رئيسة الحكومة الفرنسية تعرض أمام البرلمان نهجها للحكم

مفاجأة إليزابيث بورن إعادة تأميم شركة كهرباء فرنسا... والمعارضة تهاجمها بعنف

إليزابيث بورن متحدثة أمام البرلمان أمس (أ.ف.ب)
إليزابيث بورن متحدثة أمام البرلمان أمس (أ.ف.ب)
TT

رئيسة الحكومة الفرنسية تعرض أمام البرلمان نهجها للحكم

إليزابيث بورن متحدثة أمام البرلمان أمس (أ.ف.ب)
إليزابيث بورن متحدثة أمام البرلمان أمس (أ.ف.ب)

أولاً المنهج، وثانياً البرنامج: هكذا يمكن توصيف أسلوب رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيث بورن، التي مثلت، لأول مرة منذ تشكيلها، حكومتها الثانية، بعد ظهر أمس أمام الجمعية الوطنية، ولاحقاً مساء أمام مجلس الشيوخ، لعرض السياسة العامة لحكومتها وخططها الرئيسية للأشهر وربما للسنوات القادمة، وذلك على وقع أزمات اقتصادية واجتماعية ومالية. ولأن بورن تفتقر للأكثرية المطلقة في البرلمان، فقد كان عليها أن تطرح تصورها وطريقة عملها مع البرلمان الجديد، بعد أن فشلت جهود رأسَي السلطة التنفيذية في اجتذاب نواب من اليمين أو من اليسار لبلوغ الأكثرية المطلقة. من هنا حرصها، منذ بداية كلمتها، على تأكيد أن «الأكثرية النسبية لا تعني (اليوم) ولن تعني أبداً أنها عنوان للعجز». وذكَّرت بورن بأن «الحياة السياسية في فرنسا كانت تعني، لفترات طويلة، وجود كتلتين متواجهتين؛ لكن حان الوقت لنلج الزمن الذي تعمل فيه القوى التي تبني يداً بيد». ولأنها عجزت كما ماكرون، في اجتذاب نواب من هذا الفريق أو ذاك لتشكيل تحالف أو ائتلاف حكومي، فإن ما بقي بمتناول يديها السعي لتوفير الأكثرية المطلوبة لكل مشروع قرار على حدة. وقالت للنواب ما حرفيته: «أنا فخورة ومتحمسة أن أباشر العمل معكم في العمق وتطارح الأفكار، مشروعاً وراء مشروع، وذلك في خدمة الفرنسيين. وسنقوم بصدد كل مادة بمشاورات مكثفة، ونتناول كل نص بروح منفتحة على الحوار والانفتاح والرغبة في التوصل إلى تسويات».
هذا الطرح جديد على البرلمان؛ حيث كان البرلمان السابق في قبضة أكثرية ساحقة تفرض إرادتها ومشاريع قراراتها فرضاً. ولم يخطئ من اعتبر أن السلطة انتقلت، في الشأن التشريعي والقانوني، من القصر الرئاسي إلى تحت قبة البرلمان القادر على التصويت لصالح الحكومة أو ضدها. وستكون التجربة الأولى يوم َ18 الجاري، عندما تبدأ مناقشة مشروع القرار الخاص بالتصدي لغلاء المعيشة، وذلك على وقع إضرابات انطلقت، وأخرى مقررة في عديد من القطاعات، بسبب التضخم الذي بلغ ما يجاور الستة في المائة، حتى نهاية يونيو (حزيران).
بيد أن اللغة الجديدة لرئيسة الحكومة لم تكن كافية لإقناع تحالف اليسار الذي يعد 150 نائباً للتراجع عن طلب التصويت على طرح الثقة بها وبحكومتها.
وتجدر الإشارة إلى أن بورن امتنعت عن طلب التصويت، وهو ما يتيحه لها الدستور محتذية بذلك خطى عشرة رؤساء حكومات في العهود المتعاقبة الذين حكموا من غير طرح الثقة. إلا أن تحالف اليسار اعتبر تصرفاً كهذا تهرباً من المسؤولية واحتقاراً للناخبين، ما دفعهم إلى أن يطلبوا بأنفسهم التصويت على الثقة. لكن بورن تستفيد من انقسامات المعارضة؛ إذ يرفض اليمين بجناحيه، الكلاسيكي المعتدل والمتطرف، الانضمام إلى اليسار، ما سيمكن الحكومة ورئيستها من النجاة من السقوط في اختبار التصويت يوم الجمعة القادم.
ولا شك أن الحكومة ستلعب على انقسام المعارضة، الأمر الذي تأمل منه أن يمكنها من تمرير مشاريع القوانين رغم تمتعها فقط بالأكثرية النسبية. لكن حقيقة الأمر أن بورن ستسلك درباً مليئاً بالأشواك، ليس فقط بسبب افتقادها للأكثرية المطلقة؛ بل بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة. وثمة عناوين عديدة لهذا التدهور الذي يفضي إلى تململ اجتماعي وانطلاق حركة إضرابات عبر البلاد وفي عدة قطاعات. والأول من العناوين: التضخم الذي لم تشهده فرنسا منذ أربعين عاماً، والذي يصيب القدرة الشرائية للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة. وعنوانه الثاني: ارتفاع الأسعار الكبير الذي يصيب القطاعات الغذائية والتحويلية والصناعية والخدماتية، وعلى رأس ذلك أسعار الطاقة المستهلكة، أكانت الكهرباء أو المشتقات النفطية وعلى رأسها البنزين. من هنا، فإن أول مشروع قانون ستقدمه بورن إلى البرلمان في 18 الجاري، يتناول حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تخفيف عبء الغلاء عن المواطنين. ولذا، فقد اعتبرت أن مهمة حكومتها في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وعودة جائحة «كوفيد» ومتحوراتها إلى الانتشار على نطاق واسع (200 ألف إصابة أول من أمس)، وما ينتج عنها من تبعات على كافة الأصعدة، متعددة؛ إذ عليها حماية الفرنسيين، والدفاع عن الجمهورية، وحماية البيئة، والمحافظة على وحدة المجتمع.
