات التي توجه إليها أصابع الاتهام، إلا أن أسماء البلدان المقصودة واضحة من غير الحاجة للإشارة إليها صراحة. فالاستثمارات الضخمة في المجال العسكري تحال إلى الصين التي تطور ترسانتها الحربية بوتيرة غير مسبوقة، والتدخل في العمليات الديمقراطية تقف وراءه روسيا بمحاولاتها التأثير في الانتخابات، واستغلالها تدفقات الهجرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي في محاولة لزعزعة الاستقرار السياسي في هذه البلدان.
يُذكر أنه في العام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أسقط «ناتو» من خطابه لغة المواجهة مع موسكو واستعاض عنها بالتنسيق والتعاون. بل إنه توصل إلى توقيع ميثاق تأسيسي لتطوير العلاقات مع روسيا مع احتمال انضمامها إلى أسرة الحلف. وفي العام 2010 كان الرئيس الروسي - آنذاك - ديميتري ميدفيديف ضيف الشرف في «قمة لشبونة» الأطلسية. لكن ارتماء أوكرانيا في أحضان الغرب أثار حفيظة موسكو، ثم غضبها، فكانت خطوة ضم شبه جزيرة القرم التي شكلت بداية انهيار التعايش السلمي بين الطرفين.

- روسيا مصدر تهديد
تعتبر الوثيقة الاستراتيجية الجديدة للحلف أن الاتحاد الروسي هو «أخطر تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة الأطلسية». وهي تتهم موسكو بأنها تسعى إلى إرساء مناطق نفوذها وسيطرتها المباشرة عن طريق التهديد والتخريب والعدوان، مستخدمة الوسائل التقليدية والسيبرانية والهجينة ضد أعضاء الحلف وشركائه. وإذ تنبه الوثيقة من أن لجوء روسيا إلى استخدام القوة لتحقيق أهدافها السياسية يقوض النظام الدولي القائم على القواعد والقوانين، فإنها تحذر من تطوير ترسانتها النووية والمنظومات الصاروخية والتهويل باستخدامها.
ومن ثم تضيف الوثيقة أن موسكو تهدف إلى زعزعة الاستقرار في بلدان أوروبا الشرقية والجنوبية، في حين تعرقل حرية الملاحة في شمال المحيط الأطلسي. وتسعى كذلك إلى توسيع دائرة نفوذها العسكري في البلطيق والبحر الأسود والمتوسط ما يشكل خطراً مباشراً على المصالح الأطلسية، خاصة بعد الاندماج العسكري الذي بات وشيكاً بين موسكو و«جارتها النووية» أيضا بيلاروسيا. ولكن في المقابل، يعرب الحلف عن استعداده لإبقاء قنوات الاتصال والحوار مفتوحة مع موسكو بهدف إدارة المخاطر والحد منها، ومنع التصعيد في الأزمات. ويؤكد أن أي تعديل في العلاقة يبقى مشروطاً بوقف الأعمال العدوانية التي تقوم بها موسكو وامتثالها التام للقانون الدولي. ويتابع أنه إلى أن يتحقق ذلك يقرر «ناتو» إنهاء الشراكة الاستراتيجية التي أقامها مع روسيا منذ ثلاثين سنة، تاركاً نافذة مفتوحة للحوار من أجل احتواء التصعيد بين الترسانتين النوويتين الكبريين في العالم.
وللمرة الأولى أيضا تشير الوثيقة الاستراتيجية للحلف إلى بلدان الجوار الجنوبي - خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل - التي تواجه أزمات أمنية وديموغرافية واقتصادية وسياسية مترابطة تتفاقم جراء تغير المناخ والجوائح الصحية وانعدام الأمن الغذائي، ما يشكل أرضاً خصبة لتنامي الجماعات الإرهابية ويسهل تغلغل المنافسين الاستراتيجيين للحلف في هذه المناطق.
وأما بالنسبة إلى الصين، فهي كانت غائبة بشكل كلي عن الاستراتيجية الدفاعية التي اعتمدها «ناتو» في لشبونة، أفردت لها استراتيجية مدريد باباً كاملاً يعرض التحديات الناشئة عن الوتيرة السريعة لزيادة القدرات العسكرية الصينية، وتطوير أنظمة صاروخية معقدة، والتمدد في المحيط الإقليمي وخارجه.
أخيراً، من النتائج التاريخية الأخرى التي أسفرت عنها «قمة مدريد» الأطلسية كان قبول ترشيح السويد وفنلندا لعضوية «ناتو»، بعد قرار تركيا سحب «الفيتو» على طلب الترشيح الذي يقتضي موافقة الدول الأعضاء عليه بالإجماع. ومعروف أن أنقرة كانت قد اشترطت لسحب «الفيتو» أن تتجاوب الدولتان مع مطالبها لتسليم المطلوبين المتهمين بارتكاب أعمال إرهابية والمشاركة في محاولة الانقلاب الأخيرة، ورفع الحظر المفروض على تصدير أسلحة وأجهزة حربية متطورة إلى تركيا. ورغم التفاؤل الذي شاع في الأوساط الأطلسية بعد القرار التركي الذي فتح أبواب المنظمة العسكرية أمام اثنتين من الدول التي منذ عقود تجسد سياسة الحياد بين المعسكرين، ذكرت أنقرة بأن موافقتها اقتصرت على قبول الترشيح، وأن الموافقة النهائية على العضوية - التي تقتضي تصديق برلمانات الدول الحليفة - تبقى مشروطة بالخطوات العملية التي تتخذها السويد وفنلندا للوفاء بالتعهدات.