يحتل مشروع مواجهة الغلاء وتبعاته رأس لائحة برنامج عمل الحكومة، وفق ما أكدته بورن. ومنذ ما قبل حلول موعد 18 الجاري، دعت رئيسة الحكومة إلى إيجاد «تسويات»، والعمل معاً للعثور على «حلول وسط» بين المشروع المطروح ومطالب التعديل التي ستطالب بها المعارضة، والتوصل إلى بناء الأكثرية المطلوبة حول كل مشروع قرار على حدة.
ومن أبرز ما جاء في لائحة مشاريعها: رغبة الحكومة في إعادة تأميم شركة كهرباء فرنسا تماماً وكلية، وهو ما تعتبره ضمانة لتمكنها من أن تعزز إمكانياتها وتنفذ مشاريعها الطموحة والضرورية في أقرب الآجال، من أجل مستقبل الطاقة في فرنسا. لكن المرجح أن الرغبة الحكومية تنطلق من الحرص على احتواء ارتفاع أسعار التيار الكهربائي، وتلافي الاحتجاجات الاجتماعية، والخوف من اندلاع ما يشبه «السترات الصفراء» التي كادت أن تطيح بالحكومة والعهد في 2019 و2020.
تمثل محاربة البطالة الأولوية الثانية للحكومة الجديدة التي تعتبر -وفق بورن- أن التخلص منها «في متناول اليد» باعتبار أن نسبتها هبطت إلى حوالي 7.3 في المائة، بعد أن كانت تحلق فوق 10 في المائة لسنوات. وشغلت بورن حقيبة العمل سابقاً، ولذا فإنها تعرف تفاصيل هذه المسألة عن ظهر قلب. لكن الإشكاليتين السابقتين لا تجعلان رئيسة الحكومة تنسى التحدي البيئوي الذي اعتبرت أنه يتطلب «استجابة جذرية وطارئة»، ما يعني إعادة النظر في أشكال الإنتاج والتنقل والسكن والاستهلاك. ووعدت بورن بإطلاق حملة تشاورية موسعة بدءاً من شهر سبتمبر (أيلول) القادم، للخلوص إلى بلورة مشروع رئيسي توجيهي يتناول البيئة والطاقة معاً.
في برنامج ماكرون الانتخابي، ورد التزام بإصلاح قانون التقاعد يرمي إلى رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً (مقابل 63 عاماً حالياً). ونظراً للعداء الذي واجهه، اعتبر كثيرون أنه كان سبباً في تراجع شعبيته وخسارته الأكثرية المطلقة. وكان السؤال المطروح قبل جلسة الأمس النيابية: هل ما زال مشروع ماكرون وارداً أم تم التخلي عنه؟ وجاء الجواب على لسان رئيسة الحكومة التي قالت إنه «يتعين على الفرنسيين أن يعملوا تدريجياً لفترات أطول» معتبرة أن فرنسا بحاجة إلى إعادة النظر في قانون التقاعد. بيد أن بورن رفضت الدخول في التفاصيل والأرقام، واكتفت بتقديم وعد القيام بالتشاور والتنسيق مع الشركاء الاجتماعيين (النقابات) ومع المجموعات البرلمانية.
وواجهت بورن انتقادات عنيفة من المعارضة؛ خصوصاً جناحيها المتشددين يميناً ويساراً. وقالت مارين لوبان إن تعيين بورن يعد «استفزازاً سياسياً»؛ لأن ماكرون لم يأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات التشريعية التي خسرها معسكره. وربطت لوبان تصرف كتلتها النيابية بأداء بورن، وبمدى أخذها بعين الاعتبار أولويات المجموعة وتعديلاتها، مهددة إياها بمواقف بالغة التشدد في حال التجاهل أو الاستعلاء. وهاجمت لوبان الرئيس ماكرون وما تعتبره دعاية سياسية، من خلال بث مقاطع فيديو على طريقة «نتفليكس» تبينه على أنه «منقذ العالم».
أما رئيسة مجموعة «فرنسا المتمردة» ماتيلد بانو، فقد أخذت على بورن «تهربها» من التصويت على الثقة، و«دوسها على تصويت الناخبين»، فضلاً عن تواطئها مع اليمين المتطرف. وأكدت أن مجموعتها «ستقوم بما انتدبت من أجله، أي أن تكون قوة معارضة».
ومن جانبه، اعتبر أوليفيه مارليكس، رئيس مجموعة نواب «الجمهوريون»، أنه لن «يتواطأ» مع الأكثرية النسبية؛ لكنه لن يعمد إلى تعطيل عمل الجمعية الوطنية، مع الإشارة إلى استعداد مجموعته للموافقة على عدد من النصوص التي تذهب في اتجاه تعزيز القدرة الشرائية، عن طريق العمل وإعادة بناء الآلة الصناعية، ومعاقبة المخلين بالأمن، وتعزيز النظام الصحي. وحث مارليكس رئيسة الحكومة على إطلاق إصلاحات عميقة، والتحلي بالشجاعة لخفض الإنفاق الحكومي، والتخلي عن رؤية توفير التمويل السهل (الذي يعني به الاستدانة).


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».