ستولتنبرغ

- ينس ستولتنبرغ... من مناضل في الحركات السلمية إلى أمين عام لـ«ناتو»
> حتى بلوغه العاشرة من العمر لم يكن النرويجي ينس ستولتنبرغ قد تعلم القراءة والكتابة، إذ كان يواجه صعوبة كبير في النطق، بجانب معاناته من السمنة. ثم إنه لم يكن في طفولته أي شيء يوحي بأنه سيصل إلى زعامة الحزب الأبرز في بلاده، ثم يتولى رئاسة الحكومة مرتين، قبل أن يصبح أميناً عاماً لحلف شمال الأطلسي «ناتو» وتجدد ولايته في ذروة أخطر أزمة دولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لكن ستولتنبرغ «رضع» السياسة منذ نعومة أظفاره في البيت، حيث كان والداه من الناشطين التقدميين الملتزمين الدفاع عن قضايا التحرر الوطني. وكان يرى المناضلين الأفارقة يترددون على بيت العائلة آتين من أنغولا وموزمبيق وجنوب أفريقيا، بمن فيهم نيلسون مانديلا. ورغم أن ميوله الأكاديمية كانت بعيدة عن السياسة إذ دفعته إلى دراسة الرياضيات، انتهى به الأمر في صفوف حزب العمال النرويجي حيث راح يتدرج صعوداً إلى أن تولى زعامته قبل أن يرأس الحكومة النرويجية لولايتين متتاليتين.
إبان رئاسة ستولتنبرغ للحكومة هزت النرويج أفظع حادثة إرهابية في تاريخها السياسي. ففي العام 2011 سقط 77 قتيلاً معظمهم من الشباب الذين كانوا يشاركون في مخيم صيفي للحزب الاشتراكي في جزيرة أوتويا، التي اعتاد أن يمضي فصل الصيف فيها مع عائلته. ويقول ستولتنبرغ في إحدى مقابلاته أن تلك كانت أكبر الصدمات التي واجهته في بلد ليس معتاداً على أعمال العنف، ودفعته إلى إعادة النظر في كثير من المواقف التي كان يدافع عنها.
وفي العام 2014 تولى منصب الأمين العام لأكبر حلف دفاعي في العالم يعيش تحت مظلته مليار شخص ويضم نصف الترسانة العسكرية الدولية. وعندما تزامنت ولايته مع وجود دونالد ترمب في البيت الأبيض مر الحلف بأصعب المراحل منذ تأسيسه، عندما شكك الرئيس الأميركي في مبررات وجوده خلال قمة العام 2018، ورغم ما يقال عنه إنه يسير بتوجيهات واشنطن وحسب رغباتها، فإنه حرص في تلك الأزمة على وحدة الدول الأعضاء، ولم ينتبه أحد خلال تلك القمة كيف كان محافظاً على هدوئه وتركيزه فيما كان والده على فراش الموت في أوسلو.
وبعدما أسفرت أزمة حلف شمال الأطلسي التي تفاقمت على عهد ترمب عن الانسحاب المهين من أفغانستان، بدأ الحديث عن أن المنظمة الدفاعية دخلت في «موت سريري» وأن أيامها أصبحت معدودة. بيد أن الحرب في أوروبا أعادت لها مهمتها التاريخية لاحتواء الرغبات التوسعية الروسية، وهذا بينما كان ستولتنبرغ يصل إلى نهاية ولايته ويقبل عرضاً من بلاده لرئاسة المصرف المركزي النرويجي... لكن الحرب في أوكرانيا دفعت بأعضاء الحلف إلى اقتراح تجديد ولايته، غير أنه اكتفى بقبول تمديدها حتى نهاية العام المقبل أملاً في أن تكون الحرب قد انتهت.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.